شمس
06-17-2016, 01:32 PM
التعريف بمصادر أدبية: ابن قتيبة الدينوري وكتابه: «أدب الكاتب» (213/ت276هــ)
إعداد: هاجر الفتوح
تُعدُّ كتب الأدب من المظان التي تجمع من كل فن بطرف، ويتميز مؤلفوها بثقافتهم الواسعة المتنوعة، حيث تتنوع المادة العلمية في كتبهم ممثلة في النحو والبلاغة والأخبار والمحاضرات والأمالي وغيرها من فنون الأدب العامة، وقد كان يعمد مؤلفوها إلى التصنيف في مثل هذا النوع من الكتابة، وذلك لدفع الملل عن القارئ وإثارة نوع من التشويق داخل النص الأدبي.
وفيما يلي سنعرض كتابًا لعالم جليل جمع بين العلم والمعرفة والخُلُق الحَسَن، هو كتاب (أدب الكاتب) لصاحبه أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
فمن هو ابن قتيبة؟
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي النحوي اللغوي صاحب كتاب «المعارف» و«أدب الكاتب» [1]. وقد ولد ببغداد، وقيل بالكوفة، وكانت ولادته في مستهل رجب [2] سنة ثلاث عشرة ومائتين، وأقام بالدينور مدة قاضيًا؛ فنُسِبَ إليها [3].
كنيته:
يقول السمعاني القُتْبِي بضم القاف وفتح التاء المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة بواحدة، هذه النسبة إلى الجد وإلى بطن من باهلة، فأما النسبة إلى الجد هو قتيبة المشهور بهذه النسبة[4]. والدِّينَوَرِي بكسر الدال المهملة وبسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى دِينَوَرَ وهي بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين خرج منها خلق كثير[5].
شيوخه:
حَدَّث عن جِلّة من الشيوخ أبرزهم إسحاق بن راهويه وأبو حاتم السجستاني [6]، ومحمد بن زياد الزيادي وأبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني [7].
تلاميذه:
أقرأ ابن قتيبة كتبه ببغداد إلى حين وفاته، وكان من تلامذته ابنه أبو جعفر أحمد، كان فقيهًا وروى عن أبيه كتبه المصنفة كلها.[8] وعبيد الله بن عبد الرحمن السكري، وإبراهيم بن محمد بن أيوب الصائغ وعبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، وعبيد الله بن أحمد بن بكر التميمي، وأبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي الأديب [9].
مصنفاته:
تصانيفه كلها مفيدة منها: غريب القرآن، وغريب الحديث، وعيون الأخبار، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وطبقات الشعراء، والأشربة، وإصلاح الغلط، وكتاب التقفية، وكتاب الخيل.... [10].
ثناء العلماء عليه:
كان ابن قتيبة عالمًا فذًا لغويًا نحويًا ثقةً، وقد أثنى عليه جلة من العلماء لعلمه الواسع ولمصنفاته القيمة، وأشاد به القفطي حين قال: "ابن قتيبة صاحب التصانيف الحسان في فنون العلوم". [11]. ونجد في البداية والنهاية كلامًا عنه حيث قال: "عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضيها، النحوي اللغوي صاحب المصنفات البديعة المحتوية على علوم جمة نافعة". [12]، كما أنَّ الرجل ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمة وعلوم مهمة. [13].
وفاته:
توفي في ذي القعدة سنة سبعين وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل أول ليلة في رجب، وقيل منتصف رجب سنة ست وسبعين ومائتين، والأخير أصح الأقوال. [14] واتفق أنه أكل هريسة فأصابه حرارة فبقي إلى الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، وما زال يتشهد إلى السحر، فمات رحمه الله. [15].
كتابه: أدب الكاتب
أهمية الكتاب:
يعد كتاب (أدب الكاتب) أحد أركان الأدب العربي الأربعة بعد كتاب البيان والتبيين للجاحظ، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، وفي ذلك يقول ابن خلدون - رحمه الله- في مقدمته: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكتاب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها».[16]
وللكتاب ثلاثة أسماء وردت في دواوين اللغة والأدب والتراجم:
- الأول: أدب الكاتب، وهو الأشهر والأكثر، وقد ذكره القفطي في «إنباه الرواة 2/145»، وذكره السمعاني في «الأنساب 4/452»، وابن خلكان في «وفيات الأعيان 3/42».
- الثاني: أدب الكُتَّاب، وقد ذكره به الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد 11/411»، والبطليوسي في شرحه المسمى «الاقتضاب في المقدمة،ص3»، والأمير أسامة بن منقذ في «البديع في نقد الشعر، 1/162».
- الثالث: ما قاله الأزهري في «تهذيب اللغة 1/27» عند ذكر المصنف في طبقات الذين بنى معجمه عليهم من أئمة اللغة: "وصنف كتابًا في آداب الكَتَبَة".
شروح الكتاب:
لقي أدب الكاتب عناية من العلماء واهتمامًا، فمنهم من شرحه كله، ومنهم من شرح خطبته، ومنهم من شرح أبياته، ومنهم من لخصه [17]، ومن الكتب التي اهتمت به:
كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، ويعتبر من أهم شروح (أدب الكاتب) حيث قسمه صاحبه إلى ثلاثة أجزاء: جزءٍ في شرح خطبة الكتاب، وجزء في التنبيه على أغلاطه، وآخر في شرح أبياته.
- شرح أدب الكاتب لإسحاق بن إبراهيم الفارابي.
- شرح أدب الكاتب لأحمد بن داود الجذامي.
- شرح أدب الكاتب لسليمان بن محمد الزهراوي.
- شرح أدب الكاتب للجواليقي.
- شرح خطبة أدب الكاتب للزجاجي.
- شرح خطبة أدب الكاتب لأبي الكرم المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب.
- شرح خطبة أدب الكاتب لعبد الباقي بن محمد.
فحوى الكتاب:
من المعلوم أن ابن قتيبة أهدى كتابه إلى الوزير أبي الحسن عبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، وكان ذلك سببًا في تقديم ابن قتيبة إلى المتوكل والاستعانة به في بعض الأعمال. [18] وقد افتتح كتابه بخطبة طويلة، وفي هذا الصدد يقول ابن خلكان: "إن أكثر أهل العلم يقولون: إن أدب الكاتب خطبة بلا كتاب، وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن أدب الكاتب قد حوى من كل شيء، وهو مُفْتَنٌّ، وما أظن حملهم على هذا القول إلا أن الخطبة طويلة" [19].
وقد بين المؤلف في خطبته الأسباب التي دفَعته إلى تأليف هذا الكتاب، يقول:
"فإني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ولأهله كارهين، أما الناشىء منهم فراغب عن التعليم، والشادي تارك للازدياد، والمتأدب في عنفوان الشباب ناسٍ أو متناسٍ..." [20].
ثم يسترسل في مقدمته حيث يذكر بعض الأمور التي يجب أن يتشبث بها الكتاب، وفي ذلك يقول: "فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الخط قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتًا في مدح قينة أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئًا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء وحد المنطق..." [21].
وقد قسم المؤلف كتابه إلى أربعة أقسام ممثلةً في كتاب المعرفة، وكتاب تقويم اليد، وكتاب تقويم اللسان، وكتاب معاني أبنية الأفعال؛ وفي كل هذه الكتب يضع أبوابًا خاصة تندرج تحت كل كتاب، ويسهب القول فيها ويفصل. وقد تصدر الكتاب كتاب المعرفة وفيه يوظف المؤلف أبوابًا جمة تتألف من ثلاثة وستين بابًا ، يحاول المؤلف في ذلك تزويد القارئ الذي يطمح إلى أن يكون كاتبًا ثقافة عامة، وضمن هذه الأبواب فقد عنونَ للباب الأول بباب ما يضعه الناس في غير موضعه، وأتى بفائدة في هذا الموضع حيث قال: "من ذلك أشفار العين، يذهب الناس إلى أنها الشَّعر النَّابت على حروف العين، وذلك غلط، إنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر، و الشَّعر هو الهُدب".[22].
ثم ينتقل إلى باب أصول أسماء الناس ويندرج ضمنها المسمون بأسماء النبات، والمسمون بأسماء الطير، وكذلك المسمون بأسماء السباع وغيرها، كما يذكر باب معرفة ما في الخيل وما يستحب من خلقها، وبابًا لعيوب الخيل وخلق الخيل وشيات الخيل، ويذكر بابًا في معرفة ما في خلق الإنسان من عيوب الخلق، ويفصل القول في ذلك، ويأتي بأمثلة لأقوال وشواهد شعرية تغني الموضوع، ثم ينتقل إلى أبواب أخرى من قبيل باب معرفة في الطعام والشراب، ثم باب معرفة الآلات، وباب معرفة الثياب واللباس وغير ذلك.
بعد ذلك نجد كتاب تقويم اليد، ويتضمن سبعة وأربعين بابًا، وقد وضعه المؤلف في علم النحو، صدَّرَه بباب ألف الوصل في الأسماء، ثم باب دخول ألف الاستفهام على ألف الوصل، ثم باب هاء التأنيث وباب الهمز والتثنية، وأغلبها أبواب في الفصل والوصل والاستفهام والتذكير.
ويلي هذا الكتاب كتاب تقويم اللسان، ويتضمن خمسة وثلاثين بابًا، وهو مرتبط بمخارج الحروف ومدى تقاربها، فمثلاً نجد باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها، ثم باب اختلاف الأبنية في الحرف الواحد، وباب الأفعال التي تهمز والعوام تدع همزها، وباب ما يهمز من الأسماء والأفعال والعوام تبدل الهمزة فيه أو تسقطها، ثم باب ما لا يهمز والعوام تهمزه، وباب ما يشدد والعوام تخففه، وباب ما جاء خفيفًا والعامة تشدده، أو ما جاء ساكنًا والعامة تحركه وغيرها.
وختم المؤلف كتابه بكتاب الأبنية، خصصه للصرف وفقه اللغة، وقسَّمه إلى أربعة محاور ممثلة في أبنية الأفعال، وأفرد لذلك بعض الأبواب، مثل باب فَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ باتفاق المعنى، وكذا باختلافهما في التعدي، ثم باب أَفْعَلْتُ الشيء عَرَّضْتُه للفعل. وذكر محورًا آخر وهو معاني أبنية الأفعال، ومثال ذلك باب فَعَّلْتُ ومواضعها، وباب أَفْعَلْتُ ومواضعها، وباب فَاعَلْتُ ومواضعها. ومحورًا ثالثًا تجلى في أبنية الأسماء معنونًا لكل ذلك بباب، مثلاً باب ما جاء من ذوات الثلاثة فيه لغتان، وباب ما جاء على فعلة فيه لغتان، وباب ما جاء على مفعل فيه لغتان، وباب ماجاء على فعلل وفيه لغتان، وباب ما جاء فيه لغتان من حروف مختلفة الأبنية، وباب ما جاء فيه ثلاث لغات من بنات الثلاثة، وباب ما جاء فيه أربع لغات من حروف مختلفة الأبنية، وباب ما جاء في ست لغات، وضمن كل هذه الأبواب يضع تفصيلاً وشرحًا دقيقًا مستوفيًا. وختم هذا المحور بباب معاني أبنية الأسماء.
طبعات الكتاب:
للكتاب طبعات محققة، ومنها:
- أدب الكاتب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، (المكتبة التجارية – مصر، الطبعة الرابعة 1963).
- أدب الكاتب، حققه وعلق على حواشيه ووضع فهارسه محمد الدالي، (طبعة مؤسسة الرسالة).
- أدب الكاتب تحقيق علي محمد زينو، (طبعة مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1429- 2008م).
ـــــــــــــــ
الهوامش:
[1] وفيات الأعيان ج3، ص:42.
[2] إنباه الرواة على أنباء النحاة2/147.
[3] وفيات الأعيان 3 ص: 43.
[4] الأنساب للسمعاني - مجلد10/340
[5]وفيات الأعيان3/44.
[6]بغية الوعاة 2/58.
[7]الأنساب للسمعاني 10/341.
[8]وفيات الأعيان 3/43]
[9]الأنساب 10/341
[10]وفيات الأعيان،ج3، ص: 42.
[11]إنباه الرواة 2/143.
[12]البداية والنهاية 14/.596.
[13]سير أعلام النبلاء 13/300.
[14]وفيات الأعيان 3/43.
[15]بغية الوعاة 2/60.
[16] مقدمة ابن خلدون 2/376-377.
[17]الاقتضاب في شرح أدب الكتاب - ابن السيد البطليوسي 1/13.
[18]مناهج التأليف عند العلماء العرب 1/155.
[19]وفيات الأعيان 3/43.
[20]أدب الكاتب تحقيق محمد الدالي، ص:5
[21]أدب الكاتب ص:6.
[22] أدب الكاتب، ص: 21.
إعداد: هاجر الفتوح
تُعدُّ كتب الأدب من المظان التي تجمع من كل فن بطرف، ويتميز مؤلفوها بثقافتهم الواسعة المتنوعة، حيث تتنوع المادة العلمية في كتبهم ممثلة في النحو والبلاغة والأخبار والمحاضرات والأمالي وغيرها من فنون الأدب العامة، وقد كان يعمد مؤلفوها إلى التصنيف في مثل هذا النوع من الكتابة، وذلك لدفع الملل عن القارئ وإثارة نوع من التشويق داخل النص الأدبي.
وفيما يلي سنعرض كتابًا لعالم جليل جمع بين العلم والمعرفة والخُلُق الحَسَن، هو كتاب (أدب الكاتب) لصاحبه أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
فمن هو ابن قتيبة؟
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي النحوي اللغوي صاحب كتاب «المعارف» و«أدب الكاتب» [1]. وقد ولد ببغداد، وقيل بالكوفة، وكانت ولادته في مستهل رجب [2] سنة ثلاث عشرة ومائتين، وأقام بالدينور مدة قاضيًا؛ فنُسِبَ إليها [3].
كنيته:
يقول السمعاني القُتْبِي بضم القاف وفتح التاء المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة بواحدة، هذه النسبة إلى الجد وإلى بطن من باهلة، فأما النسبة إلى الجد هو قتيبة المشهور بهذه النسبة[4]. والدِّينَوَرِي بكسر الدال المهملة وبسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون والواو وبعدها راء، هذه النسبة إلى دِينَوَرَ وهي بلدة من بلاد الجبل عند قرميسين خرج منها خلق كثير[5].
شيوخه:
حَدَّث عن جِلّة من الشيوخ أبرزهم إسحاق بن راهويه وأبو حاتم السجستاني [6]، ومحمد بن زياد الزيادي وأبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني [7].
تلاميذه:
أقرأ ابن قتيبة كتبه ببغداد إلى حين وفاته، وكان من تلامذته ابنه أبو جعفر أحمد، كان فقيهًا وروى عن أبيه كتبه المصنفة كلها.[8] وعبيد الله بن عبد الرحمن السكري، وإبراهيم بن محمد بن أيوب الصائغ وعبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، وعبيد الله بن أحمد بن بكر التميمي، وأبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي الأديب [9].
مصنفاته:
تصانيفه كلها مفيدة منها: غريب القرآن، وغريب الحديث، وعيون الأخبار، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وطبقات الشعراء، والأشربة، وإصلاح الغلط، وكتاب التقفية، وكتاب الخيل.... [10].
ثناء العلماء عليه:
كان ابن قتيبة عالمًا فذًا لغويًا نحويًا ثقةً، وقد أثنى عليه جلة من العلماء لعلمه الواسع ولمصنفاته القيمة، وأشاد به القفطي حين قال: "ابن قتيبة صاحب التصانيف الحسان في فنون العلوم". [11]. ونجد في البداية والنهاية كلامًا عنه حيث قال: "عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضيها، النحوي اللغوي صاحب المصنفات البديعة المحتوية على علوم جمة نافعة". [12]، كما أنَّ الرجل ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمة وعلوم مهمة. [13].
وفاته:
توفي في ذي القعدة سنة سبعين وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل أول ليلة في رجب، وقيل منتصف رجب سنة ست وسبعين ومائتين، والأخير أصح الأقوال. [14] واتفق أنه أكل هريسة فأصابه حرارة فبقي إلى الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، وما زال يتشهد إلى السحر، فمات رحمه الله. [15].
كتابه: أدب الكاتب
أهمية الكتاب:
يعد كتاب (أدب الكاتب) أحد أركان الأدب العربي الأربعة بعد كتاب البيان والتبيين للجاحظ، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، وفي ذلك يقول ابن خلدون - رحمه الله- في مقدمته: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكتاب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها».[16]
وللكتاب ثلاثة أسماء وردت في دواوين اللغة والأدب والتراجم:
- الأول: أدب الكاتب، وهو الأشهر والأكثر، وقد ذكره القفطي في «إنباه الرواة 2/145»، وذكره السمعاني في «الأنساب 4/452»، وابن خلكان في «وفيات الأعيان 3/42».
- الثاني: أدب الكُتَّاب، وقد ذكره به الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد 11/411»، والبطليوسي في شرحه المسمى «الاقتضاب في المقدمة،ص3»، والأمير أسامة بن منقذ في «البديع في نقد الشعر، 1/162».
- الثالث: ما قاله الأزهري في «تهذيب اللغة 1/27» عند ذكر المصنف في طبقات الذين بنى معجمه عليهم من أئمة اللغة: "وصنف كتابًا في آداب الكَتَبَة".
شروح الكتاب:
لقي أدب الكاتب عناية من العلماء واهتمامًا، فمنهم من شرحه كله، ومنهم من شرح خطبته، ومنهم من شرح أبياته، ومنهم من لخصه [17]، ومن الكتب التي اهتمت به:
كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، ويعتبر من أهم شروح (أدب الكاتب) حيث قسمه صاحبه إلى ثلاثة أجزاء: جزءٍ في شرح خطبة الكتاب، وجزء في التنبيه على أغلاطه، وآخر في شرح أبياته.
- شرح أدب الكاتب لإسحاق بن إبراهيم الفارابي.
- شرح أدب الكاتب لأحمد بن داود الجذامي.
- شرح أدب الكاتب لسليمان بن محمد الزهراوي.
- شرح أدب الكاتب للجواليقي.
- شرح خطبة أدب الكاتب للزجاجي.
- شرح خطبة أدب الكاتب لأبي الكرم المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب.
- شرح خطبة أدب الكاتب لعبد الباقي بن محمد.
فحوى الكتاب:
من المعلوم أن ابن قتيبة أهدى كتابه إلى الوزير أبي الحسن عبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، وكان ذلك سببًا في تقديم ابن قتيبة إلى المتوكل والاستعانة به في بعض الأعمال. [18] وقد افتتح كتابه بخطبة طويلة، وفي هذا الصدد يقول ابن خلكان: "إن أكثر أهل العلم يقولون: إن أدب الكاتب خطبة بلا كتاب، وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن أدب الكاتب قد حوى من كل شيء، وهو مُفْتَنٌّ، وما أظن حملهم على هذا القول إلا أن الخطبة طويلة" [19].
وقد بين المؤلف في خطبته الأسباب التي دفَعته إلى تأليف هذا الكتاب، يقول:
"فإني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ولأهله كارهين، أما الناشىء منهم فراغب عن التعليم، والشادي تارك للازدياد، والمتأدب في عنفوان الشباب ناسٍ أو متناسٍ..." [20].
ثم يسترسل في مقدمته حيث يذكر بعض الأمور التي يجب أن يتشبث بها الكتاب، وفي ذلك يقول: "فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الخط قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتًا في مدح قينة أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئًا من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء وحد المنطق..." [21].
وقد قسم المؤلف كتابه إلى أربعة أقسام ممثلةً في كتاب المعرفة، وكتاب تقويم اليد، وكتاب تقويم اللسان، وكتاب معاني أبنية الأفعال؛ وفي كل هذه الكتب يضع أبوابًا خاصة تندرج تحت كل كتاب، ويسهب القول فيها ويفصل. وقد تصدر الكتاب كتاب المعرفة وفيه يوظف المؤلف أبوابًا جمة تتألف من ثلاثة وستين بابًا ، يحاول المؤلف في ذلك تزويد القارئ الذي يطمح إلى أن يكون كاتبًا ثقافة عامة، وضمن هذه الأبواب فقد عنونَ للباب الأول بباب ما يضعه الناس في غير موضعه، وأتى بفائدة في هذا الموضع حيث قال: "من ذلك أشفار العين، يذهب الناس إلى أنها الشَّعر النَّابت على حروف العين، وذلك غلط، إنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر، و الشَّعر هو الهُدب".[22].
ثم ينتقل إلى باب أصول أسماء الناس ويندرج ضمنها المسمون بأسماء النبات، والمسمون بأسماء الطير، وكذلك المسمون بأسماء السباع وغيرها، كما يذكر باب معرفة ما في الخيل وما يستحب من خلقها، وبابًا لعيوب الخيل وخلق الخيل وشيات الخيل، ويذكر بابًا في معرفة ما في خلق الإنسان من عيوب الخلق، ويفصل القول في ذلك، ويأتي بأمثلة لأقوال وشواهد شعرية تغني الموضوع، ثم ينتقل إلى أبواب أخرى من قبيل باب معرفة في الطعام والشراب، ثم باب معرفة الآلات، وباب معرفة الثياب واللباس وغير ذلك.
بعد ذلك نجد كتاب تقويم اليد، ويتضمن سبعة وأربعين بابًا، وقد وضعه المؤلف في علم النحو، صدَّرَه بباب ألف الوصل في الأسماء، ثم باب دخول ألف الاستفهام على ألف الوصل، ثم باب هاء التأنيث وباب الهمز والتثنية، وأغلبها أبواب في الفصل والوصل والاستفهام والتذكير.
ويلي هذا الكتاب كتاب تقويم اللسان، ويتضمن خمسة وثلاثين بابًا، وهو مرتبط بمخارج الحروف ومدى تقاربها، فمثلاً نجد باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها، ثم باب اختلاف الأبنية في الحرف الواحد، وباب الأفعال التي تهمز والعوام تدع همزها، وباب ما يهمز من الأسماء والأفعال والعوام تبدل الهمزة فيه أو تسقطها، ثم باب ما لا يهمز والعوام تهمزه، وباب ما يشدد والعوام تخففه، وباب ما جاء خفيفًا والعامة تشدده، أو ما جاء ساكنًا والعامة تحركه وغيرها.
وختم المؤلف كتابه بكتاب الأبنية، خصصه للصرف وفقه اللغة، وقسَّمه إلى أربعة محاور ممثلة في أبنية الأفعال، وأفرد لذلك بعض الأبواب، مثل باب فَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ باتفاق المعنى، وكذا باختلافهما في التعدي، ثم باب أَفْعَلْتُ الشيء عَرَّضْتُه للفعل. وذكر محورًا آخر وهو معاني أبنية الأفعال، ومثال ذلك باب فَعَّلْتُ ومواضعها، وباب أَفْعَلْتُ ومواضعها، وباب فَاعَلْتُ ومواضعها. ومحورًا ثالثًا تجلى في أبنية الأسماء معنونًا لكل ذلك بباب، مثلاً باب ما جاء من ذوات الثلاثة فيه لغتان، وباب ما جاء على فعلة فيه لغتان، وباب ما جاء على مفعل فيه لغتان، وباب ماجاء على فعلل وفيه لغتان، وباب ما جاء فيه لغتان من حروف مختلفة الأبنية، وباب ما جاء فيه ثلاث لغات من بنات الثلاثة، وباب ما جاء فيه أربع لغات من حروف مختلفة الأبنية، وباب ما جاء في ست لغات، وضمن كل هذه الأبواب يضع تفصيلاً وشرحًا دقيقًا مستوفيًا. وختم هذا المحور بباب معاني أبنية الأسماء.
طبعات الكتاب:
للكتاب طبعات محققة، ومنها:
- أدب الكاتب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، (المكتبة التجارية – مصر، الطبعة الرابعة 1963).
- أدب الكاتب، حققه وعلق على حواشيه ووضع فهارسه محمد الدالي، (طبعة مؤسسة الرسالة).
- أدب الكاتب تحقيق علي محمد زينو، (طبعة مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1429- 2008م).
ـــــــــــــــ
الهوامش:
[1] وفيات الأعيان ج3، ص:42.
[2] إنباه الرواة على أنباء النحاة2/147.
[3] وفيات الأعيان 3 ص: 43.
[4] الأنساب للسمعاني - مجلد10/340
[5]وفيات الأعيان3/44.
[6]بغية الوعاة 2/58.
[7]الأنساب للسمعاني 10/341.
[8]وفيات الأعيان 3/43]
[9]الأنساب 10/341
[10]وفيات الأعيان،ج3، ص: 42.
[11]إنباه الرواة 2/143.
[12]البداية والنهاية 14/.596.
[13]سير أعلام النبلاء 13/300.
[14]وفيات الأعيان 3/43.
[15]بغية الوعاة 2/60.
[16] مقدمة ابن خلدون 2/376-377.
[17]الاقتضاب في شرح أدب الكتاب - ابن السيد البطليوسي 1/13.
[18]مناهج التأليف عند العلماء العرب 1/155.
[19]وفيات الأعيان 3/43.
[20]أدب الكاتب تحقيق محمد الدالي، ص:5
[21]أدب الكاتب ص:6.
[22] أدب الكاتب، ص: 21.