مشاهدة النسخة كاملة : النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(9)
مصطفى شعبان
04-20-2016, 05:42 AM
بين أبي علي الفارسي ويونس بن حبيب(2)
اطِّرَادُ الجرِّ بِإضْمَارِ حَرْفِهِ بعدَ فاءِ الجزاءِ
أجمع النحاة البصريون على أن الأصل في حروف الجر أن لا تعمل مع الحذف ، وإنما تعمل مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوض، وحيث لا عوضَ وجب البقاء على الأصل ، والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال ، وهو من الأدلة المعتبرة( 1).
ومن المواضع التي سوغ فيها النحاة الجر مع الحذف باطراد : المجرور المقرون بفاء الجزاء استنادًا إلى ما حكاه يونس عن العرب من قولهم : «مررتُ برجلٍ إنْ لا صالحٍ فطالحٍ» على تقدير : (إنْ لا أمُرُّ بصالحٍ فقد مررتُ بطالحٍ) ، كما استندوا في دعواهم الاطراد على شيء فهموه من كلام سيبويه حول هذه الحكاية، بيد أنه ليس في كلامه ما يدل من قريب أو بعيد على جواز الحذف باطراد في مثل هذا الموضع ، بل على الجواز مع الضعف والقبح المستلزم للقلة والندرة لا للاطراد والكثرة .
قال سيبويه : «وزعم يونس أن من العرب من يقول : (إنْ لا صالحٍ فطالحٍ) ، على : (إنْ لا أكُنْ مَررْتُ بِصَالحٍ فطالحٍ) وهذا قبيح ضعيف؛ لأنك تضمر بعد (إنْ لا) فعلًا آخر فيه حذف غير الذي تضمر بعد (إنْ لا) في قولك : (إنْ لا يكنْ صالحًا فطالحٌ)، ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت (رُبَّ) ونحوها في قولهم:
* وبَلْدَةٍ ليسَ بِهَا أَنِيْسُ( 2) *
ومن ثَمَّ قال يونس : (امْرُرْ على أيُّهم أفضلُ إن زيدٍ وإنْ عمروٍ)، يعني: إن مررتَ بزيدٍ أو مررتَ بعمروٍ»(3 ).
فسيبويه في هذا التقرير يحكم على ما حكاه يونس بالضعف والقبح من جهتين : إحداهما: أنك تحتاج إلى إضمار أشياء ، وحُكم الإضمار أن يكون شيئًا واحدًا ، وذلك أنك إذا قلت: مررتُ برجلٍ إنْ لا صالح فطالح ، تقديره: إن لا أكن مررتُ بصالح، فتضمر: (أكُنْ) و (مررتُ) ، والباء.
والجهة الأخرى: أن حرف الجر يقبح إضماره إلا في مواضع قد جعل منه عوضٌ كما ذكر النحاة.( 4)
وقد اتبع هذا المسلك في تفسير كلام سيبويه أبو علي الذي قال بعد نقله حكاية يونس: «إنما يقبح هذا ؛لأنك محتاج إلى إضمار فعلين، أحدهما : ما كنت تضمره إذا نصبت (صالحًا) – يعني (يكنْ) – والآخر: (مررتُ) ،فيكون التقدير : إلا أكُنْ مررتُ بصالحٍ ، كما قبح إضمار الفعلين إذا أمرت المخاطب أن يأمر الغائب ، ويزيد هذا قبحًا أنك تضمر معه حرف الخفض»(5 ).
فأبو علي – تبعًا لسيبويه – يستقبح قول يونس : (إنْ لا صَالحٍ فطالحٍ)؛ لأنه يترتب عليه إضمار ثلاثة أشياء ، أحدها حرف جر غير معوض عنه بشيء .
وقد زعم ابن مالك أن الجر بحرف مضمر بعد فاء الجزاء سائغ مطرد عند سيبويه، والذي دفعه لذلك قول سيبويه : «ولكنهم لما ذكروه – أي الفعل المحذوف – في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل ، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت (رُبَّ) ونحوها»(6 ).
قال ابن مالك : «ومثال الجرِّ بمضمر بعد (إنْ) و (الفاء) الجزائيتين ما حكى يونس من قولهم: مررت برجلٍ صالح؛ إلا صالحٍ فطالحٍ ، على تقدير: إنْ لا أمرُّ بصالحٍ فقد مررتُ بطالحٍ ، وأجاز: امْرُرْ بِأَيِّهِمَا أفضلُ، إن زيدٍ وإن عمرٍو ، وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إن لتَضَمُّنِ مَا قَبْلَهَا إيَّاهَا أسهلَ من إضمار (رُبَّ) بعد الواو ،فَعُلِمَ بذلك اطرادهُ عنده»(7 ).
غير أن كلام سيبويه لا يوحي بشيء مما فهمه منه ابن مالك ، بل يفهم أنه يجيز ما أجازه يونس على قبح وضعف ؛ ولذلك قال أبو سعيد السيرافي : «قال سيبويه محتجًّا لإجازة ما أجازه يونس على قبحه : ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شَبَّهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر (رُبَّ) ونحوها .. »( 8).
وكذا فهم أبو الحسن الرماني من كلامه أيضًا؛ إذ قال : «ومنهم من يجرُّه فيقول : (إلا صالحٍ فطالحٍ) ، وهذا ضعيف من أجل إضمار حرف الجر؛ لأنه إنما جاز لدلالة الكلام عليه وتقديره : (إلا أكُنْ مررتُ برجلٍ صالحٍ) حكاه يونس عن العرب»( 9).
وقد تشكك أبو حيان في دعوى ابن مالك «أن القياس على هذه الأوجه كلها جائز»( 10) قائلًا:
«وجميع هذه المسائل التي ذكر ابن مالك أنه يجوز الجر فيها على إضمار الحرف ينبغي أن يُتَثَبَّتَ في القياس عليها»( 11).
وقد تبع أكثرُ النحاة بعد ابنِ مالكٍ مسلكَهُ في اطراد الجر مع إضمار الحرف بعد فاء الجزاء اعتمادًا على ما استند إليه وما فهمه من كلام سيبويه، من أنه جعل إضمار هذه الباء بعد (إن) أسهل من إضمار (رُبَّ) بعد الواو، فعلم من ذلك أن إضماره غير قبيح عند سيبويه ، ومنهم :
الرضي( 12)، وابن الناظم( 13)، والمرادي(14 )، وابن هشام(15 )، وابن عقيل( 16)، والشاطبي( 17)، والأشموني( 18)، والأزهري(19 )، والسيوطي(20 ).
ولكن الذي فهمه شُرَّاح الكتاب وكبار المدرسة البصرية يقرر أنه سائغ جائز على ضعف وقبح عند سيبويه ، وهو مذهب ابن السراج(21 )، والسيرافي(22 )، والفارسي( 23)، والرماني(24).
_______________
(1 ) الإنصاف في مسائل الخلاف 1/396 .
( 2) صدر بيت من أرجوزة لجران العود عامر بن الحارث وعجزه:*إلا اليَعَافِيرُ وإلا العِيْسُ* وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 1/133 بولاق، 1/263 هارون، و شرح السيرافي 2/161 ، و الإنصاف 1/271 ،و شرح المفصل لابن يعيش 2/80 ، و شرح التسهيل 2/286 ، و أوضح المسالك 2/261 ، و الجنى الداني 164 ، و شرح التصريح 1/547 ، و الخزانة 4/121 ، وقد استشهد به سيبويه لجواز إضمار حرف الجر ، والتقدير:[ورب بلدةٍ]، وليست الواو عنده عوضًا من[رب] بل حرف عطف .
(3 ) الكتاب 1/133 بولاق، 1/262-263 هارون، الأصول لابن السراج 2/248 .
(4 ) انظر: شرح السيرافي 2/160 ، شرح المفصل2/117.
( 5) التعليقة 1/174 .
( 6) شرح التسهيل 3/192 ، الكتاب 1/133 .
( 7) شرح التسهيل 3/192 ، شرح الكافية الشافية 2/827 .
( 8) شرح السيرافي 2/161 .
(9 ) شرح الرماني 2/561 .
(10 ) شرح التسهيل 3/192 .
(11 ) ارتشاف الضرب 4/1759 .
(12 ) شرح الكافية 2/148 .
( 13) شرح الألفية 271 .
( 14) توضيح المقاصد 2/781 .
( 15) أوضح المسالك 3/80 .
( 16) المساعد 2/300 .
( 17) المقاصد الشافية 3/712 .
( 18) شرح الأشموني 2/352 .
(19 ) شرح التصريح 1/671-672 .
( 20) همع الهوامع 4/225 .
(21 ) الأصول 2/248 .
( 22) شرح السيرافي 2/160-161 .
( 23) التعليقة 1/174 .
(24 ) شرح الرماني 2/561 .
عبدالله بنعلي
04-20-2016, 09:18 AM
يونس بن حبيب
(80
ـ 182هـ/700ـ 798م)
من الموسوعة العربيّة :
أبو عبد الرحمن، يونس بن حبيب الضبّي، وقيل:
الليثي، بالولاء. من أئمة نحاة البصرة في عصره، ومن العلماء بالشعر واللغة.
لم تذكر المصادر شيئاً عن نشأته، وكل ما ألمحت
إليه أن أصله من بليدة على نهر دجلة اسمها جَبُّل، بين بغداد وواسط. والمشهور في
زمن ولادته ووفاته ما تقدم، وثمة أقوال أخرى أقل شهرة.
أقام يونس في البصرة وفيها أخذ علومه عن
أساتذتها كأبي عمرو بن العلاء[ر] الذي أخذ عنه الأدب، وحماد ابن سلمة (ت 167هـ)
الذي تعلم على يديه النحو، ولقي عبد الله بن أبي إسحاق[ر]، وارتحل إلى البادية
وسمع عن العرب كثيراً مما جعله راوياً كبيراً من رواة اللغة والغريب، وكان يونس
يجل رؤبة بن العجاج الر اجز التميمي المشهور ويحكي عنه كثيراً من غرائب اللغة.
وفي البصرة كانت ليونس حلقة ينتابها الأدباء
وفصحاء العرب وأهل البادية، وقد تحلق حوله عدد من تلامذته الذين كان لهم شأن كبير
في علوم العربية كأبي عبيدة معمر بن المثنى[ر] الذي صرح أنه لازمه أربعين سنة كان
يملأ فيها كل يومٍ ألواحه من حفظه، وكأبي زيد الأنصاري[ر] الذي جلس إليه عشر سنين،
وخلف الأحمر[ر] الذي جلس إليه عشرين سنة، والكسائي والفرَّاء[ر] وهما من أئمة أهل
الكوفة، وسيبويه النحوي المشهور الذي نقل عنه في كتابه طَرَفاً من آرائه النحوية
والصرفية وروى عنه بعض شواهده اللغوية، وكان سيبويه يشير إلى آراء يونس التي خالف
بها الخليل، وقد تنبه القدماء على هذه المسألة فذكروا أن ليونس قياساً في النحو
ومذاهب ينفرد بها.
صحيحٌ أن النحو كان هو الغالب على يونس، بيد أنه
كان مع ذلك عالماً بالشعر، نافذ البصر في تمييز جيده من رديئه، عارفاً بطبقات شعر
العرب، حافظاً لأشعارهم، وقد تناقلت كتب الأدب كثيراً من مروياته وآرائه في الشعر
والشعراء، وهو صاحب المقولة النقدية المشهورة حين سئل عن أشعر الناس فقال: «لا
أومئ إلى رجلٍ بعينهِ، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا رَكِب، والنابغة إذا رهِب،
وزهير إذا رغِب، والأعشى إذا طِرب».
وذكرت لنا المصادر الأدبية بعض لقاءاته مع
الشعراء والموازنة بين أشعارهم.
وقد أثنى المتقدمون على يونس، من ذلك قول أبي
زيد: «ما رأيت أبذل لعلمٍ من يونس»، وقول أبي عبيدة: «لم يكن عند يونس علمٌ إلا ما
رآه بعينه».
صنف يونس في علوم القرآن واللغة، بيد أن مؤلفاته
ضاعت، ولم تصل إلينا إلا أسماؤها، وهي: «معاني القرآن الكبير»، «معاني القرآن
الصغير»، كتاب «اللغات»، كتاب «النوادر»، كتاب «الأمثال».
lang=AR-SA style='font-size:13.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>نبيل أبو
عمشة
مراجع للاستزادة:
ـ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، تحقيق إحسان عباس
(دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993).
ـ ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس
(دار صادر، بيروت، د.ت).
عبدالله بنعلي
04-20-2016, 09:23 AM
موقف من يونس بن حبيب
للدكتور محمود حسني محمود
(الجامعة الأردنية)
من موقع مجمع اللغة العربية الاردني
- 1 -
هو أبو عبدالرحمن يونس بن حبيب النحوي البصري. يكاد أغلب الذين ترجموا له أن يتفقوا على أنه واحد من الموالى العرب، ولكنهم حاروا في من كان مولاه، فقيل إنهم بنو ضبة، وقيل بنو ليث بن بكر، وقيل بلال بن هرمي، من بني ضبيعة بن بجالة. أما صاحب "معجم الأدباء" فقد رأى أنه ضبي نسباً صريحاً، ولكنه عاد وروى أنه مولى بني ليث؛ قال: "أبو عبدالرحمن الضبي وقيل الليثي بالولاء". وكان نسب يونس يحيّر أبا الحسن الخزاز، الذي لم يستطع أن يتحقق من الأمر، فكان يقول: "لا أدري هو مولى أم لا". وفي جميع الأحوال فإن يونس يبقى عربي الأصل. ولم يذهب أحد إلى أنه غير ذلك سوى صاحب "مفاخر العجم" الذي ادعى أنه أعجمي الأصل، مفتخراً بذلك، توهماً منه أنه من أهل الجبل، بينما هو في الحقيقة من مواليد جبُّل: القرية الواقعة بين النعمانية وواسط، ولعل لفظ "جبل" هو الذي أوهمه أنه من أهل الجبل.
وقد قدر الله ليونس أن يعيش عمراً مديداً، اختلفت الروايات في تقديره، وتراوح فيها بين 78 سنة إلى 102 من السنين، ولكن الأغلب أنه عاش 88 عاماً، أو قريباً منها، وأنه توفي سنة 182هـ.
ويبدو أنه فرَّغ حياته تماماً من أجل العلم، ولم تشغله شواغل الدنيا "فلم يَتَسَرَّ، ولم يتزوج"، و" لم تكن له همة إلا طلب العلم، ومحادثة الرجال"، ولعلّ عدم انشغاله بشيء غير العلم يَسَّر عليه جهداً في امتلاك حصيلته العلمية التي وصل إليها، وأمكنه من الحفاظ عليها، حتى قبل فيه قولٌ ظريف: "مثل يونس كمثل كوز ضيق الرأس، لا يدخله شيء إلاّ بعسر، فإذا دخله لم يخرج منه" أي لا ينسى. وبقي يونس يفيد من علمه إلى أن "تفرغ من الكِبَر"، إذ وصل عمراً لا أحد يرجو أن يصل إليه، فقد دخل المسجد يوماً وهو يهادي بين اثنين من الكبر، فقال له رجل كان يتهمه على مودته: بلغت ما أرى يا أبا عبدالرحمن، قال: هو الذي ترى، فلا بُلِّغْتَه".
وكان يونس ذا نظرة تأملية، وصاحب رأي في بعض الجوانب الحياتية، فكان يقول: ثلاثة والله أشتهي أن أُمكَّن من مناظرتهم يوم القيامة: آدم، عليه السلام، فأقول له: قد مكّنك الله من الجنة وحرّم عليك شجرة، فقصدت لها حتى ألقيتنا في هذا المكروه؟. ويوسف، عليه السلام، أقول له: كنت بمصر، وأبوك عليه السلام بكنعان، بينك وبينه عشر مراحل، يبكي عليك، لِمَ لم ترسل إليه: إني في عافية، وتريحه مما كان فيه من الحزن؟
وطلحة والزبير أقول لهما: عليّ بن ابي طالب، عليه السلام، بايعتماه بالمدينة، وخلعتماه بالعراق، لِمَ؟ أي شيء أحدث؟"
وللشباب والأحباء عنده مكانة غالية حين يقول:
شيئان لو بكت الدماءَ عليهما
لم يبلغا المعشار من حقَّيهما:
عيناي حتى يؤذنا بذهابِ
شَرْخَ الشباب وفُرقَةَ الأحبابِ
وللعلم عنده مكانة لا تدانيها مكانة، فكان يقول: إن علمك من روحك، ومالك من بدنك، فضعه منك بمكان الروح، وضع مالك بمكان البدن".
تَثَـقَّف يونس ثقافة واسعة تمثّل ثقافة عصره؛ وكان متجلياً في أكثر من علم واحد: فهو عالم بالأنساب، يُضْرَب به المثل في الدراية بهذا العلم والتمكّن منه. قال الجاحظ في حديثه عن الحمام: " ووصف الهذيل المازني مثنَّى بن زهير وحفظه لأنساب الحمام، فقال: "والله لهو أنسب من سعيد بن المسيب وقتادة بن دِعامة للناس، بل هو أنسبُ من أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه! لقد دخلت على رجل أعرف بالأمهات المنجبات من سُحَيم بن حفص، وأعرف بما دخَلَها من الهُجنة والإقراف من يونس بن حبيب".
وهو قصّاص من أولئك الذين كان الناس يتحلَّقون حولهم في المساجد ويستمعون إلى ما يروونه من أحاديث وأخبار. ويبدو أن الموضوع الذي كان يدور حوله القصّاص – كما يبدو من خلال ذكر الجاحظ لهم – هو تفسير آيات القرآن الكريم، فبرع يونس بين المفسرين، وتُرجم له في طبقاتهم، ولا سيما وقد ألف كتاباً أسماه ")معاني القرآن". ولعل يونس في تأليفه هذا الكتاب هو الذي أوحى إلى تلامذته: أبي عبيدة والكسائي والأخفش والفراء أن يسلكوا مسلكه ويؤلفوا كتباً في الموضوع نفسه تحمل اسم الكتاب الذي ألفه. وله آراء تفسيرية تناقلتها الكتب بعده.
وهو ناقد أدبي مؤهل بكل متطلبات النقد، كان عالماً بالشعر، نافذ البصر في تمييز جيده من رديئه، عارفاً بطبقات شعراء العرب، حافظاً لأنسابهم"، مرجعاً لمن كان الأدب يشكل جزءاً من تفكيرهن وهمومهم؛ قدم عليه جعفر بن العباس من عند الخليفة المهدي وقال له: أنا وأمير المؤمنين اختلفنا في هذا البيت:
والشيبُ ينهض في السواد كأنه
ليل يصيح بجانبيه نهار
فما الليل والنهار؟ فقال يونس: الليل، الليل الذي تعرف، والنهار، النهار الذي تعرف، فقال جعفر: زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان، والنهار فرخ الحبارى. فقال أبو عبيدة في البيت ما قاله يونس. والذي قاله المهدي معروف في الغريب من اللغة.
وكان الشعراء يذهبون إليه يستأنسون برأيه، قبل أن يذيعوا أشعارهم للناس؛ حتى أن بعضهم كان يتخذ من رأيه القول الفصل، فإما أن يظهر شعره وإما أن يلقيه ولا يلتفت إليه. قدم عليه مروان بن أبي حفصة، وقال له: لقد قلتُ شعراً أعرضه عليك، فإن كان جيداً أظهرته، وإن كان رديئاً سترته، وأنشده:
طرقتك زائرة فحيّ خيالها
قال: فقال له: يا هذا، اذهب فأظهر هذا الشعر، فأنت والله فيه أشعر من الأعشى، يريد في قوله:
رحلت سمية غدوة أجمالها
فقال له مروان: قد سؤتني وسررتني، فأما الذي سررتني به فلإرتضائك الشعر، وأما الذي سؤتني به فلتقديمك إياي على الأعشى، قال: نعم، إن الأعشى قال:
فرميت غفلة عينه عن شاته
فأصبت حبة قلبها وطحالها.
والطحال لا يدخل في شيء إلا أفسده، وأنت لم تقل ذاك.
وكان يستطيع أن يميز رواية الشعر صدقها من كذبها؛ فقد روي لأبي عمرو بن العلاء – بحضور يونس وأبي عبيدة- أن الوليد بن عبدالملك لامَ العجاج لقوله شعراً في عمر بن عبيدالله بن معمر أفضل من ذلك الذي قال فيه، فقال يونس لأبي عبيدة بعد سماع الرواية: أتصدق بهذا؟ ما كان من هذا شيء قط، ولا كان الوليد يحسنه. قال عمر بن شبة: ولا أحسب يونس إلا قد صدق؛ كان الوليد لحاناً، وكان عبدالملك يعتذر من ذلك، ويقول: "شغلنا حب الوليد عن تأديبه، لكن هذا سليمان فاسألوه عما شئتم".
وكان الشعراء يحفلون بقوله ويبنون عليه شعراً، فقد بنى منصور النمري على قول يونس: "ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب، وما بلغت كنهه"؛ فقال من جملة قصيدة يمدح بها هارون الرشيد:
ما كنت أوفي شبابي كنه غرَّته
حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
وليونس قول ذائع يدل على دقة حكمه ومعرفته بطبيعة الشعر، وما يتحكم في جودته؛ فقد سأله ابن سلام عن أشعر الناس، فقال: "لا أومئ إلى رجل بعينه ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب". وكان يقول عن الشعر: "إنه كالسرَّاء والشجاعة والجمال، لا ينتهي فيه إلى غاية".
وكان للشعراء عنده مكانة عالية، وعلاقة وثيقة؛ ولعل أمتن هذه العلاقات تلك التي كانت بينه وبين العجاج ورؤبة، حتى أنهما كانا عنده "أشعر أهل القصيد". وقد "اختُصّ بالرواية عن رؤبة وتعصَّب له"؛ وكان يهب للدفاع عنه إذا ما حاول أحد أن ينال منه، فهذا شُبَيل بن عزرة يدخل على أبي عمرو بن العلاء – ويونس حاضر – فيبدي استغرابه من أن رؤبة لا يعرف اشتقاق اسمه، فيثب يونس، ثم يجلس بين يدي شبيل ويقول له: علّك تظن أن معدّ بن عدنان كان أفصح من رؤبة؟ فأنا غلام رؤبة. فما الرّوبة والرّوبة والرّوبة والرّوبة والرؤبة؟ (الخامسة مهموزة فقط). فإذا بشبيل يغضب ويقوم، وإذا بأبي عمرو ينكر على يونس تصرّفه مع رجل شريف قصد مجلسه؛ فيعتذر يونس قائلاً: ما تمالكت إذ ذكر رؤبة أن قلت ما قلت.
غير أن شهرة يونس تأتي من علمه باللغة والنحو، إذ "كان أغلب عليه"، يعرف به فيقال: "يونس النحوي"، تمييزاً له عن غيره ممن عرفوا بهذا الاسم. وقد سمع اللغة عن العرب، شأنه شأن أوائل النحاة الذين كانوا يستقون المادة النحوية من أفواه الأعراب في البادية؛ وألّف في اللغة كتاب "اللغات" و"النوادر الكبير" و"النوادر الصغير" و"الأمثال".
أما النحو فأخذه عن مجموعةٍ، أولهم حماد بن سلمة، مع أنه كان أسن منه، وكان يونس يفضله؛ ولكن أكثرهم تأثيراً فيه أبا عمرو بن العلاء الذي يبدو أنه كان ملازماً إياه، يكتب له حتى عُدَّ مِن كُتَّابه. وأثر أبي عمرو في علم يونس ظاهر في ميدان الشعر، والرواية، والنقد، واللغة والنحو؛ وكان يونس يجلّ أستاذه ويحترم رأيه قائلاً: "لو كان ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد، كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله، ولكن ليس أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك".
وقد شاهد يونس مرحلة متطورة في ميدان النحو، توضحت فيها أسس النحو، وثبتت فيما بعد في كتاب سيبويه. وتعد هذه المرحلة قفزة واسعة إذا ما قيست بتلك التي شهدها ابن أبي إسحق. سُئل يونس عن ابن أبي إسحق وعلمه فقال: هو والبحر سواء؛ أي هو الغاية. قال: فأين علمه من علم الناس اليوم، لو لم يكن في الناس اليوم أحد لا يعلم إلا علمه يومئذ لضحك منه، ولو كان فيهم من له ذهنه ونفاذه، ونظر نظره لكان أعلم الناس.
وقد أسهم يونس في تطور النحو مساهمة فعالة، وكان له شخصيته الواضحة وأثره البيّن حتى قيل: "له قياس في النحو ومذاهب يتفرد بها". وقد خصص معظم حياته للتدريس، فكان له بالبصرة حلقة ينتابها طلاب العلم وأهل الأدب، وفصحاء الأعراب، ووفود البادية؛ ودرس عليه علماء مشاهير سنوات طويلة، فاختلف إليه أبو عبيدة أربعين سنة، وأبو زيد عشر سنين، وخلف الأحمر عشرين سنة، وأخذ عنه قطرب،ومحمد بن سلام الجمحي، والكسائي، والفراء.
ويكفيه أن سيبويه أخذ عنه فأكثر، ونقل عنه نقولاً صدق فيها جميعاً، وشهد يونس على صدقها شهادة رفعت من ذكر سيبويه وكتابه، فقد قال حين ذكر سيبويه عنده: أظن هذا الغلام يكذب على الخليل، فقيل له: قد روى عنك أشياء كثيرة، فانظر فيها، فنظر فيها، فقال: صدق في جميع ما قال، هو قولي.
وقد ذكر سيبويه يونسَ وروى عنه في نحو 200 موضع من مواضع الكتاب، بحيث كان يتكرر اسمه في الصفحة الواحدة أحياناً أكثر من مرة واحدة.
وقد روى يونس في الكتاب لغة كثيرة عن العرب، وكان مفتاح رواياته عنهم يختلف من رواية إلى أخرى، فكان يفتتح روايته بـ "أنّ قوماً من العرب..."، "أنّ ناساً يقولون ..."، "أنّ ناساً من العرب ..."، "أنّ بعض العرب الموثوق بهم ..."، "أن بعض العرب ..."، "أنّ قوماً ..."، "أنّ العرب تقول ..."، "أنه سمع أعرابياً ..."، "أنه سمع العرب ..."، "أن من العرب من يقول ...".
وقد روى عن رؤبة من الشعراء، والفرزدق، وجرير، والأسود بن يعفر. وروى عن أبيعمرو بن العلاء، وكان طريق سيبويه إليه، وروى عن ابن([73]) أبي إسحق.
وتأتي شخصيته النحوية من خلال الكتاب في الدرجة الثانية بعد شخصية الخليل، وكثيراً ما كان يقترن اسماهما في رواية أو رأي. ومما يلفت النظر في رواية سيبويه عنهما، حين ذكرهما معاً، أنه كان يترحم عليهما إذا سبق ذكر يونس ذكر الخليل، أما إذا سبق ذكر الخليل يونس تَرَحَّم على الخليل وحده، ثم أتبع الترحُّم عليه ذكر يونس، فهو يقول في الموضع الأول مثلاً: "وزعم يونس والخليل، رحمهما الله، أن الدرهم ليست نكرة"، "ولم يجز يونس والخليل – رحمهما الله- كما غلماناً لك"، "هذا قول يونس والخليل رحمهما الله". وفي الثاني يقول مثلاً: "وإذا لم تلحق الألف قلت: وازيدُ، إذا لم تضف، ووازيدِ، إذا أضفقت، وإن شئت قلت وازيدي، والإلحاق وغير الإلحاق عربي فيما زعم الخليل رحمه الله ويونس". وفي باب الندبة وذلك قولك: وارجلاه، ويا رجلاه! وزعم الخليل، رحمه الله، ويونس أنه قبيح وأنه لا يقال". ويقول: "زعم الخليل – رحمه الله- ويونس جميعاً أنه يجوز: ما أتاني غيرُ زيد وعمر". وفي إعراب الضمير بعد لولا: "وهذا قول الخليل رحمه الله ويونس". ولعلّ ما سلكه سيبويه إزاء الخليل ويونس يذكرني بالأعرابي الذي صلّى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا الله قائلاً: "اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً"، فدهش النبي وقال له: "لقد ضيَّقتَ واسعاً".
ومفاتيح رواية سيبويه عن يونس كثيرة منها: "حدَّثنا يونس ..."، "أخبرنا يونس ..."، "أنشدنا يونس ..."، وفي أغلب الروايات: "زعم يونس ..."، "وأما يونس فيقول ..."، "وهذا قول يونس ..." ونقل سيبويه عنه أبواباً كاملة في النحو والصرف، إما عنه وحده، وإما عنه وعن الخليل جميعاً.
يتبع :
عبدالله بنعلي
04-20-2016, 09:24 AM
ويعتز سيبويه في كتابه برأي يونس ويعتدّ به، ويثق، فهو يعود إليه ويسأله كلما أشكل عليه، يقول في باب ما ينتصب على التعظيم أو المدح: "وسمعنا بعض العرب يقول: (الحمد لله ربَّ العالمين)، فسألت عنها يونس فزعم أنها عربية"، ويقول في باب اختلاف العرب في الاسم المعروف الغالب إذا استفهمت عنه بمن: " وسألت يونس عن: رأيت زيدَ بنَ عمرو، فقال: أقول: من زيدَ بنَ عمرو، لأنه بمنزلة اسم واحد؛ وهكذا ينبغي إذا كنت تقول: يا زيدَ بنَ عمرو، وهذا زيدُ بنُ عمرو، فتسقط التنوين". ومواطن أسئلته له كثيرة.
وكان يتخذ من رواية يونس تصديقاً لرواية نحوي آخر؛ فهو يقول: " وزعم أبو الخطاب أن العرب الموثوق بهم يقولون: أنا هذا، وهذا أنا ... وحدثنا يونس أيضاً تصديقاً لقول أبي الخطاب: إن العرب تقول: هذا أنت تقول كذا وكذا، لم يرد بقوله: هذا أنت، أن يُعَرّفه نفسه، كأنه يريد أن يعلمه أنه ليس غيره، هذا محال، وأراد أن ينبهه، كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت.
وأحياناً قد لا يطمئن إلى قول نحوي فيلجأ إليه، فعنده الخبر اليقين. يقول: " وزعم عيسى بن عمر أن ناساً من العرب يقولون: إذن أفعلُ ذاك، في الجواب؛ فأخبرت يونس بذلك، فقال: لا تُبعدن ذا، ولم يكن ليروى إلاّ ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل".
ولم تتوقف الثقة بيونس إلى هذا الحد، وإنما بلغت اتساعاً بحيث اتخذ سيبويه من قوله دعامة يؤيد بها مذهبه؛ فقد رأى سيبويه رأياً ثم بدا وكأنه يشعر بعدم الطمأنينة إلى ما رآه، فدعمه بقول ليونس لتهدأ به نفسه، قال: "وأما يا تميمُ أجمعون فأنت فيه بالخيار، إن شئت قلت: أجمعون. وإن شئت قلت: أجمعين؛ ولا ينتصب على أعني، من قِبَل أنه محال أن تقول أعني أجمعين؛ ويدلك على أن أجمعين ينتصب لأنه وصف لمنصوب قول يونس: المعنى في الرفع والنصف واحد".
غير أن الطريقة التي كان سيبويه يذكر بها يونس وروايته تُوهم وتُضلّل؛ إذ يصعب على الباحث بسببها أن يميز بين ما هو رواية محضة ليونس، وما هو رواية ورأي في آن واحد. ولعل هذه الطريقة هي التي أوقعت النحاة المتأخرين، وجعلتهم ينظرون إلى رواية يونس على أنها رواية محضة، دون أن يلتفتوا أو يتنبهوا إلى أنها في أحيان كثيرة رواية ورأي معاً. وقد وقع السيرافي، أشهر شراح الكتاب، في حيرة حين اعترضه قول سيبويه عن يونس في باب الندبة: " وأما يونس فيلحق الصفة الألف فيقول: وازيد الظريفاه، واجمجتيَّ الشاميَّتيناه" "فقال: ندبة الصفة قول يونس والكوفيين، والذي حكاه سيبويه عن يونس لست أدري إلحاق علامة الندبة له من قياس يونس، أو مما حكاه عن العرب فنحتج له به".
وهذا " باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره"، يتحدث فيه سيبويه عن المواطن التي لا يعمل فيها المتعدي فيما بعده، ويطنب في التفصيل والتوضيح، مبيناً أن الاسم بعد هذا الفعل قد يأتي مرفوعاً وقد يأتي منصوباً؛ كل ذلك في أسلوب يُوهم المرء أن كل ما يقوله من رفع ومن نصب هو له، ولكنه يفاجئنا في نهاية الصفحة الرابعة بقوله: "والرفع قول يونس"، فلا يدرى أهو الرفع الذي تحدث عنه في الفقرة التي ذكر يونس فيها، أم الرفع في كل ما ورد في هذا الباب! ومن يتمعن تماماً في السياق العام للباب يجد أن الرفع كلّه ليونس، إذ يبدو أن كل ما مثّل سيبويه به يقوم على موقف يونس، وإن كنت لا أجزم بأن كل ما جاء به سيبويه من أمثلة هو ليونس، ولكنه يكفي أن يفهم أن مذهب الرفع الذي قام عليه معظم الباب هو مذهب يونس.
وحسب فهمي للأمر وتصوري إياه، فإنني لا أستطيع أن أفهم أن موقف يونس مما يرويه عن العرب كموقف أبي زيد مما يرويه، أو موقف الأصمعي مثلاً مما يرويه؛ ذلك أن أبا زيد والأصمعي راويان للغة فحسب، بينما يونس بن حبيب راوية ونحوي، ولكنه نحوي قبل أن يكون راوية. فإذا ما روى فإن ما يرويه لا يكون في معظمه إلاّ لبيان موقف نحوي، أو استنباط موقف نحوي، أو التدليل على موقف نحوي اتخذه، وذلك على الرغم من أن سَوْق سيبويه لرواية يونس يوهم أنه يروي رواية دون أن يتّخذ من هذه الرواية موقفاً نحوياً. فيونس قعد معظم حياته للدرس النحوي، ولترسيخ القواعد النحوية في ضوء ما بين يديه من مادة لغوية؛ فإذا قال سيبويه: " وحدثنا يونس أن بعض العرب يقول: يا أمَّ لا تفعلي؛ جعلوا هذه الهاء بمنزلة هاء طلحة إذا قالوا يا طلحَ أقبل .."، فكيف يكون هذا القول رواية ليونس ولا يكون رأياً وموقفاً؟ إنه يقيس في هذا القول ويعلّل. وكيف يكون قول سيبويه عن يونس في باب النداء: " ويقوّي ذلك كله أن يونس زعم أنه سمع من العرب من يقول: يا فاسقُ الخبيثُ، يدلل على أن كل منادي مضموم هو معرفة". كيف يكون هذا القول رواية ليونس ولا يكون رأياً يُلمَح من سياق الكلام؟. بل كيف يكون رواية ما ينسب إلى يونس في قول سيبويه: " وحدثنا بذلك يونس وعيسى جميعاً أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول: ما مررت بأحد إلاّ زيداً"، وقوله: " وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: مالي إلاّ أبوك أحد". كيف يكون ذلك رواية ليونس مع أنه يروي هنا عن العرب الموثوق بهم؛ فكيف يكون هذا القول رواية ولا يكون رأياً، ما دام صاحب القول نحوياً أولاً وقبل كل شيء، وما دام يروي عن عرب موثوق بهم؛ والنحوي يتصيّد ما يرويه عن الموثوق بهم تصيداً ليبني عليه رأياً وموقفاً نحوياً.
ومع أن يونس ذو شخصية واضحة بارزة تمثل في معظم صفحات الكتاب وتتلازم مع الخليل في مواضع عدة، إما روايةً – وهي في معظمها رأي كما أسلفت – وإما رأياً صريحاً صرّح به سيبويه، إلاّ أن هذه الشخصية تكاد لا تبين بوضوح، أو أن هذه الشخصية لا تأخذ المكانة التي تستحقتها في معظم كتب النحاة المتأخرين، بينما تظهر فيها شخصية الأخفش والمازني والجري وابن السراج والزجاج بشكل أوضح وأبرز، مع أن فرقاً كبيراً بين هذا وهؤلاء. لا بد أن يعتريك التساؤل والاستغراب حين تجد أن يونس لا يذكر في شرح ابن عقيل، أو شرح المفصل، أو حاشية الصبان، أو شرح الأشموني، أو مغني اللبيب، أو شرح التصريح، أكثر من ثلاثين مرة في أكثرها إنصافاً له، مع أنه ذُكر أكثر من مائتي مرة – كما أسلفت – في الكتاب. ولقد أوهمت هذه الكتب الدكتور شوقي ضيف أن يونس لم يكن له دور في علم النحو، فاستخلص نتيجة، بعد أن مرّ عليه مروراً خاطفاً، فقال: " وعلى هذا النحو وقع يونس بعيداً عن تطور نظرية النحو على شاكلة ما انتهت إليه في الكتاب عند سيبويه والنحاة الذين يوضعون بحق في تطورها، وهم: ابن أبي إسحق، وعيسى بن عمر، ثم الخليل بن أحمد، وسيبويه". فهو يرى أن ابن أبي إسحق وعيسى بن عمر أهم من يونس وأكثر تأثيراً في مجال النحو؛ ولو عاد الدكتور شوقي ضيف إلى كتاب سيبويه، الذي يعدّه الثمرة الناضجة لتطور نظرية النحو، وتَتبَّع مساهمة يونس فيها، لكان له موقف آخر مختلف، ولكنه اكتفى بالعودة إلى تلك الكتب المتأخرة التي طمست شخصية يونس وأثره في النحو في حدّ بعيد.
ولعلّ عدم وضوح شخصية يونس وإنصافها وإعطائها ما تستحقه من حق ضائع يعود إلى سببين، الأول: ما أسلفته، وهو الطريقة التي كان سيبويه يتبعها في ذكر يونس وروايته، إذ كانت تؤدي إلى اللبس والتضليل؛ بحيث يصعب على الباحث أن يميز بين ما هو رواية محضة، وما هو رواية ورأي؛ فترك المتأخرون البحث في هذا الأمر ولجأوا إلى الحل السهل، وهو أن ينظروا إلى كل ما رواه يونس على أنه رواية محضة، وأن ينظروا إلى الرأي الذي بني على ما رواه يونس على أنه رأي لسيبويه.
والسبب الثاني: - وهو أشد وقعاً- أن النحاة المتأخرين وزّعوا الكثير من آرائه التي صرح بها سيبويه على أولئك النحاة الذين وافقوه فيها، فنسبوا بعضها إلى سيبويه وبعضها إلى البصريين تعميماً، وبعضها إلى الكوفيين.
فمما نسب إلى سيبويه وهو ليونس والخليل حكم الاسم المضاف في المنادى حينما يكرر. قال سيبويه: " هذا باب يكرر فيه الاسم في حال الإضافة ويكون الأول بمنزلة الآخر، وذلك قولك: يا زيدَ زيدَ عمرو، ويا زيدَ زيدَ أخينا، ويا زيدَ زيدَنا. زعم الخليل، رحمه الله، ويونس أن هذا كله سواء، وهي لغة للعرب جيدة". وهذا الرأي واضح أنه ليونس والخليل، وليس لسيبويه فيه إلاّ التوضيح؛ وقد نَسَبَ هذا الرأي إلى سيبويه كل من ابن عقيل، والأشموني، والصبان.
ومما نسب إليه أيضاً رأي يونس والخليل في الضمير بعد لولا. قال سيبويه: " هذا باب ما يكون مضمراً فيه الاسم متحولاً عن حاله إذا أظهر بعده الاسم، وذلك لولاك، ولولاي، إذا أضمرتَ الاسم فيه جُرّ، وإذا أظهرتَ رُفع، ولو جاء علامة الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت، كما قال سبحانه: (لولا أنتم لكنا مؤمنين)، ولكنهم جعلوه مضمراً مجروراً؛ والدليل على ذلك أن الياء والكاف لا تكونان علامة مضمر مرفوع. قال الشاعر يزيد بن الحكم:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى
بأجرامه من قُلّة النيق مُنهوى
وهذا قول الخليل رحمه الله ويونس". والرأي في هذا الموضع صريحٌ الصراحةَ كلها أنه ليونس والخليل، وقد نسبه إلى سيبويه كل من المبرد، وابن عقيل، وابن الشجري، والرضى. ونسبه ابن هشام إلى سيبويه والجمهور.
ومما نسب إلى البصريين رأي يونس والخليل في ندبة النكرة، قال سيبويه: " هذا باب ما يجوز أن يندب، وذلك قولك: وارَجُلاه، ويا رَجُلاه. وزعم الخليل رحمه الله ويونس أنه قبيح وأنه لا يقال". وقد نسب ابن الأنباري هذا الرأي إلى البصريين فطمس بذلك ذكر يونس، على الرغم من أنه واحد من البصريين كالخليل وسيبويه.
ومما نُسب إلى الكوفيين رأي يونس في جواز عود الخافض وعدمه، إذا كان المخفوض ضميراً؛ فقد نسبه إلى الكوفيين كلٌّ من ابن عقيلوابن الأنباري؛ أما الأشموني فنسبه إلى يونس والكوفيين، قال: "
وعود خافض لدى عطف على
ضمير خفض لازماً قد جُعلا
في غير الضرورة، وعليه جمهور البصريين .. قال الناظم: (وليس) عود الخافض (عندي لازماً) وفاقاً ليونس والأخفش والكوفيين ...".
ومما نسب إليهم أيضاً رأي يونس في الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فقد نسبه إليهم كل من ابن الأنباري والأزهري، بينما نسبه الرضي إليه، قال: " وأنكر أكثر النحاة الفصل بالمفعول وغيره في السعة، ولا شك أن الفصل بينهما في الضرورة بالظرف ثابت مع قلّته وقبحه؛ والفصل بغير الظرف في الشعر أقبح منه بالظرف، وكذا الفصل بالظرف في غير الشعر أقبح منه في الشعر؛ وهو عند يونس قياس".
ويكاد يونس لا يُذكَر إلا بذكر آرائه التي خالفه سيبويه فيها؛ من ذلك خلافهما في حكم جواب الشرط المضارع إذا دخلت همزة الاستفهام على الشرط في بدايته. قال الزجاج: " هذا باب ما جاء في التنزيل من إدخال همزة الاستفهام على الشرط والجزء؛ وهذه أيضاً مسألة فيها اختلاف بين سيبويه ويونس، وصورتها أإِن تأتني اتك، بجزم الجواب عند سيبويه، ويونس يقول: أإِن تأتني آتيك، بالرفع؛ ويقول هو في نية التقديم، ويقدره: أاتيك إن تأتني".
ومن ذلك مخالفة سيبويه يونس في أصل لبيك، وفي تصغير هند لو سُمّي بها مذكر، وفي: من زيداً وأباه، في النصب على الحكاية، والنسبة إلى نحو ملهى، وإبدال نون المثنى همزة نحو أضرباء الغلام، والنسبة إلى مائة، وردّ المحذوف في التحقير.
وكتاب سيبويه، حسب فهمي إياه، يتنازعه نحاة ثلاثة، وهم: الخليل ويونس وسيبويه، مرتبين – في رأيي- حسب مساهمتهم في هذا الكتاب؛ ولكن سيبويه بدت شخصيته النحوية وكأنها تفوق شخصية يونس، بل كادت تبدو متفوقة على شخصية الخليل، وقد فاقتها فعلاً في كتب النحاة المتأخرين. ولعل مردّ ذلك إلى تأليف سيبويه الكتاب بعد أن لملم شتات القواعد النحوية وبوّبها ودلّل عليها. ولو قُدّر ليونس – وأعْتَذِر لاستعمال لو – أن يؤلف الكتاب، وأن يتنازعه الخليل ويونس وسيبويه، لتفوَّقت شخصيته على شخصية سيبويه تفوقاً واضحاً في الكتاب وغيره، ولكانت وضعت بجدارة في المكانة التي تستحقها. من غير أن أكون في هذا القول متعصباً ليونس أو معطيه مكانة أكثر من التي له، كبعض الباحثين الذين يقفون في أحيان كثيرة موقف المدافع، أو المتعصّب للشخصية التي يبحثون فيها، وكأن الأمر يَمَسّهم أو يتعلّق بهم. ومنطلقي في موقفي هذا هو العطاء العملي الثرّ الذي بين يديّ ليونس من خلال الكتاب.
ولم يكن ليونس أثر في سيبويه وكتابه بصفة خاصة، والمدرسة البصرية بصفة عامة فحسب، وإنما كان أثر كبير أيضاً في نشأة المدرسة الكوفية التي اتخذت من اتجاهه مساراً لها وهادياً.
فقد ساد المدرسة البصرية زمن يونس اتجاهان في النحو:
الاتجاه الأول: اتجاه متشدد في القياس والسماع عن العرب، ويمثله ابن أبي إسحق، وتلميذه عيسى بن عمر؛ فكان الأول:" أشد تجريداً للقياس" وكان يطعن على العرب، ولا يتحرّج من أن يقول للشاعر العربي المشهور بالفصاحة: لحنت؛ فقد لحن الفرزدق في قوله: "مولى مواليا" في بيته:
فلو كان عبدالله مولى هجوته
ولكن عبدالله مولى مواليا
وقال له: كان يجب أن تقول: مول موال.
وتبعه الثاني الذي لا يتحرّج من الطعن على العرب أيضاً، فكان يقول: أساء النابغة في قوله:
فبتُّ كأني ساوَرَتْني ضئيلة
من الرُّقش في أنيابها السُمُّ ناقعُ
والوجه الصواب عنده: السم ناقعا.
أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه متساهل في القياس، معظّم لما يرد عن العرب؛ ويمثله أبو عمرو بن العلاء، وتلميذه يونس بن حبيب. وكان الأول " أوسع علماً بكلام العرب ولغاتها وغريبها"، وكان "أشد تسليماً للعرب"، وكان يجوّز الأوجه المختلفة التي ترد عنهم. جاءه عيسى بن عمر "فقال له: يا أبا عمر: ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز "ليس الطيّب إلاّ المسك"، فقال أبو عمر: نمت يا أبا عمرو وأولج الناس، ليس في الأرض حجازي إلاّ وهو ينصب، وليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع".
وكان أبو عمرو ينشد قول ذي الرمة:
وظاهـرٌ لهـا من يابـس السَّـخْتِ
فقيل له: أنشدتنا بائس، فقال: يابس بائس واحد، هذا شعر ليست عليه مضايقة.
أما يونس فسار مساره إذ كان يجلّه ويحترم رأيه ويقول: "لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد، كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله، ولكن ليس أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك". فاقتضى أثره في عدم الطعن على العرب؛ فهذا ابن أبي اسحق يسمع قول الفرزدق في مدحه يزيد بن عبدالملك:
مستقبلين شمال الشام تضربنا
على عمائمنا يلقى وأرجلنا
بحاصب كنديف القطن منثورِ
على زواحف تزجى مخها ريرِ
فيقول له: "أسأت إنما هي "ريرُ"؛ وكذلك قياس النحو في هذا الموضع". وقيل إنه قال له "أسأت، موضعها رفع، وإن رفعتَ أقوَيْت". أما يونس فلم يكتف بتجويز قول الفرزدق، وإنما ذهب إلى استجادته فقال: "وهذا جيد". أو استحسنه فقال: "والذي قال حسن جائز".
ويسمع أبو عمرو ويونس قول الفرزدق:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلا محستا أو مجرف
فيقفان حائرين أمام الوجه الذي رفع الفرزدق عن أساسه "مجرف" من غير أن يفكرا بتخطئته أو الطعن عليه، ويحاولان أن يجدا تخريجاً فلم يعثرا، فيقول أبو عمرو: "لا أعرف لها وجهاً، وكان يونس لا يعرف لها وجهاً، قلت ليونس: لعل الفرزدق قالها على النصب ولم يأبه، فقال: لا، كان ينشدها على الرفع وأنشد فيها رؤبة على الرفع".
ولما جاء الكسائي إلى البصرة تتلمذ على أبي عمرو بن العلاء، وتأثر به تأثراً ملحوظاً، ويقال إنه بقي ملازماً له "نحو سبع عشرة سنة"، وتتلمذ بعد ذلك على يونس بن حبيب تلميذ أبي عمرو، وكان يونس يثني عليه في مجلسه بالبصرة ويشجعه، فقد سئل بحضرته عن توجيه رفع الخمر في بيت الفرزدق:
غداة أحلّت لابنِ أصرمَ طعنةٌ
حصينٍ عبيطاتِ السدائفِ والخمرُ
فقيل للكسائي: على أيّ شيء رفعت؟ فقال: أضمرت فعلاً، كأنه: "وحلّت لي الخمر"، فقال يونس: ما أحسن والله ما وجّهته – وفي رواية أخرى أنه قال: أشهد أن الذين رأّسوك رأسوك على حق – غير أني سمعت الفرزدق ينشده:
غداة أحلت لابن أصرم ضربةً
حصينٍ عبيطاتُ السدائفِ والخمرُ
جعل الفاعل مفعولاً، كما قال الحطيئة:
فلما خشيت الهونَ والعَيْرُ ممسكٌ
على رغمه ما أمسك الحبلَ حافرُه
والقصيدة على الرفع، جعل الفاعل مفعولاً، فقال الكسائي: هذا على هذا وجه.
وكان يونس يتجنب تخطئة الكسائي، ويردّ قوله ردّاً طليفاً جميلاً؛ فها هو يسأل في مجلسه إن أولق: ما مثاله من الفعل؟ فيقول: أفعل، فيقول يونس له: استحييت لك يا شيخ! والظاهر عندنا من أمر أولق أنه فَوْعَلَ من قولهم: ألق الرجل فهو مألوق. أما ابن أبي عيينة الذي سأله هذا السؤال فيسارع بعد الإجابة إلى القول: خطأ والله.
ليس هذا فحسب، وإنما كان يونس يغضب الغضب كله إذا ما أحس أن أحداً في مجلسه حاول أن يستثيره أو يعمد إلى تخطئته، ويقول: تؤذون جليسنا، ومؤدب ولد أمير المؤمنين.
وقد توطدت العلاقة بين يونس والكسائي، وتعمّقت بعد هذا السلوك الذي كان له أجمل الأثر في نفس الكسائي، ولا سيما بعد المسائل النحوية التي جرت بينهما وأقر له يونس فيها، وكافأه على ذلك بأن صدّره موضعه.
ولم يكن الكسائي الكوفي الوحيد الذي درس على يونس، وإنما درس عليه الفراء أيضاً. وكان الكوفيون – كما يبدو من رواية أبي الطيب اللغوي- يفتخرون بأنه أخذ عن يونس، فأكثر؛ قال: "وأهل الكوفة يدّعون أنه استكثر منه، وأهل البصرة يدفعون ذلك"، وهذه الرواية إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على مدى المكانة التي كان يونس يمثلها في ذهن الكوفيين وفكرهم.
وقد كان عقل الكسائي متنبهاً ويقظاً لكل ما كان يسمعه عن يونس من أجل أن يأخذ به ويقتفي أثره؛ فهذا يونس بن حبيب يسألوالكسائي حاضر: لِمَ صارت "حتى" تنصب الأفعال المستقبلة؟ فيقول: هكذا خلقت. ويسأل الكسائي فيما بعد في مجلس يونس عن قولهم: لأضربن أيُّهم يقوم، لم لا يقال:أيَّهم، فيقول أيُّ، هكذا خلقت.
كل ذلك دفع الكسائي والكوفيين بعده إلى أن يتبعوا الاتجاه النحوي الثاني الذي سار فيه أبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب، وهو الاتجاه الذي يعظّم لغات العرب ويقبل بتجويزها مهما تباعدت، من غير طعن أو تلحين؛ أما البصريون فواصلوا السير على الاتجاه الأول، اتجاه ابن أبي اسحق وعيسى بن عمر، وهو الاتجاه الذي اتسم بالتشدد في القياس وتأويل ما يخالفه، أو تشذيذه، أو تخطئته إذا لم يكن بديل للتخطئة.
يتبع :
عبدالله بنعلي
04-20-2016, 09:24 AM
يتبع :
وقد اتبع الكوفيون يونس في آراء كثيرة خالف فيها البصريين، منها تجويزه أن تلقى علامة الندبة على الصفة، نحو قولك: "وازيد الظريفاه"، بينما ذهب الخليل إلى أن هذا خطأ.
وتبعوه في جواز إدخال نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وجماعة النسوة، نحو "افعلان" و"افعلنان" بالنون الخفيفة؛ وأيد ابن جني هذا المذهب قائلاً: "وليس ذلك ... بالممتنع في الحس، وإن كان غيره أسوغ فيه منه من قِبَل أن الألف إذا أُشْبع مدّها صار ذلك كالحركة فيها". أما البصريون فذهبوا إلى أنه لا يجوز إدخالها في هذين الموضعين.
وتبعوه في عدم ضرورة عود الخافض.
وتبعوه في أن "أيّ" " في نحو: لأضربن أيُّهم أفضل، معرب، ولكنه يقول إنه مرفوع بالابتداء و"أفضل" خبره، والفعل معلّق عن العمل. أما هم فيقولون: إنه مفعول به منصوب، بينما يرى سيبويه أنه مبني على الضم.
وتبعوه في أن الذي يقع مصدراً، كما ورد في قوله تعالى:(وخضتم كالذي خاضوا) أي خاضوا فيه، وقوله: (ذلك الذي يبشر الله عباده) أي يبشّر اللهُ به عباده.
وتبعوه في أن "وحده" منصوبة على الظرف؛ قال سيبويه: وزعم يونس أن وحده بمنزلة عنده".
وبناء على كل ما مضى من أقوال وأدلة وآراء حول أثر يونس في الكسائي والكوفيين فإنني أستطيع القول إن تأثير يونس في هؤلاء كان واضحاً شديد الوضوح وبارزاً، بل وبناء على كل ما مضى يخيل إلي أنني أستطيع القول إن ابن حبيب النحوي كان مؤسساً بارزاً من مؤسسي المدرسة الكوفية، أو على الأقل كان مساهماً مساهمة فعالة في نشأة هذه المدرسة، فهو الذي فتح لها مجال السير في الاتجاه المذكور الذي كان يتجهه مع أستاذه، من غير أن يتعارض هذا القول مع بصريته؛ وبالتالي فلا أستطيع أن أعده ممن وضعوا النواة الأولى للمدرسة البغدادية، كما ادعى الدكتور أحمد مكي الأنصاري. ولعل قرب يونس من الكوفيين هو الذي دفع الأنصاري إلى ذلك. فالتقاء يونس بالكوفيين وأثره فيهم كان قبل أن تنشأ المدرسة البغدادية وتقف على قدميها؛ ونواة المدرسة البغدادية لا يمكن أن تكون إلا بعد وجود المدرستين البصرية والكوفية، وهي المعروفة بأنها انبثقت من تمازج المدرستين، وأنها مدرسة تقوم على الانتخاب والتوفيق، والنفاذ إلى بعض ما يمكن النفاذ إليه من آراء جديدة.
د. محمود حسني محمود
المصـادر
ابن الأنباري:
1- الإنصاف – تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. مطبعة السعادة، ط الرابعة 1961.
2- نزهة الألباء – تحقيق د. إبراهيم السامرائي. الطبعة الثانية. بغداد 1970.
ابن جني:
3- الخصائص- تحقيق محمد علي النجار. دار الهدى. الطبعة الثانية. بيروت.
4- المحتسب – تحقيق علي النجدي ناصف. القاهرة 1386هـ.
ابن خلكان:
5- وفيات الأعيان – تحقيق د. إحسان عباس. دار صادر – بيروت.
ابن السراج:
6- الأصول في النحو – تحقيق د. عبدالسلام الفتلي. مطبعة الأعظمي، بغداد 1973م.
ابن الشجري:
7- أمالي ابن الشجري. حيدر آباد. الطبعة الأولى 1349هـ.
ابن عقيل:
8- شرح ابن عقيل. تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. مطبعة السعادة، ط الثانية عشرة 1961م.
ابن العماد:
9- شذارت الذهب – بيروت.
ابن قتيبة:
10- الشعر والشعراء.
ابن النديم:
11- الفهرست. مطبعة الاستقامة بالقاهرة.
ابن هشام:
12- أوضح المسالك. تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. دار إحياء التراث العربي. بيروت. الطبعة الخامسة 1966م.
13- مغني اللبيب. تحقيق د. مازن مبارك. مراجعة الأستاذ سعيد الأفغاني، بيروت. الطبعة الثانية 1972.
ابن يعيش:
14- شرح المفصل. المطبعة المنيرية بمصر.
أبو الطيب اللغوي:
15- مراتب النحويين – تحقيق أبو الفضل إبراهيم. القاهرة 1974.
أبو الفداء:
16- البداية والنهاية – مطبعة السعادة بمصر.
الأزهري:
17- شرح التصريح على التوضيح. دار إحياء الكتب العربية.
الأشموني:
18- شرح الأشموني – تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد. مطبعة السعادة بمصر. الطبعة الأولى 1955.
الأعشى:
19- ديوان الأعشى – تحقيق د. محمد حسين. المطبعة النموذجية.
الأنصاري: د. أحمد مكي الأنصاري:
20- أبو زكريا الفراء. القاهرة 1964.
بروكلمان:
21- تاريخ الأدب العربي. دار المعارف بمصر. الطبعة الثانية.
البغدادي:
22- خزانة الأدب. تحقيق عبدالسلام هارون. مطبعة الحلبي.
23- تاريخ بغداد. مطبعة السعادة 1931.
الجاحظ:
24- الحيوان – تحقيق عبدالسلام هارون. مطبعة الحلبي.
25- البيان والتبيين – تحقيق فوزي عطوي. بيروت.
الجمحي:
26- طبقات فحول الشعراء – تحقيق محمود محمد شاكر. مطبعة المدني. القاهرة 1974، دار المعارف 1952م.
الحديثي. خديجة الحديثي:
27- كتاب سيبويه وشروحه. بغداد. الطبعة الأولى 1967.
حسني. د. محمود حسني:
28- المدرسة البغدادية في تاريخ النحو العربي، رسالة دكتوراه مخطوطة في مكتبة الجامعة الأردنية قسم المخطوطات، وفي مكتبة جامعة القاهرة – كلية الآداب ضمن الرسائل الجامعية.
الحطيئة:
29- ديوان الحطيئة – تحقيق د. نعمان طه. الطبعة الأولى 1958.
الحموي – ياقوت الحموي:
30- معجم الأدباء – مطبعة دار المأمون. الطبعة الأخيرة.
31- معجم البلدان. بيروت 1956.
الداودي. الحافظ شمس الدين:
32- طبقات المفسرين – تحقيق علي محمد عمر. مطبعة الاستقلال الكبرى. الطبعة الأولى 1972م.
الرضى:
33- شرح الكافية. الشركة الصحافية العثمانية 1310هـ.
الزبيدي:
34- طبقات النحويين واللغويين. تحقيق أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف بمصر.
الزجاج:
35- إعراب القرآن – تحقيق إبراهيم الأنباري. القاهرة 1963م.
الزجاجي:
36- مجالس العلماء – تحقيق عبدالسلام هارون. الكويت 1962م.
الزمخشري:
37- المفصل. دار الجيل. الطبعة الثانية.
سيبويه:
38- الكتاب – تحقيق عبدالسلام هارون
ج1 دار القلم 1966
ج2 دار الكاتب العربي القاهرة 1968م.
ج3 الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973م.
ج4 الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975م.
السيرافي:
39- أخبار النحويين البصريين – تحقيق طه الزيني. الطبعة الأولى 1955م.
السيوطي:
40- الأشباه والنظائر – تحقيق طه سعد. طبعة جديدة 1975م.
41- الاقتراح في أصول النحو. حيدر آباد. الطبعة الثانية 1359هـ.
42- بغية الوعاة. تحقيق أبو الفضل إبراهيم. ط الأولى 1965.
43- همع الهوامع – تحقيق عبدالسلام هارون. الكويت 1975م.
الصبان:
44- حاشية الصبان. دار إحياء الكتب العربية.
ضيف. د. شوقي ضيف:
45- المدارس النحوية. دار المعارف بمصر 1968م.
عزام. عبدالرحمن عزام:
46- بطل الأبطال. مطبعة الحلبي. الطبعة الأولى 1928م.
عيد. د. محمد عيد:
47- الرواية والاستشهاد باللغة. القاهرة 1972م.
الفرزدق:
48- ديوان الفرزدق. دار صادر. بيروت 1960م.
القفطي:
49- إنباه الرواة – تحقيق أبو الفضل إبراهيم. مطبعة دار الكتب. القاهرة 1973م.
المبرد:
50- الكامل في الأدب – تحقيق د. زكي مبارك. مطبعة الحلبي، الطبعة الأولى 1937م.
المرزباني:
51- الموشح. المطبعة السلفية. القاهرة، الطبعة الثانية 1385هـ.
ناصف. علي النجدي ناصف:
52- سيبويه إمام النحاة.
ياسين:
53- حاشية الشيخ ياسين (ضمن شرح التصريح للأزهري – دار إحياء الكتب العربية).
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, vBulletin Solutions, Inc Trans by mbcbaba