المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور اللهجـة في التقعيد النحوي دراسة إحصائية تحليلية


مصطفى شعبان
03-07-2016, 04:55 PM
دور اللهجـة في التقعيد النحوي
دراسة إحصائية تحليلية
في ضوء همع الهوامع للسيوطي

دكتور
علاء إسماعيل الحمزاوي
أستاذ العلوم اللغوية المساعد بكلية الآداب
جامعـة المنيـا
مقدمــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم .. وبعد
فقد لفت انتباهي أثناء قراءتي في كتاب "همـع الهوامـع" ترُدّدُ ذكر اللهجات العربية بصورة بارزة على لسان السيوطي، كما لفت انتباهي شمولية حديث السيوطي في كل مسائل الكتاب وتوفيتها حقها من آراء النحويين السابقين، مع ذكر اللهجات المستمدة منها بعض القواعد النحوية، سواء أكانت اللهجات منسوبة إلى قبائل أم غير منسوبة. ولعل السيوطي لم يكن مبالغا في وصفه الهمع بقوله في مقدمته: "وبعد فإن لنا تأليفا في العربية جمع أدناها وأقصاها، وكتابا لم يغادر من وسائلها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. حشدت فيه ما يُقرّ الأعين..". وقد أثار ذلك في ذهني مجموعة من التساؤلات: هل للهجات دور مهم وقيمة بارزة في التقعيد النحوي؟ وما أكثر اللهجات تمثيلا لقواعد النحو العربي الأكثر شيوعا؟ وما الحَكَم في أن قاعدة ما أكثر شيوعا من قاعدة أخرى، أو قاعدة مستعملة وأخرى أقل استعمالا؟ وما موقف السيوطي من اللهجات العربية التي استقى منها النحاة قواعدهم؟ وهل ذكر كل تلك اللهجات في همعـه؟ أو أهمل بعضا منها؟ وهل ذكر أصحاب تلك اللهجات من القبائل العربية؟ وهل كل اللهجات مستعملة في نحو العربية؟ أو بعضها مستعمل وبعضها مهمل؟ وهل كان لصاحبنا رأي فيها؟ وما مصطلحاته في الإشارة إليها؟
من هنا كانت هذه الدراسة الإحصائية التحليلية للظواهر اللهجية النحوية في كتاب "همع الهوامع"؛ لتوضيح دور اللهجة وإبراز قيمتها في التقعيد النحوي، والوقوف على أكثر اللهجات تمثيلا لقواعد العربية، والتعرف على موقف السيوطي من تلك اللهجات، ومدى إحصائه لها في همـعه، ورأيه فيها، وغير ذلك مما سلف ذكره من التساؤلات المطروحة.
وأود أن أحيط القارئ علما بأربعة أمور:
ـ أولها: أن مقصود الباحث بـ"الظاهرة اللهجية النحوية" ما اختلفت فيه القبائل العربية من لهجات تؤثر في تركيب الجملة أو في حركة الحرف الأخير للكلمة من إعراب وبناء؛ ويدخل في إطار ذلك ظواهر يرى بعض العلماء أنها صرفية ـ ولا مخالفة لرأيهم ـ لكن الباحث رأى أفضلية إدراجها في إطار الظواهر النحوية؛ لأنها تمس التركيب من جانب ما، مثل ظواهر الضمائر والموصولات وأسماء الإشارة، من حيث الحذف وتنوع حركة البناء، وغير ذلك.
ـ ثانيها: أن مرجعيتنا في الحُكْم على أن قاعدة ما أكثر شيوعا من قاعدة أخرى، أو قاعدة مستعملة وأخرى أقل استعمالا أو غير مستعملة هي لغة القرآن الكريم بقراءاته المتواترة ما أمكن ذلك؛ فهي ـ في رأيي ـ لغة نموذجية أدبية مشتركة بين القبائل العربية، كانوا يفهمونها ويتحدثون بها في المحافل الرسمية، وكذلك الشعر العربي الموثوق بـه.
ـ ثالثها أن الباحث سيدخل في دراسته مباشرة، ولن يمهّد لها بإطار نظري عن اللهجات العربية وقبائل تلك اللهجات والأنساب العربية من النواحي الجغرافية والتاريخية والسياسية وآراء العلماء فيها، فذلك مبثوث في مباحث مستقلة من مؤلفات علمية حديثة سابقة على هذا البحث، يسهل الرجوع إليها، ومن تلك المؤلفات: "في اللهجات العربية" للدكتور إبراهيم أنيس، و"اللهجات العربية في القراءات القرآنية" للدكتور عبده الراجحي، و"اللهجات العربية في التراث" للدكتور علم الدين الجندي، و"اللهجات العربية القديمة" للدكتور داود سلوم، و"لغة تميم" للدكتور ضاحي عبد الباقي، و"الحذف والتعويض في اللهجات العربية من خلال معجم الصحاح" للدكتور سلمان سالم رجاء السحيمي، و"النحو والصرف بين التميميين والحجازيين" للدكتورالشريف عبد الله الحسيني البركاتي، و"اللهجات في كتاب سيبويه أصواتا وبنية" للدكتورة صالحة راشد غنيم، وغير ذلك، فضلا عن كتب التراث العربي اللغوي والجغرافي والتاريخي التي لا تُحصَى عددا.
ـ رابعها: أن طبيعة الموضوع اقتضت أن يُوزّع البحث على خمسة مباحث رئيسة هـي: تنوع علامات الإعراب والبناء، الإثبات والحذف، الإعمال والإهمال، التعدد الوظيفي، المشهور وغير المشهور في القاعدة. وقد راعى الباحث في عرض هذه الظواهر منهج صاحب الهمع في ترتيب عرضها ما أمكن ذلك.

اللهجة لغة واصطلاحا
تنص المعاجم العربية على أن اللهجة هي اللسان أو طرفه أو جرس الكلام، أو هي اللغة التي جبل عليها الإنسان فاعتادها ونشأ عليها(1) . أما في الاصطلاح فهي "مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث فهمًا يتوقف على قدر الرابطة التي تربط بين هذه اللهجات، وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها باللغة"(2) .
ومن ثم فالعلاقة بين اللهجة واللغة هي علاقة الخاص بالعام أو الفرع بالأصل، غير أن اللغويين العرب القدماء حين أشاروا إلى الفروق بين لهجات القبائل العربية لم يستعملوا مصطلح اللهجة بهذا المفهوم، إنما كانوا يستعملون مصطلح "لغة" أو "لُغيّة"، ولعل السبب في ذلك أنهم لم يتوفروا على دراسة لهجة كاملة من لهجات القبائل التي كان يتكلمها الناس في حياتهم العادية، إنما كانت ملاحظتهم تنصب على الفروق بين اللهجات التي دخلت الفصحى؛ ولذا لم نجد كتابا تراثيا يحمل عنوانه مصطلح "اللهجات"، في حين أننا نجد كثيرا مصطلح "اللغات"، فقد عقد ابن جني في خصائصه بابا بعنوان "تداخل اللغات"، وثمة كتب عنوانها (كتاب اللغات) للغويين مثل الفراء وأبي عبيدة والأصمعي، غير أن هذه الكتب لم تصل إلينا، وإنما أشير إليها في مواضع مختلفة من كتب التراث اللغوي(3) .
__________________________
(1) انظر: الجوهري: الصحاح وابن منظور: لسان العرب والزبيدي: تاج العروس (ل هـ ج)
(2) هذا هو تعريف د/إبراهيم أنيس. انظر له: في اللهجات العربية 16
(3) انظر: د.عبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية 51 : 52