مصطفى شعبان
04-22-2016, 04:17 AM
البنى النحوية وأثرها في المعنى
أطروحة تقدم بها
أحمد عبد الله حمود العاني
إلى مجلس كلية الآداب جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها
الحمد لله منتهى العلم ومبلغ الرضا ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وعلى آله وصحبه أعلام الهدى والتقى .
وبعد :
لم يكن النحو العربي علما يهتم بتتبع علامات الإعراب والبناء فحسب ، بل هو علم يهتم أيضا بمعاني الكلام ومقاصد المتكلمين ، ولعل الدليل على ذلك ما نجده في أول كتاب نحوي يصل إلينا من إشارات تهتم بالمعنى وتؤدي إليه ، فالكلام عند سيبويه ينقسم من حيث المعنى على خمسة أقسام (( فمنه مستقيم حسن ، ومحال ، ومستقيم كذب ، ومستقيم قبيح ، وما هو محال كذب )) وكل ذلك قائم على أساس من النحو إسنادا وتعليقا ، وهذا إنما يثبت للنحو غاية ووظيفة أوسع مما هي عليه الآن ، إذ تشير هذه الأقسام إلى المعنى ، ولا تقف عند سلامة النطق لما في أواخر الألفاظ من علامات .
إن ما تقدم من كلام تمهيد لفكرة الأطروحة وأهدافها ، فلقد كان أمامنا هدفان رئيسان :
الهدف الأول : هو الوصل بين النحو والمعنى ، فبينهما صلة وأسباب ، بيد أن هذا الأمر يكاد يكون معدوما عند جل الدارسين أو الباحثين المحدثين ، وإنما الالتفات والتأكيد مقتصر في غالب الأحيان على جانب النطق الصحيح لما في أواخر الألفاظ من علامات ، يقول الأستاذ الدكتور مصطفى ناصف : (( ما يزال تصور النحو العربي لمسألة المعنى من الأمور المهملة التي عزف عنها الدارسون المحدثون لصعوبتها ، وحاجتها إلى دراسات كثيرة متفرقة في الفلسفة واللغة وفروع أخرى كثيرة من الثقافة العربية ، وقد اكتفى الدارسون المحدثون بترديد بعض القضايا ، من بينها ، أن النحو العربي عامة يدرس اللغة على أساس منهج غير سليم وأن النحو لا يكتفي بوصف الظاهرة ، بل يروح يبحث عن تعليلها ، وكثرت الاعتراضات الموجهة إلى المنهج ، أما وصف هذا المنهج نفسه أو تفسيره ، وبعبارة أخرى ، تصور الباحثين المتقدمين لمسألة المعنى ، فقد أهمل – فيما أعرف – إهمالا لا يمكن الدفاع عنه بسهولة )) في حين إن هذه المسألة التي نجد أساسها عند النحاة القدماء من جهة وعند البلاغيين الذين تبنوا قسما منها من جهة أخرى ، هي قمة ما يجب أن يصل إليه النحو العربي ؛ ليتحقق فيه هدفه الرئيس وغايته المثلى المتمثلة في مراعاة المعنى صحة وبيانا ، وليتحقق فيه شيء من التجديد .
الهدف الآخر : هو الكشف عن المعنى في تراثنا النحوي ، وبيان اهتمام أئمة النحاة به .
وفضلا عن هذين الهدفين الرئيسين ، فثمة أهداف فرعية أخرى ، منها مثلا ، الرد على المنكرين لبعض بنى النحو وأساليب الكلام ، فإن دراستنا من مصادر النحو تنظيرا ، ومن القرآن الكريم تطبيقا وتبيينا .
وقبل الوقوف على مضمون الأطروحة ، يجب الوقوف عند عنوانها ، فهو الإشارة الأولى إلى ذلك المضمون ، فالعنوان هو (( البنى النحوية وأثرها في المعنى )) وإنما قلنا ( البنى النحوية ) دون النحو بوجه عام ؛ احترازا من دراسة أبوابه كلا على انفراد * ، وتقييدا في الوقت نفسه بما يحصل فيه من متغيرات ، فإن في النحو أصولا وفروعا . فأما الأصول ، فهي الوضع الأول للألفاظ إسنادا وتعليقا ، وينتج عنه الجملة الأولى في الكلام ، وأما الفروع ، فهي الخروج عن ذلك الوضع بإحداث تغيير فيه ، وهذا هو ما نعنيه بـ( بنية النحو ) أو المتغيرات فيه .
فدراستنا إذن مختصة فيما تعلق من الألفاظ بعضها ببعض ، وهذه فكرة مركزية ورئيسة في النحو العربي ، بناء على أنه لا يعطي اللفظة حكما ما لم تتميز طبيعة تعلقها بغيرها من الألفاظ ، ولكن دراستنا اقتصرت – كما ذكرنا – على ما يحصل في ذلك التعليق من تغيير ، فإسناد الفعل إلى فاعله ، والصلة بين الفعل والمفعول لا تدخل في دراستنا إلا بحدوث تغيير بينهما ، كحذف أحدهما ، أو تبادل مواضعهما تقديما وتأخيرا
وإنه لمن البديهي ، أن يؤدي هذا الخروج أو التغيير معنى ذا غرض مزيد على المعنى الوظيفي الأول والأساسي ؛ لأن المعنى يختلف باختلاف بنى النحو أو صيغ الكلام ، فوضع الألفاظ على أصلها إسنادا وتعليقا لا يستلزم التعليل أكثر من الفهم والإفهام ، بخلاف خروجه عن ذلك الأصل ، فإنه يستلزم التعليل والتأويل وبيان ما فيه من معنى مقصود وغرض مراد ، ومن هنا تبين ما نعنيه بقولنا ( وأثرها في المعنى ) فهو التناسب مع الموقف أو المقام أو السياق ، وبعبارة أخرى ، هو ( وضع الكلام موافقا لمقتضى الحال ) .
ومع أن هذا المعنى ينسب إلى البلاغة كثيرا ، بيد أن نسبته إلى النحو هي الأولى ، فكما أن المعنى الوظيفي الناشئ عن إسناد الألفاظ أو تعلق بعضها ببعض منسوب إلى النحو بلا خلاف ، فكذلك هذا المعنى الموافق لمقتضى الحال ، فإنه معنى نحوي أيضا ؛ وذاك لقيامه على تغيير ذلك الإسناد أو التعليق .
فكلا المعنيين إذن قائم على أساس من النحو ، سوى أن الأول قائم على ثوابته ، والآخر قائم على متغيراته ، وما نسبة هذا الأخير إلى البلاغة - في تقديري - إلا لبلوغه الفائدة المقصودة التي لم يضطلع بتأديتها المعنى الوظيفي أو الأول أو الأساسي .
وفضلا عن ذلك فإن تعيين المعنى المراد ، وبيان وضوحه وعدم حدوث اللبس فيه ، هو من المعنى الذي تعنى به دراستنا أيضا ؛ ذلك أن من متغيرات النحو ما يكون غرضها وضع المعنى بوضوح لا لبس فيه .
وبعد هذا نستطيع أن نفصح عن مضامين هذه الأطروحة من أبواب وفصول ، فقد اشتملت على بابين ، وفي كل باب عدد من الفصول .
فأما الباب الأول ، فكان عنوانه ( أحوال البنى النحوية ) وقد انقسم على خمسة فصول :
- الفصل الأول : التقديم والتأخير .
- الفصل الثاني : الحذف والتقدير .
- الفصل الثالث : التعريف والتنكير .
- الفصل الرابع : الحصر والقصر .
- الفصل الخامس : الفصل والوصل .
ومن قراءة أولى لهذه العنوانات ، قد يتراءى أنها درست كثيرا ، ولا سيما فيما تناوله البلاغيون ، ولكن من قراءة أخرى – وهي قراءة ما ورد فيها قراءة مفصلة – سوف يتبين المستوى الذي درست فيه ، فهدف الأطروحة الرئيس – كما ذكرنا – هو الوصل بين النحو والمعنى ، وهذا يعني أن اهتمامنا كان بالنحو ، وما يحصل فيه من متغيرات ، ولم نغفل في الوقت نفسه عن المعاني الناشئة عنها ، بخلاف البلاغيين ، فإن اهتمامهم كان بالنتائج أو المعاني من دون النظر في أصولها كثيرا ، ومن دون استقصاء تلك المتغيرات جميعا ، فلم نر عندهم – على سبيل المثال – ذكرا لمواضع الوجوب في دراستهم التقديم والتأخير والحذف والتقدير ، حكما منهم – على ما أرى – بأن هذه المواضع خاضعة لأمر الصنعة والإعراب ، وليس لها من المعنى شيء ، بيد أن هذا الحكم ليس على إطلاقه ، فإن من مواضع الوجوب ما هي خاضعة للمعنى بشكل مباشر ورئيس .
وكذلك الأمر في دراستهم الظواهر التي تضمنتها الفصول الأخرى من ( تعريف وتنكير ، وحصر وقصر ، وفصل ووصل ) فهي وإن غلبت عليها سمة البلاغة ، بيد أن الكشف عن جانب النحو فيها ذو أثر مهم في الكشف عن المعنى وتشكيل البنية والسياق .
فللنكرة موقع يخالف موقع المعرفة في الكلام ، وذلك بحكم دلالتهما وعلاقتهما نحويا بما يساندهما أو يتعلق بهما من ألفاظ .
وللحصر والقصر ، والفصل والوصل أساس نحوي يقومان عليه ، ولولا ذاك الأساس ما كان ثمة وجود لهما ، ثم إن تبني جانب النحو فيهما من رتب وصيغ وأدوات قد يكشف عن المعنى الكثير .
وفضلا عن هذا وذاك ، فإن هناك ظاهرتين يقوم النحو العربي عليهما ، وهما ظاهرة التلازم بين الألفاظ ، وظاهرة الإعراب ، فقد جعلنا منهما عنصرين مهمين في تشكيل البنية وتوخي الدقة في المعنى على وفق استدعاء الأمر ذلك ، وهذا كله لم يفصل البلاغيون قولا فيه .
أما من حيث الخصوص في تقسيم الفصول ، فقد اشتمل كل فصل على عدد من المباحث فـ( الفصل الأول ) ، اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : تقديم على نية التأخير .
المبحث الثاني : تقديم لا على نية التأخير .
وقد تضمن كل من المبحثين تقديم العمدة أو الفضلة ، غير أن الاهتمام في المبحث الأول كان بالتقديم بين الوجوب والجواز ، فضلا عن تبيين أثر المعنى في التمييز بين الرتبتين المتكافئتين ، في حين كان الاهتمام في المبحث الثاني بما يحدثه هذا النمط من التقديم من انتقال بين رتب النحو والإعراب ، ومن تغير واسع في نمط البنية والمضمون .
أما الفصل الثاني ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : حذف العمدة .
المبحث الثاني : حذف بعض العناصر المتلازمة .
المبحث الثالث : حذف الفضلة .
وقد تضمن المبحث الأول حذف المبتدأ والخبر من الجملة الاسمية ، وحذف الفعل والفاعل من الجملة الفعلية سواء أكان الحذف واجبا أم جائزا ، وكذلك تضمن المبحث بعض مسائل الخلاف في تعيين نوع المحذوف بين المبتدأ والخبر ، أو الخلاف في تقدير محذوف أو عدم تقديره إن كان هناك ما يغني عنه في الكلام ، وجعلنا الترجيح في ذلك قائما على موافقة المعنى ، من دون مخالفة حكم النحو والإعراب .
أما المبحث الثاني ، فقد تضمن ثلاثة أنواع من الحذف ، وهي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وحذف الموصوف أو صفته ، وحذف جواب الشرط ، بناء على أن هذه الألفاظ من العناصر المتلازمة التي لا يقوم أحدها من دون الآخر ، فصار على هذا تقديرها أو تتبعها لازما عند النحاة .
وأما المبحث الثالث ، فقد تضمن حذف المفعول به والحال والتأكيد ، مراعين في ذلك أمرا مهما ، وهو أن هذا الحذف قد يستلزم التقدير على الرغم من كون المحذوف فضلة ، وذاك لحاجة المعنى إليه .
وقد أشرنا في مواضع عدة من هذا الفصل إلى أن تقدير المحذوف قد يختلف لفظه أو موضعه بين النحاة ؛ ذلك أن من البنى النحوية ما يحتمل ظاهرها أكثر من لفظ أحيانا ، وأكثر من موضع أحيانا أخرى ، بيد أن للمعنى أساسا في الاختيار بينهما ، لتوخي الدقة فيه . وقد يكون كل تقدير مقصودا وصحيحا إذا كان غرض الحذف هو العموم والإطلاق .
وأما الفصل الثالث ، فقد اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : النكرة وأثرها في البنية شكلا ومعنى .
المبحث الثاني : المعرفة وأثرها في البنية شكلا ومعنى .
ونعني بالشكل الصيغة التي تكون عليها البنية من حيث تعلق الألفاظ فيما بينها ، وإنما وقفنا عند هذا الأمر في دراسة هذين القسمين ؛ لتأكيد ما لهما من وظيفة في تشكيل البنية وليس الأمر مقتصرا عليهما منفردين ، وأما المعنى ، فنعني به ما يحصل من صلة الألفاظ فيما بينها أو من خلال طبيعة اللفظين بحد ذاتهما وتباينهما تنكيرا وتعريفا .
وأما الفصل الرابع ، فقد اشتمل على مبحثين أيضا :
المبحث الأول : طرق القصر .
المبحث الثاني : تقسيم القصر .
وقد تناولنا في المبحث الأول طرق القصر ، وما بينها من فروق على مستوى الشكل والمضمون . وأما المبحث الثاني فقد تناولنا فيه تقسيم القصر على أسس مختلفة بحسب ما نظر البلاغيون ، إذ نظروا إلى طرفيه بين الصفة والذات فقسموه على أساسهما على قسمين : قصر موصوف على صفة ، وقصر صفة على موصوف ، ونظروا كذلك إلى مطابقته الواقع فقسموا القصر على أساسه على قسمين أيضا : قصر حقيقي وآخر إضافي . ونظروا أخيرا إلى حال المخاطب ، فقسموا القصر على أساسه على ثلاثة أقسام : قصر قلب وإفراد وتعيين .
ومع أن هذه التقسيمات كانت من عند البلاغيين ، إلا أن بعضها قائم على أساس نحوي ولا سيما القسم الأول منها ؛ وقد اهتممنا به لاجتماع أكثر من متغير نحوي فيه .
وأما الفصل الخامس ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : مواضع الفصل .
المبحث الثاني : مواضع الوصل .
المبحث الثالث : الجملة الحالية بين الفصل والوصل .
وكان اهتمامنا في هذه المباحث جميعها بالنحو والإعراب ؛ لما في ذلك من أثر في المعنى كبير .
وأما الباب الثاني ، فكان عنوانه ( التناوب في البنى النحوية ) وهو نمط آخر من أنماط التغيير ، فإذا كان التغيير في الباب الأول قائما على أساس تغير مواضع الألفاظ ، أو حذفها ، أو تنكيرها ، أو تعريفها ، فإن التغيير هنا يكون عن طريق استبدال لفظ بلفظ أو وقوع لفظ مكان لفظ آخر على سبيل النيابة سواء أكانت النيابة بمعناها الاصطلاحي أم بمعناها اللغوي العام ، ولكن بشرط أن يكون لذاك الاستبدال صلة بالألفاظ الأخرى ، وتغيير للبنية لكي يصدق علم النحو عليه ؛ لأن النحو كما هو معلوم لا يعنى باللفظة إلا من خلال إسنادها أو تعلقها بغيرها من الألفاظ .
أطروحة تقدم بها
أحمد عبد الله حمود العاني
إلى مجلس كلية الآداب جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها
الحمد لله منتهى العلم ومبلغ الرضا ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وعلى آله وصحبه أعلام الهدى والتقى .
وبعد :
لم يكن النحو العربي علما يهتم بتتبع علامات الإعراب والبناء فحسب ، بل هو علم يهتم أيضا بمعاني الكلام ومقاصد المتكلمين ، ولعل الدليل على ذلك ما نجده في أول كتاب نحوي يصل إلينا من إشارات تهتم بالمعنى وتؤدي إليه ، فالكلام عند سيبويه ينقسم من حيث المعنى على خمسة أقسام (( فمنه مستقيم حسن ، ومحال ، ومستقيم كذب ، ومستقيم قبيح ، وما هو محال كذب )) وكل ذلك قائم على أساس من النحو إسنادا وتعليقا ، وهذا إنما يثبت للنحو غاية ووظيفة أوسع مما هي عليه الآن ، إذ تشير هذه الأقسام إلى المعنى ، ولا تقف عند سلامة النطق لما في أواخر الألفاظ من علامات .
إن ما تقدم من كلام تمهيد لفكرة الأطروحة وأهدافها ، فلقد كان أمامنا هدفان رئيسان :
الهدف الأول : هو الوصل بين النحو والمعنى ، فبينهما صلة وأسباب ، بيد أن هذا الأمر يكاد يكون معدوما عند جل الدارسين أو الباحثين المحدثين ، وإنما الالتفات والتأكيد مقتصر في غالب الأحيان على جانب النطق الصحيح لما في أواخر الألفاظ من علامات ، يقول الأستاذ الدكتور مصطفى ناصف : (( ما يزال تصور النحو العربي لمسألة المعنى من الأمور المهملة التي عزف عنها الدارسون المحدثون لصعوبتها ، وحاجتها إلى دراسات كثيرة متفرقة في الفلسفة واللغة وفروع أخرى كثيرة من الثقافة العربية ، وقد اكتفى الدارسون المحدثون بترديد بعض القضايا ، من بينها ، أن النحو العربي عامة يدرس اللغة على أساس منهج غير سليم وأن النحو لا يكتفي بوصف الظاهرة ، بل يروح يبحث عن تعليلها ، وكثرت الاعتراضات الموجهة إلى المنهج ، أما وصف هذا المنهج نفسه أو تفسيره ، وبعبارة أخرى ، تصور الباحثين المتقدمين لمسألة المعنى ، فقد أهمل – فيما أعرف – إهمالا لا يمكن الدفاع عنه بسهولة )) في حين إن هذه المسألة التي نجد أساسها عند النحاة القدماء من جهة وعند البلاغيين الذين تبنوا قسما منها من جهة أخرى ، هي قمة ما يجب أن يصل إليه النحو العربي ؛ ليتحقق فيه هدفه الرئيس وغايته المثلى المتمثلة في مراعاة المعنى صحة وبيانا ، وليتحقق فيه شيء من التجديد .
الهدف الآخر : هو الكشف عن المعنى في تراثنا النحوي ، وبيان اهتمام أئمة النحاة به .
وفضلا عن هذين الهدفين الرئيسين ، فثمة أهداف فرعية أخرى ، منها مثلا ، الرد على المنكرين لبعض بنى النحو وأساليب الكلام ، فإن دراستنا من مصادر النحو تنظيرا ، ومن القرآن الكريم تطبيقا وتبيينا .
وقبل الوقوف على مضمون الأطروحة ، يجب الوقوف عند عنوانها ، فهو الإشارة الأولى إلى ذلك المضمون ، فالعنوان هو (( البنى النحوية وأثرها في المعنى )) وإنما قلنا ( البنى النحوية ) دون النحو بوجه عام ؛ احترازا من دراسة أبوابه كلا على انفراد * ، وتقييدا في الوقت نفسه بما يحصل فيه من متغيرات ، فإن في النحو أصولا وفروعا . فأما الأصول ، فهي الوضع الأول للألفاظ إسنادا وتعليقا ، وينتج عنه الجملة الأولى في الكلام ، وأما الفروع ، فهي الخروج عن ذلك الوضع بإحداث تغيير فيه ، وهذا هو ما نعنيه بـ( بنية النحو ) أو المتغيرات فيه .
فدراستنا إذن مختصة فيما تعلق من الألفاظ بعضها ببعض ، وهذه فكرة مركزية ورئيسة في النحو العربي ، بناء على أنه لا يعطي اللفظة حكما ما لم تتميز طبيعة تعلقها بغيرها من الألفاظ ، ولكن دراستنا اقتصرت – كما ذكرنا – على ما يحصل في ذلك التعليق من تغيير ، فإسناد الفعل إلى فاعله ، والصلة بين الفعل والمفعول لا تدخل في دراستنا إلا بحدوث تغيير بينهما ، كحذف أحدهما ، أو تبادل مواضعهما تقديما وتأخيرا
وإنه لمن البديهي ، أن يؤدي هذا الخروج أو التغيير معنى ذا غرض مزيد على المعنى الوظيفي الأول والأساسي ؛ لأن المعنى يختلف باختلاف بنى النحو أو صيغ الكلام ، فوضع الألفاظ على أصلها إسنادا وتعليقا لا يستلزم التعليل أكثر من الفهم والإفهام ، بخلاف خروجه عن ذلك الأصل ، فإنه يستلزم التعليل والتأويل وبيان ما فيه من معنى مقصود وغرض مراد ، ومن هنا تبين ما نعنيه بقولنا ( وأثرها في المعنى ) فهو التناسب مع الموقف أو المقام أو السياق ، وبعبارة أخرى ، هو ( وضع الكلام موافقا لمقتضى الحال ) .
ومع أن هذا المعنى ينسب إلى البلاغة كثيرا ، بيد أن نسبته إلى النحو هي الأولى ، فكما أن المعنى الوظيفي الناشئ عن إسناد الألفاظ أو تعلق بعضها ببعض منسوب إلى النحو بلا خلاف ، فكذلك هذا المعنى الموافق لمقتضى الحال ، فإنه معنى نحوي أيضا ؛ وذاك لقيامه على تغيير ذلك الإسناد أو التعليق .
فكلا المعنيين إذن قائم على أساس من النحو ، سوى أن الأول قائم على ثوابته ، والآخر قائم على متغيراته ، وما نسبة هذا الأخير إلى البلاغة - في تقديري - إلا لبلوغه الفائدة المقصودة التي لم يضطلع بتأديتها المعنى الوظيفي أو الأول أو الأساسي .
وفضلا عن ذلك فإن تعيين المعنى المراد ، وبيان وضوحه وعدم حدوث اللبس فيه ، هو من المعنى الذي تعنى به دراستنا أيضا ؛ ذلك أن من متغيرات النحو ما يكون غرضها وضع المعنى بوضوح لا لبس فيه .
وبعد هذا نستطيع أن نفصح عن مضامين هذه الأطروحة من أبواب وفصول ، فقد اشتملت على بابين ، وفي كل باب عدد من الفصول .
فأما الباب الأول ، فكان عنوانه ( أحوال البنى النحوية ) وقد انقسم على خمسة فصول :
- الفصل الأول : التقديم والتأخير .
- الفصل الثاني : الحذف والتقدير .
- الفصل الثالث : التعريف والتنكير .
- الفصل الرابع : الحصر والقصر .
- الفصل الخامس : الفصل والوصل .
ومن قراءة أولى لهذه العنوانات ، قد يتراءى أنها درست كثيرا ، ولا سيما فيما تناوله البلاغيون ، ولكن من قراءة أخرى – وهي قراءة ما ورد فيها قراءة مفصلة – سوف يتبين المستوى الذي درست فيه ، فهدف الأطروحة الرئيس – كما ذكرنا – هو الوصل بين النحو والمعنى ، وهذا يعني أن اهتمامنا كان بالنحو ، وما يحصل فيه من متغيرات ، ولم نغفل في الوقت نفسه عن المعاني الناشئة عنها ، بخلاف البلاغيين ، فإن اهتمامهم كان بالنتائج أو المعاني من دون النظر في أصولها كثيرا ، ومن دون استقصاء تلك المتغيرات جميعا ، فلم نر عندهم – على سبيل المثال – ذكرا لمواضع الوجوب في دراستهم التقديم والتأخير والحذف والتقدير ، حكما منهم – على ما أرى – بأن هذه المواضع خاضعة لأمر الصنعة والإعراب ، وليس لها من المعنى شيء ، بيد أن هذا الحكم ليس على إطلاقه ، فإن من مواضع الوجوب ما هي خاضعة للمعنى بشكل مباشر ورئيس .
وكذلك الأمر في دراستهم الظواهر التي تضمنتها الفصول الأخرى من ( تعريف وتنكير ، وحصر وقصر ، وفصل ووصل ) فهي وإن غلبت عليها سمة البلاغة ، بيد أن الكشف عن جانب النحو فيها ذو أثر مهم في الكشف عن المعنى وتشكيل البنية والسياق .
فللنكرة موقع يخالف موقع المعرفة في الكلام ، وذلك بحكم دلالتهما وعلاقتهما نحويا بما يساندهما أو يتعلق بهما من ألفاظ .
وللحصر والقصر ، والفصل والوصل أساس نحوي يقومان عليه ، ولولا ذاك الأساس ما كان ثمة وجود لهما ، ثم إن تبني جانب النحو فيهما من رتب وصيغ وأدوات قد يكشف عن المعنى الكثير .
وفضلا عن هذا وذاك ، فإن هناك ظاهرتين يقوم النحو العربي عليهما ، وهما ظاهرة التلازم بين الألفاظ ، وظاهرة الإعراب ، فقد جعلنا منهما عنصرين مهمين في تشكيل البنية وتوخي الدقة في المعنى على وفق استدعاء الأمر ذلك ، وهذا كله لم يفصل البلاغيون قولا فيه .
أما من حيث الخصوص في تقسيم الفصول ، فقد اشتمل كل فصل على عدد من المباحث فـ( الفصل الأول ) ، اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : تقديم على نية التأخير .
المبحث الثاني : تقديم لا على نية التأخير .
وقد تضمن كل من المبحثين تقديم العمدة أو الفضلة ، غير أن الاهتمام في المبحث الأول كان بالتقديم بين الوجوب والجواز ، فضلا عن تبيين أثر المعنى في التمييز بين الرتبتين المتكافئتين ، في حين كان الاهتمام في المبحث الثاني بما يحدثه هذا النمط من التقديم من انتقال بين رتب النحو والإعراب ، ومن تغير واسع في نمط البنية والمضمون .
أما الفصل الثاني ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : حذف العمدة .
المبحث الثاني : حذف بعض العناصر المتلازمة .
المبحث الثالث : حذف الفضلة .
وقد تضمن المبحث الأول حذف المبتدأ والخبر من الجملة الاسمية ، وحذف الفعل والفاعل من الجملة الفعلية سواء أكان الحذف واجبا أم جائزا ، وكذلك تضمن المبحث بعض مسائل الخلاف في تعيين نوع المحذوف بين المبتدأ والخبر ، أو الخلاف في تقدير محذوف أو عدم تقديره إن كان هناك ما يغني عنه في الكلام ، وجعلنا الترجيح في ذلك قائما على موافقة المعنى ، من دون مخالفة حكم النحو والإعراب .
أما المبحث الثاني ، فقد تضمن ثلاثة أنواع من الحذف ، وهي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وحذف الموصوف أو صفته ، وحذف جواب الشرط ، بناء على أن هذه الألفاظ من العناصر المتلازمة التي لا يقوم أحدها من دون الآخر ، فصار على هذا تقديرها أو تتبعها لازما عند النحاة .
وأما المبحث الثالث ، فقد تضمن حذف المفعول به والحال والتأكيد ، مراعين في ذلك أمرا مهما ، وهو أن هذا الحذف قد يستلزم التقدير على الرغم من كون المحذوف فضلة ، وذاك لحاجة المعنى إليه .
وقد أشرنا في مواضع عدة من هذا الفصل إلى أن تقدير المحذوف قد يختلف لفظه أو موضعه بين النحاة ؛ ذلك أن من البنى النحوية ما يحتمل ظاهرها أكثر من لفظ أحيانا ، وأكثر من موضع أحيانا أخرى ، بيد أن للمعنى أساسا في الاختيار بينهما ، لتوخي الدقة فيه . وقد يكون كل تقدير مقصودا وصحيحا إذا كان غرض الحذف هو العموم والإطلاق .
وأما الفصل الثالث ، فقد اشتمل على مبحثين رئيسين :
المبحث الأول : النكرة وأثرها في البنية شكلا ومعنى .
المبحث الثاني : المعرفة وأثرها في البنية شكلا ومعنى .
ونعني بالشكل الصيغة التي تكون عليها البنية من حيث تعلق الألفاظ فيما بينها ، وإنما وقفنا عند هذا الأمر في دراسة هذين القسمين ؛ لتأكيد ما لهما من وظيفة في تشكيل البنية وليس الأمر مقتصرا عليهما منفردين ، وأما المعنى ، فنعني به ما يحصل من صلة الألفاظ فيما بينها أو من خلال طبيعة اللفظين بحد ذاتهما وتباينهما تنكيرا وتعريفا .
وأما الفصل الرابع ، فقد اشتمل على مبحثين أيضا :
المبحث الأول : طرق القصر .
المبحث الثاني : تقسيم القصر .
وقد تناولنا في المبحث الأول طرق القصر ، وما بينها من فروق على مستوى الشكل والمضمون . وأما المبحث الثاني فقد تناولنا فيه تقسيم القصر على أسس مختلفة بحسب ما نظر البلاغيون ، إذ نظروا إلى طرفيه بين الصفة والذات فقسموه على أساسهما على قسمين : قصر موصوف على صفة ، وقصر صفة على موصوف ، ونظروا كذلك إلى مطابقته الواقع فقسموا القصر على أساسه على قسمين أيضا : قصر حقيقي وآخر إضافي . ونظروا أخيرا إلى حال المخاطب ، فقسموا القصر على أساسه على ثلاثة أقسام : قصر قلب وإفراد وتعيين .
ومع أن هذه التقسيمات كانت من عند البلاغيين ، إلا أن بعضها قائم على أساس نحوي ولا سيما القسم الأول منها ؛ وقد اهتممنا به لاجتماع أكثر من متغير نحوي فيه .
وأما الفصل الخامس ، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : مواضع الفصل .
المبحث الثاني : مواضع الوصل .
المبحث الثالث : الجملة الحالية بين الفصل والوصل .
وكان اهتمامنا في هذه المباحث جميعها بالنحو والإعراب ؛ لما في ذلك من أثر في المعنى كبير .
وأما الباب الثاني ، فكان عنوانه ( التناوب في البنى النحوية ) وهو نمط آخر من أنماط التغيير ، فإذا كان التغيير في الباب الأول قائما على أساس تغير مواضع الألفاظ ، أو حذفها ، أو تنكيرها ، أو تعريفها ، فإن التغيير هنا يكون عن طريق استبدال لفظ بلفظ أو وقوع لفظ مكان لفظ آخر على سبيل النيابة سواء أكانت النيابة بمعناها الاصطلاحي أم بمعناها اللغوي العام ، ولكن بشرط أن يكون لذاك الاستبدال صلة بالألفاظ الأخرى ، وتغيير للبنية لكي يصدق علم النحو عليه ؛ لأن النحو كما هو معلوم لا يعنى باللفظة إلا من خلال إسنادها أو تعلقها بغيرها من الألفاظ .