مصطفى شعبان
05-14-2016, 08:20 AM
حوسبة العربية: نحو لغة قادرة على التغيير
الدكتورة عالية صالح
"أنا لغتي" "أنا ما قالت الكلمات"، "حدود لغتي تعني حدود عالمي" أو الواقع المدرك بالنسبة إلي. تُظهر هذه العبارات علاقة الإنسان بلغته، فالإنسان واللغة يصعب الفصل بينهما، واللغة التي تفتقر كلماتها إلى مفاهيم معينة تحجب عن الناطقين بها استيعاب هذه المفاهيم، واللغة المتاحة المعروفة هي الوسيلة التي نرى بها العالم على رحابته.
اللغة أداة التفكير، ولها دور في تشكيل الفكر الإنساني، ولغة الأمة تشكل تفكيرها وهويتها.
واللغة روح الحضارة وحارسها الأزلي، وهي كائن ينمو ويتطور إن توافرت له شروط النمو والتطور. ويفترض التطور الحضاري لغة قادرة على استيعاب مفردات التطور والمدنية، لغة قادرة على التواصل مع حضارات وثقافات الأمم الأخرى، وهذا لا يكون دون جهود من أبناء اللغة لتطويرها. فاللغات الحية المتصدرة في العالم اليوم هي ثمرة جهود مضنية نهض بها علماؤها لكي يطوروها فأمست تتبوأ المقام العالي الذي هي فيه اليوم.
واستعمال اللغة في البحث والتدريس والإعلام العلمي وغيرها من سبل الاستعمال ينمي اللغة ويوسعها ويسهل طرائق استعمالها حتى على غير أهلها.
والتعليم باللغة القومية قضية غاية في الأهمية، هذا ما نادى به قادة مثل غاندي ومحمد علي، وبومدين وهوشي منه. وقد أخذت قضية التعليم باللغة القومية أبعاداً جديدة وأهمية متزايدة بفعل العولمة وانتشار التكنولوجيا المعلوماتية، وما صاحبها من ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي الذي بات مهدداً بسبب هيمنة اللغة الإنجليزية.
إن استعمال لغة الأمة في الكتابة العلمية والثقافة للمتخصصين وللمتعلمين من غير المتخصصين، يثقف الجماهير بتحويل العلم والتقائة إلى ثقافة عامة، ويجعل تفكير المواطنين أكثر تنظيماً ومنطقية واستقامة واستقلالية.
والثقافة التقدمية هي العلم عندما يصبح في متناول الجميع متمثلاً من الجميع بلغة الجميع وهي اللغة العربية، واستعمال الإنجليزية بديلاً تكريس للفصام بين مجتمع المتعلمين وغيرهم من المتعطشين لثمار العلم المادية والمعنوية المفاهيمية.
وتعريف العلوم هو جوهر البيئة التقنية، وهو قضية استراتيجية وليست تكتبية أو تجريبية أو آنية بالتعريب تصاغ إنسانية العربي الفاعلة، والتعريب الذي يحمل نظرة شاملة عميقة تتجاوز ترجمة المصطلحات والكتب إلى التأليف باللغة العربية وإنتاج العلم باللغة العربية والمساهمة بفعالية في إنتاج المعرفة الإنسانية وتوظيفها.
يحتاج التعريب إلى جهود منسقة عربية تؤمن بأن اللغة والتخطيط اللغوي والأمن اللغوي، والتعليم والتعليم العالي قضايا استراتيجية تمس جوهر الأمة والوطن والحضارة والتحضر. والتفريط بها والسماح لها بأن تكون مجرد شؤون خاصة بالمدارس والمعاهد والجامعات هو تفريط بالماضي والحاضر والمستقبل. وترك للمجتمع ليواجه التغريب والاغتراب.
اللغة التي تشكل هوية قومية، والتي تشكل سؤال الذات التي تعرف ما تريد، وتعرف ما يميزها عن غيرها. أو عن ذلك "الغير" الذي ترى فيه خصماً لها، والغير الذي اشتبكت معه الذات العربية، ولا تزال، منذ أكثر من قرنين، هو الغرب أو الاستعمار أو الثقافة الامبريالية. إن المجتمع يدرك ذاته من خلال شكلين أساسين من الأفعال: أفعال خارجية أو موجهة نحو الخارج، وأفعال داخلية أو موجهة نحو الداخل.
يصدر عن الأفعال الأولى تفاعل بين المجتمع كوحدة ثقافية وبين العالم الخارجي. وما الهوية الثقافية في النهاية إلا أثر لتفاعل الوحدة الثقافية، التي لا تنفصل عن "الغير" الذي تواجهه، أو المؤثرات الخارجية التي تصطدم بها.
لا يطرح الإنسان موضوع هويته إلا حين يكون مهدداً من طرف خارجي يفوقه قوة وتطوراً. تشير الهوية، بهذا المعنى، إلى الاختلاف والتهديد والنقد الذاتي واقتراح الأدوات والوسائل التي على الهوية المهددة أن تأخذ بها كي تواجه هوية أخرى مهددة لها.
اكتفت الثقافة العربية التي لم تحقق هويتها، بالتعامل مع ظواهر الحضارة الغربية، دون أن تستطيع وعي وجودها. يعتبر البعض أن التعرف على السلع الغربية تعرف على الغرب، مع أن المطلوب منهم الآلية الاقتصادية والصناعية والعلمية التي قرضت السلعة الغربية سلعة عالمية.
إضافة إلى أن المثقفين العرب لم يشتقوا من ثقافتهم العربية معايير التقدم والتخلف، إنما نظروا إلى التقدم والتخلف بمقاييس أوروبية غير مدركين أن التابع لا ينتج ثقافة صحيحة، إلا إذا افترق عن المتبوع وميز ذاته منه وأقام ثقافة على هذا الاختلاف والتمايز.
وهذا لا يعني الخروج من الزمن العالمي الحديث بل التورط فيه من وجهة نظر الفرق بين الثقافة الغازية والثقافة المغزوة. ولعل الأخذ بمعايير الآخر في لحظة رفضه أساس الارتباك الفكري عند المثقفين الذين ينددون بالثقافة الغربية الإمبريالية من ناحية أو يرون في ضرورة الأخذ بها سبيلاً إلى التقدم والحداثة مرة أخرى وبسبب هذا الاندفاع قصير النظر للحصول على الوسائل الغربية فإن النخبة تغرق ثقافتها المختلفة في بحر من التفاهة والتصنيعية في أحسن الأحوال، أو في الضياع الثقافي التام.
لذا على المجتمعات العربية أن تواجه الذات وتواجه الآخر، لأنها لو واجهت الثقافة الأخرى بشكل حقيقي لتحولت إلى ثقافة قومية، أي إلى ثقافة حديثة، وهو أمر لم يتحقق. ولهذا تبدو "نحن" التي يستعملها العرب في أقطارهم المختلفة، أي "نحن العرب" فقيرة الدلالة، لأنه لا يوجد بين العرب ما يبرهن عمليًّا على وجود ال "نحن" المفترضة.
على المجتمعات العربية أن تتواصل مع مجتمع العولمة، العولمة باعتبارها مجتمعاً إعلاميًّا شاملاً شموليًّا مجتمعاً تنتشر فيه المعرفة والعلم واللغات ويتم تعميمها بحرية لا مثل لها، مخترقة بذلك كل الحدود. وفي زمن العولمة ووفق منطقها، تخضع اللغة والثقافة للتعميم والانتشار والتسويق مثلها مثل البضائع التجارية والصناعية. وفي مواجهة هذا الواقع هناك دعوات لتوظيف أساليب جديدة في ترويج القضايا العربية وتسويقها، أي تسويق المضامين، وتطوير استراتيجية للاتصال والتواصل والدبلوماسية العامة، لإيصال الرسائل العربية إقليميًّا وعالميًّا، وتعزيز الحوار فيما بين العرب وبين الآخر من جهة أخرى.
أن عصر الاتصالات والمعلومات، والمعرفة والحكمة والترفيه الذي نعيشه يضع أمامنا الكثير من التحديات، ويفتح أمامنا في الوقت نفسه أفاقاً واسعة. لذلك عليها التسلح بكل ما لدينا من إمكانات ووسائل لمواجهة هذه التحديات، وفي مقدمتها اللغة العربية، التي تعد أهم وسيلة اتصال فيما بين كتلة هائلة من السكان في منطقة من أكثر مناطق العالم حركة وحيوية.
إن بمقدور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات أن تنهض بدور فعال في نشر اللغة العربية والارتقاء بها في الوطن العربي وفي سائر أنحاء المعمورة.
ويحتاج النهوض بالعربية إلى التحديث والأتمتة والحوسبة وربط الشبكات المعلوماتية بين المؤسسات التربوية والأكاديمية والبحثية والاندماج في شبكات المعلومات العالمية، هذه الأمور التي أصبحت من حقائق الواقع المعاصر تشكل ضغطاً متزايداً على الثقافة العلمية واللغة العربية، وتشكل حافزاً قويًّا نحو التعريب لتعميم قواعد العولمة المعلوماتية، -ولنذكر أن الحوسبة ليست معادلاً موضوعيًّا للتغريب، فأغلب الحواسيب تصنع خارج إطار الغرب. إن الصين التي تصنع حواسيب وزارة الدفاع الأمريكية، والهند تسيطر على نسبة عالية من برمجيات الحواسيب في العالم فالحوسبة قد تسهل عملية التعريب إن وجدت الإرادة السياسية الفاعلة والتهيئة المجتمعية المبرمجة التي تجعل التعريب جزءاً مهمًّا من مفاصل شبكة المعلومات العالمية.
إن التحديات العلمية واللغوية تضع على عاتق الأمة ومجامعها اللغوية والعلمية مسؤولية الدخول في عصر المعلوماتية مستعينة بعلماء الحاسوب والمتخصصين بأنظمة الذكاء الاصطناعي، معتمدة على بحوث ودراسات في مجال التقنيات اللغوية ودراسات مشتركة بين المجامع اللغوية العلمية العربية والمؤسسات التعليمية وبين علماء الحاسوب. واضعين في المجال أهم القضايا التي نريد معالجتها ومنها:
- التحليل الآلي للغة العربية على المستوى الصرفي والنحوي والدلالي.
- الاستعانة بالحاسوب لتعليم الصرف والتدقيق الإملائي، ومعالجة قضية، الشكل في الكتابة العربية؛ فالشكل جزء أساسي من حيث المعنى ونظام الجملة والإعراب. وإن غياب الشكل من الكتابة العربية، يعني غياب نصف الرموز التي نستعملها في القراءة والكتابة. وقد كان دخول الشكل والنقط التاريخي في مسيرة تطور الكتابة العربية ثورة لغوية. وإذا استطعنا بصورة وبأخرى أن نزيل العقبات بحيث يكون كل ما يكتب باللغة العربية، كل ما ينشر في الكتب والمجلات والصحف والإعلانات والإصدارات مشكولاً.
- دراسة القضايا اللغوية والتقنية التي تطرحها الترجمة الآلية، من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية، ومن اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.
- حوسبة كل ما كتب بالعربية للحصول على مدونة كاملة نستطيع من خلالها إنجاز المعجم التاريخي، الذي سيكون له أثره في مسيرة اللغة العربية، يتناول تاريخ اللغة العربية ومعانيها من خلال أقدم النصوص وحتى الوقت الحاضر وذلك عن طريق البحث الآلي عن الكلمات.
- وضع معجم موحد لألفاظ الحياة العامة العربية.
- وضع معاجم مدرسية موجهة إلى مراحل التعليم المختلفة.
- وضع المعاجم العربية المتخصصة في مختلف العلوم والآداب.
لقد حققت معالجة اللغة العربية إنجازات ملموسة على صعيد اللغة المكتوبة وبدرجة أقل على صعيد اللغة المنطوقة، وقد حققت معالجة اللغة العربية آليًّا نجاحاً تكنولوجيًّا واقتصاديًّا ملحوظاً.
عُرب نظام ويندوز وأمكن تحقيق إنجازات أساسية على مستوى العتاد والبرمجيات، طورت وحدات إدخال وإخراج مع اللغة العربية مثل لوحات المفاتيح والطابعات والشاشات وبرامج لتنسيق الكلمات، وبرنامج لقراءة النصوص العربية آليًّا باستخدام المسح الضوئي للحروف.
وطور معالج آلي قادر على تحليل أي كلمة عربية إلى عناصرها الاشتقاقية والتصريفية وتفكيكها من اللواحق والسوابق وإيجاد جذر الكلمة ... الخ.
وقد مكن ذلك من تحقيق إنجازات مهمة تشمل نظم اكتشاف الأخطاء الهجائية ونظم البحث في النصوص العربية على أساس صرفي. الذي استخدم في أول برنامج للقرآن الكريم، وبناء قواعد البيانات المعجمية التي يلعب فيها الصرف دوراً أساسيًّا، كما يعد المعالج الصرفي الآلي مقوماً أساسيًّا في التعامل مع النصوص العربية على مستوى الجملة.
الدكتورة عالية صالح
"أنا لغتي" "أنا ما قالت الكلمات"، "حدود لغتي تعني حدود عالمي" أو الواقع المدرك بالنسبة إلي. تُظهر هذه العبارات علاقة الإنسان بلغته، فالإنسان واللغة يصعب الفصل بينهما، واللغة التي تفتقر كلماتها إلى مفاهيم معينة تحجب عن الناطقين بها استيعاب هذه المفاهيم، واللغة المتاحة المعروفة هي الوسيلة التي نرى بها العالم على رحابته.
اللغة أداة التفكير، ولها دور في تشكيل الفكر الإنساني، ولغة الأمة تشكل تفكيرها وهويتها.
واللغة روح الحضارة وحارسها الأزلي، وهي كائن ينمو ويتطور إن توافرت له شروط النمو والتطور. ويفترض التطور الحضاري لغة قادرة على استيعاب مفردات التطور والمدنية، لغة قادرة على التواصل مع حضارات وثقافات الأمم الأخرى، وهذا لا يكون دون جهود من أبناء اللغة لتطويرها. فاللغات الحية المتصدرة في العالم اليوم هي ثمرة جهود مضنية نهض بها علماؤها لكي يطوروها فأمست تتبوأ المقام العالي الذي هي فيه اليوم.
واستعمال اللغة في البحث والتدريس والإعلام العلمي وغيرها من سبل الاستعمال ينمي اللغة ويوسعها ويسهل طرائق استعمالها حتى على غير أهلها.
والتعليم باللغة القومية قضية غاية في الأهمية، هذا ما نادى به قادة مثل غاندي ومحمد علي، وبومدين وهوشي منه. وقد أخذت قضية التعليم باللغة القومية أبعاداً جديدة وأهمية متزايدة بفعل العولمة وانتشار التكنولوجيا المعلوماتية، وما صاحبها من ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي الذي بات مهدداً بسبب هيمنة اللغة الإنجليزية.
إن استعمال لغة الأمة في الكتابة العلمية والثقافة للمتخصصين وللمتعلمين من غير المتخصصين، يثقف الجماهير بتحويل العلم والتقائة إلى ثقافة عامة، ويجعل تفكير المواطنين أكثر تنظيماً ومنطقية واستقامة واستقلالية.
والثقافة التقدمية هي العلم عندما يصبح في متناول الجميع متمثلاً من الجميع بلغة الجميع وهي اللغة العربية، واستعمال الإنجليزية بديلاً تكريس للفصام بين مجتمع المتعلمين وغيرهم من المتعطشين لثمار العلم المادية والمعنوية المفاهيمية.
وتعريف العلوم هو جوهر البيئة التقنية، وهو قضية استراتيجية وليست تكتبية أو تجريبية أو آنية بالتعريب تصاغ إنسانية العربي الفاعلة، والتعريب الذي يحمل نظرة شاملة عميقة تتجاوز ترجمة المصطلحات والكتب إلى التأليف باللغة العربية وإنتاج العلم باللغة العربية والمساهمة بفعالية في إنتاج المعرفة الإنسانية وتوظيفها.
يحتاج التعريب إلى جهود منسقة عربية تؤمن بأن اللغة والتخطيط اللغوي والأمن اللغوي، والتعليم والتعليم العالي قضايا استراتيجية تمس جوهر الأمة والوطن والحضارة والتحضر. والتفريط بها والسماح لها بأن تكون مجرد شؤون خاصة بالمدارس والمعاهد والجامعات هو تفريط بالماضي والحاضر والمستقبل. وترك للمجتمع ليواجه التغريب والاغتراب.
اللغة التي تشكل هوية قومية، والتي تشكل سؤال الذات التي تعرف ما تريد، وتعرف ما يميزها عن غيرها. أو عن ذلك "الغير" الذي ترى فيه خصماً لها، والغير الذي اشتبكت معه الذات العربية، ولا تزال، منذ أكثر من قرنين، هو الغرب أو الاستعمار أو الثقافة الامبريالية. إن المجتمع يدرك ذاته من خلال شكلين أساسين من الأفعال: أفعال خارجية أو موجهة نحو الخارج، وأفعال داخلية أو موجهة نحو الداخل.
يصدر عن الأفعال الأولى تفاعل بين المجتمع كوحدة ثقافية وبين العالم الخارجي. وما الهوية الثقافية في النهاية إلا أثر لتفاعل الوحدة الثقافية، التي لا تنفصل عن "الغير" الذي تواجهه، أو المؤثرات الخارجية التي تصطدم بها.
لا يطرح الإنسان موضوع هويته إلا حين يكون مهدداً من طرف خارجي يفوقه قوة وتطوراً. تشير الهوية، بهذا المعنى، إلى الاختلاف والتهديد والنقد الذاتي واقتراح الأدوات والوسائل التي على الهوية المهددة أن تأخذ بها كي تواجه هوية أخرى مهددة لها.
اكتفت الثقافة العربية التي لم تحقق هويتها، بالتعامل مع ظواهر الحضارة الغربية، دون أن تستطيع وعي وجودها. يعتبر البعض أن التعرف على السلع الغربية تعرف على الغرب، مع أن المطلوب منهم الآلية الاقتصادية والصناعية والعلمية التي قرضت السلعة الغربية سلعة عالمية.
إضافة إلى أن المثقفين العرب لم يشتقوا من ثقافتهم العربية معايير التقدم والتخلف، إنما نظروا إلى التقدم والتخلف بمقاييس أوروبية غير مدركين أن التابع لا ينتج ثقافة صحيحة، إلا إذا افترق عن المتبوع وميز ذاته منه وأقام ثقافة على هذا الاختلاف والتمايز.
وهذا لا يعني الخروج من الزمن العالمي الحديث بل التورط فيه من وجهة نظر الفرق بين الثقافة الغازية والثقافة المغزوة. ولعل الأخذ بمعايير الآخر في لحظة رفضه أساس الارتباك الفكري عند المثقفين الذين ينددون بالثقافة الغربية الإمبريالية من ناحية أو يرون في ضرورة الأخذ بها سبيلاً إلى التقدم والحداثة مرة أخرى وبسبب هذا الاندفاع قصير النظر للحصول على الوسائل الغربية فإن النخبة تغرق ثقافتها المختلفة في بحر من التفاهة والتصنيعية في أحسن الأحوال، أو في الضياع الثقافي التام.
لذا على المجتمعات العربية أن تواجه الذات وتواجه الآخر، لأنها لو واجهت الثقافة الأخرى بشكل حقيقي لتحولت إلى ثقافة قومية، أي إلى ثقافة حديثة، وهو أمر لم يتحقق. ولهذا تبدو "نحن" التي يستعملها العرب في أقطارهم المختلفة، أي "نحن العرب" فقيرة الدلالة، لأنه لا يوجد بين العرب ما يبرهن عمليًّا على وجود ال "نحن" المفترضة.
على المجتمعات العربية أن تتواصل مع مجتمع العولمة، العولمة باعتبارها مجتمعاً إعلاميًّا شاملاً شموليًّا مجتمعاً تنتشر فيه المعرفة والعلم واللغات ويتم تعميمها بحرية لا مثل لها، مخترقة بذلك كل الحدود. وفي زمن العولمة ووفق منطقها، تخضع اللغة والثقافة للتعميم والانتشار والتسويق مثلها مثل البضائع التجارية والصناعية. وفي مواجهة هذا الواقع هناك دعوات لتوظيف أساليب جديدة في ترويج القضايا العربية وتسويقها، أي تسويق المضامين، وتطوير استراتيجية للاتصال والتواصل والدبلوماسية العامة، لإيصال الرسائل العربية إقليميًّا وعالميًّا، وتعزيز الحوار فيما بين العرب وبين الآخر من جهة أخرى.
أن عصر الاتصالات والمعلومات، والمعرفة والحكمة والترفيه الذي نعيشه يضع أمامنا الكثير من التحديات، ويفتح أمامنا في الوقت نفسه أفاقاً واسعة. لذلك عليها التسلح بكل ما لدينا من إمكانات ووسائل لمواجهة هذه التحديات، وفي مقدمتها اللغة العربية، التي تعد أهم وسيلة اتصال فيما بين كتلة هائلة من السكان في منطقة من أكثر مناطق العالم حركة وحيوية.
إن بمقدور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات أن تنهض بدور فعال في نشر اللغة العربية والارتقاء بها في الوطن العربي وفي سائر أنحاء المعمورة.
ويحتاج النهوض بالعربية إلى التحديث والأتمتة والحوسبة وربط الشبكات المعلوماتية بين المؤسسات التربوية والأكاديمية والبحثية والاندماج في شبكات المعلومات العالمية، هذه الأمور التي أصبحت من حقائق الواقع المعاصر تشكل ضغطاً متزايداً على الثقافة العلمية واللغة العربية، وتشكل حافزاً قويًّا نحو التعريب لتعميم قواعد العولمة المعلوماتية، -ولنذكر أن الحوسبة ليست معادلاً موضوعيًّا للتغريب، فأغلب الحواسيب تصنع خارج إطار الغرب. إن الصين التي تصنع حواسيب وزارة الدفاع الأمريكية، والهند تسيطر على نسبة عالية من برمجيات الحواسيب في العالم فالحوسبة قد تسهل عملية التعريب إن وجدت الإرادة السياسية الفاعلة والتهيئة المجتمعية المبرمجة التي تجعل التعريب جزءاً مهمًّا من مفاصل شبكة المعلومات العالمية.
إن التحديات العلمية واللغوية تضع على عاتق الأمة ومجامعها اللغوية والعلمية مسؤولية الدخول في عصر المعلوماتية مستعينة بعلماء الحاسوب والمتخصصين بأنظمة الذكاء الاصطناعي، معتمدة على بحوث ودراسات في مجال التقنيات اللغوية ودراسات مشتركة بين المجامع اللغوية العلمية العربية والمؤسسات التعليمية وبين علماء الحاسوب. واضعين في المجال أهم القضايا التي نريد معالجتها ومنها:
- التحليل الآلي للغة العربية على المستوى الصرفي والنحوي والدلالي.
- الاستعانة بالحاسوب لتعليم الصرف والتدقيق الإملائي، ومعالجة قضية، الشكل في الكتابة العربية؛ فالشكل جزء أساسي من حيث المعنى ونظام الجملة والإعراب. وإن غياب الشكل من الكتابة العربية، يعني غياب نصف الرموز التي نستعملها في القراءة والكتابة. وقد كان دخول الشكل والنقط التاريخي في مسيرة تطور الكتابة العربية ثورة لغوية. وإذا استطعنا بصورة وبأخرى أن نزيل العقبات بحيث يكون كل ما يكتب باللغة العربية، كل ما ينشر في الكتب والمجلات والصحف والإعلانات والإصدارات مشكولاً.
- دراسة القضايا اللغوية والتقنية التي تطرحها الترجمة الآلية، من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية، ومن اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.
- حوسبة كل ما كتب بالعربية للحصول على مدونة كاملة نستطيع من خلالها إنجاز المعجم التاريخي، الذي سيكون له أثره في مسيرة اللغة العربية، يتناول تاريخ اللغة العربية ومعانيها من خلال أقدم النصوص وحتى الوقت الحاضر وذلك عن طريق البحث الآلي عن الكلمات.
- وضع معجم موحد لألفاظ الحياة العامة العربية.
- وضع معاجم مدرسية موجهة إلى مراحل التعليم المختلفة.
- وضع المعاجم العربية المتخصصة في مختلف العلوم والآداب.
لقد حققت معالجة اللغة العربية إنجازات ملموسة على صعيد اللغة المكتوبة وبدرجة أقل على صعيد اللغة المنطوقة، وقد حققت معالجة اللغة العربية آليًّا نجاحاً تكنولوجيًّا واقتصاديًّا ملحوظاً.
عُرب نظام ويندوز وأمكن تحقيق إنجازات أساسية على مستوى العتاد والبرمجيات، طورت وحدات إدخال وإخراج مع اللغة العربية مثل لوحات المفاتيح والطابعات والشاشات وبرامج لتنسيق الكلمات، وبرنامج لقراءة النصوص العربية آليًّا باستخدام المسح الضوئي للحروف.
وطور معالج آلي قادر على تحليل أي كلمة عربية إلى عناصرها الاشتقاقية والتصريفية وتفكيكها من اللواحق والسوابق وإيجاد جذر الكلمة ... الخ.
وقد مكن ذلك من تحقيق إنجازات مهمة تشمل نظم اكتشاف الأخطاء الهجائية ونظم البحث في النصوص العربية على أساس صرفي. الذي استخدم في أول برنامج للقرآن الكريم، وبناء قواعد البيانات المعجمية التي يلعب فيها الصرف دوراً أساسيًّا، كما يعد المعالج الصرفي الآلي مقوماً أساسيًّا في التعامل مع النصوص العربية على مستوى الجملة.