عبد الله أبو زبيدة
04-08-2013, 05:35 AM
التنقيط ,
ولا أقصد هنا تنقيط المصحف الكريم . لقد كان التنقيط موجودا ومعروفا قبل نزول الوحي , وكان معروفا عند النبي صلى الله عليه وسلم , وكان يطلق عليه عند العرب لفظ الترقيش واختص بالاعجام فقط دون الحركات , لا أتذكر الحديث النبوي الذي يأمر فيه معاوية ابن أبي سفيان بترقيش كتابة القرآن الكريم .
يضاف الى الترقيش قضية الالف فالعرب لم تعرف كتابة الصوت اللغوي الهمزة , وكانت تسجله ألفا في كل الاحوال وقد استمر هذا التقليد الى زمن ابن جني وله في ذلك قول واضح , وأعتقد أن لمكة والحجاز تأثير قوي في هذا الموضوع , فأهل هذه المنطقة أي الحجاز والقبائل القريبة منها كانوا يميلون الى تيسير نطق الهمزة و تليينها فتصبح عندهم ألفا على الخصوص , وأعتقد أن هذا واحد من مظاهر الترتيل , كما أعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمح بهذا التليين أو التسهيل وبعدد اخر من الظواهر الصوتية اللهجية عند ترتيل القرآن كلما لجأ اليه العرب القادمين من قببائل اخرى و طلبوه بذلك التساهل .
وهذا معناه دخول الظواهر اللهجية في قراءة القرآن الكريم , كما أن هذا التساهل وهذا التسامح أخذ شكلا شرعيا عن طريق الوحي وهو ما أطلق عليه الرسول ( صلعم ) نفسه الحروف السبعة . ان هذه العملية التي جاءت مرتبطة بعملية أخرى هي ترتيل القرآن الكريم هو ما أسس لظهور القراءات القرآنية , بعبارة أخرى ان علم التجويد الذى قال عنه العلماء انه استوى في القرن الرابع الهجري قطع مراحل ثلاثة منذ بداية نزول الوحي :
1- مرحلة الترتيل وهي مرحلة نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وقد استمرت هذه المرحلة طيلة مرحلة نزول القرأن االى مرحلة ظهور القراءات .
2- مرحلة القراءات , بدأت بالقراءات السبع ثم العشر لتصل الى أكثر من خمس وعشرين قراة , ناهيك عن القرأءات الشادة )
3- مرحلة التجويد . ويعتقد أكثر العلماء ان علم التجويد نضج واستقر مع القرن الرابع الهجري .
ان نظر المسلمين الى القرآن الكريم باعتباره كلام الله تعالى المنزل على نبيه , تحمل وجهين اثنين .
الوجه الاول هو الاعجاز القرآني لانه كلام الله تعالى , ولا يمكننا انكار ذلك الاعجاز الذي طال -من خلال القواعد المرسومة- الاصوات كما الصرف والنحو والبلاغة والدلالة والتشريع الخ .
والوجه الثاني هو العربية الفصحى , فهل لغة القرآن هي لغة عربية فصحى ام هي لغة جمعت بين الفصحى والظواهر اللهجية العربية في زمن التنزيل وبعده ؟ أي كيف نزلت لغة القران الكريم أول الامر ؟ وهل حافظت على طبيعتها عند االتنزيل فيما بعد ؟
ان هذا الاعجاز لم يصل الى حد ان نصفه باوصاف غيبية او نضع له قواعد قائمة على التأويل الخاطئ او التصور الافتراضي , نحن نميز هنا بين الظاهرة اللغوية سواء من داخل القران الكريم او من داخل الحديث النبوي الشريف او شعر العرب وخطابتهم وحكمهم وأمثالهم ولغة لهجاتهم التي يطلق عليها احيانا مصطلح ( لغة العرب ) وأحيانا أخرى مصطلح ( اللهجات ) وبين القواعد العلمية وغير العلمية التي وصفت تلك اللغة وتلك اللهجات , أصالة ضاعت الفصحى وأصبحنا امام قواعد لا تعد ولا تحصى رغم كثرة المنظومات التي يظهر ان عددها محدود أمام عدد القواعد , قواعد في أغلبها تصف وصفا غير علمي وفي بعض الاحيان وصفا علميا ظواهر اللغة العربية , لقد جاء كلام الله ليتبث انه ذو مصدر الاهي وليس ذا مصدر بشري, وكان ذلك على المستوى الشفوي ولم يكن على المستوى الخطي , لان العرب أصلا لم يهتموا بالخط الا في حدود الممالك والدول التي نشأت على اطراف الجزيرة العربية ولم تمتد سلطتها داخل الجزيرة مثل الاكادية والنبطية والحميرية وغيرها كثير ... اذ ان اهتمام هذه المماليك بالكتابة جاء عن طريق حاجة المؤسسة الحاكمة الى التدوين والتسجيل , وهو ما حدث مثلا مع الخط النبطي الذي اخذه اصحابه من قواعد الكتابة السريانية, ثم انتشر ذلك مع ظهور اول دولة اسلامية , لذلك لم يكن غريبا ان يأمر النبي ( صلعم ) بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة بعد مدة زمنية طويلة تصل الى الالاف السنين لم يهتم فيها العربي بكتابة لغته , خصوصا مع عملية التصحر التي أصابت الجزيرة , وهي عملية بدأت على اقل تقدير ب4500 سنة مضت , لم يكن على العربي المتنقل ان يحمل مكتبته على الجمال كما يحمل متاعه وخيامه , كلما اراد الوصول الى مصدر الماء والكلأ , بل كان يحمل ثقافته ومعرفته في ذهنه بشكل شفوي , وهو ما عبر عنه الجاحظ بمضمون قوله ( ان ما وصلنا من الشعر العربي والثقافة العربية لم يتجاوز 250 سنة وانه لو وصلنا علم العرب كاملا لوصلنا علم غزير ) ,
من دون شك أن كلام الله تعالى المنزل على نبيه لم ينزل خطا أو مكتوبا , لان اللغة العربية نفسها لم تكن ناضجة بعد على المستوى الخطي , فلم يكن مثلا للهمزة وجود خطي وكذلك الحركات ( الضمة والكسرة والفتحة والسكون ) والشدة لم يكن لها وجود في الكتابة , لكن هذا لا يعني انها لم تكن موجودة على المستوى الصوتي الشفاهي , فالكتب والمصادر تحدثنا عن استكراه العربي المكي والحجازي لنطق الهمزة وانه يميل دائما للتسهيل , في حين عرفت قبائل عربية أخرى صوت الهمزة بل كانت تعمد الى نبرها , وحادثة النبي محمد ( صلعم ) مع احد الاعراب الذي نبر لقب النبي ( نبي = نبئ ) معروفة عند العلماء ,
ضمن مرحلة التأسيس والتدوين الاولى وهي مرحلة عرفت نزول الوحي في مدة زمنية طويلة ثم جاءت مرحلة الخلافة وتوسيع الرقعة الاسلامية, في هذه المرحلة بالذات تأسس الخط العربي الذي نعرفه الان , ونشأت بعد ذلك علوم اللغة العربية كعلم الاصوات وعلم الصرف وعلم النحو وغيرها كعلوم مساعدة لفهم القرآن الكريم أي كلام الله , وعليه تأسس الصراع والخلاف بين النحاة والقراء , ومنه نشأت المذاهب والمذاهب الفقهية والكلامية ونشأت علوم اسلامية , علم القراءات , علم الفقه والتفسير وتطور الخط العربي واصبح قائما بذاته داخل منظومة كلامية ذات قواعد تتميز بالاختلاف اكثر ما تتميز بالانسجام والضبط العلمي . ندعو من خلال كل ذلك الى الفصل مؤقتا او اجرائيا او منهجيا بين لغة القرآن واللغة العربية علميا , بمعنى اخر ان القواعد التي وضعت تكلفا ولا علاقة لها بالحقيقة العلمية وجب تركها لاهلها مثل علماء القراءات وعلماء التفسير وغيره كثير , وتأسيس قواعد علمية صحيحة , وهذا ينصب على كل الفروع العلمية أصوات , صرف , نحو الخ , حان الوقت للعالم اللغوي ان يطلع اولا على البرديات الاولى التى كتبت باللغة العربية في المراحل الاولى من ظهور الاسلام , تلك البرديات التي لم يتم تحقيقها الى حد الزمن الذي نكتب فيه هذه السطور , حان الوقت لتأسيس نظام صوتي علمي يناسب الزمن الذي نعيشه , نظام لا يقوم على التأويل او التصور الافتراضي او التوهم وهذا أم ممكن علميا . نحن نتساءل هل قدم العلماء العرب في القديم نظاما صوتيا للغة العربية أم قدموا نظاما صوتيا للقراءات القرآنية واللهجات ؟ من الواضح ان القواعد التي أسسها القدماء كانت قائمة على وصف ظواهر صوتية قادمة من اللهجات ولا علاقة لها بالعربية الفصحى , تلك اللهجات التي وصفت في مرحلة تاريخية بانها المصدر الاساسي للغة العربية والتي رحل من اجلها الراوي اربعين سنة متجولا بين القبائل , فهل الامالة بين الالف والواو في لفظ ( حيواة ) مع وضع الالف فوق الواو من العربية الفصحى في شئ ؟ وهل هناك وجود لصوت عربي اسمه الصوت الساذج ؟ فهل هذا من العربية في شيء ؟ وهل لهذا الصوت وجود أصلا ؟ وهل هناك في أصوات اللغة العربية مقطع محقق ومقطع مقدر ؟ أليس هذا بالضبط ما يسجلونه في علم النحو وعلم الاعراب ( الاعراب بالتقدير ) ؟ ألم يدخل مصطلح الحديث ( العلة والمعلول ) فضاء علم النحو وعلم الاصوات وعلم الصرف , قادما من علم الحديث ؟ وهل هناك حرف معلول او حرف علة في اللغة العربية أصلا ؟ ام ان تلك الاصوات الموصوفة بالعلة مثلها مثل باقي الاصوات الموصوفة بالصحيحة او السليمة؟ أيفهم هؤلاء الذين وضعوا مصطلح ( المقطع المقدر ) ما معنى التقطيع الصوتي علميا ؟ هل هناك وجود لصوت الالف الجوفية ؟ أم ان هؤلاء يتوهمون مثل انسان القرون الوسطى في اوروبا الذي كان يعتقد ان اصوات لغته تخرج من صدره والبعض الاخر كان يعتقد انها تخرج من رأسه ويتكفل باخراجها بها شيطان ؟ ألا يعلم علماؤنا في القراءات او التجويد أن ( يومئذ ) بكسر الميم ليس الا لهجة عربية ويمكن لتلك اللهجة ان تتغير بين ليلة وضحى ؟ الا يعلم علماؤنا الاجلاء أن قواعد الاصوات ليست هي قواعد النحو وقواعد الاعراب ليست هي قواعد الصرف ؟ فلماذا الجمع بينهما ؟ وهل يعلمون الحيز الذي يتم فيه تقطيع الصوت اللغوي يختلف عن الحيز الذي يتم فيه تقطيع الحركة ؟ وهل يعلمون ان الحركة ليست صوتا ؟ هل قدم سيبويه او غيره نظاما لغويا صوتيا او صرفيا الخ ؟ ام قدم نظاما صوتيا يناسب القراءات وينطلق من قواعدها ؟ ألم يكن الخليل يعلم ان ليس هناك وجود او تحقق لأي صوت عربي أطلق عليه هو نفسه مصطلح الالف الجوفية ؟ مثلا . ثم ما دور مفهوم العدل والعدول في تأسيس قواعد العربية ؟ كثرت الاسئلة كما اني لن انتهي من ذلك فهي لا حد لها حسب علمي .
وهنا انبه الى أن اغلب الظواهر الموصوفة ومنها ما وصف بالشاذ , لا علاقة له بالعربية الفصحى , والقواعد الواصفة لهذه الظواهر تناسب الموضوع الموصوف والزمن بل تنطق بمصطلحات ذلك الزمن وهذا ليس عيبا , لكنها غير صحيحة وغير صالحة علميا في الزمن الحاضر . فهل الحركات في العربية ثمان حركات اربعة منها للاعراب واربعة للبناء ؟ هل هذا كما جاء عند سيبويه صحيح علميا ؟ ان القواعد التي وضعت لظواهر اللغة العربية ليست كلها علمية , صحيح ان مصطلحاتها تناسب الاهداف وأن تلك الاهداف كانت تدور كلها حول النص القرآني ولغته أي حول كلام الله تعالى , واللهجات العربية , الا اننا نعيد ونكرر ان الظاهرة الصرفية او الصوتية والنحوية والبلاغية موضوع مستقل بذاته ووضع قواعد علمية لتلك الظواهر موضوع اخر مختلف جدا , منهجيا واجرائيا لم يكن العلماء القدماء يمارسون عملهم اللغوي مميزين بين الحقول العلمية ( علم اصوات وعلم خط وعلم صرف وعلم نحو وعلم بلاغة , كان كل ذلك يتم في عملية واحدة يشرح ويفسر ويضع العالم اللغوي القاعدة النحوية بناء على عوامل صوتية او صرفية أو يضع القاعدة الصوتية بناء على التقدير والهفوات والاخطاء كثيرة وواضحة في هذا الارث اللغوي الضخم .
وليس امام العلماء اليوم من حل سوى اعادة قراءة الانظمة اللغوية العربية من جديد وقراءة قواعدها , وبناءها بناء جديدا ضمن انظمة علمية جديدة ( النظام الصوتي , النظام الخطي والنظام الصرفي والنظام النحوي الخ ) , ولدي تفاؤل كبير بان هذا سيحدث في السنوات القادمة ان شاء الله , وسيأتي ذلك من خلال اجتهادات أفراد وليس من خلال اجتهادات مؤسسات او حكومات عربية , فالمجمعات العربية لا تنسق بينها ولا تتبني المشاريع الضخمة وكذا الجامعات والكليات , ومؤسسات القطاع الخاص , نسمع كثيرا بالمؤتمرات الخاصة باللغة العربية واللسانيات العربية, وتصرف الاموال الكثيرة في ذلك اي في التنظيم والسكن والاستهلاك والسفر والمتابعات والنشر والطبع , يعود كل واحد متعب الى بيته , وننظر الى الحصيلة والمنتوج فنجدها ضعيفة هزيلة , رغم ان النيات سليمة والاهداف شريفة لكن العربية لا زالت على حالها داخل دار لقمان , بدل كل ذلك هل نادت اي مؤسسة عربية جامعة او كلية او مجمع عربي او قسم للتعريب وغير ذلك على مجموعة من العلماء العرب في اللسانيات او اللغويات من دول عربية متعددة وخلقت مجموعة علمية منسجمة , وطلبت منهم البحث بشكل جماعي في فترة زمنية محدودة في النظام الصوتي العربي القديم ثم بعد ذلك بناء نظام صوتي عربي حديث يناسب الزمن ويقصي التأويل والتوهمات والتصورات الافتراضية من قواعده ؟؟؟ , أي تقديم نظام صوتي عربي علمي واضح وصحيح للجهات المسؤولة التي تبنت المشروع ووفرت لهم شروط البحث العلمي واسبابه المادية , ألا تستحق هذه اللغة مجموعة من الدكاترة المتمكنين ومن علماء اصوات اللغة العربية ممن يغتربون عن اسرهم و عن بلدهم لمدة سنة فقط من اجل انجاز هذا المشروع الاساسي والحيوي , الا تستحق هذه اللغة هبات وعطيات من اغنياء العرب وخصوصا الدول النفطية وهم موطن واصل هذه اللغة , ام أننا سندور في فلك المؤتمرات وفي فلك ودوائر الكتاب لسبويه وتخريجاته وفي فلك القراءات التي جاءت قبله و بعده ؟؟؟ ألا يمكن للعقل العربي انتاج بديل لنظرية سيبويه القائمة على التأويل أم ان العقل الفارسي قمة العقول الانسانية وانتهى الموضوع ؟؟
أيعلم علماؤنا في اللسانيات واللغويات المقارنة ان ما يسمى باللغات الحديثة مثل الانجليزية والفرنسية والاسبانية وغيرها كثير ليست الا لهجات تفرعت واخذت من امهاتها الاغريقية واللاتينية والجرمانية القديمة اي ما يسمى بدوره لهجات او لغات هند اوروبية , فاقامت لنفسها انظمة صوتيةواخرى نحوية وثالثة صرفية الخ , ؟؟؟ هل يعقل ان تأخذ العربية الفصحى الاصيلة قواعدها الصوتية و و و من لهجات غربية هجينة أنا متأكد من أن علماء اللغة العرب المحدثين يعتقدون ان الدراسات والبحوث العلمية والنظريات اللسانية الغربية قامت على لغات فصحى , والحقيقة ان هذا التصور خاطئ تماما فهي كلها قامت على لهجات واللهجات كلام متغير ولا يمكن ان يقدم لك قواعد علمية تابثة , فما قدمه مثلا اندريه مارتيني لا يعدو ان يكون قواعد صوتية تصف اللهجات الفرنسية في جنوب وغرب فرنسا او في لهجات فرنسية في مستعمرات فرنسا في امريكا اللاتينية , هل سنعتمد على نتائج مثل هذه البحوث في الغرب ( انظر كتاب دينامية اللغات لمارتيني وانظر بالضبط النماذج اللهجية الفرنسية التي كانت موضوع الممارسة والتطبيق )
صحيح ان الابداع العلمي حدث واطلق عليه مصطلح اللسانيات , لكن ما حققه هذا الابداع على المستوى العلمي الصحيح كان ضئيلا من مثل مفاهيم بعض المصطلحات اللسانية العلمية كالتمفصل المزذوج ومفهوم التراتبية واللسان والكلام وقضية المنهج عند سوسور وغيرها قليل , فان ما تبقى هو اما خاطئ علميا او موجود على علاته في التراث العربي القديم . فهل يجوز للعالم اللساني العربي ان ينقل من الغرب نظريات لسانية قامت وتأسست على لهجات , و هل يجوز له تطبيقها على أفصح اللغات اي العربية ؟ ثم ما هو سر الاهتمام باللهجات العربية اليوم ؟ هل لهذه اللهجات العربية اليوم سواء في داخل الجزيرة العربية او خارجها اي علاقة باللغة العربية الفصحى او حتى باللهجات العربية زمن التدوين والجمع ؟ من دون شك أننا اذا استثنينا المعجم العربي الموجود في اللهجات الحديثة فانك لن تجد اي شئ تعتمد عليه ويفيد العربية الفصحى او حتى لغة القران الكريم او القراءات او التجويد , في القديم كانت اللهجات تدخل عمليات الترتيل والتجويد والقراءات بترخيص وبنص نبوي شريف, سمي ذلك الدخول أنذاك ( الحروف السبعة ), اما اليوم فمن رخص لهؤلاء العلماء بدراسة اللهجات العربية الحديثة وما الفائدة التي سنجنيها او ستجنيها الدراسات العلمية الحديثة بصفة عامة من تلك البحوث اللهجية .
ما اطلعت عليه يقول ان الدكتور تمام حسان وابراهيم انيس اي ان المصريين بصفة عامة ممن درسوا او لم يدرسوا في الجامعات الغربية هم او من اهتم باللهجات العربية الحديثة , قبل ذلك كان الاستعمار ممثلا في مؤسساته وعلماء اللغة عنده والمستشرقين يهتم باللهجات العربية والهندية و غيرها وكان الهدف واضحا تواصل وتجارة واستغلال لخيرات البلاد المستعمرة , وتقسيم وتشتيث للبلاد المستعمرة على اساس عرقي لغوي او لهجي الخ, وهو ما نراه اليوم سائدا في العالم العربي لحد الان , وقد كادت الدعوة الى استعمال اللهجات تنجح في لبنان وغيره مع مطلع القرن العشرين وبداية التحرر من الاستعمار , ان أكبر خطر على اللغة العربية هو اللهجات العربية نفسها وليس اللغات ولا النظريات اللسانية الغربية , هذه اللغة بقيت صامدة لقرون عدة أمام اللهجات التي خرجت من بطن العربية سواء تلك التي انفصلت قديما كالاكادية والبابلية والسريانية والفينيقية او تلك التي عاشت واستمرت داخل الجزيرة العربية والتي اصبحت مصدرا من مصادر اللغة العربية اثناء زمن الجمع والتدوين . نحن نتساءل الان وفي الزمن الحديث ما الفائدة التي قدمها لنا الدكتور تمام رحمه الله بتنقله الى اليمن وبدراسته لاحدى اللهجات اليمنية التي سيطويها الزمن كما طوى غيرها ؟ وهل كان من الضروري ان يتبع علماء اللغة المحدثين اساتذتهم في الغرب في الاهتمام باللهجات العربية , وما الفائدة من كل ذلك ؟ كم هو عدد البحوث والدراسات العلمية على مستوى اطروحات الدكتوراه والماستر في العالم العربي كان موضوعها اللهجات ؟ ومن يقل لي ماذا استفدنا من تلك الاطروحات وماذا اضافت للغة العربية ولنظامها ؟ في الزمن الحديث ؟
اخيرا ان عملية التنقيط غير مهمة في حد ذاتها وانما اهميتها تكمن في وجودها داخل النظام الخطي الذي هو من دون شك وليد النظام الصوتي , ولا يمكن الوقوف على النظام الخطي الا من خلال الكشف عن النظام الصوتي العربي القديم و وايضا من خلال الفونولوجيا العربية وبالضبط فونولوجيا الكتابة والخط العربي
, انذاك يصبح الوصول الى حل قضايا مثل هل هي ثاء مثلة الاعجام او غيرها امرا هينا وبسيطا .
هل يسير هذا المجمع على خطى المجمع العربي المصري وهل ستتكرر التجربة ؟ وهل ستحتفظ مجلة هذا المجمع باخطاء مثلما احتفظت مجلة المجمع المصري باخطاء علمية لا زالت قائمة لحد الان شاهد داخل تلك المجلة وتاريخها ؟؟ هل يعيد التاريخ نفسه ؟؟ . أليس من باب اولى الحفر في مجلات المجمعات العربية عن الهفوات التي وقعت فيها لازيد من سبعين سنة والاستفادة منها ؟ . أم نحن خائفون من استيقاظ الموتى ؟؟
في احدى المقالات المكتوبة على مجلة المجمع العربي المصري نادى الدكتور رمضان عبد الثواب بفكرة تشذيب التراث اللغوي العربي , فهل حدث هذا منذ ذلك الحين ؟ وربما الصواب هو تصحيح التراث العربي , كان افضل من لفظ محتشم ( تشذيب ) .
السلام عليكم
ولا أقصد هنا تنقيط المصحف الكريم . لقد كان التنقيط موجودا ومعروفا قبل نزول الوحي , وكان معروفا عند النبي صلى الله عليه وسلم , وكان يطلق عليه عند العرب لفظ الترقيش واختص بالاعجام فقط دون الحركات , لا أتذكر الحديث النبوي الذي يأمر فيه معاوية ابن أبي سفيان بترقيش كتابة القرآن الكريم .
يضاف الى الترقيش قضية الالف فالعرب لم تعرف كتابة الصوت اللغوي الهمزة , وكانت تسجله ألفا في كل الاحوال وقد استمر هذا التقليد الى زمن ابن جني وله في ذلك قول واضح , وأعتقد أن لمكة والحجاز تأثير قوي في هذا الموضوع , فأهل هذه المنطقة أي الحجاز والقبائل القريبة منها كانوا يميلون الى تيسير نطق الهمزة و تليينها فتصبح عندهم ألفا على الخصوص , وأعتقد أن هذا واحد من مظاهر الترتيل , كما أعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمح بهذا التليين أو التسهيل وبعدد اخر من الظواهر الصوتية اللهجية عند ترتيل القرآن كلما لجأ اليه العرب القادمين من قببائل اخرى و طلبوه بذلك التساهل .
وهذا معناه دخول الظواهر اللهجية في قراءة القرآن الكريم , كما أن هذا التساهل وهذا التسامح أخذ شكلا شرعيا عن طريق الوحي وهو ما أطلق عليه الرسول ( صلعم ) نفسه الحروف السبعة . ان هذه العملية التي جاءت مرتبطة بعملية أخرى هي ترتيل القرآن الكريم هو ما أسس لظهور القراءات القرآنية , بعبارة أخرى ان علم التجويد الذى قال عنه العلماء انه استوى في القرن الرابع الهجري قطع مراحل ثلاثة منذ بداية نزول الوحي :
1- مرحلة الترتيل وهي مرحلة نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وقد استمرت هذه المرحلة طيلة مرحلة نزول القرأن االى مرحلة ظهور القراءات .
2- مرحلة القراءات , بدأت بالقراءات السبع ثم العشر لتصل الى أكثر من خمس وعشرين قراة , ناهيك عن القرأءات الشادة )
3- مرحلة التجويد . ويعتقد أكثر العلماء ان علم التجويد نضج واستقر مع القرن الرابع الهجري .
ان نظر المسلمين الى القرآن الكريم باعتباره كلام الله تعالى المنزل على نبيه , تحمل وجهين اثنين .
الوجه الاول هو الاعجاز القرآني لانه كلام الله تعالى , ولا يمكننا انكار ذلك الاعجاز الذي طال -من خلال القواعد المرسومة- الاصوات كما الصرف والنحو والبلاغة والدلالة والتشريع الخ .
والوجه الثاني هو العربية الفصحى , فهل لغة القرآن هي لغة عربية فصحى ام هي لغة جمعت بين الفصحى والظواهر اللهجية العربية في زمن التنزيل وبعده ؟ أي كيف نزلت لغة القران الكريم أول الامر ؟ وهل حافظت على طبيعتها عند االتنزيل فيما بعد ؟
ان هذا الاعجاز لم يصل الى حد ان نصفه باوصاف غيبية او نضع له قواعد قائمة على التأويل الخاطئ او التصور الافتراضي , نحن نميز هنا بين الظاهرة اللغوية سواء من داخل القران الكريم او من داخل الحديث النبوي الشريف او شعر العرب وخطابتهم وحكمهم وأمثالهم ولغة لهجاتهم التي يطلق عليها احيانا مصطلح ( لغة العرب ) وأحيانا أخرى مصطلح ( اللهجات ) وبين القواعد العلمية وغير العلمية التي وصفت تلك اللغة وتلك اللهجات , أصالة ضاعت الفصحى وأصبحنا امام قواعد لا تعد ولا تحصى رغم كثرة المنظومات التي يظهر ان عددها محدود أمام عدد القواعد , قواعد في أغلبها تصف وصفا غير علمي وفي بعض الاحيان وصفا علميا ظواهر اللغة العربية , لقد جاء كلام الله ليتبث انه ذو مصدر الاهي وليس ذا مصدر بشري, وكان ذلك على المستوى الشفوي ولم يكن على المستوى الخطي , لان العرب أصلا لم يهتموا بالخط الا في حدود الممالك والدول التي نشأت على اطراف الجزيرة العربية ولم تمتد سلطتها داخل الجزيرة مثل الاكادية والنبطية والحميرية وغيرها كثير ... اذ ان اهتمام هذه المماليك بالكتابة جاء عن طريق حاجة المؤسسة الحاكمة الى التدوين والتسجيل , وهو ما حدث مثلا مع الخط النبطي الذي اخذه اصحابه من قواعد الكتابة السريانية, ثم انتشر ذلك مع ظهور اول دولة اسلامية , لذلك لم يكن غريبا ان يأمر النبي ( صلعم ) بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة بعد مدة زمنية طويلة تصل الى الالاف السنين لم يهتم فيها العربي بكتابة لغته , خصوصا مع عملية التصحر التي أصابت الجزيرة , وهي عملية بدأت على اقل تقدير ب4500 سنة مضت , لم يكن على العربي المتنقل ان يحمل مكتبته على الجمال كما يحمل متاعه وخيامه , كلما اراد الوصول الى مصدر الماء والكلأ , بل كان يحمل ثقافته ومعرفته في ذهنه بشكل شفوي , وهو ما عبر عنه الجاحظ بمضمون قوله ( ان ما وصلنا من الشعر العربي والثقافة العربية لم يتجاوز 250 سنة وانه لو وصلنا علم العرب كاملا لوصلنا علم غزير ) ,
من دون شك أن كلام الله تعالى المنزل على نبيه لم ينزل خطا أو مكتوبا , لان اللغة العربية نفسها لم تكن ناضجة بعد على المستوى الخطي , فلم يكن مثلا للهمزة وجود خطي وكذلك الحركات ( الضمة والكسرة والفتحة والسكون ) والشدة لم يكن لها وجود في الكتابة , لكن هذا لا يعني انها لم تكن موجودة على المستوى الصوتي الشفاهي , فالكتب والمصادر تحدثنا عن استكراه العربي المكي والحجازي لنطق الهمزة وانه يميل دائما للتسهيل , في حين عرفت قبائل عربية أخرى صوت الهمزة بل كانت تعمد الى نبرها , وحادثة النبي محمد ( صلعم ) مع احد الاعراب الذي نبر لقب النبي ( نبي = نبئ ) معروفة عند العلماء ,
ضمن مرحلة التأسيس والتدوين الاولى وهي مرحلة عرفت نزول الوحي في مدة زمنية طويلة ثم جاءت مرحلة الخلافة وتوسيع الرقعة الاسلامية, في هذه المرحلة بالذات تأسس الخط العربي الذي نعرفه الان , ونشأت بعد ذلك علوم اللغة العربية كعلم الاصوات وعلم الصرف وعلم النحو وغيرها كعلوم مساعدة لفهم القرآن الكريم أي كلام الله , وعليه تأسس الصراع والخلاف بين النحاة والقراء , ومنه نشأت المذاهب والمذاهب الفقهية والكلامية ونشأت علوم اسلامية , علم القراءات , علم الفقه والتفسير وتطور الخط العربي واصبح قائما بذاته داخل منظومة كلامية ذات قواعد تتميز بالاختلاف اكثر ما تتميز بالانسجام والضبط العلمي . ندعو من خلال كل ذلك الى الفصل مؤقتا او اجرائيا او منهجيا بين لغة القرآن واللغة العربية علميا , بمعنى اخر ان القواعد التي وضعت تكلفا ولا علاقة لها بالحقيقة العلمية وجب تركها لاهلها مثل علماء القراءات وعلماء التفسير وغيره كثير , وتأسيس قواعد علمية صحيحة , وهذا ينصب على كل الفروع العلمية أصوات , صرف , نحو الخ , حان الوقت للعالم اللغوي ان يطلع اولا على البرديات الاولى التى كتبت باللغة العربية في المراحل الاولى من ظهور الاسلام , تلك البرديات التي لم يتم تحقيقها الى حد الزمن الذي نكتب فيه هذه السطور , حان الوقت لتأسيس نظام صوتي علمي يناسب الزمن الذي نعيشه , نظام لا يقوم على التأويل او التصور الافتراضي او التوهم وهذا أم ممكن علميا . نحن نتساءل هل قدم العلماء العرب في القديم نظاما صوتيا للغة العربية أم قدموا نظاما صوتيا للقراءات القرآنية واللهجات ؟ من الواضح ان القواعد التي أسسها القدماء كانت قائمة على وصف ظواهر صوتية قادمة من اللهجات ولا علاقة لها بالعربية الفصحى , تلك اللهجات التي وصفت في مرحلة تاريخية بانها المصدر الاساسي للغة العربية والتي رحل من اجلها الراوي اربعين سنة متجولا بين القبائل , فهل الامالة بين الالف والواو في لفظ ( حيواة ) مع وضع الالف فوق الواو من العربية الفصحى في شئ ؟ وهل هناك وجود لصوت عربي اسمه الصوت الساذج ؟ فهل هذا من العربية في شيء ؟ وهل لهذا الصوت وجود أصلا ؟ وهل هناك في أصوات اللغة العربية مقطع محقق ومقطع مقدر ؟ أليس هذا بالضبط ما يسجلونه في علم النحو وعلم الاعراب ( الاعراب بالتقدير ) ؟ ألم يدخل مصطلح الحديث ( العلة والمعلول ) فضاء علم النحو وعلم الاصوات وعلم الصرف , قادما من علم الحديث ؟ وهل هناك حرف معلول او حرف علة في اللغة العربية أصلا ؟ ام ان تلك الاصوات الموصوفة بالعلة مثلها مثل باقي الاصوات الموصوفة بالصحيحة او السليمة؟ أيفهم هؤلاء الذين وضعوا مصطلح ( المقطع المقدر ) ما معنى التقطيع الصوتي علميا ؟ هل هناك وجود لصوت الالف الجوفية ؟ أم ان هؤلاء يتوهمون مثل انسان القرون الوسطى في اوروبا الذي كان يعتقد ان اصوات لغته تخرج من صدره والبعض الاخر كان يعتقد انها تخرج من رأسه ويتكفل باخراجها بها شيطان ؟ ألا يعلم علماؤنا في القراءات او التجويد أن ( يومئذ ) بكسر الميم ليس الا لهجة عربية ويمكن لتلك اللهجة ان تتغير بين ليلة وضحى ؟ الا يعلم علماؤنا الاجلاء أن قواعد الاصوات ليست هي قواعد النحو وقواعد الاعراب ليست هي قواعد الصرف ؟ فلماذا الجمع بينهما ؟ وهل يعلمون الحيز الذي يتم فيه تقطيع الصوت اللغوي يختلف عن الحيز الذي يتم فيه تقطيع الحركة ؟ وهل يعلمون ان الحركة ليست صوتا ؟ هل قدم سيبويه او غيره نظاما لغويا صوتيا او صرفيا الخ ؟ ام قدم نظاما صوتيا يناسب القراءات وينطلق من قواعدها ؟ ألم يكن الخليل يعلم ان ليس هناك وجود او تحقق لأي صوت عربي أطلق عليه هو نفسه مصطلح الالف الجوفية ؟ مثلا . ثم ما دور مفهوم العدل والعدول في تأسيس قواعد العربية ؟ كثرت الاسئلة كما اني لن انتهي من ذلك فهي لا حد لها حسب علمي .
وهنا انبه الى أن اغلب الظواهر الموصوفة ومنها ما وصف بالشاذ , لا علاقة له بالعربية الفصحى , والقواعد الواصفة لهذه الظواهر تناسب الموضوع الموصوف والزمن بل تنطق بمصطلحات ذلك الزمن وهذا ليس عيبا , لكنها غير صحيحة وغير صالحة علميا في الزمن الحاضر . فهل الحركات في العربية ثمان حركات اربعة منها للاعراب واربعة للبناء ؟ هل هذا كما جاء عند سيبويه صحيح علميا ؟ ان القواعد التي وضعت لظواهر اللغة العربية ليست كلها علمية , صحيح ان مصطلحاتها تناسب الاهداف وأن تلك الاهداف كانت تدور كلها حول النص القرآني ولغته أي حول كلام الله تعالى , واللهجات العربية , الا اننا نعيد ونكرر ان الظاهرة الصرفية او الصوتية والنحوية والبلاغية موضوع مستقل بذاته ووضع قواعد علمية لتلك الظواهر موضوع اخر مختلف جدا , منهجيا واجرائيا لم يكن العلماء القدماء يمارسون عملهم اللغوي مميزين بين الحقول العلمية ( علم اصوات وعلم خط وعلم صرف وعلم نحو وعلم بلاغة , كان كل ذلك يتم في عملية واحدة يشرح ويفسر ويضع العالم اللغوي القاعدة النحوية بناء على عوامل صوتية او صرفية أو يضع القاعدة الصوتية بناء على التقدير والهفوات والاخطاء كثيرة وواضحة في هذا الارث اللغوي الضخم .
وليس امام العلماء اليوم من حل سوى اعادة قراءة الانظمة اللغوية العربية من جديد وقراءة قواعدها , وبناءها بناء جديدا ضمن انظمة علمية جديدة ( النظام الصوتي , النظام الخطي والنظام الصرفي والنظام النحوي الخ ) , ولدي تفاؤل كبير بان هذا سيحدث في السنوات القادمة ان شاء الله , وسيأتي ذلك من خلال اجتهادات أفراد وليس من خلال اجتهادات مؤسسات او حكومات عربية , فالمجمعات العربية لا تنسق بينها ولا تتبني المشاريع الضخمة وكذا الجامعات والكليات , ومؤسسات القطاع الخاص , نسمع كثيرا بالمؤتمرات الخاصة باللغة العربية واللسانيات العربية, وتصرف الاموال الكثيرة في ذلك اي في التنظيم والسكن والاستهلاك والسفر والمتابعات والنشر والطبع , يعود كل واحد متعب الى بيته , وننظر الى الحصيلة والمنتوج فنجدها ضعيفة هزيلة , رغم ان النيات سليمة والاهداف شريفة لكن العربية لا زالت على حالها داخل دار لقمان , بدل كل ذلك هل نادت اي مؤسسة عربية جامعة او كلية او مجمع عربي او قسم للتعريب وغير ذلك على مجموعة من العلماء العرب في اللسانيات او اللغويات من دول عربية متعددة وخلقت مجموعة علمية منسجمة , وطلبت منهم البحث بشكل جماعي في فترة زمنية محدودة في النظام الصوتي العربي القديم ثم بعد ذلك بناء نظام صوتي عربي حديث يناسب الزمن ويقصي التأويل والتوهمات والتصورات الافتراضية من قواعده ؟؟؟ , أي تقديم نظام صوتي عربي علمي واضح وصحيح للجهات المسؤولة التي تبنت المشروع ووفرت لهم شروط البحث العلمي واسبابه المادية , ألا تستحق هذه اللغة مجموعة من الدكاترة المتمكنين ومن علماء اصوات اللغة العربية ممن يغتربون عن اسرهم و عن بلدهم لمدة سنة فقط من اجل انجاز هذا المشروع الاساسي والحيوي , الا تستحق هذه اللغة هبات وعطيات من اغنياء العرب وخصوصا الدول النفطية وهم موطن واصل هذه اللغة , ام أننا سندور في فلك المؤتمرات وفي فلك ودوائر الكتاب لسبويه وتخريجاته وفي فلك القراءات التي جاءت قبله و بعده ؟؟؟ ألا يمكن للعقل العربي انتاج بديل لنظرية سيبويه القائمة على التأويل أم ان العقل الفارسي قمة العقول الانسانية وانتهى الموضوع ؟؟
أيعلم علماؤنا في اللسانيات واللغويات المقارنة ان ما يسمى باللغات الحديثة مثل الانجليزية والفرنسية والاسبانية وغيرها كثير ليست الا لهجات تفرعت واخذت من امهاتها الاغريقية واللاتينية والجرمانية القديمة اي ما يسمى بدوره لهجات او لغات هند اوروبية , فاقامت لنفسها انظمة صوتيةواخرى نحوية وثالثة صرفية الخ , ؟؟؟ هل يعقل ان تأخذ العربية الفصحى الاصيلة قواعدها الصوتية و و و من لهجات غربية هجينة أنا متأكد من أن علماء اللغة العرب المحدثين يعتقدون ان الدراسات والبحوث العلمية والنظريات اللسانية الغربية قامت على لغات فصحى , والحقيقة ان هذا التصور خاطئ تماما فهي كلها قامت على لهجات واللهجات كلام متغير ولا يمكن ان يقدم لك قواعد علمية تابثة , فما قدمه مثلا اندريه مارتيني لا يعدو ان يكون قواعد صوتية تصف اللهجات الفرنسية في جنوب وغرب فرنسا او في لهجات فرنسية في مستعمرات فرنسا في امريكا اللاتينية , هل سنعتمد على نتائج مثل هذه البحوث في الغرب ( انظر كتاب دينامية اللغات لمارتيني وانظر بالضبط النماذج اللهجية الفرنسية التي كانت موضوع الممارسة والتطبيق )
صحيح ان الابداع العلمي حدث واطلق عليه مصطلح اللسانيات , لكن ما حققه هذا الابداع على المستوى العلمي الصحيح كان ضئيلا من مثل مفاهيم بعض المصطلحات اللسانية العلمية كالتمفصل المزذوج ومفهوم التراتبية واللسان والكلام وقضية المنهج عند سوسور وغيرها قليل , فان ما تبقى هو اما خاطئ علميا او موجود على علاته في التراث العربي القديم . فهل يجوز للعالم اللساني العربي ان ينقل من الغرب نظريات لسانية قامت وتأسست على لهجات , و هل يجوز له تطبيقها على أفصح اللغات اي العربية ؟ ثم ما هو سر الاهتمام باللهجات العربية اليوم ؟ هل لهذه اللهجات العربية اليوم سواء في داخل الجزيرة العربية او خارجها اي علاقة باللغة العربية الفصحى او حتى باللهجات العربية زمن التدوين والجمع ؟ من دون شك أننا اذا استثنينا المعجم العربي الموجود في اللهجات الحديثة فانك لن تجد اي شئ تعتمد عليه ويفيد العربية الفصحى او حتى لغة القران الكريم او القراءات او التجويد , في القديم كانت اللهجات تدخل عمليات الترتيل والتجويد والقراءات بترخيص وبنص نبوي شريف, سمي ذلك الدخول أنذاك ( الحروف السبعة ), اما اليوم فمن رخص لهؤلاء العلماء بدراسة اللهجات العربية الحديثة وما الفائدة التي سنجنيها او ستجنيها الدراسات العلمية الحديثة بصفة عامة من تلك البحوث اللهجية .
ما اطلعت عليه يقول ان الدكتور تمام حسان وابراهيم انيس اي ان المصريين بصفة عامة ممن درسوا او لم يدرسوا في الجامعات الغربية هم او من اهتم باللهجات العربية الحديثة , قبل ذلك كان الاستعمار ممثلا في مؤسساته وعلماء اللغة عنده والمستشرقين يهتم باللهجات العربية والهندية و غيرها وكان الهدف واضحا تواصل وتجارة واستغلال لخيرات البلاد المستعمرة , وتقسيم وتشتيث للبلاد المستعمرة على اساس عرقي لغوي او لهجي الخ, وهو ما نراه اليوم سائدا في العالم العربي لحد الان , وقد كادت الدعوة الى استعمال اللهجات تنجح في لبنان وغيره مع مطلع القرن العشرين وبداية التحرر من الاستعمار , ان أكبر خطر على اللغة العربية هو اللهجات العربية نفسها وليس اللغات ولا النظريات اللسانية الغربية , هذه اللغة بقيت صامدة لقرون عدة أمام اللهجات التي خرجت من بطن العربية سواء تلك التي انفصلت قديما كالاكادية والبابلية والسريانية والفينيقية او تلك التي عاشت واستمرت داخل الجزيرة العربية والتي اصبحت مصدرا من مصادر اللغة العربية اثناء زمن الجمع والتدوين . نحن نتساءل الان وفي الزمن الحديث ما الفائدة التي قدمها لنا الدكتور تمام رحمه الله بتنقله الى اليمن وبدراسته لاحدى اللهجات اليمنية التي سيطويها الزمن كما طوى غيرها ؟ وهل كان من الضروري ان يتبع علماء اللغة المحدثين اساتذتهم في الغرب في الاهتمام باللهجات العربية , وما الفائدة من كل ذلك ؟ كم هو عدد البحوث والدراسات العلمية على مستوى اطروحات الدكتوراه والماستر في العالم العربي كان موضوعها اللهجات ؟ ومن يقل لي ماذا استفدنا من تلك الاطروحات وماذا اضافت للغة العربية ولنظامها ؟ في الزمن الحديث ؟
اخيرا ان عملية التنقيط غير مهمة في حد ذاتها وانما اهميتها تكمن في وجودها داخل النظام الخطي الذي هو من دون شك وليد النظام الصوتي , ولا يمكن الوقوف على النظام الخطي الا من خلال الكشف عن النظام الصوتي العربي القديم و وايضا من خلال الفونولوجيا العربية وبالضبط فونولوجيا الكتابة والخط العربي
, انذاك يصبح الوصول الى حل قضايا مثل هل هي ثاء مثلة الاعجام او غيرها امرا هينا وبسيطا .
هل يسير هذا المجمع على خطى المجمع العربي المصري وهل ستتكرر التجربة ؟ وهل ستحتفظ مجلة هذا المجمع باخطاء مثلما احتفظت مجلة المجمع المصري باخطاء علمية لا زالت قائمة لحد الان شاهد داخل تلك المجلة وتاريخها ؟؟ هل يعيد التاريخ نفسه ؟؟ . أليس من باب اولى الحفر في مجلات المجمعات العربية عن الهفوات التي وقعت فيها لازيد من سبعين سنة والاستفادة منها ؟ . أم نحن خائفون من استيقاظ الموتى ؟؟
في احدى المقالات المكتوبة على مجلة المجمع العربي المصري نادى الدكتور رمضان عبد الثواب بفكرة تشذيب التراث اللغوي العربي , فهل حدث هذا منذ ذلك الحين ؟ وربما الصواب هو تصحيح التراث العربي , كان افضل من لفظ محتشم ( تشذيب ) .
السلام عليكم