المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإتباع الحركي فيما ليس بإعراب ( 1 )


د. أحمد علّام
03-26-2013, 07:35 AM
.

( الإتباع الحركي فيما ليس بإعراب )


دكتور
أحمد بن محمد عبد العزيز علام
الأستاذ المشارك بقسم النحو والصرف وفقه اللغة
كلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض



مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد  تسليما كثيرا
فالظواهر اللغوية في اللغة العربية كثيرة ومتنوعة تناولتُ في بحوث سابقة بعضَها وأحاول جاهدا أن أستقصي ما يتيسر لي من هذه الظواهر اللغوية الشائعة في لغتنا العزيزة
ومن هذه الظواهر ظاهرة الإتباع الحركي فيما ليس بإعراب في اللغة العربية وهي من خصائص لغتنا العربية إذ جُعل لنا فيها متسع في اللغات ومتصرف في الحركات ، والمتتبع لهذه الظاهرة يجد أنها شائعة عند الأقدمين والمحدثين كما أنها تضرب بجذورها في القراءات القرآنية ، وهي متناثرة في كتب المعاجم وبين طياتها ، مع اختلاف في تسميتها بين إتباع حركي أو اتساق صوتي أو تقريب أو تجنيس أو مماثلة أو مشاكلة بين الحركات ، ولقد تناولها الكثير على سبيل التعليل لحكم ما ، وإن لم تُخص هذه الظاهرة ببحث مستقل إلا عند القليل ، فعزمت على أن أكتب في هذا الموضوع بحثا يجلي غواشيه ، ويبرز خصائصه ، ويوضح مفهومه ، ويجمع ما تفرق من شتاته ، ويقرب ما تباعد من أطرافه ، وأوثقه من مصادره ، وأنسب ما ورد من لغات أو قراءات أو لهجات إلى أصحابها ، مع ملاحظة أن الإتباع أنواع ، فهناك الإتباع الحركي الإعرابي ، وهو الذي يدخل أبواب التوابع الخمسة ( النعت ، التوكيد ، العطف ، البيان ، البدل ) ، وهناك إتباع لفظي ويسمى الإتباع والمزواجة بين الألفاظ نحو : جَائِع نَائِع ، وحَسَنٌ بَسَنٌ ، أما هذا البحث فيختص بالإتباع الحركي لغير إعراب في لغة العرب
وقد قسمت البحث إلى فصلين :
الأول : تناولت فيه إتباع حركة الحرف المتأخر لحركة الحرف المتقدم ، وفيه عدة مباحث
الثاني : تناولت فيه إتباع حركة الحرف المتقدم لحركة الحرف المتأخر ، وفيه أيضا عدة مباحث


الفصل الأول
إتباع حركة الحرف المتأخر
لحركة الحرف المتقدم



إتباع حركة أول الكلمة لحركة آخر الكلمة التي قبلها

ومن ذلك كسر همزة ( أُم ) إتباعا لكسر ما قبلها ، فالأصل في همزة ( أُم ) الضم ، ولكن قد تكسر همزة ( أُم ) فيقال : ( إِم ) إتباعا لكسر الحرف السابق عليها ، ومنه قول الشاعر ( 1) :
...................... *** وَقَالَ اضْرِبِ السَّاقَيْنِ إِمِّكَ هَابِلُ
فكسر همزة ( إمِّكَ ) إتباعا لكسر نون ( الساقينِ ) ، ثم كسر ميم ( إمِّكَ ) إتباعا لكسرة همزته يعني أتبع الكسر الكسرَ ، ويروى البيت السابق :
...................... *** وَقَالَ اضْرِبِ السَّاقَينِ إِمُّكَ هَابِلُ
بكسر همزة ( إِمُكَ ) فقط إتباعا لكسر نون ( الساقينِ )
كما قُرئ قوله تعالى : ( مِنْ بُطُونِ إِمِّهاتِكُم ) ( 2) بكسر الهمزة إتباعا لكسرة نون ( بطون ) وكسرت الميم إتباعا لكسرة الهمزة ، وقرأ الكسائي (3 ) : ( من بطون إِمَّهاتِكُم ) بكسر الهمزة وفتح الميم في الوصل ، أما كسر الهمزة فهو على الإتباع لكسرة نون ( بطون ) ، وأما فتح الميم فعلى الأصل .



__________________________________________________ _______________

( 1) عجز لا يعرف صدره ولاقائله وهو في الكتاب 4 / 146 والمحتسب 1 / 112 والخصائص 2 / 147 وهابل : ثكلتك
(2 ) من سورة النحل الآية 78 وقراءة الجماعة : ( أُمَّهاتِكُم ) بضم الهمزة وفتح الميم ، وقرأ حمزة والأعمش وابن وثاب :
( إِمِّهاتِكم ) بكسر الهمزة والميم في الوصل إتباعا لكسرة نون ( بطون ) ، وقرأ الكسائي : ( من بطون إِمَّهاتِكُم ) بكسر
الهمزة وفتح الميم في الوصل ، ويلاحظ أن القراء لم يختلفوا في الابتداء يكون بضم الهمزة وفتح الميم . انظر معاني القرآن
للزجاج 3 / 214 ، السبعة 228 ، الكشاف 2 / 212 ، البحر المحيط 3 / 184 ـ 5 / 522 ، النشر 2 / 248 ،
الإتحاف 187 ، 279 ، 1 / 379 فتح القدير 3 / 182 ، روح المعاني 14 / 200 .
( 3) انظر معاني القرآن للزجاج 3 / 214 ، إعراب القراءات السبع وعللها 1 / 130 ، الكشف عن وجوه القراءات 1 / 379
البحر المحيط 5 / 522 ، النشر 2 / 248 ، الإتحاف 187 ، 279 .

د. أحمد علّام
03-26-2013, 07:46 AM
وقرأ حمزة في الوصـل قوله تعالى : ( يَخْلُقُكُمْ في بُطُونِ إِمِّهاتِكُم ) (1 ) بكسر الهمزة والميم ، فكسر الهمزة إتباعا لكسر نون ( بطون ) ، وكسر الميم إتباعا لكسر الهمزة أي أتبع الكسرةَ الكسرةَ ، وقرأها الكسائي ويحيى بن وثاب ( 2) في الوصل : ( يَخْلُقُكُمْ في بُطُونِ إِمَّهاتِكُم ) بكسر الهمزة وفتح الميم ، فكسر الهمزة على الإتباع لكسر النون ، وفتح الميم على الأصل
كما قرأ حمزة في الوصل أيضا قوله تعالى : ( 3) ( وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ إِمِّهاتِكُم ) بكسر همزة وميم (أمهاتكم ) على التوجيه السابق ، وقرأها الكسائي : ( وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ في بُطُونِ إِمَّهاتِكُم ) بكسر الهمزة إتباعا لكسرة النون قبلها ، وفتح الميم على الأصل
كما قرأ حمزة قول الله تعالى : ( 4) ( أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِمِّهاتِكُم ) بكسر همزة وميم
( إِمَّهاتكم ) في الوصل ، وكسر الهمزة إتباعا لكسر التاء السابقة في قوله : ( بيوتِ ) ، وكسر الميم إتباعا لكسر الهمزة فأتبع الكسرَ الكسرَ ، وقرأها الكسائي : تعالى : ( 5) ( أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْبُيُوتِ إِمَّهَاتِكُمْ ) بكسر الهمزة وفتح الميم في : ( إمهاتكم ) فكسر الهمزة على الإتباع لكسر التاء السابقة في قوله : ( بيوتِ ) وفتح الميم على الأصل .
والجميع في الابتداء يقرأ : ( أُمَّهاتِكُم ) في المواضع السابقة كلها بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل
قال العكبري (6 ) : (( فأما كسر الهمزة فلعلَّه ، وقيل أتبعت كسرة النون قبلها ، وكسرة الميم إتباعا لكسرة الهمزة )) . وقال النحاس ( 7 ) : (( ومن كسر الهمزة أتبع الكسرةَ الكسرةَ ، وكسرُ الميم بعيد ))

__________________________________________________ __________
( 1 ) من سورة الزمر الآية 6 انظر هذه القراءات في السبعة 228 ، مختصر ابن خالويه 25 ، مفاتيح الغيب للرازي 26 / 245
البحر المحيط 3 / 184 ، النشر 2 / 248 ، 304 ، الإتحاف 279 ، 375 .
( 2
) المصادر السابقة .
( 3 ) من سورة النجم الآية 32 وقراءة الجماعة : ( أُمَّهاتكم ) بضم الهمزة وفتح الميم انظر الكشف عن وجوه القراءات 1 / 379
البحر المحيط 3 / 184 ، 5 / 522 ، النشر 2 / 248 ، الإتحاف 279 ، 403 .
( 4 ) من سورة النور الآية 61 وقراءة الجماعة : ( أُمَّهاتكم ) بضم الهمزة وفتح الميم . انظر السبعة 27 ، 228 ، البحر المحيط
6/ 474 ، 3 / 184 ، النشر 1 / 248 ، الإتحاف 326 .
( 5 ) المصادر السابقة .
( 6 ) انظر التبيان في إعراب القرآن 2 / 804 .
( 7 ) انظر إعراب القرآن للنحاس 2 / 219 .

د. أحمد علّام
03-26-2013, 08:06 AM
وقيل كسرة الهمزة في قراءة : ( فَلإِمِّهِ الثُّلُثُ ) إتباعا لكسرة المتقدم وهو اللام ، ونسبت لهجة كسر الحرف الثاني إتباعا لكسرة الحرف الأول إلى بعض قبائل نجد كـ طيّىء وكلب وهوازن وهذيل ( 1 )
* ومن مظاهر إتباع حركة الحرف المتأخر لحركة الحرف المتقدم قراءة : ( الحمدُ لُلهِ ) ( 2 ) بضم اللام إتباعا لضم الدال ، فقد أتبعوا حركة بناء حرف اللام في ( لله ) لحركة إعراب حرف الدال في (الحمدُ) ، قال ابن جني مرجحا هذه القراءة على قراءة : ( الحمدِ لِله ) ( 3 ) بكسر الدال واللام
(( إلا أن ( الحمدُ لُله ) بضم الحرفين أسهل من ( الحمدِ لِله ) بكسرهما من موضعين أحدهما : أنه إذا كان إتباعا ، فإن أقيس الإتباع أن يكون الثاني تابعا للأول ؛ وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبَّب ، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبةً من المسبَّب ، والآخر : أن ضمة الدال في ( الحمدُ ) إعراب ، وكسرة اللام في ( لِله ) بناء ، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء ، فإذا قلت :
( الحمدُ لُله ) جنى البناء الأضعف على الإعراب الأقوى . )) ( 4 ) ولابن جني تعليل آخر في ترجيح قراءة ( الحمدُ لُله ) يرجع إلى قوة اتصال المبتدأ بالخبر فقال ( 5 ) : (( مما يدل على شدة اتصال المبتدأ بخبره قراءة من قرأ : ( الحمدُ لُلَّه ) بضم اللام ، ألا ترى أن شبهه بـ ( طُنُب ) و ( بُرُد ) ، فلولا أن المبتدأ قويُّ الاتصال بخبره لما شبها معا بالجزء الواحد وهو ( الطُّنُب ) و ( البُرُد ) ...... وكذلك قرأ من قرأ ( الحمدِ لِله ) بكسر الدال ، ألا ترى أنه شبهه بإِبِل وإِطِل والقول فيهما واحدة ))
كما جاء في إعراب القرآن للنحاس ( 6 ) : (( وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة : ( الحمدُ لُله ) وهذه لغة بعض بني ربيعة ، والكسر لغة لبني تميم ، فأما اللغة في الكسر فإن هذه اللفظة تكثر في كلام الناس والضم ثقيل ، ولا سيما إذا كانت بعد كسرة ، فأبدلوا من الضمة كسرة ، وجعلوها بمنزلة شيء واحد ، والكسرة مع الكسرة أخف ، وكذلك الضمة مع الضمة ، فلهذا قيل : ( الحمدُ لُله ) . ))
* ومن أمثلة إتباع حركة الحرف المتأخر وهي حركة غير إعرابية لحركة الحرف المتقدم وهي حركة إعرابية قراءة النخعيّ : ( فَأَنَّ للهِ خِمْسَهُ ) ( 7 ) بكسر الخاء إتباعا لكسر الهاء قبله
* ونظيره إتباع حركة التاء لحركة الميم في لغة ( 8 ) من يقول : ( مُنْتُن ) ( 9 ) في ( مُنْتِن ) ، فـ
( مُنْتُن ) بضم التاء إتباعا لضمة الميم ، وقولهم : هو مُنْحُدُرٌ من الجبل ( 10 )
قال ابن جني : (( ومثله من الإتباع ما حكاه من قولهم : مُنْتُن بضم التاء ، وهو مُنْحُدُر من الجبل . وحُكي أيضا أَجُؤُك واُنْبُؤُك )) ( 11 ) .
كما قالوا فيه : ( مِنْتِن ) بكسر الميم إتباعا لكسرة التاء ، ولم يعتدوا بالنون حاجزا لخفائها وسكونها وكونها غنة في الخيشوم ونسب ابن سيده ( 12 ) ( مِنْتِن ) بالكسر إلى تميم ،
قال سيبويه : (( وأما الذين قالوا : ( مِغِيرة ) ( 13 ) و( مِعِين ) فليس على هذا ، ولكنهم أتبعوا الكسرةَ الكسرةَ ، كما قالوا : ( مِنْتِن ) . )) ( 14 )

__________________________________________________ ____
( 1 ) انظر الكتاب 4 / 146 ، 147 ، البحر المحيط 3 / 540 .
( 2 ) أول سورة الفاتحة وهي قراءة أهل البادية وإبراهيم بن أبي عبلة . معاني القرآن للفراء 1 / 3 ، معاني القرآن للزجاج
1 / 45 ، المحتسب 1 / 37 ، البحر 1 / 18 ، الأشباه والنظائر 1 / 13 ، الإتحاف 1 / 363
( 3 ) قراءة : ( الحمدِ لِله ) بكسر الدال إتباعا لكسرة اللام بعدها يشوبها غرابة ؛ لأن فيها إتباع حركة حرف معرب وهو الدال
لحركة حرف مبني وهو اللام ، فحركة الإعراب لا تستهلك لحركة الإتباع إلا على لغية ضعيفة . انظر معاني القرآن
للزجاج 1 / 45 والمحتسب 1 / 37 والكشاف 1 / 42 ، والتبيان 1 / 30 ، والبحر 1 / 18 .
( 4 ) حكم ابن جني على قراءة ( الحمدُ لُله ) و ( الحمدِ لِله ) بالشذوذ في القياس والاستعمال في المحتسب 1/ 111، 112 .
( 5 ) انظر الخاطريات ص 122 ، 123
( 6 ) إعراب القرآن للنحاس 1 / 120 .
( 7 ) من سورة الأنفال الآية 41 . وقراءة الجماعة : ( فَأَنَّ للهِ خُمُسَه ) بضم الخاء والميم . انظر مختصر شواذ القرآن من كتاب
البديع 49 ، البحر المحيط 4 / 499 ، الدر المصون 3 / 420 .
( 8 ) نسبها ابن سيده إلى أهل الحجاز انظر المخصص 11 / 206 .
( 9 ) مِنْتِن أصله مُنْتِنٌ من أَنْتَنَ وهو الرائحة الكريهة فاسم الفاعل مُنْتِنٌ ويقال : مِنْتِنٌ بكسر الميم والتاء ومُنْتُنٌ بضم الميم والتاء
ومِنْتِين بالياء أما مُنْتِن فهو الأصل ثم يليه مِنْتِنٌ وأقلها مُنْتُن ، وقيل مِنْتِن : أصله مِنْتِين ثم حذفوا حرف المد الياء مثل مِنْخِر
فأصله مِنْخِير بوزن مِفْعِيل . انظر التهذيب ( نتن ) .
( 10 ) انظر الكتاب 4 / 146 .
(11 ) انظر المحتسب 1 / 277 والمصدر السابق أيضا .
( 12 ) المصدر السابق .
( 13 ) مُغِيرة اسم ، وقول بعضهم : مِغِيرة فليس إتباعا لأجل حرف الحلق كشعير وبعير ، إنما هو من باب مِنْتِن ومن قولهم :
أُخؤُؤك وابنؤُؤك والقُرُفُصاء والسُّلُطان ، وهو مُنْحُدُرُ من الجبل . انظر اللسان ( غور ) .
(14 ) انظر الكتاب 4 / 109 .

بديع الزمان
03-27-2013, 10:33 AM
شكر الله لكم سعادة د. أحمد علّام على هذه الفوائد العظيمة