مصطفى شعبان
03-06-2016, 09:25 AM
تعليم العربيّة للناطقين بغيرها
مُشكلات وحلول
الجامعة الأردنية نموذجا
ارتأينا أن يتكئ منهجنا في هذا البحث على الملاحظة والتجريب المباشر والاحتكاك المستمر مع طلبة شعبة اللغة العربية للناطقين بغيرها، في مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ولعل الدّافع الأساس الذي كان وراء كتابة هذا البحث هو تلك المحاورات التي استثمرت في دورات أساليب تعليم اللغة العربية للنلطقين بغيرها، التي داب مركز اللغات على عقدها كلّ فصل دراسي حتى يعمم خبراته وإنجازاته. وقد تعوّدنا أن نقدّم لهؤلاء المشتركين من المدرسين والمدرّسات عصارة خبراتنا وتجاربنا في المركز القائمة على أسس عملية، عدا عن دراساتنا النظرية المعمقة في هذا الحقل، التي اكتسبناها أيّام التحصيل العلمي وبعده، ولّما كان حرصهم بالغاً في الحصول على هذه الملاحظات والتجارب والرؤى مكتوبة تبادر إلى أذهاننا تضمينها في هذا البحث.
يحاول المشتغلون بتعليم اللغات الحيّة دائماً البحث عن أيسر الطرق وأسهلها لإيصال أهدافهم اللغوية في أسرع وقت ممكن، لذلك فإنّ أيّ شيء يقف في طريقهم يعدّونه مشكلة حتى يجدوا له حلاّ، والفارق هنا بين تعليم العربية لغير أهلها وبين تعليم اللغات الأخرى، أنّ اللغات الأخرى قد عُكف على دراستها منذ عشرات السنين، سواء أكانَ ذلك بدوافعهم الشخصية أم بدعم من حكومات بلادهم، وقّدمت حولها أبحاث ومؤتمرات وندوات يصعب على المرء المتخصص حصر أسمائها، بينما ما زلنا في الخطوات الأولى في تعليم العربية للناطقين بغيرها.
ومِن الطّبيعي أن يواجه المهتمون بتعليم اللغة العربيّة للناطقين بغيرها عقباتٍ جمّة، فَمِن خلال خبرتنا وتجربتنا المنبثقة من ميدان تعليم العربية للناطقين ِبها في مركز اللغات التابع للجامعة الأردنية، يمكننا إجمال هذه العقبات في دوائر أربع، تتفرع إلى حلقاتٍ كالتالي:
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
*محاضر – الجامعة الأردنية.
**أستاذ مساعد – الجامعة الأردنيّة.
أولاّ: الإشْكاليّات التي تعود إلى اللغة العربيّة نفسها، فالمشتغلون باللسانيّات العربيّة خاصّة اللغويّات التّطبيقيّة، طرقوا أبواباً عديدة مِن الصّعوبات التي وصفوها بالكؤود، فمنذ قرون طويلة وهم يحاولون التيسير والتّسهيل، منذ محاولات ابن مضاء القرطبي مروراً باجتهادات الدكتور نهاد الموسى إلى محاولات الدكتور شوقي ضيف وغيرهم، ويعترف علماء اللسانيات العربية في شتى البلاد العربية بأن عملية تعليم العربية يواجه مشكلاتٍ كثيرة وصعوبات جمّة؛ لذلك نجدهم عاكفين على محاولات تيسير عملية تعليم العربية، فإذا كانَ هذا حالهم مع أبناء العربيّة، فِمن الطبيعي أن نواجه مشكلاتٍ أكبر أو أكثر تعقيداً عند متعلمي العربية من الناطقين بغيرها، وإن اختلفت في طبيعتها ودرجة صعوبتها.
ثانياً: الإشْكاليّات التي تتعلق بعمليّة التعلّم والتعليم في حدّ ذاتِهما، وقد قام علماء اللغة والتربية، وعلماء علم اللغة النفسي والاجتماعي وغيرهم بدراسة الظاهرة اللغوية من أجل الوصول إلى أيسر الطرق في تعليم العربيّة. وتتمثل عمليّة التعلّم والتعليم في أربعة أوجه: الأهداف، وطرق التّدريس، والمناهج التعليميّة، وطرائق التّقويم.
ثالِثاً: الإشْكاليّات التي ترتبطُ بدارسي اللغة العربيّة أنفسهم، إذ يمتلكون أنظمة لغوية لها خصائصها الصّوتية، والنّحوية، والصرفيّة، والدّلاليّة، والتّركيبيّة تنماز بها، وهذا أمر طبيعي نظراً لاختلاف الجنسيات ومسالكهم اللغوية واللهجيّة، مما أدى إلى تنوّعٍ في تأدية اللغات الإنسانيّة، وفوق ذلك كلّه المميزات الإنسانيّة والشّخصية لدى كلّ دارس أثرٌ واضح في حدوث هذا التباين.
رابِعاً: إشْكاليّة وجود المدرّس المتخصص الذي يتمتّع بصفات تؤهّله للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه.
إشْكاليّات تعليم اللغة العربية للناطقين بها
تناولت كتب اللغة منذ القرن الثاني للهجرة مسائل العربية بالجمع والتحليل والدراسة، مبديةً مواطِنَ سهولتها وصعوبتها، من خلال تقعيدها وتوصيفها بمناهج وطرائق مختلفة، واستمرّ الأمر في دراسة هذه الصعوبات أو الظواهر اللغوية المائزة للغة العربيّة حتى عصرنا الحاضر، إذ أفرزت لمهارات اللغة العربيّة مصنّفاتٍ لغوية خاصّة تتحدّث عن المهارات اللغوية الأربع: الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة، وعن عناصر مكونات اللغة العربية: الأصوات والنحو والصرف، والدّلالة، وقد عكف بعض العلماء في شتى بقاع البلاد العربية لهذا الموضوع، ولمّا كان موضوع هذا البحث التطرق لصعوبات العربية للناطقين بغيرها، فسنكتفي بعرض أبرز تلك الصعوبات، وهي:
- نظرية العامل ومناداة العلماء اللغويين القدامى منهم والمحدثين بإلغائها، ورفض القياس والعلل النحوية، وتقديم النحو بعيداً عن مواطن الخلاف والأقوال المتعدّدة.
- مسألة الازدواجيّة اللغوية (الفصحى والعاميّة) وأثرها في الحياة العملية والعلميّة، وإشكالاتها في تعليم العربية على مستويين مختلفين.
- مظاهر تقعيد اللغة العربية الفصحى بقوانين نحويّة وصرفيّة أكثر ما تهمّ المتخصصون وليس الطّلاب.
- ظاهرة الكتابة العربية وخلوّها من الحروف المصوتة (الحركات).
- قضيّة الإملاء العربي وتنوعاته في كتابة الهمزة المتطرفة والمتوسطة.
- ظاهرة الأصوات المنطوقة وغير المكتوبة في الأسماء والأفعال.
- نظام الإعراب وأثره في البناء التركيبي العربي.
- إشكاليّة المعجم العربي والمعجميّة، وأثر خلوّ السّاحة العربيّة من المعاجم التّاريخية المناسبة لتعليم العربيّة .
- ظاهرة عدم قدرة اللغة العربية عن الوفاء بمتطلبات التقدّم العلمي اللغوية.
- مسألة القدرة على التعبير الكتابي لدى الطّلبة العرب التي توصف – أحياناً – بالضّعف نظراً لقلّة الثروة المفرداتيّة لديهم.
- الاتجاه الفلسفي والعقلي، واتباع مناهج المتكلمين والفقهاء في دراسة النحو وتقديمه.
- ظهور الدلالات المستحدثة لبعض المفردات العربية، غير المثبتة في المعاجم العربيّة (قضيّة المعنى والدّلالة).
- وإشكاليّات أخرى تخرج عن نطاق هذا البحث (1).
إشْكاليّات تعليم العربية للناطقين بغيرها
ينتمي معظم منتسبي مركز اللغات في الجامعة الأردنية إلى جنسيات عدّة، لكنّ الناظم الجامع بينهم إتقان اللغة الإنجليزية لكونهم قادمين – في الغالب – من بلدانٍ ناطقة أصلاً باللغة الإنجليزية بوصفها اللغة الأم، وهذا ما جَعَل الإنجليزية لغة وسيطة في العملية التعليمية بينَ المدرس والطالب – خاصة في المستويات المبتدئة – باستثناء عدد غير كثير ممن لديهم المعرفة قليلة باللغة الإنجليزية وبشكل خاص الذين يأتون من بلادٍ ليست الإنجليزية لغة الأم، ومع إطلالة كلّ فصل دراسي نحاول وضع الصعوبات المتوقعة من خلال خبراتنا السابقة فضلاً عن الاعتماد على بعض البيانات المتعلقة بالطلبة الدارسين في لمركز.
وأولى تلك القضايا التي قد تشكلّ صعوبة للدراسين، مسألة الأصوات العربيّة، إذ لا بدّ من معرفة أنّ هذه الأصوات بالنسبة للدراسين يمكن تقسيمها إلى أقسام ثلاثة من حيث السهولة والصعوبة:
المجموعة الأولى: وهي مجموعة الأصوات المشتركة مع لغات الطّلبة وخاصة مع اللغة الإنجليزية، لذلك لا نتوقع أيّة صعوبة تذكر، إذا ما استطعنا تقديمها بصورة منطقية مناسبة، ومن خلال تدريبات لغوية مدروسة، وتتمثل تلك الأصوات في : ب / ت / ج / د / ر / ز / س / ش / ف / ك / ل / م / ن / و / ي / .
المجموعة الثانية: إنَّ أصوات هذه المجموعة في الغالب ليست في مخارج لغات الدراسين الصوتية، لكن هناك ما يقاربها في المخرج والصوت، وكلّ ما تحتاجه هذه الأصوات تقديمها بعناية كبيرة وتركيز شديد، فضلاً عن الاعتماد الهائل على التدريبات المكثفة، والتعزيز، وتتمثل هذه الأصوات في: / أ / ث / خ / ذ / ط / ظ / ص / ض / غ / .
المجموعة الثالثة: تستحق هذه الفئة من الأصوات أن نطلق عليها إشكالاً في تعليم العربية، ويُلحظُ فيها مدى صعوبة تعلّم بعض الطلبة لبعض هذه الأصوات التي توصف - أحيانا – بأنها تمثّل مشكلة لغويّة لديهم، وتتمثل هذه الأصوات في: / ح / ع / ق / هـ / .
ويتخلّلُ هذه المسألة بعضاً من المظاهر الصوتية التي قد تؤدّي إلى نفور بعض متعلمي العربيّة لما تتطلّبه من جهدٍ لغوي كبير من الطالب والمدرس في الوقتِ نفسه، ويمكن إجمال هذه المظاهر بما يلي:
أولاً: ظاهرة الصّوائت القصيرة والطويلة، وتتمثل هذه الصعوبة في عدم القدرة أحياناً على التمييز بين صائت الفتحة بالمقارنة مع ألف المد، أو الضّمة مع واو المدّ، أو الكسرة مع ياء المدّ.
ثانياً: امتازت اللغة العربية بظاهرة التنوين عن بقيّة لغات العالم، ولذلك فإنّ تفرّد العربية بهذه الظاهرة يحتاجُ إلى وقتٍ طويلٍ حتى يتمكّن الطالب من إتقانها، بالإضافة إلى تماثلهما الكتابي مع حرف النون ونطقها مما يزيد من صعوبة تعلّمها لدى المتعلّم الأجنبي.
ثالثاً: ظاهرة التشابه الصوتي بينَ صوت الألف الممدودة والمقصورة، إذ إنّ صوتيهما متقاربان من بعضهما البعض، فيصعبُ على الدارس الأجنبي التمييز بينهما أحياناً.
رابعاً: ظاهرة تعدّد تأدية الأصوات (تفخيمها، ترقيقها، تسهيلها، تخفيفها) التي ينتج عنها خلط لدى الدارسين بين الصوت المنطوق وشكله المكتوب، سواءً أكانَ ذلك بسبب طريقة الأداء اللغوي المتأثرة باللهجة، أم اقتران ذلك الصوت بالضّمة، أو مجاورته لصوت مفخّم.
خامِساً: ظاهرة اختلاف بعض الأصوات نطقاً وكتابةً، وتمثّل التاء مع الهاء هذه الظاهرة، بالإضافة إلى مسألة التّاء المفتوحة وخلطها بالتّاء المربوطة.
سادساً: ظاهرة إلصاق "أل التّعريف" بنوعيها: الشمسية والقمريّة، والنّطق باللام وعدم النّطق بها، حيث تعدّ من صلب الإشكالات الصوتية التي يواجهها متعلمو العربية، خاصة في أدائها الصوتي في حالة بدء الجمل بها أو في حالة كونها في أواسط الجُمل، وتمثّل هذه الظاهرة اللغوية صعوبة لدى المتعلمين لسببين لغويين، هما:
- اشتراك النوعين بالشكل الكتابي (الرسم الإملائي).
- ارتباط نطق اللام بطبيعة الصوت الذي يأتي بعدها.
سابِعاً: ظاهرة تأدية صوت الهمزة المتعدّد، واختلاف العلماء في تحديد القاعدة الإملائية التي تحدد شكلها الكتابي؛ أدّيا إلى تعقيد المسألة، فبعض العلماء الصرفيين اعتمد حركة الهمزة ذاتها، وبعضهم الآخر رأى أنّ حركة ما قبل الهمزة هو المعيار في تحديد شكل كتابة الهمزة. ولذلك فإنّ على الطّالب في ظلّ هذه الحالة معرفة هاتين القاعدتين حتى يتمكن من إتقان كتابتها، وكما أنّ طرق التأدية النّطقيّة المتعدّدة لهذا الصوت، زادَ من صعوبة تعلّم هذا الصوت، فإنّ العربيّة الفصحى أوجدت مظاهر تحوّل له كثيرة، كما فعلت اللغة الدّارجة.
ثامِناً: همزتا الوصل والقطع وأداؤهما الصوتي، يُلحظ بوضوح ظهور هذه المشكلة لدى متعلّمي العربية. وهي مسألة صوتية في شكلها الخارجي، مع إغفال بعدها المعرفي ذي الجانب التركيبي للغة.
تاسِعاً: ونذكرُ أخيراً بعض الأصوات التي ترافق بعض الكلمات من غير تمثّلها كتابيّاً، نحو بعض أسماء الإشارة وغيرها.
كانت تلك هي بعض القضايا التي ألفناها وما زِلنا نتعايش معها في تعليم النظام الصوتي للغة العربية، وتجدر الإشارة، أننا قُمنا بعدّة محاولات تربويّة وتعليميّة تهدف إلى التعامل مع هذه القضايا بشكلٍ يؤدي إلى تقليل تبعاتها في العمليّة التعليميّة، وما زلنا نعقد دوراتٍ خاصّة بينَ الزملاء في المركز يحددون فيها القضايا ومن ثمّ يظهرون النتائج، ويعملون على إيجاد الحلول والطرق المناسبة للتعامل معها، ومن الخطوات الأخرى التي سَلكناها:
أولاً: يضمّ مركز اللغات بالجامعة الأردنية ستّة مستويات لغوية قابلة للتعديل زيادة ونقصاناً وفق الحاجة؛ ولذلك فإنّه يولي المستوى الأوّل من بينِ تلك المستويات عناية خاصّة، إذ قامَ المركز بتأليف مناهج خاصّة تتوافق وقدرات طلبة المستوى الأول، كما أنّه يضع مؤهلات خاصة لمدرس هذا المستوى، حيث يتطلب هذا المستوى من أن يكون لمدرسه معرفة تفصيليّة بالأصوات العربية مخرجاً وملمحاً مميزاً، حتى يجيد توصيل الصّوت العربي بطريقة مراعية للمخرج والصّفة المميزة.
مُشكلات وحلول
الجامعة الأردنية نموذجا
ارتأينا أن يتكئ منهجنا في هذا البحث على الملاحظة والتجريب المباشر والاحتكاك المستمر مع طلبة شعبة اللغة العربية للناطقين بغيرها، في مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ولعل الدّافع الأساس الذي كان وراء كتابة هذا البحث هو تلك المحاورات التي استثمرت في دورات أساليب تعليم اللغة العربية للنلطقين بغيرها، التي داب مركز اللغات على عقدها كلّ فصل دراسي حتى يعمم خبراته وإنجازاته. وقد تعوّدنا أن نقدّم لهؤلاء المشتركين من المدرسين والمدرّسات عصارة خبراتنا وتجاربنا في المركز القائمة على أسس عملية، عدا عن دراساتنا النظرية المعمقة في هذا الحقل، التي اكتسبناها أيّام التحصيل العلمي وبعده، ولّما كان حرصهم بالغاً في الحصول على هذه الملاحظات والتجارب والرؤى مكتوبة تبادر إلى أذهاننا تضمينها في هذا البحث.
يحاول المشتغلون بتعليم اللغات الحيّة دائماً البحث عن أيسر الطرق وأسهلها لإيصال أهدافهم اللغوية في أسرع وقت ممكن، لذلك فإنّ أيّ شيء يقف في طريقهم يعدّونه مشكلة حتى يجدوا له حلاّ، والفارق هنا بين تعليم العربية لغير أهلها وبين تعليم اللغات الأخرى، أنّ اللغات الأخرى قد عُكف على دراستها منذ عشرات السنين، سواء أكانَ ذلك بدوافعهم الشخصية أم بدعم من حكومات بلادهم، وقّدمت حولها أبحاث ومؤتمرات وندوات يصعب على المرء المتخصص حصر أسمائها، بينما ما زلنا في الخطوات الأولى في تعليم العربية للناطقين بغيرها.
ومِن الطّبيعي أن يواجه المهتمون بتعليم اللغة العربيّة للناطقين بغيرها عقباتٍ جمّة، فَمِن خلال خبرتنا وتجربتنا المنبثقة من ميدان تعليم العربية للناطقين ِبها في مركز اللغات التابع للجامعة الأردنية، يمكننا إجمال هذه العقبات في دوائر أربع، تتفرع إلى حلقاتٍ كالتالي:
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
*محاضر – الجامعة الأردنية.
**أستاذ مساعد – الجامعة الأردنيّة.
أولاّ: الإشْكاليّات التي تعود إلى اللغة العربيّة نفسها، فالمشتغلون باللسانيّات العربيّة خاصّة اللغويّات التّطبيقيّة، طرقوا أبواباً عديدة مِن الصّعوبات التي وصفوها بالكؤود، فمنذ قرون طويلة وهم يحاولون التيسير والتّسهيل، منذ محاولات ابن مضاء القرطبي مروراً باجتهادات الدكتور نهاد الموسى إلى محاولات الدكتور شوقي ضيف وغيرهم، ويعترف علماء اللسانيات العربية في شتى البلاد العربية بأن عملية تعليم العربية يواجه مشكلاتٍ كثيرة وصعوبات جمّة؛ لذلك نجدهم عاكفين على محاولات تيسير عملية تعليم العربية، فإذا كانَ هذا حالهم مع أبناء العربيّة، فِمن الطبيعي أن نواجه مشكلاتٍ أكبر أو أكثر تعقيداً عند متعلمي العربية من الناطقين بغيرها، وإن اختلفت في طبيعتها ودرجة صعوبتها.
ثانياً: الإشْكاليّات التي تتعلق بعمليّة التعلّم والتعليم في حدّ ذاتِهما، وقد قام علماء اللغة والتربية، وعلماء علم اللغة النفسي والاجتماعي وغيرهم بدراسة الظاهرة اللغوية من أجل الوصول إلى أيسر الطرق في تعليم العربيّة. وتتمثل عمليّة التعلّم والتعليم في أربعة أوجه: الأهداف، وطرق التّدريس، والمناهج التعليميّة، وطرائق التّقويم.
ثالِثاً: الإشْكاليّات التي ترتبطُ بدارسي اللغة العربيّة أنفسهم، إذ يمتلكون أنظمة لغوية لها خصائصها الصّوتية، والنّحوية، والصرفيّة، والدّلاليّة، والتّركيبيّة تنماز بها، وهذا أمر طبيعي نظراً لاختلاف الجنسيات ومسالكهم اللغوية واللهجيّة، مما أدى إلى تنوّعٍ في تأدية اللغات الإنسانيّة، وفوق ذلك كلّه المميزات الإنسانيّة والشّخصية لدى كلّ دارس أثرٌ واضح في حدوث هذا التباين.
رابِعاً: إشْكاليّة وجود المدرّس المتخصص الذي يتمتّع بصفات تؤهّله للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه.
إشْكاليّات تعليم اللغة العربية للناطقين بها
تناولت كتب اللغة منذ القرن الثاني للهجرة مسائل العربية بالجمع والتحليل والدراسة، مبديةً مواطِنَ سهولتها وصعوبتها، من خلال تقعيدها وتوصيفها بمناهج وطرائق مختلفة، واستمرّ الأمر في دراسة هذه الصعوبات أو الظواهر اللغوية المائزة للغة العربيّة حتى عصرنا الحاضر، إذ أفرزت لمهارات اللغة العربيّة مصنّفاتٍ لغوية خاصّة تتحدّث عن المهارات اللغوية الأربع: الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة، وعن عناصر مكونات اللغة العربية: الأصوات والنحو والصرف، والدّلالة، وقد عكف بعض العلماء في شتى بقاع البلاد العربية لهذا الموضوع، ولمّا كان موضوع هذا البحث التطرق لصعوبات العربية للناطقين بغيرها، فسنكتفي بعرض أبرز تلك الصعوبات، وهي:
- نظرية العامل ومناداة العلماء اللغويين القدامى منهم والمحدثين بإلغائها، ورفض القياس والعلل النحوية، وتقديم النحو بعيداً عن مواطن الخلاف والأقوال المتعدّدة.
- مسألة الازدواجيّة اللغوية (الفصحى والعاميّة) وأثرها في الحياة العملية والعلميّة، وإشكالاتها في تعليم العربية على مستويين مختلفين.
- مظاهر تقعيد اللغة العربية الفصحى بقوانين نحويّة وصرفيّة أكثر ما تهمّ المتخصصون وليس الطّلاب.
- ظاهرة الكتابة العربية وخلوّها من الحروف المصوتة (الحركات).
- قضيّة الإملاء العربي وتنوعاته في كتابة الهمزة المتطرفة والمتوسطة.
- ظاهرة الأصوات المنطوقة وغير المكتوبة في الأسماء والأفعال.
- نظام الإعراب وأثره في البناء التركيبي العربي.
- إشكاليّة المعجم العربي والمعجميّة، وأثر خلوّ السّاحة العربيّة من المعاجم التّاريخية المناسبة لتعليم العربيّة .
- ظاهرة عدم قدرة اللغة العربية عن الوفاء بمتطلبات التقدّم العلمي اللغوية.
- مسألة القدرة على التعبير الكتابي لدى الطّلبة العرب التي توصف – أحياناً – بالضّعف نظراً لقلّة الثروة المفرداتيّة لديهم.
- الاتجاه الفلسفي والعقلي، واتباع مناهج المتكلمين والفقهاء في دراسة النحو وتقديمه.
- ظهور الدلالات المستحدثة لبعض المفردات العربية، غير المثبتة في المعاجم العربيّة (قضيّة المعنى والدّلالة).
- وإشكاليّات أخرى تخرج عن نطاق هذا البحث (1).
إشْكاليّات تعليم العربية للناطقين بغيرها
ينتمي معظم منتسبي مركز اللغات في الجامعة الأردنية إلى جنسيات عدّة، لكنّ الناظم الجامع بينهم إتقان اللغة الإنجليزية لكونهم قادمين – في الغالب – من بلدانٍ ناطقة أصلاً باللغة الإنجليزية بوصفها اللغة الأم، وهذا ما جَعَل الإنجليزية لغة وسيطة في العملية التعليمية بينَ المدرس والطالب – خاصة في المستويات المبتدئة – باستثناء عدد غير كثير ممن لديهم المعرفة قليلة باللغة الإنجليزية وبشكل خاص الذين يأتون من بلادٍ ليست الإنجليزية لغة الأم، ومع إطلالة كلّ فصل دراسي نحاول وضع الصعوبات المتوقعة من خلال خبراتنا السابقة فضلاً عن الاعتماد على بعض البيانات المتعلقة بالطلبة الدارسين في لمركز.
وأولى تلك القضايا التي قد تشكلّ صعوبة للدراسين، مسألة الأصوات العربيّة، إذ لا بدّ من معرفة أنّ هذه الأصوات بالنسبة للدراسين يمكن تقسيمها إلى أقسام ثلاثة من حيث السهولة والصعوبة:
المجموعة الأولى: وهي مجموعة الأصوات المشتركة مع لغات الطّلبة وخاصة مع اللغة الإنجليزية، لذلك لا نتوقع أيّة صعوبة تذكر، إذا ما استطعنا تقديمها بصورة منطقية مناسبة، ومن خلال تدريبات لغوية مدروسة، وتتمثل تلك الأصوات في : ب / ت / ج / د / ر / ز / س / ش / ف / ك / ل / م / ن / و / ي / .
المجموعة الثانية: إنَّ أصوات هذه المجموعة في الغالب ليست في مخارج لغات الدراسين الصوتية، لكن هناك ما يقاربها في المخرج والصوت، وكلّ ما تحتاجه هذه الأصوات تقديمها بعناية كبيرة وتركيز شديد، فضلاً عن الاعتماد الهائل على التدريبات المكثفة، والتعزيز، وتتمثل هذه الأصوات في: / أ / ث / خ / ذ / ط / ظ / ص / ض / غ / .
المجموعة الثالثة: تستحق هذه الفئة من الأصوات أن نطلق عليها إشكالاً في تعليم العربية، ويُلحظُ فيها مدى صعوبة تعلّم بعض الطلبة لبعض هذه الأصوات التي توصف - أحيانا – بأنها تمثّل مشكلة لغويّة لديهم، وتتمثل هذه الأصوات في: / ح / ع / ق / هـ / .
ويتخلّلُ هذه المسألة بعضاً من المظاهر الصوتية التي قد تؤدّي إلى نفور بعض متعلمي العربيّة لما تتطلّبه من جهدٍ لغوي كبير من الطالب والمدرس في الوقتِ نفسه، ويمكن إجمال هذه المظاهر بما يلي:
أولاً: ظاهرة الصّوائت القصيرة والطويلة، وتتمثل هذه الصعوبة في عدم القدرة أحياناً على التمييز بين صائت الفتحة بالمقارنة مع ألف المد، أو الضّمة مع واو المدّ، أو الكسرة مع ياء المدّ.
ثانياً: امتازت اللغة العربية بظاهرة التنوين عن بقيّة لغات العالم، ولذلك فإنّ تفرّد العربية بهذه الظاهرة يحتاجُ إلى وقتٍ طويلٍ حتى يتمكّن الطالب من إتقانها، بالإضافة إلى تماثلهما الكتابي مع حرف النون ونطقها مما يزيد من صعوبة تعلّمها لدى المتعلّم الأجنبي.
ثالثاً: ظاهرة التشابه الصوتي بينَ صوت الألف الممدودة والمقصورة، إذ إنّ صوتيهما متقاربان من بعضهما البعض، فيصعبُ على الدارس الأجنبي التمييز بينهما أحياناً.
رابعاً: ظاهرة تعدّد تأدية الأصوات (تفخيمها، ترقيقها، تسهيلها، تخفيفها) التي ينتج عنها خلط لدى الدارسين بين الصوت المنطوق وشكله المكتوب، سواءً أكانَ ذلك بسبب طريقة الأداء اللغوي المتأثرة باللهجة، أم اقتران ذلك الصوت بالضّمة، أو مجاورته لصوت مفخّم.
خامِساً: ظاهرة اختلاف بعض الأصوات نطقاً وكتابةً، وتمثّل التاء مع الهاء هذه الظاهرة، بالإضافة إلى مسألة التّاء المفتوحة وخلطها بالتّاء المربوطة.
سادساً: ظاهرة إلصاق "أل التّعريف" بنوعيها: الشمسية والقمريّة، والنّطق باللام وعدم النّطق بها، حيث تعدّ من صلب الإشكالات الصوتية التي يواجهها متعلمو العربية، خاصة في أدائها الصوتي في حالة بدء الجمل بها أو في حالة كونها في أواسط الجُمل، وتمثّل هذه الظاهرة اللغوية صعوبة لدى المتعلمين لسببين لغويين، هما:
- اشتراك النوعين بالشكل الكتابي (الرسم الإملائي).
- ارتباط نطق اللام بطبيعة الصوت الذي يأتي بعدها.
سابِعاً: ظاهرة تأدية صوت الهمزة المتعدّد، واختلاف العلماء في تحديد القاعدة الإملائية التي تحدد شكلها الكتابي؛ أدّيا إلى تعقيد المسألة، فبعض العلماء الصرفيين اعتمد حركة الهمزة ذاتها، وبعضهم الآخر رأى أنّ حركة ما قبل الهمزة هو المعيار في تحديد شكل كتابة الهمزة. ولذلك فإنّ على الطّالب في ظلّ هذه الحالة معرفة هاتين القاعدتين حتى يتمكن من إتقان كتابتها، وكما أنّ طرق التأدية النّطقيّة المتعدّدة لهذا الصوت، زادَ من صعوبة تعلّم هذا الصوت، فإنّ العربيّة الفصحى أوجدت مظاهر تحوّل له كثيرة، كما فعلت اللغة الدّارجة.
ثامِناً: همزتا الوصل والقطع وأداؤهما الصوتي، يُلحظ بوضوح ظهور هذه المشكلة لدى متعلّمي العربية. وهي مسألة صوتية في شكلها الخارجي، مع إغفال بعدها المعرفي ذي الجانب التركيبي للغة.
تاسِعاً: ونذكرُ أخيراً بعض الأصوات التي ترافق بعض الكلمات من غير تمثّلها كتابيّاً، نحو بعض أسماء الإشارة وغيرها.
كانت تلك هي بعض القضايا التي ألفناها وما زِلنا نتعايش معها في تعليم النظام الصوتي للغة العربية، وتجدر الإشارة، أننا قُمنا بعدّة محاولات تربويّة وتعليميّة تهدف إلى التعامل مع هذه القضايا بشكلٍ يؤدي إلى تقليل تبعاتها في العمليّة التعليميّة، وما زلنا نعقد دوراتٍ خاصّة بينَ الزملاء في المركز يحددون فيها القضايا ومن ثمّ يظهرون النتائج، ويعملون على إيجاد الحلول والطرق المناسبة للتعامل معها، ومن الخطوات الأخرى التي سَلكناها:
أولاً: يضمّ مركز اللغات بالجامعة الأردنية ستّة مستويات لغوية قابلة للتعديل زيادة ونقصاناً وفق الحاجة؛ ولذلك فإنّه يولي المستوى الأوّل من بينِ تلك المستويات عناية خاصّة، إذ قامَ المركز بتأليف مناهج خاصّة تتوافق وقدرات طلبة المستوى الأول، كما أنّه يضع مؤهلات خاصة لمدرس هذا المستوى، حيث يتطلب هذا المستوى من أن يكون لمدرسه معرفة تفصيليّة بالأصوات العربية مخرجاً وملمحاً مميزاً، حتى يجيد توصيل الصّوت العربي بطريقة مراعية للمخرج والصّفة المميزة.