المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عالم ورأي (35) - أ.د. حسن الشافعي، ورأيه في التوثيق في كتابة البحوث العلمية


إدارة المجمع
08-03-2016, 10:45 AM
سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQmqeQ55rV49i9M3MYTtCz6zJyh3ooj7 PVDFSkrjyZ52lLbuoSqgQ


الحلقة الخامسة والثلاثون : الدكتور حسن الشافعي-رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ورأيه في التوثيق في كتابة البحوث العلمية:

تتسم الكتابة العلمية – وخاصة في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية – بطابع التوثيق: ويعني به ألا يقرر الباحث حكمًا أو يسجل ملاحظة دون دليل أو برهان، وألا ينسب إلى أحد المفكرين أو إحدى الفرق أو أي جهة أخرى قولاً أو رأيًا إلا إذا استدل عليه من أقوال أصحابه بحسب المصادر المقبولة لديهم. وهذا التوثيق في الدراسات الإنسانية يقابل التعليل العلمي المستند إلى الملاحظة والتجربة، والإجراءات المعملية، الذي تنبثق منه النتائج، وتحقق به الفروض العظيمة في الدراسات المادية التجريبية.
وكما أن من حق المجتمع العلمي الذي يتلقى نتائج هذه الدراسات التجريبية الأخيرة – بل من واجبه في بعض الأحيان – أن يعيد التجارب التي زعم الباحثون الأُوَّلُ أنهم أقاموها واستخلصوا فيها ما قدموه من نتائج، وما أثبتوا صحته من الفروض، بحيث صار من معالم المنهج العلمي: "إمكانية التكرار، وإعادة الاستيثاق"، وتقرر أن تخلف النتائج عن التجارب المعملية المؤدية إليها – ولو في حالة واحدة – يبطل صحة الفروض، ويهدم كافة النتائج التي أُعلنت وإن شهدت لها أكثر من تجربة "إيجابية" مواتية– فكذلك لابد أن يُتاح للمجتمع العلمي في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، رغم طابعها النظري– أن تكون لديهم آلية يستطيعون عن طريقها إعادة الاستيثاق، والاطمئنان إلى سلامة الأسس التي بنى عليها الباحث السابق– فردًا كان أو فريقًا علميًّا – ملاحظاته وأحكامه، وهذا هو ما يتيحه ويضمنه مبدأ "التوثيق".
ومبدأ التوثيق لا يتطلب الإحالة إلى أية مرجعية يراها الباحث متاحة له: فهناك مناقشات منهجية حول مشروعية الاستناد إلى الصحافة غير العلمية إلا بشروط معينة وفي مجالات خاصة، بل هناك مناقشات حول وسائل الاتصال الجديدة، وإمكان الاعتماد عليها أو بعض منها، كما أن مجرد صدور كتاب ما أو بحث مطبوع ما في مجال معين ليس مبررًا كافيًا للباحث الأكاديمي أن يعتمده مرجعًا، بل لها من الاطمئنان إلى الطابع العلمي له، ومستوى الخطاب الموجَّه فيه، فهناك فرق بين الكتابة للجماهير والكتابة للوسط العلمي.
وبعض الباحثين المبتدئين يظنون أن إثقال الهوامش في كل إحالة بعديد من المراجع سمة توثيقية مقنعة وليس هذا صحيحًا دائمًا، فمرجع واحد حاسم في المسألة المثارة خير من الكثير الهامشي غير الحاسم، كما أن العبرة ليست بالكثرة بل بحسن اختيار المرجع طبقًا للأسس السابقة، وكمية مناسبة من المادة العلمية، يطمئن الباحث منهجيًّا إلى وثاقتها، ويهيمن منطقيًّا على أطرافها، فلا تتشتت به أو تعوقه وتربكه، خير من طوفان من النقول "والمادة الخام" التي لا يحكمها الباحث بل تتحكم هي فيه، وتندّ على وعيه وسيطرته المنطقية. وفي هذا الباب تتفاوت القدرات البحثية؛ فالخبر أو الملاحظ "مادة خام" كما ذكرنا، ولكن التفاتات الوعي الناضج واللَّمَاحِيّة المنطقية لدى بحث قد تستخرج منها دررًا مكنونة من الأفكار والنتائج، وقد لا يفطن لها باحث آخر.

المصدر: المدخل إلى مناهج البحث وكتابة البحوث وتحقيق المخطوطات، د. حسن الشافعي، ص 82- 84.
إعداد: مصطفى يوسف