مصطفى شعبان
04-27-2016, 12:08 PM
التذكير والتأنيث
في العربية والاستعمالات المعاصرة
الدكتور محمود إسماعيل عمّــار
كلية المعلمين-أبها- السعودية
لا تفرّق بعض اللغات البدائية بين المذكّر والمؤنّث، فتستعمل صيغة واحدة في الضمائر والأفعال، وبعض اللغات الأرقى تميّز بين المذكّر والمؤنث في الضمائر، ولكنها لا تفرّق بينهما في الأفعال ولا في الصفات
فالإنجليزية - على سبيل المثال- وهي أكثر اللغات - اليوم- انتشاراً تستعمل (He) للمذكّر، وتستعمل ( She ) للمؤنث، ولكنها لا تفرّق بين الأفعال فهي تقول"(He Plays = هو يلعب ) كما تقول ( She Plays = هي تلعب ) ولا تفرّق بين المذكّر والمؤنث في الخبر، فهي تقول: (He is a teacher = هو معلم) كما تقول: (She is a teacher = هي معلمة ) ولا في الصفة فتقول : (Clever boy = ولد ماهر) وتقول: (Clever girl = بنت ماهرة )، ونفتقد فيها ضمير المثنى، فإذا وصلنا إلى الجمع وجدنا ضميراً واحداً يدل على المذكر والمؤنث هو( They هم أوهنّ) وأسماء الإشارة كذلك مبنية على عدم التمييز بين المذكّر والمؤنّث، فـ(this = هذا أو هذه ) و (That = ذلك أو تلك) إلى غير ذلك.
وهذه الأمور محسومة في اللغة العربية، ومحدّدة بتفصيل ودقة. وربمّا كانت اللغة العربية - اليوم- من أكثر اللغات اهتماماً بالتفريق بين المذكر والمؤنّث0 وكلما زادت الآلة رفعة وتقدماً ودقة، زادت وظائفها، وتقدّمت صناعتها، ودقّت أجهزتها، وتنوّعت استعمالاتها، وكذلك هي اللغة
حدثني أستاذ للغة الفارسية أن إحدى الجمعيات النسائية في بلد عربي ضاقت بالتفرقة بين المذكّر والمؤنّث في اللغة العربية، ودعت - في حمّى المساواة المطلقة بالرجل _ إلى عقد ندوة لمناقشة هذا الأمر، علّها تتوصل إلى صيغة موحدّة للمذكّر والمؤنّث على غرار اللغة لإنجليزية، ودعي هذا الأستاذ إلى المشاركة ولكنه قال : إذا كانت المرأة تختلف عن الرجل في بنيتها وتكوينها فكيف تتساوى معه في اللغة؟ وإذا استطعنا أن نحذف( التاء ) من قامت وذهبت مثلاً فهل نستطيع أن نحذف مظاهر الاختلاف التي تميّز بنية المرأة عن بنية الرجل ؟ فقوبل بالهياج والصياح والشتائم والقذائف فما أنقذه إلا الفرار من باب خلفي
والتأنيث في اللغة العربية: إما بالوضع: كزينب وسعاد، وسماء وناقة وهذه ونحوها وإما بالتحوير، كقولنا: زيد يكتب، وهند تكتب، وإما بإضافة علامة تنقل الفعل أو الاسم من التذكير إلى التأنيث، كقولنا: أكبر وكبرى، وأحمر وحمراء ومسافر ومسافرة، وجاء الطالب وجاءت الطالبة، وهذا مجتهد وتلك مجتهدة
وعلامات التأنيث كثيرة، بلغ بها الفرّاء خمس عشرة علامة: ثمان في الأسماء واربع في الأفعال، وثلاث في الأدوات، ولذلك كان التأنيث بالعلامات أكبر أسباب التأنيث في اللغة العربية، وإذا حذفت العلامة عاد الفعل أو الاسم-كما في الأمثلة السابقة- إلى حالة من التذكير، تعيده إلى أصله ونلحظ هذه القاعدة العامة في اللغة العربية في بعض الكلمات الإنجليزية إذا تأملناها بدقّة مثل: Male) ذكر، Female أنثى -Man رجل، Waoman امرأة - He هو، She هي )
وليس غريباً - بعد ذلك - أن يعدّ النحاة التذكير في العربية أصلاً، والتأنيث فرعاً عنه، كما خلقت حواء من آدم - عليهما السلام - مما يدل على أصالة هذه اللغة، وذوقها الرفيع
يقول سيبويه: الأشياء كلها أصلها التذكير، تختصُّ بعد ذلك ( يعني التأنيث) فكل مؤنث شيء، والشي يذكر، فالتذكير أول ويقول : اعلم أن المذكر أخفّ عليهم من المؤنث، لان المذكّر أول، وهو أشدّ تمكناً، وإنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن الشيء يقع على كلّ ما أخبر عنه قبل أن يعلم أذكرّ هو أو أنثى ؟ والشيء ذكر.
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد خلق من كل شيء زوجين : من الأناسّي، والأنعام، والبنات، حتى الجمار- إذا تأملناه – ومصادر الطاقة والحركة والحياة، فإن من دقّة هذه اللغة، وروعة الإحساس بالوجود فيها، وتكاملها مع عناصر الكون، ونبصر الحركة، ودفق الحياة أ تحتفل احتفالاً بالغاً بقضية التذكير والتأنيث، وتعطي هذا الجانب دقة لا نجدها في غيرها من اللغات، وتتمتع برهافة لا تتأتي إلا من عايش هذه اللغة، ولامست منه حبّة القلب وشغافه
قصّ أحمد أمين عن امرأة إنجليزية كانت تتعلم عليه العربية، اعتراضها على تأنيث الشمس وهي قوية، وتذكير القمر، وهو لطيف وديع، وكـان الأولـى- في رأيها – أن تذكر العربية الشمس، وتؤنث القمر، كما يفعل الإنجليز وفاتها أن تأنيث الشمس ليس جنساً حقيقياً، بل هو جنس نحوي، وهذا التأنيث في الشمس دون تأنيث في فاطمة وغزالة ولهذا قال النحاة إنها مؤنث مجازي، فيقال : طلع الشمس، وطلعت الشمس، وما بقي من التأنيث في الشمس فلأنها مصدر الحركة والحياة والتكاثر والنماء على الأرض- كما المرأة في الحياة الإنسانية – ولا تتأتى الحياة من دونها، كما لا تتأتى من دون المرأة، وليس للقمر هذه المزية ورحم الله أبا الطيب حين قال :
وما التأنيث لاسم الشَّمْسِ عيبٌ ولا التذكيرُ فخـرٌ للهـلال
حتى عدّ ذلك من معانيه التي تفرد بها
وفي ضوء هذا المنهج من الدقة والتفصيل، قسم الاسم في العربية إلى مذكّر ومؤنّث، سواء كان مفرداً أو مثنى أو جمعاً، وتأثر بذلك أيضاً الفعل، والخبر، والصفة، والحال، والعدد، وغيرها، ووضع لكل حالة الضمير المناسب لها، بارزاً أو مستتراً، منفصلاً أو متصلاً، ضمير رفع أو ضمير نصب، دالاً على ما يعبّر عنه من تذكير أو تأنيث، وامتد هذا التقسيم إلى أشياء أخرى:
كأسماء الإشارة والأسماء الموصولة، وقسِّم المؤنث إلى حقيقي ومجازي، وإلى لفظي ومعنوي
ومع كلّ هذا التفصيل أبقت العربية بعض قنوات الاتصال بين المذكر والمؤنث مفتوحة،إشعاراً بالتكامل والصلة بين الجنسين، كما يحدث في الحياة العامة حين تظهر بعض صفات الذكورة أو الأنوثة في الجنس الآخر وليبقى للتعبير الأدبيّ والفنيّ لمساته في التذوق والإبداع، ولئلا تكون القاعدة صارمة بالقدر الذي يخنق الفن، أو يقتل الحركة الذهنية عند المتحدث أو الكاتب، فأجازات اللغة كلمات " مذكرة وصف بها المؤنث، كما يوصف المذكّر بمؤنث، لا يكون إلا لمذكّر"
ويقول سيبويه أيضاً : " وقد يكون الشيء المذكّر يوصف بالمؤنّث، ويكون الشيء المذكّر له الاسم المؤنّث ويكون الشيء المؤنّث يوصف بالمذكّر، وقد يكون الشيء المؤنث له الاسم المذكر ويمكن أن يتولد من ذلك عدة حالات تضم كل واحدة مجموعة من الصور، كما يأتي:
1- ما يذكرّ ويؤنث، ويظهر في :
- ألفاظ محفوظة، أشهرها كما ذكره السيوطي: القليب، والسلاح، والصاع، والسكين، والإزار، والسراويل، والعريس، والعنق، والسبيل، والطريق، والدلو، والسوق، والعسل، والعاتق، والعضد، والعجز، والسلم، والفلك، والنهر، والحال، والمتن، والكراع، والذراع، واللسان،والزقاق، والصراط، والروح، والذنوب، والخوان، والسنان، والصواع .
- تحدثت كتب النحو بالمواضع التي يجوز إلحاق تاء التأنيث بفعل الفاعل ويجوز تركها، وهي أربعة:
أحدها : أن يكون الفاعل اسماً ظاهراً مجازي التأنيث، فتقول : طلعت الشمس وطلع الشمس
الثاني : أن يكون الفاعل حقيقي التأنيث، منفصلاً عن العامل بغير( إلا) كقولك : حضرت القاضي امرأة وحضر القاضي امرأة
الثالث : أن يكون العامل، نعم أو بئس: نحو نعمت المرأة هند، ونعم المرأة هند
الرابع: أن يكون الفاعل جمع تكسير، أو اسم جنس أو اسم جمع، تقول : جاء الزيود، وجاءت الزيود، وقال الأعراب وقالت الأعراب، وأورق الشجر وأورقت الشجر
2- ما جاء بالتاء داّلاً على المذكّر، ويظهر في :
- الأعلام المذكّرة المختومة بتاء التأنيث : كمعاوية، وحمزة، وطلحة، وحذيفة،إلخ
- الصفات المختومة بتاء المبالغة: كراوية، وطاغية، ونابغةإلخ
- التاء الدالّة على توكيد المبالغة : كعلاّمة، ونسّابة، ومطرابة، وملولة إلخ
- ما بنى على ( فُعَلة ) للدلالة على المبالغة : كهمزة، ولمزة، وهزأة، وضحكة، قال المبرد: هذا كثير لا تنزع منه الهاء، فأما راوية وعلاّمة ونحوهما فحذف الهاء جائز فيه ولا يبلغ في المبالغة ما تبلغه الهاء
- ما ختم بتاء عوضاً عن ياء النسب: كأشاعرة، ومغاربة، وأفارقة، جمعاً لأشعريّ، ومغربّي، وأفريقيّ والعامة يقولون : مصارية جمعاً لمصريّ وقد تكون التاء عوضاً عن حرف زائد لغير معنى في المفرد: كزنادقة جمع زنديق.
- ما ختم بتاء الجمع كما في أساتذة وتلامذة وجهابذة أو جاء على ( فَعَلة) كطلبة أو على (فِعَلة) كقردة، وغيرها
- ما بنى على التاء ووصف به المذكر والمؤنث، تقول: رجل ربعة وامرأة ربعة، وغلام يفعة وجارية يفعة، وهذا كِبْرة ولد أبويه وهذه كِبْرة ولد أبويها، وهو عِجزة وهي عِجزة أي آخر الأخوة، ورجل إكبرّة قومه وامرأة إكبرّة والرميّة للذكروالأنثى تقول : كانت رميتك حماراً، وكانت رميتك بقرة
- ذكر السيوطى في مزهره مجموعة من الأسماء المشتملة على تاء التأنيث مما يقع على المذكّر والمؤنّث، مثل : السخلة، والبهمة، والحية، والشاة، والبطة، وحمامة، ونعامة، ودجاجة، ونحلة، ودراجة، وجرادة، وبومة، وبقرة، وحبارى: قال: وكلُّها تقع على الذكر والأنثى
- تقول: هذه دجاجة وهذا دجاجة ويختص الذكر بلفظ ديك، وتقول: هذه بقرة وهذا بقرة ويختص الذكر بلفظ ثور، وتقول هذه شاة وهذا شاة، ويختص الذكر بلفظ خروف، وتقول هذه البطة ذكر، وهذه البطة أنثى.
3- ما جاء داّلاً على المؤنث من غير تاء، ويظهر في :
- المؤنثات المعنوية:
الأسماء التي يستدل على تأنيثها بالمعنى أربعة هي :
أعلام الإناث كمريم وزينب، ونحن هذه الأيام نسمى : إيمان وصفاء وإخلاص
الأسماء المختصة بالإناث نحو : أخت، بنت، أم
أسماء البلاد والمدن والقبائل ( على إرادة البقعة والقبيلة ) كالشام ومصر وقريش
أسماء الأعضاء المزدوجة: كالعين والرجل والأذن وهذا حكم أغلبي لأن منها ما هو مذكّر مثل الصدغ والحاجب والخّد والمرفق
في العربية والاستعمالات المعاصرة
الدكتور محمود إسماعيل عمّــار
كلية المعلمين-أبها- السعودية
لا تفرّق بعض اللغات البدائية بين المذكّر والمؤنّث، فتستعمل صيغة واحدة في الضمائر والأفعال، وبعض اللغات الأرقى تميّز بين المذكّر والمؤنث في الضمائر، ولكنها لا تفرّق بينهما في الأفعال ولا في الصفات
فالإنجليزية - على سبيل المثال- وهي أكثر اللغات - اليوم- انتشاراً تستعمل (He) للمذكّر، وتستعمل ( She ) للمؤنث، ولكنها لا تفرّق بين الأفعال فهي تقول"(He Plays = هو يلعب ) كما تقول ( She Plays = هي تلعب ) ولا تفرّق بين المذكّر والمؤنث في الخبر، فهي تقول: (He is a teacher = هو معلم) كما تقول: (She is a teacher = هي معلمة ) ولا في الصفة فتقول : (Clever boy = ولد ماهر) وتقول: (Clever girl = بنت ماهرة )، ونفتقد فيها ضمير المثنى، فإذا وصلنا إلى الجمع وجدنا ضميراً واحداً يدل على المذكر والمؤنث هو( They هم أوهنّ) وأسماء الإشارة كذلك مبنية على عدم التمييز بين المذكّر والمؤنّث، فـ(this = هذا أو هذه ) و (That = ذلك أو تلك) إلى غير ذلك.
وهذه الأمور محسومة في اللغة العربية، ومحدّدة بتفصيل ودقة. وربمّا كانت اللغة العربية - اليوم- من أكثر اللغات اهتماماً بالتفريق بين المذكر والمؤنّث0 وكلما زادت الآلة رفعة وتقدماً ودقة، زادت وظائفها، وتقدّمت صناعتها، ودقّت أجهزتها، وتنوّعت استعمالاتها، وكذلك هي اللغة
حدثني أستاذ للغة الفارسية أن إحدى الجمعيات النسائية في بلد عربي ضاقت بالتفرقة بين المذكّر والمؤنّث في اللغة العربية، ودعت - في حمّى المساواة المطلقة بالرجل _ إلى عقد ندوة لمناقشة هذا الأمر، علّها تتوصل إلى صيغة موحدّة للمذكّر والمؤنّث على غرار اللغة لإنجليزية، ودعي هذا الأستاذ إلى المشاركة ولكنه قال : إذا كانت المرأة تختلف عن الرجل في بنيتها وتكوينها فكيف تتساوى معه في اللغة؟ وإذا استطعنا أن نحذف( التاء ) من قامت وذهبت مثلاً فهل نستطيع أن نحذف مظاهر الاختلاف التي تميّز بنية المرأة عن بنية الرجل ؟ فقوبل بالهياج والصياح والشتائم والقذائف فما أنقذه إلا الفرار من باب خلفي
والتأنيث في اللغة العربية: إما بالوضع: كزينب وسعاد، وسماء وناقة وهذه ونحوها وإما بالتحوير، كقولنا: زيد يكتب، وهند تكتب، وإما بإضافة علامة تنقل الفعل أو الاسم من التذكير إلى التأنيث، كقولنا: أكبر وكبرى، وأحمر وحمراء ومسافر ومسافرة، وجاء الطالب وجاءت الطالبة، وهذا مجتهد وتلك مجتهدة
وعلامات التأنيث كثيرة، بلغ بها الفرّاء خمس عشرة علامة: ثمان في الأسماء واربع في الأفعال، وثلاث في الأدوات، ولذلك كان التأنيث بالعلامات أكبر أسباب التأنيث في اللغة العربية، وإذا حذفت العلامة عاد الفعل أو الاسم-كما في الأمثلة السابقة- إلى حالة من التذكير، تعيده إلى أصله ونلحظ هذه القاعدة العامة في اللغة العربية في بعض الكلمات الإنجليزية إذا تأملناها بدقّة مثل: Male) ذكر، Female أنثى -Man رجل، Waoman امرأة - He هو، She هي )
وليس غريباً - بعد ذلك - أن يعدّ النحاة التذكير في العربية أصلاً، والتأنيث فرعاً عنه، كما خلقت حواء من آدم - عليهما السلام - مما يدل على أصالة هذه اللغة، وذوقها الرفيع
يقول سيبويه: الأشياء كلها أصلها التذكير، تختصُّ بعد ذلك ( يعني التأنيث) فكل مؤنث شيء، والشي يذكر، فالتذكير أول ويقول : اعلم أن المذكر أخفّ عليهم من المؤنث، لان المذكّر أول، وهو أشدّ تمكناً، وإنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن الشيء يقع على كلّ ما أخبر عنه قبل أن يعلم أذكرّ هو أو أنثى ؟ والشيء ذكر.
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد خلق من كل شيء زوجين : من الأناسّي، والأنعام، والبنات، حتى الجمار- إذا تأملناه – ومصادر الطاقة والحركة والحياة، فإن من دقّة هذه اللغة، وروعة الإحساس بالوجود فيها، وتكاملها مع عناصر الكون، ونبصر الحركة، ودفق الحياة أ تحتفل احتفالاً بالغاً بقضية التذكير والتأنيث، وتعطي هذا الجانب دقة لا نجدها في غيرها من اللغات، وتتمتع برهافة لا تتأتي إلا من عايش هذه اللغة، ولامست منه حبّة القلب وشغافه
قصّ أحمد أمين عن امرأة إنجليزية كانت تتعلم عليه العربية، اعتراضها على تأنيث الشمس وهي قوية، وتذكير القمر، وهو لطيف وديع، وكـان الأولـى- في رأيها – أن تذكر العربية الشمس، وتؤنث القمر، كما يفعل الإنجليز وفاتها أن تأنيث الشمس ليس جنساً حقيقياً، بل هو جنس نحوي، وهذا التأنيث في الشمس دون تأنيث في فاطمة وغزالة ولهذا قال النحاة إنها مؤنث مجازي، فيقال : طلع الشمس، وطلعت الشمس، وما بقي من التأنيث في الشمس فلأنها مصدر الحركة والحياة والتكاثر والنماء على الأرض- كما المرأة في الحياة الإنسانية – ولا تتأتى الحياة من دونها، كما لا تتأتى من دون المرأة، وليس للقمر هذه المزية ورحم الله أبا الطيب حين قال :
وما التأنيث لاسم الشَّمْسِ عيبٌ ولا التذكيرُ فخـرٌ للهـلال
حتى عدّ ذلك من معانيه التي تفرد بها
وفي ضوء هذا المنهج من الدقة والتفصيل، قسم الاسم في العربية إلى مذكّر ومؤنّث، سواء كان مفرداً أو مثنى أو جمعاً، وتأثر بذلك أيضاً الفعل، والخبر، والصفة، والحال، والعدد، وغيرها، ووضع لكل حالة الضمير المناسب لها، بارزاً أو مستتراً، منفصلاً أو متصلاً، ضمير رفع أو ضمير نصب، دالاً على ما يعبّر عنه من تذكير أو تأنيث، وامتد هذا التقسيم إلى أشياء أخرى:
كأسماء الإشارة والأسماء الموصولة، وقسِّم المؤنث إلى حقيقي ومجازي، وإلى لفظي ومعنوي
ومع كلّ هذا التفصيل أبقت العربية بعض قنوات الاتصال بين المذكر والمؤنث مفتوحة،إشعاراً بالتكامل والصلة بين الجنسين، كما يحدث في الحياة العامة حين تظهر بعض صفات الذكورة أو الأنوثة في الجنس الآخر وليبقى للتعبير الأدبيّ والفنيّ لمساته في التذوق والإبداع، ولئلا تكون القاعدة صارمة بالقدر الذي يخنق الفن، أو يقتل الحركة الذهنية عند المتحدث أو الكاتب، فأجازات اللغة كلمات " مذكرة وصف بها المؤنث، كما يوصف المذكّر بمؤنث، لا يكون إلا لمذكّر"
ويقول سيبويه أيضاً : " وقد يكون الشيء المذكّر يوصف بالمؤنّث، ويكون الشيء المذكّر له الاسم المؤنّث ويكون الشيء المؤنّث يوصف بالمذكّر، وقد يكون الشيء المؤنث له الاسم المذكر ويمكن أن يتولد من ذلك عدة حالات تضم كل واحدة مجموعة من الصور، كما يأتي:
1- ما يذكرّ ويؤنث، ويظهر في :
- ألفاظ محفوظة، أشهرها كما ذكره السيوطي: القليب، والسلاح، والصاع، والسكين، والإزار، والسراويل، والعريس، والعنق، والسبيل، والطريق، والدلو، والسوق، والعسل، والعاتق، والعضد، والعجز، والسلم، والفلك، والنهر، والحال، والمتن، والكراع، والذراع، واللسان،والزقاق، والصراط، والروح، والذنوب، والخوان، والسنان، والصواع .
- تحدثت كتب النحو بالمواضع التي يجوز إلحاق تاء التأنيث بفعل الفاعل ويجوز تركها، وهي أربعة:
أحدها : أن يكون الفاعل اسماً ظاهراً مجازي التأنيث، فتقول : طلعت الشمس وطلع الشمس
الثاني : أن يكون الفاعل حقيقي التأنيث، منفصلاً عن العامل بغير( إلا) كقولك : حضرت القاضي امرأة وحضر القاضي امرأة
الثالث : أن يكون العامل، نعم أو بئس: نحو نعمت المرأة هند، ونعم المرأة هند
الرابع: أن يكون الفاعل جمع تكسير، أو اسم جنس أو اسم جمع، تقول : جاء الزيود، وجاءت الزيود، وقال الأعراب وقالت الأعراب، وأورق الشجر وأورقت الشجر
2- ما جاء بالتاء داّلاً على المذكّر، ويظهر في :
- الأعلام المذكّرة المختومة بتاء التأنيث : كمعاوية، وحمزة، وطلحة، وحذيفة،إلخ
- الصفات المختومة بتاء المبالغة: كراوية، وطاغية، ونابغةإلخ
- التاء الدالّة على توكيد المبالغة : كعلاّمة، ونسّابة، ومطرابة، وملولة إلخ
- ما بنى على ( فُعَلة ) للدلالة على المبالغة : كهمزة، ولمزة، وهزأة، وضحكة، قال المبرد: هذا كثير لا تنزع منه الهاء، فأما راوية وعلاّمة ونحوهما فحذف الهاء جائز فيه ولا يبلغ في المبالغة ما تبلغه الهاء
- ما ختم بتاء عوضاً عن ياء النسب: كأشاعرة، ومغاربة، وأفارقة، جمعاً لأشعريّ، ومغربّي، وأفريقيّ والعامة يقولون : مصارية جمعاً لمصريّ وقد تكون التاء عوضاً عن حرف زائد لغير معنى في المفرد: كزنادقة جمع زنديق.
- ما ختم بتاء الجمع كما في أساتذة وتلامذة وجهابذة أو جاء على ( فَعَلة) كطلبة أو على (فِعَلة) كقردة، وغيرها
- ما بنى على التاء ووصف به المذكر والمؤنث، تقول: رجل ربعة وامرأة ربعة، وغلام يفعة وجارية يفعة، وهذا كِبْرة ولد أبويه وهذه كِبْرة ولد أبويها، وهو عِجزة وهي عِجزة أي آخر الأخوة، ورجل إكبرّة قومه وامرأة إكبرّة والرميّة للذكروالأنثى تقول : كانت رميتك حماراً، وكانت رميتك بقرة
- ذكر السيوطى في مزهره مجموعة من الأسماء المشتملة على تاء التأنيث مما يقع على المذكّر والمؤنّث، مثل : السخلة، والبهمة، والحية، والشاة، والبطة، وحمامة، ونعامة، ودجاجة، ونحلة، ودراجة، وجرادة، وبومة، وبقرة، وحبارى: قال: وكلُّها تقع على الذكر والأنثى
- تقول: هذه دجاجة وهذا دجاجة ويختص الذكر بلفظ ديك، وتقول: هذه بقرة وهذا بقرة ويختص الذكر بلفظ ثور، وتقول هذه شاة وهذا شاة، ويختص الذكر بلفظ خروف، وتقول هذه البطة ذكر، وهذه البطة أنثى.
3- ما جاء داّلاً على المؤنث من غير تاء، ويظهر في :
- المؤنثات المعنوية:
الأسماء التي يستدل على تأنيثها بالمعنى أربعة هي :
أعلام الإناث كمريم وزينب، ونحن هذه الأيام نسمى : إيمان وصفاء وإخلاص
الأسماء المختصة بالإناث نحو : أخت، بنت، أم
أسماء البلاد والمدن والقبائل ( على إرادة البقعة والقبيلة ) كالشام ومصر وقريش
أسماء الأعضاء المزدوجة: كالعين والرجل والأذن وهذا حكم أغلبي لأن منها ما هو مذكّر مثل الصدغ والحاجب والخّد والمرفق