المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملخص رسالة: البنى النحوية وأثرها في المعنى


مصطفى شعبان
04-22-2016, 04:17 AM
البنى النحوية وأثرها في المعنى
أطروحة تقدم بها
أحمد عبد الله حمود العاني
إلى مجلس كلية الآداب جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها

الحمد لله منتهى العلم ومبلغ الرضا ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وعلى آله وصحبه أعلام الهدى والتقى .
وبعد :
لم يكن النحو العربي علما يهتم بتتبع علامات الإعراب والبناء فحسب ، بل هو علم يهتم أيضا بمعاني الكلام ومقاصد المتكلمين ، ولعل الدليل على ذلك ما نجده في أول كتاب نحوي يصل إلينا من إشارات تهتم بالمعنى وتؤدي إليه ، فالكلام عند سيبويه ينقسم من حيث المعنى على خمسة أقسام (( فمنه مستقيم حسن ، ومحال ، ومستقيم كذب ، ومستقيم قبيح ، وما هو محال كذب )) وكل ذلك قائم على أساس من النحو إسنادا وتعليقا ، وهذا إنما يثبت للنحو غاية ووظيفة أوسع مما هي عليه الآن ، إذ تشير هذه الأقسام إلى المعنى ، ولا تقف عند سلامة النطق لما في أواخر الألفاظ من علامات .
إن ما تقدم من كلام تمهيد لفكرة الأطروحة وأهدافها ، فلقد كان أمامنا هدفان رئيسان :
الهدف الأول : هو الوصل بين النحو والمعنى ، فبينهما صلة وأسباب ، بيد أن هذا الأمر يكاد يكون معدوما عند جل الدارسين أو الباحثين المحدثين ، وإنما الالتفات والتأكيد مقتصر في غالب الأحيان على جانب النطق الصحيح لما في أواخر الألفاظ من علامات ، يقول الأستاذ الدكتور مصطفى ناصف : (( ما يزال تصور النحو العربي لمسألة المعنى من الأمور المهملة التي عزف عنها الدارسون المحدثون لصعوبتها ، وحاجتها إلى دراسات كثيرة متفرقة في الفلسفة واللغة وفروع أخرى كثيرة من الثقافة العربية ، وقد اكتفى الدارسون المحدثون بترديد بعض القضايا ، من بينها ، أن النحو العربي عامة يدرس اللغة على أساس منهج غير سليم وأن النحو لا يكتفي بوصف الظاهرة ، بل يروح يبحث عن تعليلها ، وكثرت الاعتراضات الموجهة إلى المنهج ، أما وصف هذا المنهج نفسه أو تفسيره ، وبعبارة أخرى ، تصور الباحثين المتقدمين لمسألة المعنى ، فقد أهمل – فيما أعرف – إهمالا لا يمكن الدفاع عنه بسهولة )) في حين إن هذه المسألة التي نجد أساسها عند النحاة القدماء من جهة وعند البلاغيين الذين تبنوا قسما منها من جهة أخرى ، هي قمة ما يجب أن يصل إليه النحو العربي ؛ ليتحقق فيه هدفه الرئيس وغايته المثلى المتمثلة في مراعاة المعنى صحة وبيانا ، وليتحقق فيه شيء من التجديد .
الهدف الآخر : هو الكشف عن المعنى في تراثنا النحوي ، وبيان اهتمام أئمة النحاة به .
وفضلا عن هذين الهدفين الرئيسين ، فثمة أهداف فرعية أخرى ، منها مثلا ، الرد على المنكرين لبعض بنى النحو وأساليب الكلام ، فإن دراستنا من مصادر النحو تنظيرا ، ومن القرآن الكريم تطبيقا وتبيينا .

وقبل الوقوف على مضمون الأطروحة ، يجب الوقوف عند عنوانها ، فهو الإشارة الأولى إلى ذلك المضمون ، فالعنوان هو (( البنى النحوية وأثرها في المعنى )) وإنما قلنا ( البنى النحوية ) دون النحو بوجه عام ؛ احترازا من دراسة أبوابه كلا على انفراد * ، وتقييدا في الوقت نفسه بما يحصل فيه من متغيرات ، فإن في النحو أصولا وفروعا . فأما الأصول ، فهي الوضع الأول للألفاظ إسنادا وتعليقا ، وينتج عنه الجملة الأولى في الكلام ، وأما الفروع ، فهي الخروج عن ذلك الوضع بإحداث تغيير فيه ، وهذا هو ما نعنيه بـ( بنية النحو ) أو المتغيرات فيه .
فدراستنا إذن مختصة فيما تعلق من الألفاظ بعضها ببعض ، وهذه فكرة مركزية ورئيسة في النحو العربي ، بناء على أنه لا يعطي اللفظة حكما ما لم تتميز طبيعة تعلقها بغيرها من الألفاظ ، ولكن دراستنا اقتصرت – كما ذكرنا – على ما يحصل في ذلك التعليق من تغيير ، فإسناد الفعل إلى فاعله ، والصلة بين الفعل والمفعول لا تدخل في دراستنا إلا بحدوث تغيير بينهما ، كحذف أحدهما ، أو تبادل مواضعهما تقديما وتأخيرا
وإنه لمن البديهي ، أن يؤدي هذا الخروج أو التغيير معنى ذا غرض مزيد على المعنى الوظيفي الأول والأساسي ؛ لأن المعنى يختلف باختلاف بنى النحو أو صيغ الكلام ، فوضع الألفاظ على أصلها إسنادا وتعليقا لا يستلزم التعليل أكثر من الفهم والإفهام ، بخلاف خروجه عن ذلك الأصل ، فإنه يستلزم التعليل والتأويل وبيان ما فيه من معنى مقصود وغرض مراد ، ومن هنا تبين ما نعنيه بقولنا ( وأثرها في المعنى ) فهو التناسب مع الموقف أو المقام أو السياق ، وبعبارة أخرى ، هو ( وضع الكلام موافقا لمقتضى الحال ) .
ومع أن هذا المعنى ينسب إلى البلاغة كثيرا ، بيد أن نسبته إلى النحو هي الأولى ، فكما أن المعنى الوظيفي الناشئ عن إسناد الألفاظ أو تعلق بعضها ببعض منسوب إلى النحو بلا خلاف ، فكذلك هذا المعنى الموافق لمقتضى الحال ، فإنه معنى نحوي أيضا ؛ وذاك لقيامه على تغيير ذلك الإسناد أو التعليق .
فكلا المعنيين إذن قائم على أساس من النحو ، سوى أن الأول قائم على ثوابته ، والآخر قائم على متغيراته ، وما نسبة هذا الأخير إلى البلاغة - في تقديري - إلا لبلوغه الفائدة المقصودة التي لم يضطلع بتأديتها المعنى الوظيفي أو الأول أو الأساسي .
وفضلا عن ذلك فإن تعيين المعنى المراد ، وبيان وضوحه وعدم حدوث اللبس فيه ، هو من المعنى الذي تعنى به دراستنا أيضا ؛ ذلك أن من متغيرات النحو ما يكون غرضها وضع المعنى بوضوح لا لبس فيه .

وبعد هذا نستطيع أن نفصح عن مضامين هذه الأطروحة من أبواب وفصول ، فقد اشتملت على بابين ، وفي كل باب عدد من الفصول .
فأما الباب الأول ، فكان عنوانه ( أحوال البنى النحوية ) وقد انقسم على خمسة فصول :
- الفصل الأول : التقديم والتأخير .
- الفصل الثاني : الحذف والتقدير .
- الفصل الثالث : التعريف والتنكير .
- الفصل الرابع : الحصر والقصر .
- الفصل الخامس : الفصل والوصل .
ومن قراءة أولى لهذه العنوانات ، قد يتراءى أنها درست كثيرا ، ولا سيما فيما تناوله البلاغيون ، ولكن من قراءة أخرى – وهي قراءة ما ورد فيها قراءة مفصلة – سوف يتبين المستوى الذي درست فيه ، فهدف الأطروحة الرئيس – كما ذكرنا – هو الوصل بين النحو والمعنى ، وهذا يعني أن اهتمامنا كان بالنحو ، وما يحصل فيه من متغيرات ، ولم نغفل في الوقت نفسه عن المعاني الناشئة عنها ، بخلاف البلاغيين ، فإن اهتمامهم كان بالنتائج أو المعاني من دون النظر في أصولها كثيرا ، ومن دون استقصاء تلك المتغيرات جميعا ، فلم نر عندهم – على سبيل المثال – ذكرا لمواضع الوجوب في دراستهم التقديم والتأخير والحذف والتقدير ، حكما منهم – على ما أرى – بأن هذه المواضع خاضعة لأمر الصنعة والإعراب ، وليس لها من المعنى شيء ، بيد أن هذا الحكم ليس على إطلاقه ، فإن من مواضع الوجوب ما هي خاضعة للمعنى بشكل مباشر ورئيس .
وكذلك الأمر في دراستهم الظواهر التي تضمنتها الفصول الأخرى من ( تعريف وتنكير ، وحصر وقصر ، وفصل ووصل ) فهي وإن غلبت عليها سمة البلاغة ، بيد أن الكشف عن جانب النحو فيها ذو أثر مهم في الكشف عن المعنى وتشكيل البنية والسياق .
فللنكرة موقع يخالف موقع المعرفة في الكلام ، وذلك بحكم دلالتهما وعلاقتهما نحويا بما يساندهما أو يتعلق بهما من ألفاظ .
وللحصر والقصر ، والفصل والوصل أساس نحوي يقومان عليه ، ولولا ذاك الأساس ما كان ثمة وجود لهما ، ثم إن تبني جانب النحو فيهما من رتب وصيغ وأدوات قد يكشف عن المعنى الكثير .
وفضلا عن هذا وذاك ، فإن هناك ظاهرتين يقوم النحو العربي عليهما ، وهما ظاهرة التلازم بين الألفاظ ، وظاهرة الإعراب ، فقد جعلنا منهما عنصرين مهمين في تشكيل البنية وتوخي الدقة في المعنى على وفق استدعاء الأمر ذلك ، وهذا كله لم يفصل البلاغيون قولا فيه .
أما من حيث الخصوص في تقسيم الفصول ، فقد اشتمل كل فصل على عدد من المباحث فـ( الفصل الأول ) ، اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : تقديم على نية التأخير .
المبحث الثاني : تقديم لا على نية التأخير .
وقد تضمن كل من المبحثين تقديم العمدة أو الفضلة ، غير أن الاهتمام في المبحث الأول كان بالتقديم بين الوجوب والجواز ، فضلا عن تبيين أثر المعنى في التمييز بين الرتبتين المتكافئتين ، في حين كان الاهتمام في المبحث الثاني بما يحدثه هذا النمط من التقديم من انتقال بين رتب النحو والإعراب ، ومن تغير واسع في نمط البنية والمضمون .
أما الفصل الثاني ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : حذف العمدة .
المبحث الثاني : حذف بعض العناصر المتلازمة .
المبحث الثالث : حذف الفضلة .
وقد تضمن المبحث الأول حذف المبتدأ والخبر من الجملة الاسمية ، وحذف الفعل والفاعل من الجملة الفعلية سواء أكان الحذف واجبا أم جائزا ، وكذلك تضمن المبحث بعض مسائل الخلاف في تعيين نوع المحذوف بين المبتدأ والخبر ، أو الخلاف في تقدير محذوف أو عدم تقديره إن كان هناك ما يغني عنه في الكلام ، وجعلنا الترجيح في ذلك قائما على موافقة المعنى ، من دون مخالفة حكم النحو والإعراب .
أما المبحث الثاني ، فقد تضمن ثلاثة أنواع من الحذف ، وهي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وحذف الموصوف أو صفته ، وحذف جواب الشرط ، بناء على أن هذه الألفاظ من العناصر المتلازمة التي لا يقوم أحدها من دون الآخر ، فصار على هذا تقديرها أو تتبعها لازما عند النحاة .
وأما المبحث الثالث ، فقد تضمن حذف المفعول به والحال والتأكيد ، مراعين في ذلك أمرا مهما ، وهو أن هذا الحذف قد يستلزم التقدير على الرغم من كون المحذوف فضلة ، وذاك لحاجة المعنى إليه .
وقد أشرنا في مواضع عدة من هذا الفصل إلى أن تقدير المحذوف قد يختلف لفظه أو موضعه بين النحاة ؛ ذلك أن من البنى النحوية ما يحتمل ظاهرها أكثر من لفظ أحيانا ، وأكثر من موضع أحيانا أخرى ، بيد أن للمعنى أساسا في الاختيار بينهما ، لتوخي الدقة فيه . وقد يكون كل تقدير مقصودا وصحيحا إذا كان غرض الحذف هو العموم والإطلاق .
وأما الفصل الثالث ، فقد اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : النكرة وأثرها في البنية شكلا ومعنى .
المبحث الثاني : المعرفة وأثرها في البنية شكلا ومعنى .
ونعني بالشكل الصيغة التي تكون عليها البنية من حيث تعلق الألفاظ فيما بينها ، وإنما وقفنا عند هذا الأمر في دراسة هذين القسمين ؛ لتأكيد ما لهما من وظيفة في تشكيل البنية وليس الأمر مقتصرا عليهما منفردين ، وأما المعنى ، فنعني به ما يحصل من صلة الألفاظ فيما بينها أو من خلال طبيعة اللفظين بحد ذاتهما وتباينهما تنكيرا وتعريفا .
وأما الفصل الرابع ، فقد اشتمل على مبحثين أيضا :
المبحث الأول : طرق القصر .
المبحث الثاني : تقسيم القصر .
وقد تناولنا في المبحث الأول طرق القصر ، وما بينها من فروق على مستوى الشكل والمضمون . وأما المبحث الثاني فقد تناولنا فيه تقسيم القصر على أسس مختلفة بحسب ما نظر البلاغيون ، إذ نظروا إلى طرفيه بين الصفة والذات فقسموه على أساسهما على قسمين : قصر موصوف على صفة ، وقصر صفة على موصوف ، ونظروا كذلك إلى مطابقته الواقع فقسموا القصر على أساسه على قسمين أيضا : قصر حقيقي وآخر إضافي . ونظروا أخيرا إلى حال المخاطب ، فقسموا القصر على أساسه على ثلاثة أقسام : قصر قلب وإفراد وتعيين .
ومع أن هذه التقسيمات كانت من عند البلاغيين ، إلا أن بعضها قائم على أساس نحوي ولا سيما القسم الأول منها ؛ وقد اهتممنا به لاجتماع أكثر من متغير نحوي فيه .

وأما الفصل الخامس ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : مواضع الفصل .
المبحث الثاني : مواضع الوصل .
المبحث الثالث : الجملة الحالية بين الفصل والوصل .
وكان اهتمامنا في هذه المباحث جميعها بالنحو والإعراب ؛ لما في ذلك من أثر في المعنى كبير .
وأما الباب الثاني ، فكان عنوانه ( التناوب في البنى النحوية ) وهو نمط آخر من أنماط التغيير ، فإذا كان التغيير في الباب الأول قائما على أساس تغير مواضع الألفاظ ، أو حذفها ، أو تنكيرها ، أو تعريفها ، فإن التغيير هنا يكون عن طريق استبدال لفظ بلفظ أو وقوع لفظ مكان لفظ آخر على سبيل النيابة سواء أكانت النيابة بمعناها الاصطلاحي أم بمعناها اللغوي العام ، ولكن بشرط أن يكون لذاك الاستبدال صلة بالألفاظ الأخرى ، وتغيير للبنية لكي يصدق علم النحو عليه ؛ لأن النحو كما هو معلوم لا يعنى باللفظة إلا من خلال إسنادها أو تعلقها بغيرها من الألفاظ .

مصطفى شعبان
04-22-2016, 04:18 AM
وقد قام هذا الباب على أربعة فصول :
الفصل الأول : نيابة الاسم عن الفعل .
الفصل الثاني : التناوب بين الأسماء .
الفصل الثالث : التناوب بين حروف المعاني .
الفصل الرابع : انعدام المطابقة بين المتلازم من الألفاظ .
وقد اشتملت هذه الفصول على مباحث أيضا .
فـ( الفصل الأول ) ، اشتمل على أربعة مباحث .
المبحث الأول : نيابة اسم الفاعل .
المبحث الثاني : نيابة اسم المفعول .
المبحث الثالث : نيابة اسم الفعل .
المبحث الرابع : نيابة المصدر .
ومن أدلة النيابة هنا هو العمل النحوي ، إذ الأصل فيه للفعل والاسم فرع عليه . وقد جعلنا من هذا العمل عنصرا مهما في تعلق هذه النيابة بالنحو ، وذلك من حيث صلة الأسماء النائبة بغيرها من الألفاظ .
بيد أن هذا لا يعني أننا اقتصرنا على هذا العمل فحسب ، بل تناولنا النيابة من جهتين : الجهة الأولى ، هو ما تؤديه الأسماء من دلالة مخالفة لدلالة الأفعال ، والجهة الأخرى ، هي ما تؤديه الأسماء للبنية من شكل لا يكون بغيرها .
وكذلك تحدثنا عن ظاهرة مختصة بالأسماء دون الأفعال وهي التنوين ؛ لنرى أثرها في المعنى ولا سيما أنها عنصر بارز في متغيرات البنية النحوية ؛ لوجودها في الأسماء تارة ، وزوالها عنها تارة أخرى .
أما الفصل الثاني ، فقد اشتمل على خمسة مباحث :
المبحث الأول : نيابة المصدر المؤول عن المصدر الصريح .
المبحث الثاني : النيابة عن المفعول المطلق .
المبحث الثالث : التناوب بين المشتقات .
المبحث الرابع : نيابة المصدر عن المشتق في موضع ( الخبر والصفة والحال ) .
المبحث الخامس : نيابة المفعول به عن الفاعل .
وواضح دليل النيابة هنا ، إذ الأصل في اللفظ أو الرتبة عند النحاة أن يكون بصيغة معينة ، ولكنه قد يأتي بصيغة أخرى ، فهو على سبيل النيابة ، ولعل ذلك يبرز – بالمعنى الاصطلاحي لها – في المبحثين الأول والأخير ، إذ يرد عند النحاة مصطلح النيابة فيها ، وأيا كان شكل النيابة ، فإنها تحقق معاني أخرى فوق المعاني الأصول .
وأما الفصل الثالث ، فقد اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : التناوب بين حروف الجر .
المبحث الثاني : التناوب بين حروف المعاني الأخرى .
ودليل النيابة في المبحث الأول يعود إلى نوع الفعل تعدية ولزوما ، أو إلى تعدي الفعل بحرف دون غيره ، بناء على أن هذه الحروف غالبا ما تكون صلة بين الفعل والمفعول .
وأما المبحث الثاني ، فيمكن القول ، إن مصطلح الإيثار يصدق عليه أحيانا ، ومصطلح التناوب يصدق عليه أحيانا أخرى . فأما المصطلح الأول ، فيتحقق من خلال إيثار حرف على حرف يشابهه في المعنى العام مع وجود اختلاف جزئي في الدلالة بينهما كـ( حروف النفي ) مثلا ، وإنما قلنا ( إيثارا ) ؛ لأن الحرف لم يكن ذا دلالة مخالفة لما عليه الصلة بين الألفاظ من معنى كما هو الشأن بين حروف الجر آنفا . وأما المصطلح الآخر ، فيتحقق من خلال وقوع الحرف خلافا لأصل دلالته المشهور بها ، ومع أن المصطلح الأول هو الشائع في هذا المبحث ، غير أن صلته بهذا الفصل قوية أيضا ، ويمكن إطلاق مصطلح النيابة عليه مجازا ، ولا سيما في البنى المتشابهات إلا من الحروف فيها .
أما الفصل الرابع ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : التناوب بين المفرد والمثنى والجمع .
المبحث الثاني : التناوب بين التذكير والتأنيث .
المبحث الثالث : التناوب بين صيغ الغيبة والتكلم والخطاب ( الالتفات ) .
ودليل التناوب في المبحثين الأول والثاني هو النحو ، تبعا لوجوب التطابق بين المتلازم من الألفاظ فيه إفرادا وتثنية وجمعا ، وتذكيرا وتأنيثا ، إلا أن بعض الألفاظ قد يأتي بصيغة مخالفة للواجب فيه على سبيل النيابة – لغة – بين هذه الصيغ أو الألفاظ .
أما المبحث الثالث ، فمقيس على ما ورد في المبحثين الأول والثاني من ظاهرة انعدام المطابقة بين الألفاظ ؛ وذاك لقيام الالتفات على انعدام المطابقة بين الجمل تكلما وغيبة وخطابا .

ومن حيث المنهج ، فيحسن الحديث عن ملامحه الرئيسة التي وسم البحث بها ، سواء أكانت تلك الملامح في المنهج العلمي أم المنهج الشكلي بوجه عام .
فمن ملامح المنهج العلمي ما يأتي :
- جاء المنهجان الوصفي والتحليلي مقترنين ، تبعا لما قام عليه البحث من تنظير وتطبيق ، فالمنهج الوصفي يعنى بجانب التنظير في إثبات أحكام النحو أو المتغيرات فيه ، والمنهج التحليلي يعنى بأثر هذه المتغيرات في المعنى ، وإنما اقترن المنهجان لتحقيق هدف البحث في الوصل بين النحو والمعنى ، ولا شك في أن ذلك لا يكون إلا من خلال هذين المنهجين .
- جاءت جل شواهد البحث من القرآن الكريم ؛ لأنه الكتاب الأسمى الذي نزل بلغة العرب ، ولأنه الكتاب الذي بلغ الإعجاز بكلامه ، فلا تعبير فيه إلا لمعنى مقصود .
- سعيت إلى إيجاد العلاقة أو الوحدة المعنوية بين المتغيرات النحوية ، متى ما وجدت إلى ذلك سبيلا ، سواء كان ذلك على مستوى التنظير أو التطبيق .
- بينت في مواضع أثر المتغيرات في البنية شكلا ومضمونا ، ولعل ذلك يكون مطردا مع المتغيرات التي تحمل – ظاهرا – سمة الانفراد ، كـ( التنكير والتعريف ، واسم الفاعل والمفعول ) ؛ وذلك تبيانا لصلتها وعلاقتها بغيرها من الألفاظ ، موافقة لبحثنا المعني ببنية النحو وليس بالإفراد .
- هناك موازنات يسيرة بين مذاهب النحاة أنفسهم ، أو بينهم وبين أصحاب المعاني من البلاغيين ولا سيما في المسائل المهمة التي تتطلب الترجيح والاختيار لموافقة المعنى والسياق.
- وهناك أيضا تقديم لآراء النحاة على البلاغيين إذا كان بينهم اشتراك في بيان المعنى ؛ إشارة إلى أنهم لم يغفلوه ، بل تنبهوا له فكانوا هم أصحاب الشأن فيه .
- وتبعا لذلك تنوعت مصادر البحث بين النحو والبلاغة والتفسير ، غير أن مصادر النحو هي الغالبة على المصادر الأخرى على وفق عناية البحث بالنحو بشكل رئيس وحاجته إلى مصادره تنظيرا وتطبيقا ، وما وجود المصادر الأخرى إلا لعنايتها ببعض جوانب المعنى فيه.
- وكان الاهتمام بالمصادر القديمة ؛ لتأكيد أصول النحو العربي القديم وبيان ما فيه من ثروة في المعنى ، فضلا عن قيامها أصلا خدمة للقرآن الكريم ، بخلاف المراجع القائمة على النظريات الحديثة ، كـ( التحويلية والتوليدية والأسلوبية ) ، فإنها للأدب أقرب منها للقرآن .
ومن ملامح المنهج الشكلي ما يأتي :
- الفصل بين المتغيرات النحوية على شكل بابين يرجع إلى الاختلاف البارز بين طبيعتها وصيغتها .
- الترتيب الشكلي بين بابي البحث وفصوله ومباحثه وفقراته تقديما وتأخيرا مبني على شيئين رئيسين بوجه عام هما : موافقة ترتيبه عند النحاة ، أو عناية بأهمية المادة فيها ، فمن موافقة الترتيب عند النحاة جاء تقديم مادة الباب الأول على الثاني ؛ وذاك لما ورد فيها من ذكر المبتدأ والخبر والفعل والفاعل فضلا عن ذكر الفضلات بوجه عام سواء أكان ذلك تقديما وتأخيرا أم حذفا وتقديرا أم تنكيرا وتعريفا فإنها أسبق عند النحاة من مادة الباب الثاني الذي اشتمل – مثلا – على اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر المؤول والصريح وحروف المعاني .
وكذلك جاء تقديم مواضع الوجوب على مواضع الجواز في الفصلين الأولين ؛ مراعاة لتقديمها عند النحاة ، فضلا عن الاهتمام بها .
ومن التقديم عناية واهتماما ورد تقديم الفصلين الأولين على الفصل الثالث في الباب الأول ، فمع أن النكرة والمعرفة هما المتصدرتان كتب النحاة ، غير أن ظاهرتي التقديم والتأخير ، والحذف والتقدير أهم منها شكلا ومعنى .
وكذلك شأن فصول الباب الثاني ، فإن ترتيبها جاء موافقا للعناية والاهتمام ؛ فنيابة الاسم عن الفعل أهم من التناوب بين الأسماء ، والتناوب بين الأسماء أهم أيضا من التناوب بين الحروف ، وإن كانت جميعها مهمة ، إلا أن هناك نوعا من التفاضل بينها سواء أكان ذلك على مستوى الشكل أم المضمون .

وبعد هذا كله ، فلا أدعي لهذا البحث الكمال ، فلقد أبى الله - جل في علاه - أن يكون الكمال إلا لكتابه العظيم ، وحسبي أنني أنفقت جل وقتي ، متابعة وبحثا وتدقيقا واجتهادا ؛ رغبة مخلصة في إخراج البحث إخراجا علميا دقيقا متقنا ، فإن وفقت فإنه { لا يتوفق عبد حتى يوفقه الله } ، وإن أخطأت فمن نفسي  رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  .
وأسأل الله أخيرا أن أكون موفقا فيه وفيما بعده ، وأن يكون هذا العلم نافعا وخادما للعلم والدين ، إنه سميع مجيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



الباحث
أحمد عبد الله حمود

محمودحمدى
12-30-2016, 10:43 AM
كم كنا نود الحصول على الرسالة كاملة

المأمون
12-31-2016, 11:15 PM
شكرا جزيلا ،،،،،،،،، هل من سبيل للحصول على الرسالة بارك الله فيكم