مصطفى شعبان
04-17-2016, 10:56 AM
اللغة والنحو في فكر الفارابي الفيلسوف
للدكتور عبدالكريم خليفة
فأبو نصر هو محمد بن محمد بن طَرْخَان الفارابي الفيلسوف، وسمي الفارابي نسبة إلى مدينة فاراب من حواضر مدن الترك وراء نهر سيحون قريبة من كاشغر إحدى المدن العظام في تخوم الصين. وكان مولده في فاراب حوالي سنة 259هـ ونشأ وترعرع وقضى وقتاً غير قصير فيها. وتشير الروايات التي بين أيدينا إلى أن الحياة العلمية كانت مزدهرة في هذه المدينة، شأنها في ذلك شأن بقية مراكز الإشعاع الثقافي والعلمي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وعلى امتداد دار الإسلام من أواسط آسيا شرقاً إلى الأندلس وحاضرتها قرطبة في أطراف أوربا غرباً.
وتحدثنا الروايات أن أبا نصر قد عاصر في فاراب هذه لغويين مشهورين هما: إسحق بن إبراهيم الفارابي (350هـ)، صاحب ديوان الأدب، والجوهري (ت386هـ) صاحب الصحاح. ويولي الأستاذ الجليل إبراهيم مدكور في بحثه القيم "الفارابي والمصطلح الفلسفي" أهمية خاصة لهذه البيئة الأولى في التكوين اللغوي للفارابي الفيلسوف. وعندما رحل إلى بغداد كان في حوالي الخمسين عاماً من عمره، وكانت بغداد إذ ذاك حاضرة الدنيا ومركز العلم والحضارة، ولا شك أن أبا نصر كان له حظ وافر في هذه الأوساط العلمية..... وأنّ عنايته بالعربية وعلومها قادته ولا شك إلى الاتصال بأوساط النحاة واللغويين. ويحدثنا ابن أبي أصيبعة أن الفارابي قد اتصل بابن السراج (ت 316هـ)، وأنه كان يقرأ عليه النحو ويقرئه المنطق. وتشير المعلومات التي بين أيدينا إلى أن وصوله إلى بغداد كان ما بين عامي 306هـ و308هـ .... ثم رحل إلى حلب والتقى بالأمير سيف الدولة الحمداني سنة 334هـ، وكان بلاطه موئل كبار العلماء والأدباء والشعراء .... وتنبئنا الأخبار بأنه رحل معه إلى دمشق. وتوفي أبو نصر، رحمه الله، في رجب سنة 339هـ كما تشير معظم الروايات.
ونحن نشارك الأستاذ مدكور بأن أبا نصر الفارابي لم يلق ما يستحقه من البحث والدراسة في جوانب فكره الخصب، وأن ابن سينا وابن رشد قد طغيا عليه وحجبا توجيه الاهتمام إلى دراسة فكره وفلسفته، والآثار التي تركها في الفكر الإسلامي بخاصة والفكر العالمي بعامة. ونود أن نضيف إلى ذلك بأن حيفاً قد لحقه أيضاً في العصر الحديث حيث قاد الوهم بعض الباحثين إلى الوقوع في اللبس بين أبي نصر الفارابي الفيلسوف وبين إسحاق بن إبراهيم الفارابي اللغوي صاحب ديوان الأدب الذي أشرنا إليه سابقاً ..... وربما كانت المعاصرة والعلاقة العلمية بينهما في فاراب، والانتساب إلى المدينة ذاتها، سبب هذا اللبس.
وكان للتكوين اللغوي أثر مهم في حياة الفارابي العلمية والفكرية، وإنَّ تمكنه من العربية لغةً ونحواً، واهتمامه الواضح في دراسة النحو على شيوخ النحاة سواء أكان ذلك في فاراب أم في بغداد، فضلاً عن مجالس سيف الدولة الحمداني في حلب، قد أدى به كل ذلك إلى صياغة ما نستطيع أن نسميه نظرية متكاملة تتناول اللغة من حيث هي لغة بجوانبها المختلفة، فمنها ما يمسّ الألفاظ وأحوالها التي تشترك فيها جميع الأمم، ومنها ما يمسّ النحو من حيث قواعده وقوانينه التي تنتظم الألفاظ والتراكيب، ومنها ما يمسّ الأصوات والحروف ... وينتقل منها إلى صياغة نظرية كلية في تحديد علاقة اللغة بالفكر.....
ونحن لا نهدف في هذا البحث المتواضع إلى أن ندرس أصول هذه النظرية عند الفارابي والمصادر التي استلهمها في تحديد نظريته اللغوية، ولكننا نريد أن نوجّه الاهتمام إلى أهمية دراسة الجانب اللغوي بعامة والنحوي بخاصة في فكر الفارابي الفيلسوف، فقد شهدت الدراسات اللغوية والنحوية ازدهاراً بلغ الذروة، بل حدّ النضوج في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فالحديث عن "علم اللغة" وعن "علم النحو" وعن الأصوات والتجويد في نطقها، قد سبق الفارابي الفيلسوفَ بمدة طويلة .... وكان للخليل بن أحمد فيما أثبته تلميذه سيبويه في "الكتاب" باع طويل في تحديد هذه العلوم ووضع أصولها في العربية.
وكما شُغِل اللغويون والنحاة في القرن الرابع الهجري في دراسة اللغة بألفاظها ونحوها وصرفها وشواهدها على مختلف المستويات العلمية والتعليمية، فقد شُغِلَ أيضا الفلاسفة والمفكرون بالقضية اللغوية من حيث مفهومها العام الذي يتجاوز لساناً ما بعينه إلى ما هو مشترك في ألسنة جميع الأمم. وهذا ما نجده منذ وقت مبكر عند فيلسوفنا الفارابي وكذلك عند إخوان الصفاء وخلان الوفاء في رسائلهم فضلاً عن مفكري وفلاسفة القرنين الخامس والسادس الهجريين أمثال ابن سينا وابن حزم وابن طفيل وابن رشد وابن ماجة والشهرستاني وغيرهم.
وقد احتلت القضية اللغوية المكانة الأولى في تقسيم العلوم عند الفارابي. وهذا ما نجده مثلاً في كتابه الذي سمّاه "إحصاء العلوم". فقد جعل هذا الكتاب في خمسة فصول، وكان الفصل الأول في علم اللسان وأجزائه، ويليه في الأهمية الفصل الثاني في "علم المنطق" وهو ما اشتهر به وكان من شيوخه الأوائل.
وقد حدّد الفارابي قصده فقال: "قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علماً علماً، ونعرّف جمل ما يشتمل كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجمل ما في كل واحد من أجزائه، ونجعله في خمسة فصول ..".
فمن الواضح أنه يهدف إلى إحصاء العلوم من ناحية ومن ناحية أخرى إلى تبيان مراتبها وفق منهج معين، ولا أدلّ على ذلك من تأكيده المستمر في بحوثه العلاقة العضوية بين علم اللسان من جهة وعلم المنطق من جهة أخرى وعلاقتهما المتسلسلة بالعلوم الأخرى وفق مراتبها.
ونلاحظ أن الفارابي قد تجاوز في مفهومه "علم اللسان" اللغات الخاصة بكل أمة على حدة، إلى الحديث عن علم شامل عام تشترك في أصوله جميع اللغات إذ يقول: "وعلم اللسان عند كل أمة ينقسم سبعة أجزاء عظمى: علم الألفاظ المفردة، وعلم الألفاظ المركبة، وعلم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة، وعلم قوانين تصحيح الكتابة، وعلم قوانين تصحيح القراءة، وعلم قوانين الأشعار.
ويرى الفارابي أن علم اللسان هذا يكون في الجملة على ضربين: أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما، وعلم ما يدلّ عليه شيء منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ".
ثم يقف الفارابي عند تحديد مفهوم مصطلح "القوانين" فيضع له تعريفاً شاملاً، يفسح فيه المجال كي تأتي -أي القوانين- على جميع الأشياء التي هي موضوعة للصناعة أو على أكثرها ....".
وفي قوله: "أو على أكثرها ...." يحتاط فيه لتفسير الشاذ عن القواعد اللغوية .. فالقوانين في كل صناعة، على حدّ تعبير الفارابي هي أقاويل كلية أي جامعة ينحصر في كل واحد منها أشياء كثيرة مما تشتمل عليه تلك الصناعة وحدها حتى تأتي على جميع الأشياء التي هي موضوعة للصناعة أوعلى أكثرها".
ويحرص الفارابي على تحديد مصطلحاته العلمية، فنجده يحدد مفهوم "القوانين" بأنها "الأقاويل الكلية".... وذلك من أجل أن ينبه إلى تطور معنى مفهوم "القوانين" ..... فقد كان القدماء يسمون كلّ آلة عملت لامتحان ما، عسى أن يكون الحسّ قد غلط فيه – من كمية جسم أوكيفيته أو غير ذلك مثل الشاقول والبركار والمسطرة والموازين، قوانين. ويسمون أيضاً جوامع الحساب وجداول النجوم قوانين، والكتب المختصرة، التي جعلت تذاكير الكتب الطويلة، قوانين ...
ونجد الفارابي، بعد أن يحدد مفهوم "القوانين" بمعناه الاصطلاحي الذي يستخدمه هو، نجده ينتقل إلى تحديد الغايات النفعية من استخلاص هذه القوانين أو الأقاويل العامة. فهي على حدّ تعبيره معدّة إما ليحاط بها ما هو من تلك الصناعة لئلا يدخل فيها ما ليس منها أو يشذ عنها ما هو منها، وإما ليمتحن بها مالا يؤمَنُ أن يكون قد غلط فيها غالط، وإما ليسهل بها تعلم ما تحتوي عليه الصناعة وحفظها.
وبعد هذه التحديدات الضرورية، نستطيع أن نتحرّى الملامح العامة لِبُنيَة ما يمكن أن نسميه نظرية الفارابي في اللغة والنحو وعلاقة اللغة بالفكر ......
يرى الفارابي أن الألفاظ الدالة في لسان كل أمة ضربان: مفرد ومركب. فالمفرد كالبياض والسواد والإنسان والحيوان. والمركب كقولنا: الإنسان حيوان، وعمر أبيض ............. والمفرد منها ما هي ألقاب أعيان، مثل: زيد وعمرو، ومنها ما يدل على أجناس الأشياء وأنواعها، مثل: الإنسان والفرس والحيوان والبياض والسواد. والمفردة الدالة على الأجناس والأنواع، منها أسماء، ومنها كلم، ومنها أدوات. ويلحق الأسماء والكلم التذكير والتأنيث والتوحيد والتثنية والجمع، ويلحق الكلم الأزمان، وهي الماضي والحاضر والمستقبل ولا شك أن المنهج الذي اتبعه الفارابي، منهج سليم، فهو إذ يتحدث عن نظرية عامة بعلم اللسان، فإنه يأتي بأمثلته وشواهده من اللغة العربية، مما يؤكد النظرية العامة لعلم اللسان، هذا وتدل الروايات التي بين أيدينا على أن أبا نصر كان يحسن عددًا من اللغات........
يقوم الفارابي الفيلسوف بتحديد الأجزاء العظمى التي ينقسم إليها علم اللسان عند كلّ أمة من الأمم. وأولى هذه الأجزاء هو "علم الألفاظ المفردة الدالة" ويحتوي على علم ما تدل عليه لفظة من الألفاظ المفردة الدالة على أجناس الأشياء وأنواعها، وحفظها وروايتها كلها، الخاص بذلك اللسان والدخيل فيه، والغريب عنه والمشهور عند جميعهم.
وثاني هذه الأجزاء، علم الألفاظ المركبة وهو علم الأقاويل التي تصادف مركبة عند تلك الأمة، وهي التي صنفها خطباؤها وشعراؤها، ونطق بها بلغاؤها وفصحاؤها المشهورون، وروايتها وحفظها، طِوالاً كانت أو قصاراً، موزونة كانت أو غير موزونة.
وثالث هذه الأجزاء علم قوانين الألفاظ المفردة. ومما تجدر ملاحظته هو أن الفارابي يضع في بحثه هذا أصول ما نسميه بعلم الصوتيات إذ يقول: "وعلم قوانين الألفاظ المفردة يفحص أولاً في الحروف المعجمة، عن عددها، ومن أين يخرج كل واحد منها في آلات التصويت، وعن المصوّت منها، وعما يتركب منها في ذلك اللسان وعما لا يتركب، وعن أقل ما يتركب منها حتى يحدث عنه لفظة دالة، أكثر ما يتركب وعن الحروف الثابتة التي لا تتبدل في بنية اللفظ عند لواحق الألفاظ من تثنية وجمع وتذكير وتأنيث واشتقاق وغير ذلك، وعن الحروف التي بها يكون تغاير الألفاظ عند اللواحق، وعن الحروف التي تندغم عندما تتلاقى .........
وهكذا يستمر الفارابي الفيلسوف في استقصائه الأجزاء التي أشار إليها، ويتوقف عند "علم قوانين الألفاظ عندما تركب". فيأتي هذا العلم أولاً على إحصاء حالٍ حالٍ من أحوال الأسماء الموحدة المتصرفة التي يلحقها في كل حالٍ طرف ما من أطراف الأسماء، ثم يعطي مثل ذلك في الأسماء المثناة والمجموعة إلى أن يستوعب الأحوال التي يتبدل فيها على الكلم أطرافها التي جعلت لها، ثم يعرف الأسماء التي تنصرف في بعض الأطراف، وفي أيّها تنصرف وفي أيها لا تنصرف، ثم يعرف الأسماء التي كل واحد منها مبني على طرف واحد فقط وأيها مبني على أي طرف.........
ثم يتحدث عن "الأدوات" في هذا الباب وعن الألفاظ التي يشك في أمرها، هل هي أدوات أو أسماء أو كلم ...
وفي حديثه عما يسميه علم قوانين الألفاظ عندما تركب، يبدأ الفارابي الفيلسوف بصياغة نظرة متكاملة لما يمكن أن نطلق عليه "علم النحو العام". إنه لا يتحدث عن نحو لغة معينة ولكنه يتحدث عن علم عام يشمل جميع الألسنة؛ ولذا نراه يقول: "وعلم قوانين الألفاظ عندما تركب ضربان: أحدهما يعطي قوانين أطراف الأسماء والكلم عندما تركب أو ترتب، والثاني يعطي قوانين في أحوال التركيب والترتيب نفسه، كيف هي في ذلك اللسان". ومن الواضح أن الفارابي هنا يشير إلى الأصول العامة لعلم النحو وكذلك إلى أصول علم البلاغة والفصاحة. وفي هذا العلم الأخير يحدد أصوله بقوله: "وأما الضرب الذي يعطي قوانين التركيب نفسه، فإنه يبين أولاً كيف تتركب الألفاظ وتترتب في ذلك اللسان، وعلى كم ضرب حتى تصير أقاويل، ثم يبين أيها هو التركيب والترتيب الأفصح في ذلك اللسان.
ويشغل "علم النحو" مكانة بارزة في نظرة الفارابي إلى اللغة، ولا شك أنه عني بالنحو عناية شديدة. ويؤكد في أماكن متعددة من أحاديثه أهمية قوانين النحو من أجل تقويم اللسان وتجنب اللحن. وفي حديثه عن علم النحو يقول:
"وعلم قوانين الأطراف المخصوص بعلم النحو، فهو يعرف أن الأطراف إنَّما تكون أولاً للأسماء ثم للكلم، وأن أطراف الأسماء منها ما يكون في أوائلها مثل ألف لام التعريف العربية، أو ما قام مقامها في سائر الألسنة، ومنها ما يكون في نهاياتها، وهي الأطراف الأخيرة وتلك التي تسمى حروف الإعراب. وإن الكلم ليس لها أطراف أول وإنما لها أطراف أخيرة. والأطراف الأخيرة للأسماء والكلم هي في العربية مثل التنوينات الثلاثة والحركات الثلاث والجزم وشيء آخر إن كان يستعمل في اللسان العربي طرفاً ..... وهكذا يستمر الفارابي في حديثه عن المبني والمعرب، وما يَنْصرف وما لا يَنْصَرف، وذلك في إطار قوانين كلية تشمل علم اللسان من حيث هو علم عام، وإن كان يبحث عن أمثلته في اللغة العربية، كما هو شأنه دائماً.
وتحتل القوانين والقواعد العامة مكانة أساسية في فلسفة الفارابي وتفكيره، سواء أكان ذلك في العلوم أم في اللغات. ولا شك أن المنهج المنطقي يشكل الركيزة الأساسية في منهجه اللغوي والنحوي والعلمي ..... وهو لا يفتأ يردد هذه المقولة، فلنستمع إليه في حديثه عن أهمية "علم قوانين المنطق" إذ يقول:
"وأما من زعم أن الدربة بالأقاويل والمخاطبات الجدلية أو الدربة بالتعاليم، مثل الهندسة والعدد تغني عن علم قوانين المنطق أو تقوم مقامه وتفعل فعله، وتعطي الإنسان القوة على امتحان كلّ قول، وكلّ حجّة وكلّ رأي، وتسدِّد الإنسان إلى الحق واليقين حتى لا يغلط في شيء من سائر العلوم أصلاً، فهو مثل من زعم أن الدربة والارتياض بحفظ الأشعار والخطب والاستكثار من روايتها يغني في تقويم اللسان وفي أن لا يلحن الإنسان، عن قوانين النحو، ويقوم مقامها ويفعل فعلها وأنه يعطي الإنسان قوة يمتحن بها إعراب كل قول، هل أُصيب فيه أو لُحِن. فالذي يليق أن يجاب به في أمر النحو ها هنا هو الذي يجاب به في أمر المنطق هناك".
فمن الواضح أن الفارابي يعتبر وجود قواعد النحو ضرورة للتعلم واجتناب اللحن وذلك إلى جانب الدربة بحفظ الأشعار والخطب والاستكثار من روايتها ... ولا شك أن الفارابي قد استطاع أن ينفذ إلى العلاقة الجوهرية التي تربط النحو باللغة ....... وينبه الفارابي إلى أن وجود من لا يلحن أصلاً من بين أبناء هذا اللسان أو ذاك من غير أن يكون قد علم شيئاً من قوانين النحو، لا يقلل من أهمية قوانين النحو للعالم والمتعلم ..... إذ يقول:
للدكتور عبدالكريم خليفة
فأبو نصر هو محمد بن محمد بن طَرْخَان الفارابي الفيلسوف، وسمي الفارابي نسبة إلى مدينة فاراب من حواضر مدن الترك وراء نهر سيحون قريبة من كاشغر إحدى المدن العظام في تخوم الصين. وكان مولده في فاراب حوالي سنة 259هـ ونشأ وترعرع وقضى وقتاً غير قصير فيها. وتشير الروايات التي بين أيدينا إلى أن الحياة العلمية كانت مزدهرة في هذه المدينة، شأنها في ذلك شأن بقية مراكز الإشعاع الثقافي والعلمي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وعلى امتداد دار الإسلام من أواسط آسيا شرقاً إلى الأندلس وحاضرتها قرطبة في أطراف أوربا غرباً.
وتحدثنا الروايات أن أبا نصر قد عاصر في فاراب هذه لغويين مشهورين هما: إسحق بن إبراهيم الفارابي (350هـ)، صاحب ديوان الأدب، والجوهري (ت386هـ) صاحب الصحاح. ويولي الأستاذ الجليل إبراهيم مدكور في بحثه القيم "الفارابي والمصطلح الفلسفي" أهمية خاصة لهذه البيئة الأولى في التكوين اللغوي للفارابي الفيلسوف. وعندما رحل إلى بغداد كان في حوالي الخمسين عاماً من عمره، وكانت بغداد إذ ذاك حاضرة الدنيا ومركز العلم والحضارة، ولا شك أن أبا نصر كان له حظ وافر في هذه الأوساط العلمية..... وأنّ عنايته بالعربية وعلومها قادته ولا شك إلى الاتصال بأوساط النحاة واللغويين. ويحدثنا ابن أبي أصيبعة أن الفارابي قد اتصل بابن السراج (ت 316هـ)، وأنه كان يقرأ عليه النحو ويقرئه المنطق. وتشير المعلومات التي بين أيدينا إلى أن وصوله إلى بغداد كان ما بين عامي 306هـ و308هـ .... ثم رحل إلى حلب والتقى بالأمير سيف الدولة الحمداني سنة 334هـ، وكان بلاطه موئل كبار العلماء والأدباء والشعراء .... وتنبئنا الأخبار بأنه رحل معه إلى دمشق. وتوفي أبو نصر، رحمه الله، في رجب سنة 339هـ كما تشير معظم الروايات.
ونحن نشارك الأستاذ مدكور بأن أبا نصر الفارابي لم يلق ما يستحقه من البحث والدراسة في جوانب فكره الخصب، وأن ابن سينا وابن رشد قد طغيا عليه وحجبا توجيه الاهتمام إلى دراسة فكره وفلسفته، والآثار التي تركها في الفكر الإسلامي بخاصة والفكر العالمي بعامة. ونود أن نضيف إلى ذلك بأن حيفاً قد لحقه أيضاً في العصر الحديث حيث قاد الوهم بعض الباحثين إلى الوقوع في اللبس بين أبي نصر الفارابي الفيلسوف وبين إسحاق بن إبراهيم الفارابي اللغوي صاحب ديوان الأدب الذي أشرنا إليه سابقاً ..... وربما كانت المعاصرة والعلاقة العلمية بينهما في فاراب، والانتساب إلى المدينة ذاتها، سبب هذا اللبس.
وكان للتكوين اللغوي أثر مهم في حياة الفارابي العلمية والفكرية، وإنَّ تمكنه من العربية لغةً ونحواً، واهتمامه الواضح في دراسة النحو على شيوخ النحاة سواء أكان ذلك في فاراب أم في بغداد، فضلاً عن مجالس سيف الدولة الحمداني في حلب، قد أدى به كل ذلك إلى صياغة ما نستطيع أن نسميه نظرية متكاملة تتناول اللغة من حيث هي لغة بجوانبها المختلفة، فمنها ما يمسّ الألفاظ وأحوالها التي تشترك فيها جميع الأمم، ومنها ما يمسّ النحو من حيث قواعده وقوانينه التي تنتظم الألفاظ والتراكيب، ومنها ما يمسّ الأصوات والحروف ... وينتقل منها إلى صياغة نظرية كلية في تحديد علاقة اللغة بالفكر.....
ونحن لا نهدف في هذا البحث المتواضع إلى أن ندرس أصول هذه النظرية عند الفارابي والمصادر التي استلهمها في تحديد نظريته اللغوية، ولكننا نريد أن نوجّه الاهتمام إلى أهمية دراسة الجانب اللغوي بعامة والنحوي بخاصة في فكر الفارابي الفيلسوف، فقد شهدت الدراسات اللغوية والنحوية ازدهاراً بلغ الذروة، بل حدّ النضوج في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فالحديث عن "علم اللغة" وعن "علم النحو" وعن الأصوات والتجويد في نطقها، قد سبق الفارابي الفيلسوفَ بمدة طويلة .... وكان للخليل بن أحمد فيما أثبته تلميذه سيبويه في "الكتاب" باع طويل في تحديد هذه العلوم ووضع أصولها في العربية.
وكما شُغِل اللغويون والنحاة في القرن الرابع الهجري في دراسة اللغة بألفاظها ونحوها وصرفها وشواهدها على مختلف المستويات العلمية والتعليمية، فقد شُغِلَ أيضا الفلاسفة والمفكرون بالقضية اللغوية من حيث مفهومها العام الذي يتجاوز لساناً ما بعينه إلى ما هو مشترك في ألسنة جميع الأمم. وهذا ما نجده منذ وقت مبكر عند فيلسوفنا الفارابي وكذلك عند إخوان الصفاء وخلان الوفاء في رسائلهم فضلاً عن مفكري وفلاسفة القرنين الخامس والسادس الهجريين أمثال ابن سينا وابن حزم وابن طفيل وابن رشد وابن ماجة والشهرستاني وغيرهم.
وقد احتلت القضية اللغوية المكانة الأولى في تقسيم العلوم عند الفارابي. وهذا ما نجده مثلاً في كتابه الذي سمّاه "إحصاء العلوم". فقد جعل هذا الكتاب في خمسة فصول، وكان الفصل الأول في علم اللسان وأجزائه، ويليه في الأهمية الفصل الثاني في "علم المنطق" وهو ما اشتهر به وكان من شيوخه الأوائل.
وقد حدّد الفارابي قصده فقال: "قصدنا في هذا الكتاب أن نحصي العلوم المشهورة علماً علماً، ونعرّف جمل ما يشتمل كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجمل ما في كل واحد من أجزائه، ونجعله في خمسة فصول ..".
فمن الواضح أنه يهدف إلى إحصاء العلوم من ناحية ومن ناحية أخرى إلى تبيان مراتبها وفق منهج معين، ولا أدلّ على ذلك من تأكيده المستمر في بحوثه العلاقة العضوية بين علم اللسان من جهة وعلم المنطق من جهة أخرى وعلاقتهما المتسلسلة بالعلوم الأخرى وفق مراتبها.
ونلاحظ أن الفارابي قد تجاوز في مفهومه "علم اللسان" اللغات الخاصة بكل أمة على حدة، إلى الحديث عن علم شامل عام تشترك في أصوله جميع اللغات إذ يقول: "وعلم اللسان عند كل أمة ينقسم سبعة أجزاء عظمى: علم الألفاظ المفردة، وعلم الألفاظ المركبة، وعلم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة، وعلم قوانين تصحيح الكتابة، وعلم قوانين تصحيح القراءة، وعلم قوانين الأشعار.
ويرى الفارابي أن علم اللسان هذا يكون في الجملة على ضربين: أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما، وعلم ما يدلّ عليه شيء منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ".
ثم يقف الفارابي عند تحديد مفهوم مصطلح "القوانين" فيضع له تعريفاً شاملاً، يفسح فيه المجال كي تأتي -أي القوانين- على جميع الأشياء التي هي موضوعة للصناعة أو على أكثرها ....".
وفي قوله: "أو على أكثرها ...." يحتاط فيه لتفسير الشاذ عن القواعد اللغوية .. فالقوانين في كل صناعة، على حدّ تعبير الفارابي هي أقاويل كلية أي جامعة ينحصر في كل واحد منها أشياء كثيرة مما تشتمل عليه تلك الصناعة وحدها حتى تأتي على جميع الأشياء التي هي موضوعة للصناعة أوعلى أكثرها".
ويحرص الفارابي على تحديد مصطلحاته العلمية، فنجده يحدد مفهوم "القوانين" بأنها "الأقاويل الكلية".... وذلك من أجل أن ينبه إلى تطور معنى مفهوم "القوانين" ..... فقد كان القدماء يسمون كلّ آلة عملت لامتحان ما، عسى أن يكون الحسّ قد غلط فيه – من كمية جسم أوكيفيته أو غير ذلك مثل الشاقول والبركار والمسطرة والموازين، قوانين. ويسمون أيضاً جوامع الحساب وجداول النجوم قوانين، والكتب المختصرة، التي جعلت تذاكير الكتب الطويلة، قوانين ...
ونجد الفارابي، بعد أن يحدد مفهوم "القوانين" بمعناه الاصطلاحي الذي يستخدمه هو، نجده ينتقل إلى تحديد الغايات النفعية من استخلاص هذه القوانين أو الأقاويل العامة. فهي على حدّ تعبيره معدّة إما ليحاط بها ما هو من تلك الصناعة لئلا يدخل فيها ما ليس منها أو يشذ عنها ما هو منها، وإما ليمتحن بها مالا يؤمَنُ أن يكون قد غلط فيها غالط، وإما ليسهل بها تعلم ما تحتوي عليه الصناعة وحفظها.
وبعد هذه التحديدات الضرورية، نستطيع أن نتحرّى الملامح العامة لِبُنيَة ما يمكن أن نسميه نظرية الفارابي في اللغة والنحو وعلاقة اللغة بالفكر ......
يرى الفارابي أن الألفاظ الدالة في لسان كل أمة ضربان: مفرد ومركب. فالمفرد كالبياض والسواد والإنسان والحيوان. والمركب كقولنا: الإنسان حيوان، وعمر أبيض ............. والمفرد منها ما هي ألقاب أعيان، مثل: زيد وعمرو، ومنها ما يدل على أجناس الأشياء وأنواعها، مثل: الإنسان والفرس والحيوان والبياض والسواد. والمفردة الدالة على الأجناس والأنواع، منها أسماء، ومنها كلم، ومنها أدوات. ويلحق الأسماء والكلم التذكير والتأنيث والتوحيد والتثنية والجمع، ويلحق الكلم الأزمان، وهي الماضي والحاضر والمستقبل ولا شك أن المنهج الذي اتبعه الفارابي، منهج سليم، فهو إذ يتحدث عن نظرية عامة بعلم اللسان، فإنه يأتي بأمثلته وشواهده من اللغة العربية، مما يؤكد النظرية العامة لعلم اللسان، هذا وتدل الروايات التي بين أيدينا على أن أبا نصر كان يحسن عددًا من اللغات........
يقوم الفارابي الفيلسوف بتحديد الأجزاء العظمى التي ينقسم إليها علم اللسان عند كلّ أمة من الأمم. وأولى هذه الأجزاء هو "علم الألفاظ المفردة الدالة" ويحتوي على علم ما تدل عليه لفظة من الألفاظ المفردة الدالة على أجناس الأشياء وأنواعها، وحفظها وروايتها كلها، الخاص بذلك اللسان والدخيل فيه، والغريب عنه والمشهور عند جميعهم.
وثاني هذه الأجزاء، علم الألفاظ المركبة وهو علم الأقاويل التي تصادف مركبة عند تلك الأمة، وهي التي صنفها خطباؤها وشعراؤها، ونطق بها بلغاؤها وفصحاؤها المشهورون، وروايتها وحفظها، طِوالاً كانت أو قصاراً، موزونة كانت أو غير موزونة.
وثالث هذه الأجزاء علم قوانين الألفاظ المفردة. ومما تجدر ملاحظته هو أن الفارابي يضع في بحثه هذا أصول ما نسميه بعلم الصوتيات إذ يقول: "وعلم قوانين الألفاظ المفردة يفحص أولاً في الحروف المعجمة، عن عددها، ومن أين يخرج كل واحد منها في آلات التصويت، وعن المصوّت منها، وعما يتركب منها في ذلك اللسان وعما لا يتركب، وعن أقل ما يتركب منها حتى يحدث عنه لفظة دالة، أكثر ما يتركب وعن الحروف الثابتة التي لا تتبدل في بنية اللفظ عند لواحق الألفاظ من تثنية وجمع وتذكير وتأنيث واشتقاق وغير ذلك، وعن الحروف التي بها يكون تغاير الألفاظ عند اللواحق، وعن الحروف التي تندغم عندما تتلاقى .........
وهكذا يستمر الفارابي الفيلسوف في استقصائه الأجزاء التي أشار إليها، ويتوقف عند "علم قوانين الألفاظ عندما تركب". فيأتي هذا العلم أولاً على إحصاء حالٍ حالٍ من أحوال الأسماء الموحدة المتصرفة التي يلحقها في كل حالٍ طرف ما من أطراف الأسماء، ثم يعطي مثل ذلك في الأسماء المثناة والمجموعة إلى أن يستوعب الأحوال التي يتبدل فيها على الكلم أطرافها التي جعلت لها، ثم يعرف الأسماء التي تنصرف في بعض الأطراف، وفي أيّها تنصرف وفي أيها لا تنصرف، ثم يعرف الأسماء التي كل واحد منها مبني على طرف واحد فقط وأيها مبني على أي طرف.........
ثم يتحدث عن "الأدوات" في هذا الباب وعن الألفاظ التي يشك في أمرها، هل هي أدوات أو أسماء أو كلم ...
وفي حديثه عما يسميه علم قوانين الألفاظ عندما تركب، يبدأ الفارابي الفيلسوف بصياغة نظرة متكاملة لما يمكن أن نطلق عليه "علم النحو العام". إنه لا يتحدث عن نحو لغة معينة ولكنه يتحدث عن علم عام يشمل جميع الألسنة؛ ولذا نراه يقول: "وعلم قوانين الألفاظ عندما تركب ضربان: أحدهما يعطي قوانين أطراف الأسماء والكلم عندما تركب أو ترتب، والثاني يعطي قوانين في أحوال التركيب والترتيب نفسه، كيف هي في ذلك اللسان". ومن الواضح أن الفارابي هنا يشير إلى الأصول العامة لعلم النحو وكذلك إلى أصول علم البلاغة والفصاحة. وفي هذا العلم الأخير يحدد أصوله بقوله: "وأما الضرب الذي يعطي قوانين التركيب نفسه، فإنه يبين أولاً كيف تتركب الألفاظ وتترتب في ذلك اللسان، وعلى كم ضرب حتى تصير أقاويل، ثم يبين أيها هو التركيب والترتيب الأفصح في ذلك اللسان.
ويشغل "علم النحو" مكانة بارزة في نظرة الفارابي إلى اللغة، ولا شك أنه عني بالنحو عناية شديدة. ويؤكد في أماكن متعددة من أحاديثه أهمية قوانين النحو من أجل تقويم اللسان وتجنب اللحن. وفي حديثه عن علم النحو يقول:
"وعلم قوانين الأطراف المخصوص بعلم النحو، فهو يعرف أن الأطراف إنَّما تكون أولاً للأسماء ثم للكلم، وأن أطراف الأسماء منها ما يكون في أوائلها مثل ألف لام التعريف العربية، أو ما قام مقامها في سائر الألسنة، ومنها ما يكون في نهاياتها، وهي الأطراف الأخيرة وتلك التي تسمى حروف الإعراب. وإن الكلم ليس لها أطراف أول وإنما لها أطراف أخيرة. والأطراف الأخيرة للأسماء والكلم هي في العربية مثل التنوينات الثلاثة والحركات الثلاث والجزم وشيء آخر إن كان يستعمل في اللسان العربي طرفاً ..... وهكذا يستمر الفارابي في حديثه عن المبني والمعرب، وما يَنْصرف وما لا يَنْصَرف، وذلك في إطار قوانين كلية تشمل علم اللسان من حيث هو علم عام، وإن كان يبحث عن أمثلته في اللغة العربية، كما هو شأنه دائماً.
وتحتل القوانين والقواعد العامة مكانة أساسية في فلسفة الفارابي وتفكيره، سواء أكان ذلك في العلوم أم في اللغات. ولا شك أن المنهج المنطقي يشكل الركيزة الأساسية في منهجه اللغوي والنحوي والعلمي ..... وهو لا يفتأ يردد هذه المقولة، فلنستمع إليه في حديثه عن أهمية "علم قوانين المنطق" إذ يقول:
"وأما من زعم أن الدربة بالأقاويل والمخاطبات الجدلية أو الدربة بالتعاليم، مثل الهندسة والعدد تغني عن علم قوانين المنطق أو تقوم مقامه وتفعل فعله، وتعطي الإنسان القوة على امتحان كلّ قول، وكلّ حجّة وكلّ رأي، وتسدِّد الإنسان إلى الحق واليقين حتى لا يغلط في شيء من سائر العلوم أصلاً، فهو مثل من زعم أن الدربة والارتياض بحفظ الأشعار والخطب والاستكثار من روايتها يغني في تقويم اللسان وفي أن لا يلحن الإنسان، عن قوانين النحو، ويقوم مقامها ويفعل فعلها وأنه يعطي الإنسان قوة يمتحن بها إعراب كل قول، هل أُصيب فيه أو لُحِن. فالذي يليق أن يجاب به في أمر النحو ها هنا هو الذي يجاب به في أمر المنطق هناك".
فمن الواضح أن الفارابي يعتبر وجود قواعد النحو ضرورة للتعلم واجتناب اللحن وذلك إلى جانب الدربة بحفظ الأشعار والخطب والاستكثار من روايتها ... ولا شك أن الفارابي قد استطاع أن ينفذ إلى العلاقة الجوهرية التي تربط النحو باللغة ....... وينبه الفارابي إلى أن وجود من لا يلحن أصلاً من بين أبناء هذا اللسان أو ذاك من غير أن يكون قد علم شيئاً من قوانين النحو، لا يقلل من أهمية قوانين النحو للعالم والمتعلم ..... إذ يقول: