المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصطلح الفرضية في النحو العربي


مصطفى شعبان
04-01-2016, 02:04 PM
مفهوم مصطلح الفرضية(*). في النحو العربي
نجاح حشيش بادع العتابي
جامعــــــة بغـــداد
كليــــة الآداب
قســم اللغــة العربيــــة

لعل إطلاق مصطلح (الفرضية) في النحو العربي، يقدح في الأذهان عدة تساؤلات. كأن نتساءل: ما صلة مصطلح الفرضية بالنحو العربي؟!
وإن كانت هناك صلة تربط (الفرضية) بالنحو ؛ فما دلالة هذه الفرضية في علم النحو ؟ وإن كانت لها دلالة معينة، أهي متنوعة، أم تتصف بصفة الثبات ؟ وكل هذه التساؤلات بحاجة الى إجابات دقيقة، وواضحة ومدعمة بالحجة والدليل الذي يؤيد صحتها.
لابد ان أشير ابتداء الى أن مصطلح (الفرضية) ليس من مصطلحات النحو إنما هو مقتبس من العلوم الأخرى. والواقع أن مفهوم مصطلح (الفرضية) في النحو قد لا يخرج كثيرا عن مفهوم المفردة اللغوي، من حيث الوجوب والتقدير. فلم يرد في كتب السالفين هذا المصطلح صراحة. لكن وردت مادة (فرض) في بعض الأماكن القليلة النادرة، كما جاء في الخصائص، إذ عقد ابن جني (ت392 هـ) بابا تحت عنوان (في المستحيل، وصحة قياس الفروع على فساد الأصول)، وكان ينبه الى أن قياس الفروع قد يكون صحيحا على أصول فاسدة، وبادر في ايضاح فكرته بتقديم بعض الأمثلة الحسابية، اذ قال: ((إذا فرضت أن سبعة في خمسة أربعون فكم يجب أن يكون على هذا ثمانية في ثلاثة ؟ فجوابه أن تقول: سبعة وعشرون وثلاثة أسباع. وبابه – على الاختصار- أن تزيد على الأربعة والعشرين سبعها، وهو ثلاثة وثلاثة أسباع ؛ كما زدت على الخمسة والثلاثين سبعها – وهو خمسة – حتى صارت: أربعين... وكذلك لو كان نصف المائة أربعين لكان نصف الثلاثين اثنى عشر. وكذلك لو كان نصف المائة ستين لكان نصف الثلاثين ثمانية عشر)( 1)، فهو يخرج بنتائج صائبة انطلاقا من أسس مفترضة خاطئة ثم يترك أمثلة الحساب منتقلا الى أمثلة الفقه، بقوله: ((وكذلك طريق الفرائض أيضا ؛ ألا تراه لو قال: مات رجل، وخلف ابنا وثلاث عشرة بنتا فأصاب الواحدة ثلاثة أرباع ما خلفه المتوفى، كم يجب أن يصيب الجماعة؟
فالجواب أنه يصيب جميع الورثة مثل ما خلفه المتوفى إحدى عشرة مرة وربعا... فهذه كلها ونحوه من غير ما ذكرنا، أجوبة صحيحة، على أصول فاسدة... وإنما الغرض في هذا ونحوه التدرب به، والارتياض بالصنعة فيه وستراه بإذن الله))( 2)، ثم بدأ بعرض أمثلة اللغة، بقوله: (وأما صحة قياس الفروع، على فساد الاصول، فكأن يقول لك قائل: لو كانت الناقة من لفظ (القنو) ما كان يكون مثالها من الفعل ؟ فجوابه أن تقول: علفة وذلك أن النون عين والألف منقلبة عن واو، والواو لام القنو، والقاف فاؤه. ولو كان القنو مشتقا من لفظ الناقة لكان مثاله لفع. فهذان أصلان فاسدان، والقياس عليهما آو بالفرعين اليهما...))( 3)، ويذكر بعد ذلك مجموعة من الأمثلة على النسق نفسه.
يتبين لنا من خلال هذه الأمثلة، أن معنى (الفرض) الذي ابتدأ به ابن جني حديثه، بقوله: (لو فرضت) يدل على تقدير اشياء لا وجود لها في الواقع، والنتائج المتحصلة منها تكون صادقة قياسا مع الفرض نفسه، في حين أنها تكون كاذبة قياسا مع الواقع المعقول. والحقيقة أن هذه الطريقة في معالجة قضايا اللغة ليست بالغريبة، ولاسيما إن كانت صادرة من عالم كابن جني، الذي كان يقول: ((إن مسألة واحدة من القياس أنبل، وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس))( 4)، وهو تلميذ أبي علي الفارسي (ت 346هـ) الذي كان يعظم القياس بقوله: ((أخطئ في خمسين مسألة في اللغة ولا أخطئ في واحدة من القياس))(5 ). وهذا دليل على المناخ الفكري العام الذي كان يسود الدراسات النحوية آنذاك ؛ إذ جعل النحويون المنهج العقلي الآلة الأساسية التي تنداح في فلكها العناصر الرئيسة لهذه الدراسات.
ولكن الدرس النحوي عرف الفرضيات قديما قبل عصر أبي علي وابن جني، فقد شخصت هذه الظاهرة منذ الفجر الأول لبزوغه، عند نحاة مرحلتي التأسيس والنضج أمثال، الحضرمي (ت 117هـ)، وأبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ)، وعيسى بن عمر (ت 149هـ)، ويونس بن حبيب (ت 182هـ)، والخليل (ت 170هـ)، وسيبويه (ت 180هـ). والواقع أن النحويين لم يؤسسوا لمصطلح (الفرضية) ولم يصرحوا بهذه اللفظة في معالجاتهم لتراكيب اللغة، على الرغم من أن فكرة الفرضية من الوجهة العامة، بوصفها أمرا ظنيا احتماليا قائما على الصورة والخيال، من منطلق الاجتهاد في إبتكار المفردات، والتراكيب اللغوية، وايجاد حلول التوجيه المناسبة لها، أو الاجتهاد في دعم القاعدة النحوية واسنادها، فكرة متأصلة في الدرس النحوي منذ بداية النشأة ؛ غير أنها بدأت يسيرة، ثم أخذت تدخل في حيز التعقيد شيئا فشيئا. ((وقد لجأ النحاة القدماء الى الإفتراض في بحثين من بحوث النحو خاصة هما: الممنوع من الصرف، والتصغير، ثم جاء الخليل وسيبويه فزادا فيه وأغنياه))( 6)، وقد عقد سيبويه في الكتاب بابا تحت عنوان ((ما ينصرف من الافعال إذا سميت به رجلا))(7 )، وذكر فيه ما افترض النحويون من اسماء مستعارة من ألفاظ وأوزان الأفعال كقوله: (إن سميت رجلا ضرب أو ضرب أو ضورب لم تصرف. فاما فعل فهو مصروف، ودحرج ودحرج لا تصرفه لأنه لا يشبه الاسماء))( 8)، كما ذكر افتراضات من النوع نفسه لنحاة سبقوه، وما أنتجت بينهم من خلافات، إذ نقل عن يونس: أنك إذا سميت رجلا بالفعل: ضارب فهو مصروف، وكذلك إن سميته ضارب، وضرب، وهو قول أبى عمرو والخليل، في حين ذهب عيسى مذهبا مخالفا لهم لأنه يراه ممنوعا من الصرف(9 ). وهناك الكثير من هذه الفرضيات ورد ذكرها في الكتاب في أبواب الممنوع من الصرف كتسمية المذكر بالمؤنث، والمؤنث بالمذكر، والتسمية بالجمل وأشباه الجمل وبالحروف والأدوات.
كما أن الافتراض لم ينحصر في هذا النطاق المحدود بل إمتد ليشمل تأويل التراكيب وتقليبها على وفق التوجيهات الإعرابية، وصياغة الأمثلة كذلك، وهذا مما يطرد في الكتاب.
ولكن لم يشر سيبويه وغيره من المتقدمين الى مصطلح (الفرضية) الذي نحن بصدده الآن، غير أن الباحثين المحدثين في طرحهم لمسائل النحو أشاروا الى ظاهرة الفرض بأصنافه المختلفة، إذ نجد أن هناك صدى لهذه اللفظة، ومشتقاتها في الكتب المعاصرة، وقد جاءت، أما بشكل عنوانات لمباحث صغيرة(10 )، أو مذكورة بشكل عرضي في أثناء شروحهم( 11).
وكل المعاني التي كانت تؤديها هذه المفردة، ومشتقاتها لا توحي بغير الوجوب والتقدير، حتى أن بعض هؤلاء الباحثين حاول أن يحدد مفهوم الفرض، وتاريخ نشأته، فقد ذكر الأستاذ الحلواني أن (الافتراض أسلوب فقهي معروف، كان عليه أبو حنيفة وشيوخه خاصة من رجال الدين، وقد أفاد منه النحاة منذ زمن مبكر))( 12)، وفي عرضه لمنهج عيسى بن عمر يذكر بأنه كان يفترض كالفقهاء إذ يقول: (أفاد.. من الفقهاء في عصره، ذلك أنه عاصر أبا حنيفة، صاحب مذهب الرأي والتأويل، واستخدام القياس والجدل في فقهه وفتاواه، وقد ماتا في زمنين متقاربين، إذ توفي عيسى سنة (149) ومات ابو حنيفة سنة (150))(13 )، وفي حديثه عن منهج أبى عمرو بن العلاء يقول: ((ويبدو من أخباره أنه اتصل بأبي حنيفة، وألم بمذهبه، سأله مرة (عن رجل ضرب رأس آخر بصخرة عظيمة، لا ينجو من ضرب بها) وفي هذا السؤال ضرب من الافتراض كان طراز العصر انذاك))(14 ). وهذه أدلة تؤيد ارتباط فكرة الافتراض بالنحو العربي والمصدر الذي أخذت منه، وليس من همي أن اتعرض لتفصيل التسلسل التاريخي لهذه الفكرة بقدر ما أطمح اليه من بيان مفهومها، وتسليط الأضواء على ما يمكن أن ينضوي تحت هذا المفهوم من قضايا قابلة للنقاش والمعالجة، ومقدار حاجة النحو الى هذا النهج في التفكير، وما خلفه من نتائج سلبية اثـقلت الدرس النحوي، وابعدته عن مقصده. وسأسوق بعض النصوص المنتقاة من كتب النحو، كي أجعلها بمثابة المنطلقات التي أنطلق منها ؛ للتعرف على مفهوم الفرضية في النحو العربي:
1-قال الدكتور عفيف دمشقية عند حديثه عن الحرفين (اللام وحتى): ((فرض النحاة مسبقا أن (اللام) و (حتى) ليسا من الحروف التي تستعمل مع الأفعال، وهذا يعني أنهما وضعا في الأصل –عند نشأة اللغة – ليدخلا على الاسماء ويختصا بها دون الأفعال. ولذا كان من الطبيعي أن يؤدي بهم هذا الفرض المسبق الى فرض آخر هو أن (اللام) و (حتى) تحتفظان وهما تدخلان على الأفعال بمعناهما وعملهما الأصليين وهما (الغاية) و (الجر)... اجبرت هذه الفرضية الاخيرة – احتفاظ (اللام) و (حتى) بخصيصتي الدخول على الاسماء والجر- النحاة على تحويل الأفعال بعد ذينيك الحرفين من صيغة الفعلية الى صيغة الاسمية. ولكي يتم لهم الأمر كان عليهم أن يؤولوا الفعل الواقع بعدهما بمصدر، وهذا لا يأتي طبعا الا بتصدير الفعل بـ (أن) ومن هنا قولهم بإنتصاب المضارع بعد (اللام) و (حتى) بـ (أن) مضمرة))( 15).
2-وقال الدكتور علي أبو المكارم في حديثه عن التعليل: ((إن التعليل أصبح يتناول كل جزئيات البحث النحوي، فلا نكاد نجد جزئية من جزئياته دون تعليل، يستوي في ذلك أن تكون هذه الجزئيات ناتجة عن ملاحظة الظواهر اللغوية الموجودة، أو مبنية على فرض يمتد – في تصور النحاة – عن هذه الظواهر))( 16)، كما قال في حديثه عن مسالك العلة بعد أن بسط القول في: الإجماع، والنص، ولإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة، ورأى أن التعليل الذي يؤسس على هذه المسالك يعتمد على الفرض. قال: ((والأمر كذلك في مصادر ثلاثة أخرى، هي: (الشبه) و (المناسبة) و (إلغاء الفارق)؛ فإن هذه المسالك الثلاثة لا تنبني على أي أساس موضوعي يصلح بناء التعليل عليه واستخلاص العلل منه، وإنما ترتكز جميعها على الفروض التي لا دليل عليها))( 17).
3-وقال الدكتور إبراهيم أنيس في حديثه عن النحويين وأساليبهم: (ونراهم يقنعون في الكثير من الأحيان بتلك الأمثلة التي اصطنعوها هم اصطناعا، وافتراضوها افتراضا، تأييداً لرأي يحرصون عليه، أو حكم يعتزون به))(18 )، وقال الدكتور ابراهيم السامرائي: ((وقالوا: اختصت الفاء بأنها تعطف ما لا يصلح أن يكون صلة – لخلوه من ضمير الموصول – على ما يصلح أن يكون صلة – لاشتماله على الضمير – نحو الذي يطير فيغضب زيد الذباب، ولو قلت: (ويغضب زيد) أو (ثم يغضب) لم يجز لأن الفاء تدل على السببية فاستغني بها عن الرابط، ولو قلت: الذي يطير ويغضب منه زيد الذباب، جاز لانك اتيت بالرابط. فأنت تشعر أن النحوي حين توصل الى هذه القاعدة جار على نفسه بضربه المثل الذي استشهد به فهو من الضعف والركة بمكان، ولا أرى الا أنه متوهم مصنوع))( 19).
4-وقال عبد الوارث مبروك سعيد في حديثه عن النحويين وتعقيداتهم، بأنهم: (دأبوا على خلق مشاكل لا أصل لها وافتراض أساليب وتراكيب لم ترد لها نظائر عن العرب، بل لا أمل في أن ترد يوما على لسان متكلم بالعربية، ثم اخذوا يتجادلون حولها ويعللون، وما أكثر هذا الضرب في الكتب المطولة، فالكتاب لسيبويه حافل بتلك الامثلة الافتراضية))( 20).

مصطفى شعبان
04-01-2016, 02:07 PM
5-وقال الدكتور محمد خير الحلواني في عرضه لمنهج عيسى بن عمر: ((ففي الممنوع من الصرف يفترض – كالفقهاء – أنك إذا سميت رجلا بالفعل: ضرب، أو ضارب، أو: ضارب. يكون اسمه ممنوعا من الصرف))(21 ).
وعند استقراء هذه النصوص نستطيع من خلالها أن نخرج بالمفاهيم الآتية:
1-يتضح لنا من النص الأول، صنفان من أصناف الفرضيات ؛ الأول يختص بالتقعيد النحوي إذ فرض النحويون القاعدة على اللغة باطلاق عام شامل ؛ بمعنى أنهم قاموا بتسخير اللغة لسلطان القاعدة النحوية الجامدة، وليس العكس ولكن اللغة أكثر اتساعا من أن تحدها قاعدة نحوية؛ لذلك فاننا نجد أن الظاهرة اللغوية تخترق القاعدة النحوية، وكأن القاعدة تلتزم بأحد أطراف الظاهرة دون الأطراف الأخرى، لأنها تتصف بصفة الاتساع، فيكون أمر إحكامها، والسيطرة عليها أمرا ليس باليسير، فكانت القواعد في أغلبها لا تتمكن من الاحاطة بكل أجزاء الظاهرة اللغوية. ونتيجة لهذه الفرضيات تولد الصنف الثاني منها وهو يختص بالتخريج النحوي، إذ كان لابد من الحفاظ على القاعدة النحوية بطريقة ما، وإيجاد الحلول المناسبة لهذه المسائل المشكلة، كي يتم للقاعدة لم أشتات الظاهرة اللغوية، والاحاطة بكل جزء من أجزائها، وكانت تلك الحلول نتائج فرضية جديدة تمثلت بالتأويل والتقدير، ورمي النص العربي بالشذوذ، والندرة، والضعف الذي لا يقاس عليه.
2-نستخلص من النص الذي ورد في النقطة الثانية أن التعليل النحوي أمر ظني احتمالي قوامه الفرض، ووظيفته تبرير القاعدة النحوية، وهذا ما صرح به ألمع علماء العربية الخليل بن احمد إذ قال: ((إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها. وعرفت مواقع كلاهما وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما اعتللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست وإن لم تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها، بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شي منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا،سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما اعتللته من النحو فهو اليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها))( 22) وهذا دليل واضح على أن العلل النحوية تمثل أجلى صور الفرضيات في النحو العربي.
3-نستخلص من النصين اللذين وردا في النقطة الثالثة أن هناك قواعد بنيت على اسس مفترضة لا تدعمها نصوص اللغة إلا أن النحويين قاموا بافتراض الأمثلة التي تدعم هذه القواعد، وهذه الأمثلة من صنع النحويين أنفسهم، ولا نظائر لها في اللغة المستقراة. ولعل هذه العملية نشطت بعد عصر الاستشهاد، ((فلما انتهى عصر الاستشهاد، وكان على اللغويين أن يستمروا في دراسة اللغة دون ان تتجدد الشواهد في أيديهم، وجدوا أنفسهم بوضع اضطروا فيه الى أن يدوروا حول ما وضعه السلف من قواعد، فجعلوا كلامهم عنها، لا عن مادة اللغة، ولم يعد ثمة مكان للاستقراء، لأن السلف في نظرهم كانوا قد أتموا هذه العملية، واوقفوا العمل فيها برفض الجديد من الشواهد، وهنا بدأ فرض القواعد على الامثلة))(23 ).
4-ومن النصين اللذين وردا في النقطتين الرابعة والخامسة، نستخلص صنفا آخر من أصناف الفرضيات، وهو لا يختلف عن الصنف المتقدم من حيث كونهما قائمين على نظرة تخيلية يحاول النحويون من خلالها استنباط الأمثلة، ولكن ليس الغاية منه دعم قاعدة معينة، إنما محاولة توظيف هذه الأمثلة المعقدة في الدرس النحوي من خلال توجيهها توجيها ينسجم والقواعد النحوية المقررة وهي -في الواقع – تراكيب غريبة لم تطرأ يوما في العرف اللغوي، وأشبه ما تكون بالمسائل الرياضية المعقدة، لذلك فهي لم تتجاوز حلقة الدرس النحوي، هذا فيما يخص التركيب، أما فيما يخص المفردة، فقد تقدم الحديث عنها، إذ كانت الفرضيات التي اختصت بها تدور في باب الممنوع من الصرف خاصة، ولاسيما التسميات، وهي ضرب من التجويز العقلي الذي ابتكره النحويون لسبب ما والحقيقة أن هناك فرضيات أخرى، كان موضوعها المفردة اللغوية في ضوء العلاقة بينها وبين التوجيه النحوي، وهي صور متخيلة لما كانت عليه المفردة اللغوية، وتعد هذه الفرضيات – على الاغلب – تعليلات يستند اليها النحويون في توجيهاتهم، وبما ان هذه الفرضيات قائمة على التصور ؛ لذا كانت مدار خلاف بين النحويين.
ومن خلال هذه المفاهيم تتضح لنا صور الفرضيات بأنواعها المختلفة، إذ رأينا أن من الفرضيات ما هو مختص بالتقعيد النحوي، ويخرج من هذا النوع ما يختص بالتخريج، ومنها ما يختص بالتعليل، وكذلك التمثيل، والمفردة اللغوية من حيث استعمالها اللغوي او بنيتها التركيبية.
وكل هذه الأنواع لا يخرج عن المعنى اللغوي الذ يؤديه الفرض، المتمثل بالوجوب والتقدير. وانطلاقا من هذه الأنواع نستطيع أن نحدد مفهوم الفرضية النحوية عموما، بأنها عملية تصورية تقديرية لجأ اليها النحويون منذ وقت مبكر، لتقرير قواعدهم، وتحصينها، وتعليل أحكامها، والتمثيل لها او عليها ؛ لذا فهي لا تخرج عن إطار المنهج الاجتهادي في النحو العربي.
وبعد محاولة تحديد المفهوم العام لمصطلح الفرضية في النحو العربي، أقول: بما إن هذا المصطلح غير منصوص عليه في الكتب النحوية بمادة (ف، ر، ض) يبتدر الى الذهن السؤال الآتـي:
ما العلامات التي تعين وجود الفرضية في كتب النحو ؟
الواقع أن تعيين مواطن الافتراض في الكتب النحوية غالبا ما يعتمد على الرؤية الخاصة التي اتضحت لنا من خلال تحديد مفهوم هذا المصطلح، وليس بالضرورة أن تكون هناك قرائن لفظية دالة على مواطن الافتراض، إذ إن النحوي لا يصرح بهذا الامر، بل نجده على العكس من ذلك، أي أنه يحاول أن يبرهن على صحة الفرض بطريقة ما ؛ كي يجعله أشبه ما يكون بحقيقة ناصعة غير قابلة للتخطئة والمغالطة. ومع هذا فإنني لا أجنح الى الصواب إذا قررت نفي وجود بعض القرائن اللفظية في بعض المسائل، كأن يقول النحوي: (لو سميت)، أو (لو قيل)، أو (إن قال قائل)، بل ان سيبويه في حديثه عن المصادر جعل أحد أبواب الكتاب تحت عنوان ((هذا باب منه استكرهه النحويون، وهو قبيح فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعت العرب))(24 )، فهذا العنوان إشارة واضحة الى فرضيات النحويين، وتحكمهم باللغة. وغيرها من هذه القرائن اللفظية التي يتعذر تعينها بلفظة أو عبارة واحدة، ولكن تتضح المفردة الدالة على الافتراض بحسب السياق التركيبي للجمل. كما أن هناك بعض المصطلحات النحوية التي وردت في كتب النحو دالة على بعض جزئيات مفهوم مصطلح الافتراض كمصطلح (التوهم) في النحو، فهو ((عملية تصويرية تقديرية لجأ اليها النحاة من أجل تحقيق الانسجام بين بعض المسموعات والقواعد التي اصطنعوها))(25 )، إذ قال سيبويه في باب المفعول المطلق: ((وذلك قولك: مررت به فاذا له صوت صوت حمار، ومررت به فاذا له صراخ صراخ الثكلى... فكأنه قال: فإذا هو يصوت، فحمله على المعنى فنصبه، كأنه توهم بعد قوله له صوت: يصوت صوت حمار أو يبديه، أو يخرجه صوت حمار))(26 ). كما نجد في هذا النص نفسه مصطلحا آخر وهو (الحمل على المعنى)، ولا يخرج مفهومه الدلالي عن بعض جزئيات مفهوم مصطلح الافتراض.
ومنها أيضا مصطلح (التصور)، الذي أشار اليه النحويون كالتوجيه الإعرابي للفعل المنصوب بعد حروف العطف (الواو والفاء وأو) على أنه منصوب بأن مضمرة، والمصدر المؤول منهما معطوف على مصدر متصور قبل حرف العطف، قال ابن جني: ((إذا قلت: زرني فأكرمتك، فإنك إنما نصبته، لأنك تصورت فيه: لتكن زيارة منك فاكرام مني))( 27). فمعنى التصور في هذا المثال لا يخرج عن معنى الافتراض.
وهناك مصطلح آخر قريب في دلالته عن مفاهيم هذه المصطلحات، وهو مصطلح (الحمل على الموضع)، لأنه قائم على تصور شكل معين للتركيب مغاير لواقع التركيب اللغوي، كما ذهب الخليل ويونس الى ((أنه يجوز: ما أتاني غير زيد وعمرو. فالوجه الجر. وذلك أن غير زيد في موضع الا زيد وفي معناه فحملوه على الموضع))(28 )، ومنه ما ذكره سيبويه في قول عقبة الأسدي(29 ): معاوي إننا بشر فأسجع فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فقد ذهب الى نصب (الحديدا) من باب العطف على موضع خبر ليس المجرور. وموضعه النصب. وكل هذه المصطلحات تدخل في الحيز العام لمفهوم الفرضية، ولكنها لا تعطي الدلالة الكلية الشاملة لها بل تعد بهذه المعاني جزئيات ضيقة الحدود بالموازنة مع ما تؤديه الفرضية من معنى واسع عميق.

مصطفى شعبان
04-01-2016, 02:11 PM
أسباب نشأة الفرضيات في النحو العربي:
لكل ظاهرة نحوية أسباب معينة تؤدي الى نشوئها وانتشارها، وبما ان الفرضيات إحدى هذه الظواهر، فقد كانت لها عدة أسباب يمكن تسليط الضوء عليها بالنقاط الاتية:
أولا: نقص الاستقراء: يعد نقص الاستقراء من الأسباب المهمة التي جعلت الفرضيات تحتل حيزا كبيرا في الدرس النحوي، وقد أشار الى هذا النقص جملة من الباحثين(30 )، ذهبوا الى أن استقراء النحويين لم يكن متصفا بالدقة والشمول، وهناك أسباب جعلتهم يذهبون هذا المذهب، إذ رأوا أن هناك قواعد غير معضدة بالشاهد النحوي لأن الطبيعة التي يفرضها التقعيد هي أن تكون ((القاعدة نتيجة من نتائج الاستقراء فمن الضروري ايراد بعض الشواهد والأمثلة التي جرى عليها الاستقراء، لتكون سندا للقواعد وايضاحا لها، ويحسن أن تكون هذه الشواهد والامثلة كثيرة الى حد ما))( 31)، في حين أن بعض القواعد النحوية لم تعضد الا ببعض الأمثلة المصنوعة ((ذلك أن النحوي يصنع شواهده من (زيد) و (عمرو) كلما أعوزه الشاهد القديم ومعنى هذا أن استقراءهم للفصيح من كلام العرب لم يكن وافيا))(32 )، ومنهم من قرر أنه ((لم يكن بين يدي النحاة – من أبي الأسود الى سيبويه – مادة لغوية كافية – فضلا عن أن تكون مدروسة – بحيث يمكنهم إدراك النظام النحوي الكامل للغة والتعبير عنه موضوعيا على شكل قواعد وقوانين نحوية))(33 ). وهناك سبب آخر لا يقل شأنا عن المتقدم يتضح لنا من خلال تعامل النحوي مع النصوص العربية والحكم على ((كل ظاهـرة جارية في الاستعمال وتخالف قواعدهم بأنها إما (شاذة)، واما (قليلة)، وإما (جائزة على الضعف)، مما يبطل القياس عليها، أو يلجأ الى تأويلها تآويل شتى في حال (السماح) بتبنيها))( 34). وهكذا نجد النحويين في وضع مضطرب، فهم من جانب لا يعتمدون في إسناد القاعدة إلا على المثال المصنوع، ومن جانب آخر يحكمون على النص العربي الذي لا يوافق القاعدة بأحكام تعسفية، أو يلجؤون الى سلوك طريق ملتو من طرق التأويل كي يخضعوه للقاعدة المفروضة. وما هذه الفرضيات التي تمثلت بالقاعدة النحوية وما ترتب عليها الا دليل واضح على نقص الاستقراء النحوي، بمعنى أن الاستقراء النحوي لم يحط بكل ظواهر اللغة على الوجه العام الشامل. ومع هذا فإن هناك من الباحثين من ذهب مذهبا مخالفا لما أثبته، كما يرى الدكتور عدنان محمد سلمان إذ يقول: ((اعتمد علماء اللغة والنحو الاستقراء في تتبعهم كلام العرب واستخلاص الظواهر اللغوية والقواعد النحوية، وقد خيل لبعض الباحثين أن علماء اللغة والنحو قد كانوا يفرضون القواعد ثم يعمدون الى إخضاع كلام العرب، لهذه القواعد. فيرتضون ما وافقها، ويرفضون ما جاء خارجا عنها(*)... وهذا كلام لا يستند الى حجة مدروسة، ولا يمتلك الدليل الناصع))(35 )، ويقول في موضع آخر: (أما وضع الأحكام فقد كان اعتمادهم فيه على الاستقراء وحده))( 36)، وقال أيضا: ((إن النحاة قد اعتمدوا المنهج الوصفي القائم على الاستقراء. فبنوا أحكامهم النحوية على ما استخلصوه من ذلك الاستقراء الواسع لمختلف أنماط الكلام العربي. واستطاعوا أن يضبطوا قوانين النحو العربي وقواعده الكلية والجزئية، سواء أكان ذلك متعلقا بمفرداتها أم كان متعلقا بتراكيبها، وأنهم استوعبوا نظم العربية ولم يفتهم من أحكامها شيء ذو بال))(37 ).
والواقع ان هذا الرأي على الرغم من معارضته لفكرة نقص الاستقراء التي سلمنا بوجودها، إلا أنه لا يعد رأيا خاطئا. وسأحاول تأييده وإثبات صدقه بفكرة هينه.
من المعروف أن النص القرآني يحتل منزلة رفيعة في نفوس المسلمين، وكل مجالات المعرفة العلمية الإسلامية كانت تدور حوله، وكان الباعث الأساسي لها، وعلوم العربية كانت من جملة هذه العلوم، وقد كان ((الدافع الرئيس والسبب المباشر الذي أدى الى التفكير في وضع ما يسمى بعلم العربية على اختلاف فروعه وعلومه من أصوات ولهجات ومعجمات وغريب ونحو وصرف، فقد كانت خشية المسلمين على كتابهم أن يصبه اللحن في قراءاته أو التصحيف في أحرفه فيؤدي ذلك الى تحريف آياته))( 38)وعلى الرغم من ذلك فاننا نجد بعض القواعد النحوية مخالفة لبعض الظواهر اللغوية المطردة في النص القرآني، فلو نظرنا – على سبيل المثال لا الحصر – الى قاعدة جمهرة نحاة البصرة التي تنص على أن أدوات الشرط مختصة بالدخول على الجمل الفعلية، ولا يجوز دخولها على الجمل الاسمية، ونظرنا في الوقت نفسه الى النص القرآني، لوجدنا أن ظاهرة دخول أدوات الشرط على الاسم مما يطرد فيه، إذ نجد أن أداة الشرط (إذا) يرد دخولها على الاسم في سورة التكوير وحدها اثنتي عشرة مرة (الايات 1-13) وبشكل متتابع، ونحن نعلم أن كثيرا من النحاة المؤسسين كانوا من حفظة القران وقرائه. فهل من المعقول أن يفوتهم استقراء مثل هذه الظاهرة ؟! إن هذا المثال وغيره من الأمثلة التي ترد على نسقه، تقودنا الى الاطمئنان بأن ليس كل ما جاء مخالفا للقاعدة النحوية المفروضة، وما ترتب عليها من نتائج كان سببه نقص الاستقراء، بل أن هناك سببا آخر سيكشف لنا علة تضارب آراء الباحثين في الاستقراء النحوي، ولعله لا يقل شأنا عنه يكمن في النقطة التالية.
ثانيا: اعتماد النحويين على البيئة الحجازية في التقعيد النحوي.
اذ اعتمد النحويون في تأصيل قواعدهم على أساس لهجة قريش ولهجات القبائل المحيطة بها والتي كانت ضمن الحيز الجغرافي لبيئة الحجاز، ولعل نظرة النحاة الى هذه اللهجة ترجع الى أسباب دينية وسياسية واقتصادية، وقد ورد في الاقتراح أن هناك أسبابا أخرى تتعلق باللغة أدت الى انتقاء هذه اللهجات، منها أن ((...قريش أجود العرب انتقادا للافصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا وابانه عما في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي من قبائل العرب هم قيس، وتميم واسد... ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم))(39 ) وبذلك ضيق النحويون دائرة الاخذ عن كثير من لهجات القبائل الأخرى، إذ ((اتفق علماء العربية الأقدمون على أن لغة قريش النموذج الأعلى للفصاحة وأن لغة التنزيل جاءت عليها))( 40) على الرغم من تعدد اللهجات في جزيرة العرب، وبذلك اقتصرت الرواية على صورة واحدة من صور هذه اللهجات ((ذلك أن العربية في صورتها التي بين أيدينا ليست إلا فرعا من فروع العربية غلبة القرآن، وفرضته الحياة الجديدة التي صار إليها المجتمع بعد نزول الكتاب الكريم وسطوع نوره في جزيرة العرب. وليس ثمة من ينكر أن في العربية لهجات وفروعا أخرى، بعضها معروف وبعضها غير معروف، تختلف في بعض أصولها وقواعدها وتتمايز تمايزا واضحا، ولكنها أصبحت بعد نزول القرآن وجمعه وضبط قراءاته في عداد المنقرض المهمل))( 41)، لقد أتيحت لهذا الفرع من فروع اللهجات ظروف خاصة جعلته يتسنم المكانة الرفيعة بين اللهجات العربية، فكانت لهجة قريش بسبب احتكاكها باللهجات الأخرى تهضم وتبتلع ما يفد إليها من تلك اللهجات، فأخذ هذا المزيج يشكل لهجة مميزة كانت نواتها الاولى لهجة قريش، ((هذه اللهجة الموحدة لم تنضج ولم تتسع إلا على حساب اللهجات الأخرى، أي أنها اخذت من اللهجات العربية ما تستحسنه من الألفاظ والتراكيب، وطرق الأداء، ثم مزجت ذلك كله، وأبرزته في صورة لغة واحدة))( 42) ولكن هذا لا يعني أن هذه اللهجة نسخت وجود اللهجات الأخرى، بل ((ان صور الخلاف بين اللهجات التي نقلها إلينا النحاة في ثنايا كتبهم لتشهد بما كان لبعض اللهجات من قوة تكاد تساوي بها قوة لهجة قريش... إذ إنه ليس من السهل أن نتصور خضوع شعراء القبائل جميعها للهجة قريش في كل ما ينشدونه من قصائد في مجتمعاتهم، وفي أسواقهم الادبية))( 43). إلا أن الرواة والنحاة عمدوا الى هذه اللهجة مستقصين مفرداتها وتراكيبها وأساليبها ((فقد رفعوا من شأنها على حساب اللهجات الأخرى، بل أنهم زادوا في احترامها، وأسبغوا عليها صفات هي أقرب الى صفات القداسة))(44 )، على الرغم من أن الكثير من اللهجات الأخرى وردت في القرآن الكريم، وقرئت بها آياته.
وعندما بدأ النحويون بتأسيس القواعد النحوية كانوا بمواجهة عدة لهجات تختلف في دلالات مفرداتها، وتراكيبها وأساليبها ؛ لذا كان عليهم التزام لهجة واحدة من بين هذه اللهجات، وتأسيس القواعد على وفق ما جاءت به من تراكيب، فعمدوا الى لهجة قريش لما تتمتع به من سيادة على اللهجات الاخرى، وانطلاقا من هذا الإجراء نشأ ابتداع الأصول والفروع في اللغة الواحدة، إذ افترضوا أن كل حالة لها أصل وفرع، والمراد بالأصل: ((القالب المعياري المفترض أو المتصور في ذهن النحاة))(45 )، في حين أن كثيرا من هذه الفروع ترد مخالفة لتلك الأصول، والواقع أن فكرة الأصل، والفرع ليست موجودة، إنما اختلقها النحويون، لأن كلا من الأصل والفرع هو من كلام العرب. وهكذا عممت القاعدة النحوية التي أصلت على أساس لهجة واحدة على لهجات متعددة، لانهم عدوا ((كل ما أثر عن العرب صحيحا، وبالتالي فكل ما صح لديهم من كلام العرب ينبغي أن يكون مطابقا لهذه القواعد العامة التي لم تكن في الواقع سوى ظواهر وضوابط للهجة عربية واحدة))(46 )، فكان استقراؤهم وافيا للهجة بيئة الحجاز، وقواعدهم الخاصة بهذه اللهجة عامة شاملة، ولكن استقراءهم للهجات الأخرى كان ناقصا، في حين أنهم لا يستطيعون أن يخطئوا ما يرد عليهم من كلام العرب نثرا ونظما، فحاولوا ابتكار طرق للحفاظ على القاعدة النحوية من خطر الانهيار أمام هذه النصوص، تمثلت برمي النص العربي بالشذوذ، والقلة، والضعف، أو أن يسلكوا طريقا آخر يتمثل بالتأويل النحوي كي ينسجم النص مع القاعدة، وأصبحت هذه النصوص في خدمة القاعدة النحوية، هي التي تتحكم بها، بدلا من أن يكون العكس. لذا فإن أحد الباحثين يفترض أن النحويين المؤسسين كان عليهم ((وضع نحو خاص لكل قبيلة، يساير لغتها ولهجتها، ويلائم لسانها دون غيرها من القبائل، فيجئ نحوا صافيا، لا بلبلة فيه ولا اشتراك))( 47)، وأنى لهم ذلك؟ وهم بصدد محاولة تقعيد اللسان العربي عموما، وإيجاد سبيل للإتلاف بين جزئيات الظاهرة اللغوية في اللهجات كافة، لتدخل في حيز القاعدة الواحدة.
ويعد الاعتماد على اللهجة الحجازية في التقعيد النحوي من أهم أسباب نشأة الفرضيات في النحو، كما أنني أستطيع أن أخرج بنتيجة مؤادها، أن ليس كل ظاهرة أخضعها النحويون الى القاعدة بطرق التأويل النحوي كان سببه الرئيس نقص الاستقراء، لأن هناك سببا آخر أكثر أهمية منه، وهو الأصل المفترض الذي أعتمد في وضعه على لهجة بيئة الحجاز، إذن فنقص الاستقراء موجود بنسبة معينة إلا أنه من غير الممكن عده سببا في كل ما خضع للتأويل، ولعل هذه المسألة هي التي أدت الى اختلاف آراء الباحثين حول إثبات وجود نقص الاستقراء ونفيه.
ثالثا: عدم اعتماد النحويين على صيغة عمل معينة. لعل من جملة أسباب نشأة الفرضيات اتصاف عمل النحاة في أغلبه بالفردية من حيث استقصاء المادة والنظر اليها لاستنباط القاعدة، إذ إن ((الاستقراء الفردي لا يؤدي الى الطمأنينة، فلابد من المصير الى استقراء الجماعات، ثم أن الاطلاع وحده لا يغني شيئا ما لم يعضده الانتباه الى محل الشاهد، وموطن الاستنباط))( 48)، ويدلنا على ذلك استدراكات النحويين اللاحقين على من سبقهم ((فقد استدرك مثلا على سيبويه. وهو من أوسع العلماء استقراء للعربية، استدرك عليه ابو بكر الزبيدي (ت 379هـ) في باب أبنية مفردات العربية، ووضع في ذلك كتابا سماه: (كتاب الاستدراك على سيبويه في كتاب الابنية)(*)، أورد فيه الأبنية التي وقعت في كتاب سيبويه...، وأعقب كل بناء بذكر الأبنية الزائدة على أبنية سيبويه... وممن استدرك عليه أيضا ابن خالويه... واستدرك عليه كذلك ابن جني))( 49)، كما يدلنا على استقلالهم بالعمل النحوي كثرة الخلافات المبثوثة في كتب النحو ابتداء من كتاب سيبويه، فما تلك الخلافات إلا دليل على نظرة النحوي الخاصة الى تراكيب اللغة، فضلا عن تباينهم واختلافهم في اخذ اللغة عن الاعراب.
رابعا: استمرار آلية الدرس النحوي على الرغم من توقف ينابيع الرواية، مما أدى الى نشأة فرضيات متعددة الأنواع، كان السبب الرئيس في نشأتها استيعاب الدرس النحوي وهضمه للغة المرحلة الزمانية المحددة للاستقراء ؛ لأن ((إيقاف الاستشهاد عند حد معين جعل النحاة وقد جفت روافد الاستقراء عندهم..يلجأون الى ما لديهم من قواعد، فيجعلونها مادة الدراسة بدل النصوص التي أعوزهم الجديد منها))( 50)، فأصبح بذلك الحكم النحوي مادة الدرس، وبدأت الدراسات تصب في فلسفة هذه الأحكام، فكثر التعليل، وبدأ الاعتماد على التمارين العقلية، وصنع الأمثلة على القواعد عند عدم توفر الشاهد النحوي، واخذت آثار التراكمات الفكرية المتمثلة بالتخريج والتوجيه، والتعليل، تحتل مساحات واسعة في المصنفات النحوية.
خامسا: هناك أسباب تتعلق بالنحويين أنفسهم كان لها أثر كبير في نشأة الفرضيات في النحو العربي، وقد دفعت هذه الأسباب النحويين الى التماس كل ما هو بعيد ومعقد، إذ سلكوا المسالك الصعبة، والطرق الملتوية في سبيل الوصول إليه، كي يتسنى لهم الحصول على ما يبتغون عن طريق النحو، عندما أصبح حرفة يحترفها النحوي من أجل الكسب، ولم تعد الغاية من النحو مقتصرة على فهم اللغة وتراكيبها، ووظائف مفرداتها. والميل الى التماس الطرق الواضحة في تناولها، فهناك روايات تفيد بأن من النحويين من كان يغلو في تعقيد قواعد النحو، ويحاول تعتيم مسائله، وزيادة غموضها، لهذه الأسباب فقد ذكر الجاحظ (ت 255هـ) أنه سأل الأخفش (ت 215هـ) قائلا: أنت أعلم الناس بالنحو فلم لا تجعل كتبك مفهومة ؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها ؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم ؟ فيجيبه الأخفش قائلا: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه لقلت حاجات الناس إلي فيها، وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت الى التكسب قد ذهبت(51 ). وهناك أسباب أخرى غير التكسب منها تنافس النحويين على تصدر حلقات الدرس في المؤسسات العلمية، ولعل القصة المعروفة التي حدثت في بغداد بين ثعلب (ت 291هـ) والمبرد (ت 285هـ) خير دليل على ذلك، كما أن اهتمام أولياء الأمور بالعلم والعلماء زاد من حدة الايغال في الاجتهادات النحوية، إذ ((ازداد باب الاجتهاد في النحو توسعا عندما قرب الخلفاء الادباء والرواة والنحويين، فكان التنافس والميل الى الظهور بمظهر العالم المحقق يدفع بأغلبهم الى التأويل الغريب بالطرق الملتوية، وينبري لإثبات تأويلاته بشتى البراهين فهو يلجأ الى القبائل يستنطقها عله يجد عندها ما يؤيد رأيه، وإن كان ذلك الدليل شاذا وغريبا))(52 ).

مصطفى شعبان
04-01-2016, 02:18 PM
(*) بما ان المادة اللغوية المشتقة منها هذه اللفظة هي مادة (ف، ر، ض) ومن معانيها التي جاءت في كتب اللغة (الوجوب، والتقدير) ؛ لذا فانها قد ترد أثناء الكتابة بالفاظ اخرى من المادة اللغوية نفسها كـ (الفرض، والافتراض).
( 1) الخصائص: 3/332.
(2 ) الخصائص: 3/333.
(3 ) المصدر نفسه: 3/342.
(4 ) المصدر نفسه: 2/90.
( 5) المصدر نفسه والجزء والصفحة.
( 6) المفصل في تاريخ النحو العربي: 1/234.
( 7) ينظر الكتاب: هارون: 3/206.
( 8) المصدر نفسه: 3/207.
(9 ) المصدر نفسه: 3/206.
( 10) عقد الدكتور عبد الرحمن السيد في كتابه مدرسة البصرة النحوية مبحثا صغيرا تحت عنوان (فلسفة النحو بافتراض المسائل وتوجيهها) ص83، كما عقد الدكتور محمد خير الحلواني في كتابه المفصل في تاريخ النحو العربي، مبحثين صغيرين تحت عنوان (الافتراض)، في تناوله لمنهج الرأي والاجتهاد عند يونس، والخليل: 1/234، 296.
( 11) ينظر على سبيل المثال: المنطلقات التأسيسية والفنية الى النحو العربي: 125، 148، 149، 152، 178، 191، 196، 204، وغيرها، وخطى متعثرة على طريق تجديد النحو العربي: 28، 29، 35، 77، 84، 91، وغيرها، وأصول التفكير النحوي: 173، 227، 228، 229، وأصول النحو العربي للدكتور الحلواني: 139، 200، 204، وتطور الدرس النحوي: 57، 58، والمفصل في تاريخ النحو العربي 1/163،169، ودراسات نقدية في النحو العربي: 31، 268، والجملة العربية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة: 156، 157 بحث للدكتور نعمة العزاوي منشور في كتاب المورد العدد (12) سنة 1986، ومكانة الخليل بن أحمد في النحو العربي: 80، 81، ورأي في بعض الأصول اللغوية والنحوية: 60، واللغة والنحو بين القديم والحديث: 134، وفي إصلاح النحو العربي – دراسة نقدية: 32، ونحو القرآن: 28، 21، ودراسات في اللغة والنحو: 45، والنحو العربي، العلة النحوية: 117، واللغة بين المعيارية والوصفية: 21، ومن أسرار العربية: 321، والنحو العربي نقد وبناء: 28، وغيرها.
(13 ) المفصل في تاريخ النحو العربي: 1/169.
( 14) المصدر نفسه: 1/166.
( 15) المصدر نفسه: 1/184.
( 16) المنطلقات التأسيسية والفنية الى النحو العربي: 176.
( 17) اصول التفكير النحوي: 173.
(18 ) المصدر نفسه: 227.
( 19) من اسرار العربية: 321.
( 20) النحو العربي نقد وبناء: 112.
(21 ) في اصلاح النحو العربي – دراسة نقدية: 32.
( 22) المفصل في تاريخ النحو العربي: 1/163.
(23 ) الايضاح في علل النحو: 66.
(24 ) اللغة بين المعيارية والوصفية: 4.
(25 ) الكتاب: 1/334.
( 26) التوهم في اللغة والنحو: 147.
( 27) الكتاب: 1/355-356.
( 28) الخصائص: 3/49.
( 29) الكتاب: 2/344.
( 30) المصدر نفسه: 1/67، 2/292، 344، وينسب الى عبد الله بن الزبير الأسدي، ينظر شعره:145.
(31 ) ينظر على سبيل المثال النحو العربي نقد وبناء: 63، ونحو القرآن: 7، 26، ومدرسة الكوفة: 72، وآراء في العربية: 102، ونظرات في اللغة والنحو: 14، وفي اصلاح النحو العربي: 22.
( 32) اللغة بين المعيارية والوصفية: 166.
( 33) النحو العربي نقد وبناء: 63.
(34 ) في اصلاح النحو العربي: 22.
(35 ) المنطلقات التاسيسة والفنية الى النحو العربي: 139.
(*) يشير الى ما ذهب اليه الدكتور أحمد عبد الستار الجواري، إذ قال في حديثه عن النحاة بأنهم ( آثروا جانب المنطق، فتصوروا القاعدة قبل استقراء المادة اللغوية، وركبوا مركب الشطط، فحاولوا أن يجعلوا للقاعدة المجردة سلطانا على المروي المأثور، يحكمونها فيه ويحسبون أن ذلك هو الصواب، وما هو إلا مجانبة الصواب ولقد بلغ بعضهم في هذا المجال مبلغ الإيغال والغلو، فحكموا على مواضع من آي القران بخروجها على نحو العربية، وركنوا الى التأويل والتخريج، حتى تنسجم تلك المواضع بأساليبها الرائعة وتراكيبها الدقيقة مع ما افترضوا من قواعد وما رسموا للنحو من حدود) ينظر نحو القران: 7-8.
( 36) دراسات في اللغة والنحو: 45.
( 37) المصدر نفسه: 206.
( 38) المصدر نفسه: 240.
(39 ) المدارس النحوية: 64.
( 40) الاقتراح: 56.
(41 ) العربية بين أمسها وحاضرها: 53.
(42 ) نحو التيسير: 19-20.
(43 ) اللغة والنحو دراسة تاريخية وتحليلية ومقارنة: 74.
( 44) المصدر نفسه: 51.
(45) اللغة والنحو دراسة تاريخية وتحليلية ومقارنة: 47.
(46 ) الكتاب بين المعيارية والوصفية: 64.
( 47) اللغة والنحو دراسات تاريخية وتحليلية ومقارنة: 124.
( 48) اللغة والنحو بين القديم والحديث: 106، ورأي في بعض الأصول اللغوية والنحوية: 51.
(49 ) نظرات في اللغة والنحو: 14.
(*) طبع الكتاب في روما سنة 1890م عني بنشره ووضع مقدمة وملاحظات عليه باللغة اللاتينية المستشرق جويدي، وهو في 40 صفحة في حجم الثمن، وفي دار الكتب المصرية نسخ خطية متعددة من هذا الكتاب، ينظر كتاب سيبويه وشروحه: 276.
(50 ) دراسات في اللغة والنحو: 63-64.
( 51) اللغة بين المعيارية والوصفية: 175-176.
(52) الحيوان: 1/91.
( 53) آراء في العربية: 84.

عبدالله بنعلي
04-01-2016, 04:17 PM
من موقع الالوكة :
لمحة عن الافتراض النحوي وأصنافه
أ. د. عبدالله أحمد جاد الكريم حسن


تاريخ الإضافة: 5/10/2015 ميلادي - 21/12/1436 هجري

لمحة عن الافتراض النحوي
وأصنافه



هناك صنفان من أصناف الافتراض؛ الأول: يختص بالتقعيد النحوي، إذ فرض النحويون القاعدة على اللغة بإطلاق عام شامل؛ بمعنى أنهم قاموا بتسخير اللغة لسلطان القاعدة النحوية الجامدة، وليس العكس، ولكن اللغة أكثر اتساعًا من أن تحدها قاعدة نحوية؛ لذلك فإننا نجد أن الظاهرة اللغوية تخترق القاعدة النحوية، وكأن القاعدة تلتزم بأحد أطراف الظاهرة دون الأطراف الأخرى، لأنها تتصف بصفة الاتساع، فيكون أمر إحكامها، والسيطرة عليها أمرًا ليس باليسير، فكانت القواعد في أغلبها لا تتمكن من الإحاطة بكل أجزاء الظاهرة اللغوية.



ونتيجةً لهذه الفرضيات تولد الصنف الثاني منها، وهو يختص بالتخريج النحوي، إذ كان لابد من الحفاظ على القاعدة النحوية بطريقة ما، وإيجاد الحلول المناسبة لهذه المسائل المشكلة، كي يتم للقاعدة لم أشتات الظاهرة اللغوية، والإحاطة بكل جزء من أجزائها، وكانت تلك الحلول نتائج فرضية جديدة، تمثلت بالتأويل، والتقدير، ورمي النص العربي بالشذوذ، والندرة، والضعف الذي لا يقاس عليه.



كما يتضح لنا أن التعليل النحوي أمر ظني احتمالي قوامه الفرض، ووظيفته تبرير القاعدة النحوية، وهذا ما صرح به عبقري العربية الخليل بن أحمد إذ قال:" إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها. وعرفت مواقع كلاهما، وقام في عقولها علله، وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما اعتللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن لم تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارًا محكمة البناء، عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها، بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا، سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علةً لذلك. فإن سنح لغيري علة لما اعتللته من النحو فهو أليق مما ذكرته بالمعلول؛ فليأت بها" [1]، وهذا دليل على أن العلل النحوية تمثل أجلى صور الافتراض في النحو العربي.



كما يتضح أيضًا أن هناك قواعد بنيت على أسس مفترضة لا تدعمها نصوص اللغة إلا أن النحويين قاموا بافتراض الأمثلة التي تدعم هذه القواعد، وهذه الأمثلة من صنع النحويين أنفسهم، ولا نظائر لها في اللغة المستقرأة. وهذه العملية نشطت بعد عصر الاستشهاد، " فلما انتهى عصر الاستشهاد، وكان على اللغويين أن يستمروا في دراسة اللغة دون أن تتجدد الشواهد في أيديهم، وجدوا أنفسهم بوضع اضطروا فيه إلى أن يدوروا حول ما وضعه السلف من قواعد، فجعلوا كلامهم عنها، لا عن مادة اللغة، ولم يعد ثمة مكان للاستقراء، لأن السلف في نظرهم كانوا قد أتموا هذه العملية، وأوقفوا العمل فيها برفض الجديد من الشواهد، وهنا بدأ فرض القواعد على الأمثلة "[2].



إذن قد " يصل الأمر بهم أن يفترضوا وجود تراكيب لا وجود لها فعلًا، ولكنه – النحوي - مدفوع إلى افتراضهم بحكم التزامه للقواعد النحوية، أو بعبارة أخرى أن النحو لا يعيد صياغة النص الموجود فعلًا، إذ هو يخلق نصوصًا لا وجود لها..!!" [3].



ومن يقرأ كتب النحاة يجد أنهم قد أفرطوا في الافتراض " حتى إمامهم سيبويه - كما مر - في كتابه الذي يعد بحق أساس كل البحوث اللغوية القديمة - والحديثة - قد سلك هذا المسلك في غالب الأحيان، فهو يؤلف العبارات الفرضية، ويبني عليها القواعد، ويفترض تسمية الإنسان بما لا يخطر على بال عربي، ثم يجري قياسه ويعمل منطقه، ويستخرج لنا من مثل تلك الفروض أحكامًا لغوية، وطرقًا من أساليب اللغة ما أنزل الله به من سلطان "[4].



وبعد فإن المتصفح للتراث اللغوي والنحوي يجد تأكيدات من علماء كثيرين تؤكد أنه لا يجوز الحذف أو الاستغناء أو الحمل أو الاختصار أو غير ذلك؛ دون علم المخاطب بما حدث في الكلام، وكذلك إدراك المتكلم بما يفعل، وإلا سيكون مثل هذا الأمر أمرًا اعتباطيًا عبثيًا لا طائل من ورائه ولا فائدة منه، فمثلًا يشترط أن "يأتي الاتساع – أو الحذف أو الاستغناء أو التضمين...إلخ - علي سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى[5]" أي:" يشترط أن يكون المخاطب فاهمًا للمعنى، ولا يفهم المخاطب ذلك إلا إذا كان هذا التجوز أو كثر الاختيار من العرف اللغوي؛ أي: من سليقة المتكلم والمستمع معًا وكفاية كل منهما اللغوية، وهذا هو الجانب الإبداعي في اللغة[6]"، ويؤكد العلماء أن هذه الأمور تطلعنا "علي حقيقة العربية، وميلها إلي الإيجاز الشديد، وأن المحـذوفات في كتاب الله تعالـي - لعلـم المخاطبين بها - كثيرة جدًا، وهي إذا أظهرت تم بها الكلام، وحذفها أوجز وأبلـغ ".[7]والمبيح لذلك كله فهم المعنى وعدم الإلباس[8].

[1] الإيضاح في علل النحو، للزجاجي، تحقيق: مازن المبارك، مكتبة العروبة، القاهرة، 1959م (ص66).

[2] اللغة بين المعيارية والوصفية، لتمام حسان (ص4).

[3] الحذف والتقدير؛ لعلي أبو المكارم (ص201).

[4] من أسرار اللغة، لأنيس (ص9).

[5] الكتاب، لسيبويه (1 /109).

[6] النحو والدلالة، لحماسة عبد اللطيف (ص 86).

[7] الرد علي النحاة، لابن مضاء الأندلسي (ص69).

[8] همع الهوامع، للسيوطي ( 1 /186).

ايمان كمال
04-15-2016, 02:12 PM
يسلمووووووو ع الطرح

أيام
07-16-2016, 06:56 PM
بارك الله فيكم علي الموضوع