المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(6)


مصطفى شعبان
02-28-2016, 02:47 PM
بين أبي علي الفارسي وسيبويه
ظُرُوفُ الزَّمَانِ وتَمكُّنُها في الاسْمِيَّةِ
ذهب سيبويه في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول (الفعل المتعدي إلى مفعول) إلى أن ظرف الزمان أقوى في باب الظرفية من المكان وأنه أقرب إلى الفعل ، وأن ظرف المكان أقرب إلى الاسمية من الزمان ، وهاك نصَّ سيبويه:
قال : «وإنما جُعل في الزمان أقوى؛ لأن الفعل بُني لما مضى منه وما لم يمض ، ففيه بيان الفعل متى وقع، كما أن فيه بيان أنه قد وقع المصدرُ وهو الحدثُ، والأماكن لم يُبن لها فعل، وليست الأماكن بمصادر أُخذ منها الأمثلةُ، فالأماكن إلى الأناسيِّ ونحوِهم أقربُ ، ألا ترى أنهم يختصونها بأسماءٍ كزيدٍ وعمرٍو في قولهم: (مكةُ) و (عُمانُ) ونحوهما ، ويكون فيها خلق لا تكون لكل مكان ولا فيه؛ كالجبل والوادي والبحر والدهر ليس كذلك والأماكن لها جُثَّةٌ ، وإنما الدهر مُضِيُّ الليل والنهار، فهو إلى الفعل أقرب». ( 1)
أما بخصوص قوة الزمان في الظرفية؛ فلأن «جميع الأفعال تتعدى إلى كل ضَرْبٍ منه معرفةً كان أو نكرةً، وذلك أن الأفعالَ صِيْغَتْ من المصادر بأقسام الأزمنة».( 2)
قال الرماني: «والظرف من الزمان يصلح في كل ضرب منه، فأما المكان فلا يصح في كل ضرب منه أن يكون ظرفًا ، وإنما الظرف من المكان هو المبهم الذي ليس له حدود تحصـره؛ لأن الفعل أدلُّ على الزمان منه على المكان ، إذ كان لا يخلو منه، وقد قُسِّم لفظه بأقسام الزمان وهو أشبه به من المكان، فهذه ثلاثة أوجه يقارب بها الزمان، وإنما كان أشبه بالزمان؛ لأنه لا يبقى الزمان، إذ هو مرور الليل والنهار كما لا يبقى الحادث على صفة الحادث ؛ إذ لا يكون حادثًا إلا وقتًا واحدًا ثم يسقط منه اسم حادث، ويكون حينئذ باقيًا إن كان مما يبقى ، وإنما هو حادث في الوقت الأول في الحقيقة، وليس بحادث في الثاني فمن هنا أشبه الزمان ، وأما المكان فله صورة وخِلقةٌ ، فهو بالأنَاسِيِّ أشبه منه بالفعل».( 3)
وأما بخصوص قرب المكان إلى الاسمية من الزمان؛ «فلأنهم يلقبون الأماكن ولا يلقبون الأيام لقبًا ينفرد به يوم بعينه من بين سائر الأيام كما انفردت مكة عن سائر المدن بهذا الاسم، ويوم السبت والجمعة ونحوه لكل يوم وقع في الأسبوع ذلك الموقع، وإنما أراد سيبويه قوة ظروف الزمان وشدة إبهامها».( 4)
كما أن «الأماكن فيها خِلَقٌ ثابتة مختلفة كاختلاف الناس وثباتهم وهي جثث كما أن الناس جثث، والدهر جزء منه يبقى ولا يثبت، وليس فيه خِلَقٌ مختلفة، وإنما هو الليل والنهار يتكرران ويعودان بساعاتهما ويقرب من الفعل بأشد من قرب المكان..».( 5)
هذا ما استقر عليه رأي سيبويه في هذا الموضع من كتابه، بيد أنه أتى بنصٍّ في موضع آخر من كتابه يوهِمُ ظاهرُه التعارضَ والتناقضَ، وبناءً على ذلك اعترض عليه من اعترض .
قال سيبويه في باب «ما شُبِّهَ مِنَ الأماكنِ المختصَّةِ بالمكانِ غيرِ المختصِّ»: «واعلم أن ظروف الدهر أشدُّ تمكنًا في الأسماء ؛ لأنها تكون فاعلة ومفعولة تقول: (أهلكَكَ الليلُ والنهارُ) و(استوفيتَ أيامَكَ) فأُجْرِيَ الدهرُ هذا المجرى، فأجْرِ الأشياءَ كما أجْرَوْهَا».( 6)
وقد جرى أبو علي في هذه القضية على سَنَن أبي العباس المبرد في تغليط سيبويه في هذا، وزاد متهمًا إياه بالسَّهوِ، والحق أن الغلط ألحَقُ بهما فيما قرراه من سيبويه كما سيظهر.
قال أبو علي الفارسي: «قال أبو العباس: ليست ظروف الزمان أشدَّ تمكنًا في الأسماء، بل هي أبعد من الأسماء من الظروف المكانية، وذلك أن الظرف ظرفان؛ ظرف مكاني وظرف زماني ، فالفعل يدل بصيغته على الظرف الزماني ،فهذا الظرف أقعد في الظرفية من الضـرب الآخر ،وأبعد من الاسمية منه ، وعلى هذا عقد سيبويه في أول الكتاب ، ولكنه سها في هذا الموضع».(7 )
ومن خلال الموازنة بين نصَّي سيبويه في القضية وبحث مقصده فيهما يتبين أنه ليس ثم تعارض بين مراده في النص الأول ومراده في النص الآخر، لاسيما وقد تتبع أبا العباس المبرد في تخطئته لسيبويه كلٌّ من ابن ولاد والسيرافي .
وفي محاولته كي يثبت أن ظروف المكان أوقع وأقرب للاسمية من الزمان يذهب المبرد إلى أن ظروف الزمان كما تكون فاعلة ومفعولة ، فإن الأمكنة كذلك ، تقول : (أنصبكَ الطريقُ) ،و (بعدُ عليك الفرسخانِ)، و(سرتُ المِيْلَينِ) ، ولكن الأمكنة أولى بأن تكون فاعلة ومفعولة ؛ لأنها جثث كالناس.( 8)
أما بخصوص الشق الأول من كلامه وهو (أن الأمكنة كذلك) فيرد عليه ابن ولاد قائلًا: «أما قوله: (إن الأمكنة كذلك) فليس هذا الذي ذكر يعم جميع الأمكنة؛ لأن منها ما لا يستعمل إلا ظرفًا، إلا في الشعر أو ضعيف من الكلام ، وأسماء الزمان ليست كذلك؛ لأنها تستعمل أسماء كثيرًا وليس منها ما يلزم الظرف كما ألزموا الأمكنة ، فلذلك جعلها سيبويه أشد تمكنًا».
وأما بخصوص الشق الثاني وهو (أن الأمكنة أولى بأن تكون فاعلة ومفعولة لأنها جثث)، فيقول ابن ولاد ردًّا عليه : «فهذا كلام ضعيف؛ لأنه إن كان أراد بقوله: (أولَى) أنها أولى في كلام العرب فلم توجد في كلام العرب كذلك، وإن كان أراد بها أولى في القياس ،فأيُّ قياس يوجب هذا لها دون غيرها؟ وقد يكون الفاعل والمفعول جثة وغير جثة، وليست الجثة مخصوصة بذلك دون غيرها من الأسماء التي ليست بجُثَثٍ نحو القيام والقعود ،إذا قلت: رأيتُ قيامَكَ حسنًا ، وأعْجَبني قيامُكَ ،وكذلك أعْجَبني عقلُكَ، وليست هذه جثثًا».(9 )
ومِنْ خلال تناول ابن ولاد لكلام المبرد يتبين أن اعتراض أبي علي الفارسي على سيبويه في هذه القضية جاء عَرِيًّا من التثبت والاستدلال .
وقد صَوَّبَ أبو إسحاق الزجاج سيبويه في تقريره الثاني ، فقال : «أصاب؛ لأن ظروف الزمان يقل فيها ما لا يتمكن ، ألا ترى أن «سَحَرَ» إذا نُكِّرَ تمكَّنَ».(10 )
وضُعِّف ردُّ الزجاج هذا على المبرد ؛ «لأن في ظروف الزمان : قبل وبعد ونحوها مما لا يتمكن أكثر مما في ظروف المكان».( 11)
ويقول أبو سعيد السيرافي مفندًا قول المبرد: «كان المبرد يخطِّئُ سيبويه في هذا؛ لأنه ذكر في أول الكتاب : أن ظروف المكان أقرب إلى الأناسي؛ لأن لها جُثثًا وأسماء تُعرف بها كما تُعرف الأناسيُّ تقول: (خلفُك واسِعٌ) ،و (مَكانُكَ أحبُّ إلىَّ مِنْ مَكانِ زيدٍ) ».( 12)
ثم قال : «وردُّ أبي العباس على سيبويه ضعيفٌ؛ لأن ظروف الزمان أقوى في الاسمية، وذاك أن الفعل لفظ مبنيٌّ على الزمان الماضي وغيره، كما أنه مبني من لفظ حروف المصادر وليس كذلك المكان، فأسماء الزمان بمنزلة المصادر ، والمصادر متمكنة كسائر الأسماء في وقوع الفعل منها وبها ، والزمان شبيهُها، ويدل على هذا أنه يكثر في كلام العرب العبارة عن الزمان بألفاظ المصدر، والخبر عن المصادر بألفاظ الزمان حتى كأنهما شيء واحد؛ تقول: آتيك صلاةَ العصر ، ومقدمَ الحاجِّ ، فتعبر عن الزمان بلفظ المصدر، وتقول: قيامُك يوم الخميس، ورحيلنا يوم الجمعة، فتخبر عن المصادر بألفاظ الزمان، قال الله تعالى: ((غدوها شهر ورواحها شهر))(13) ، وهذا كثير مطرد، وليس للمكان هذا».( 14)
وبخصوص التوفيق بين نصي سيبويه في المسألة يقول ابن ولاد :
«وأما قول سيبويه: إن الأماكن إلى الناس وغيرهم أقربُ، فلم يذكر ذلك المعنى الذي ذهب إليه محمد بن يزيد، وإنما زعم أن الأزمنةَ أقربُ إلى الفعلِ؛ لأنها ماضية ومستقبلة والأماكن ليست كذلك، فلهذا ذكره، ولم يجب بذلك أن تكون الأمكنة أشدَّ تمكُّنًا في الأسماء من الأزمنة ، بل الأزمنةُ أمكنُ؛ لأنها لم تُستعمَلْ ظُروفًا غير أسماء، والأمكنة قد استُعمل منها ظروفٌ غيرُ أسماءٍ، وهذا ما ذهب إليه سيبويه».(15 )
ويتفق أبو سعيد السيرافي مع ابن ولاد في هذا التوفيق قائلًا :
«وعلى أن اللفظ العام لظروف الزمان هو: الوقت والزمان والدهر، وكل واحد متمكن، ثم ينقسم هذا إلى الليل والنهار ، وهما متمكنان قويان في التمكُّن، ثم ينقسمان إلى الساعات، وهي قويةُ التمكُّنِ، وليس كذلك المكان؛ لأن الاسم العام له هو المكان، ثم ينقسم إلى الجهات الست نحو: خَلفٍ وقُدَّامٍ، ونحوهما، وهي ضعيفة التمكن، فأما ما حكاه المبرد من كلام سيبويه أن ظروف المكان أقرب إلى الأناسي لا تكون ظروفًا ، وجميع ألفاظ الزمان تكون ظرفًا، وجملة الزمان أنه إذا استعمل ظرفًا قَوِيَ في الظرفية، فإذا استُعمِلَ اسْمًا قَوِيَ في الاسْمِيَّةِ».( 16)
يقصد أبو سعيد بعبارته الأخيرة: أن جهة قرب ظروف المكان إلى الأناسي ونحوها من حيث إن في الأماكن ما لا يكون ظرفًا ، كما أن الأناسي لا تكون ظروفًا، وجميع ألفاظ الزمان تكون ظروفًا وإن استُعمِلتْ أسماءً ( 17) ، وهذا - في نظر البحث – هو مراد سيبويه وبه يندفع التعارض، ويردُّ اعتراض المبرد والفارسي عليه .
__________________________________
( 1) الكتاب 1/16 بولاق ،1/36 هارون .
(2 ) الأصول لابن السراج 1/190، المقتضب 3/176، أسرار العربية لأبي البركات بن الأنباري 178، اللباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء العكبري 1/272 .
( 3) شرح الرماني 1/184-185 .
(4 ) شرح السيرافي 2/299 .
( 5) السابق 2/300 .
( 6) الكتاب 1/208 بولاق ،1/419 هارون.
(7 ) التعليقة 1/217 .
( 8) المقتضب 4/329، الانتصار 114 .
(9 ) الانتصار 115 .
(10 ) شرح السيرافي 2/308، النكت على سيبويه 2/22 .
( 11) شرح السيرافي 2/308، النكت 2/22 .
(12 ) شرح السيرافي 2/308 .
(13 ) [سورة سبأ: 12].
( 14) شرح السيرافي 2/309 .
(15 ) الانتصار 115 .
(16 ) شرح السيرافي 2/309 .
( 17) النكت على سيبويه 2/22 .