المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأصيل الجذور اللغوية للمعجم .الحلقات (71)-(75)


أ.د إسماعيل العمايرة
04-10-2013, 08:01 AM
(71)

سك - شك - شوك


جاء في معنى سكك أن السَّك التضييق، وسُمّيت الدّرع ضيّقة الحَلَق سُكّـاً وسَكّاء. وكذلك سُمِّيت الآلة الحديدية التي تضرب عليها الدراهم: السِّكَّة، وسِكّة الحرّاثِ: حديدة الفدّان، وسميت السطور المصطفة من الشجر والنخيل، والطرق المستوية المصطفة: السّكك، وقيل للزقاق لضيقه ولاصطفاف الدور فيه كطرائق النخيل: السِّكة، فهي ضيقة، وهي كطريق سكة المحراث،ولعلّ هذه الإيحاءات أدت إلى تسمية طريق القطارات حديثا : السكة أو سكة الحديد، لأنها مضروبة في الأرض بما يشكل طريقا ضيقا للقطار وقد عُبِّر عن هذا بالشين المعجمة. فالسِّكاك والشِّكاك البيوت المضروبة صفاً واحداً. وجاء في مادة شكك أن الشِّكاك للبيوت المصطفة، وضربوا بيوتهم شِكاكاً أي صفاً واحداً.

وقد دلّت مادة شكك على السلاح "والشِّكة: خشبة عريضة تجُعل في خُرْت الفأس ونحوه يضيّق بها".

لقد أسفر التطوير عن توظيف هذا التباين الصوتيّ معنوياً، فأصبح كلَّ شكل من أشكال النطق ذا وظيفة مستقلّة في مادة مستقلة، تأخذ معانيَ خاصة بها، علماً بأن المعنى الواحد لهما ظلَّ محمولاً في المادتين عبر رحلة الزمان. فممّا تطورت عنه "شكك" أن أصبحت تدل على الشك وهو نقيض اليقين، وهو تطور مجازي عن الشكّ بالرمح أي بالرأس المدبب (قارن ذلك برأس سكة المحراث). وقد يكون للشوك من: شاك يشوك، علاقة تجمعها بـ: شَكّ.

ويعثر المرء على المفهوم الأصلي، وهو الضيق أو الرأس المدبب، في اللغات الساميّة، وعلى السلاح فـ: sukka في العبريّة: سلاح، و: mesoka سياج شائك، وفي الأكّاديّة sikkatu وتعني سكة المحراث والرأس المدبّب، وفي السريانية sehtâ وتعني سكة المحراث.

ويبدو أن السكين، وتقابها معنىً:المدية، وهي كلمة آراميّة الأصل، ذات أصل ثنائي من: سكّ، إذ السكين نوع من السلاح، وفيها صفة الحدّة والضيق. والكلمة في الآرامية ، وهي كذلك في المندعيّة . ويستبعد أن تكون كلمة سكين على علاقة بالسكن والطمأنينة التي تدل عليها مادة سكن، وهو الالتماس الذي يسعى به المعجم التراثي القديم إلى ربط هذه الكلمة بمادة سكن.

(72)
توب - ثوب – ثيب-ثأب


تلتقي هذه المواد: توب، وثوب، وثيب على معنى الرجوع، وتاب: رجع من ذنبه، جاء في اللسان "تاب فلان إلى الله وثاب، بالثاء والتاء، أي عاد ورجع إلى طاعته" وقال ابن منظور في الثّيب من النساء، وهي من مادة ثيب "وأصل الكلمة الواو، لأنه من ثاب يثوب إذا رجع، كأن الثيّب بصدد العَوْد و الرجوع".

لقد وظّفت اللغة المفارقة بين الواو و الياء، فجعلت من الياء في ثيب مجالاً للاختصاص بالمرأة الثيّب، وتركت مادة ثوب ذات الأصل الواوي في دلالتها المطلقة على العودة والرجوع. كما استثمر الفرق اللهجّي بين التاء والثاء - وهما صوتان متقاربان متبادلان في اللغة - فخصّصت: توب، بالتاء، في التعبير عن الإنابة إلى الله، وأما ثاب فتعني الإنابة بمدلولها العام والخاص.

وقد وردت المادة بالتاء والثاء في الآراميّة، ومن المعلوم أن الآراميّة لا تُفَرِّق بين التاء والثاء تفريقاً معنوياً (فونيميّاً) وإنما الفرق بينهما فرق ألفونيّ، إذ هما في هذه اللغة صوت واحد، ينطق في ظروف صوتية معينة تاءً وفي ظروف صوتية أخرى ثاءً وهي تدل في هذه اللغة على الإنابة والعودة بالتاء والواو والباء، وفي السريانيّة ، وفي العربيّة الجنوبيّة: ط و ب، وتعنى عاد، وفي العبرية s âb بمعنى رجع و هي من مادة بالشين والواو والياء ومنها: بمعنى العودة.ولعل الثوْب بالعربيّة سمي كذلك لمعاودة لبسه بعد تنظيفه، وحقه أن يجمع على أثْوُب، ولكنهم استثقلوا الضمة على الواو فقالوا: أثؤب، بإبدال الواو همزة كما فسر ذلك الزبيدي في مادة ثوب، وعليه تكون مادة ثوب تداخلت مع ثأب، وهي مادة أخرى، ومنها التثاؤب الذي توهمت العامة – كما يقول الزبيدي في ثأب فنطقته التثاوب، وهو فتح الفم واسعا عند النعاس وإخراج الهواء منه.
(73)
ثفا - وثف - أثف


جاء في مادة: وثف: "حكى الفارسي عن أبي زيد: وثَفهُ من ثَفاه، وبذلك استدل على أن ألف ثَفا واو، وإن كانت تلك فاءً وهذه لاماً، وهو مما يفعل هذا كثيراً إذا عدم الدليل من ذات الشيء".

وعلى هذا تكون الأُثْفيَّة عنده من وثف، وجمعها أثافيّ، وهي الحجارة التي تحت القدر. وقد عولجت هذه الكلمة في مادة أثف، مع أن ابن منظور قد أشار في: أثف، إلى أن الهمزة فيها زائدة. وأحسب أنه كان في وسعه أن يَعُدّها من: أثف التي أصلها: وثف، كما في أكد، و أصلها وكد، وأحد التي أصلها وحد، وأبّخ، وأصلها: وبّخ، وأناه وأصلها: وناه.

والأثفيّة كلمة واردة في بعض اللغات الساميّة، وهي في الآراميّة من مادة ثفا،
ومنها: tefiyyâ وفي العبريّة من ، ويقابل الأُثْفيّة في السريانيّة tefyâ وجمعها tefawâtâ وتعني: الموقد. فاللغات الساميّةالمشار إليها ترجح احتمال أن يكون هذا الفعل ناقصاً ثفو و ليس مثالاً:وثف، ولا مهموزا: أثف.
(74)
سبك - سفك - سكب - سفح


يجمع بين سبك وسفك مفهوم السكب والصب وإجراء المائع . فالسَّفْك: " الإراقة والإجراء لكل مائع" ثم اتجهت هذه المادة إلى التخصص في إراقة الدم، ثم اتجهت مجازاً إلى الكلام فقيل سفّاك للكلام إذا كان الرجل كثير الكلام، والخطيب السّفاك: البليغ.

و السّبك: التذويب والصبّ، وقد اتجهت إلى التخصص بالذهب والفضة ونحوهما عند تشكيلهما، إذ يُذابان ويُسكبان في قوالب. وقد شملت الرُّقاق وما شاكل ذلك. ويبدو أن سكب وسبك - في الأصل - من صيغة واحدة مقلوبة.

وقد التقت سفك وسفح في معنى إراقة الدم، فالسّفاح هو السفاك وسفح دمه: سفكه، وقد شملت سفح معاني الإراقة، في الدمع، والزنا. ومن معانيها المجازية أن أطلقت على الرجل الكريم فقيل: سفّاح، وقيل للفصيح: سفاح.
وقد دلت مادة بالشين والفاء والكاف في العبرية على الإراقة، ومنها nespah ومعناها سُفِك، وأريق، ومن المعلوم - بحسب قاعدة بجد كفت - أن الكاف تنطق في ظروف صوتية خاء. ودلت في العبريّة على سفك الدم كالعربيّة فيقال: sepihut dâmim وتعني: سَفْك الدماء. وفي الأكادية sapâkum بمعنى سكب الماء، أو السائل. وقد وردت في الحبشية مادة سكب sakaba ومضارعها yeskab وقد دلت على ما دلت عليه مادة سفح في العربيّة، وعلى مفهوم السِّفاح.

وتحول الكاف إلى خاء ظاهرة معروفة، كما في سكّين وسخيّن، بل هما في اللغات التي عرفت ظاهرة بجد كفت تلوينان صوتيان، إذ الفرق بينهما ألفوني، وليس فونيميّاً. وتحول الخاء إلى حاء ظاهرة تعرفها اللغات الساميّة، كما في أخ العربيّة و أح العبريّة والآراميّة. كما أن الباء العربيّة في سبك متحولة عن الفاء الساميّة التي تنطق فاء وباء مهموسة شديدة الانفجار، وفق قواعد ظاهرة "بجد كفت" وبذا نميل إلى أن سفك هي المادة الأصلية الأم لكل هذه المواد. ولعلّ أضعفها تعلّقاً بهذه السلسلة مادة سفح.
(75)
أبن – عبن – أبل ، عبل


التقت هاتان المادتان: أبن، وعبن، على معنى الغِلَظ، فالأَبِن من الطعام والشراب الغليظ الثّخين. والعَبْنُ: الغِلَظُ في الجسم، والخشونة.

ثم انتقل المعنى إلى المدلول المعنوي، فرجل عَبَنُّ الخَلْق: خشنه، والأُبْنة: العيب، في الخَلْق والخُلُق، والمأبون: المعيب، وقد دلت أبن على ضد ذلك، والرجل المأبون: المذكور بخير أو شرّ. ويبدو أن أصل التأبين للشر، وهذا هو الأقرب إلى المدلول المادي. وقد أكد أبو عمرو أصل هذا المدلول للشر، بِعَدّه أبن مجرّداً للشر، إلاّ إذا نُصّ على أنه لخير. قال: "يقال فلان يُؤْبَن بخير ويؤبن بشرّ، فإذا قلت: يؤْبنُ مُجرّداً فهو في الشرّ لا غير" والأُبنة العُقْدة تكون في القسيّ، تُفسدها وتُعاب بها، كما يقول ابن منظور، ومن هنا جاء المدلول المعنوي إذا قيل: "أبَنْتُ الرجل آبنُهُ إذا رَميته بِخَلّة سوء". وقد مال الاستعمال مع الزمان إلى أن يكون التأبين للثناء على الميت بعد موته، وقد صح في مرحلة من المراحل أن تكون للثناء بعد الموت وقبله، كما صحّ قبلها أن تكون لذكر العيوب أو المآثر. وهكذا يلمس المرء أثر المراحل التي تقلبت فيها مدلولات هذه المادة، وقد دلّت: عَبَن، على الإيجاب، ومن استعمالاتها: العُبُن وهم السّمان الملاح من الناس.

وأحسب أن هاتين المادتين ترجعان إلى أصل واحد، مع اختلاف ألفونيّ لهجي، إذ نُطقت الهمزة عيناً عند بعض القبائل التي "تعنعن" أي تقلب الهمزة عيناً. وقد جاء النظير السامي بالهمزة والنون و بالهمزة والباء واللام. وقد تبادلت النون واللام في العربيّة، قال ابن منظور: "وأَبَّل الرجلَ كأبَّنه عن ابن جني، اللحياني: أبَّنْتُ الميت تأبيناً وأبَّلْته تأبيلاً إذا أثنيت عليه بعد وفاته". وفي العبريّة abel وتطلق على الحزين، أو الحادّ على ميت، و: ebel حُزْن أو حِداد. وقد دلت مادة أبل بالهمزة والباء واللام في الآراميّة على الحزن والحداد كذلك. ومن هنا جاءت تسمية الراهب بالأَبيل على وزن فعيل، بمعنى الذي يعيش حالة الحداد والحزن والتقشّف. وقد دلّت أبَلَ على المفهوم القديم لأصل هذه المواد، فدلت على العيب والعاهة والوخامة، وفي نُقْلَةٍ أخرى دلت
أبل على مفهوم معنوي، فدلت على الحقد والعداوة، ويبدو أن تبادل العين والهمزة قد
حدث في أبل وعبل، إذ التقت عبل بهذه المواد في المعنى الأصيل، فدَلّت مادة عبل على الضخامة والغِلظ، والحجارة الغليظة الضخمة، وهذا ما دلت عليه: أبن، وعبن، ومن هنا جاءت دلالة اسم الجبل: "جبل أبان". وقد دلت مادة أبن في العربيّة الجنوبيّة على الحجر، ومن عبل في دلالتها على الضخامة: العَبَنْبَل بمعنى الضخم الشديد. وأحسب أنّ الإبل سميت بهذا الاسم لضخامتها وغِلَظِها، وقد دلت عبل على الحزن والثكول، فقيل: امرأة عَبول: ثكول، وجمعها عُبْل، والعَبول المنيّة.

وقد وردت هذه المادة في الأكادية باللام abâlu بيد أن الكتابة الأكاديّة لا تجعلنا نعرف، أكان الأكاديون ينطقونها عيناً أم همزة، وذلك لأن الكتابة الأكادية كانت تستعير الرموز السومريّة، والسومريّة تخلو من صوت العين وكثيرٍ من الأصوات التي تختص بها الأصوات الساميّة وتفتقر إليها الرموز الكتابية السومريّة، وهي لغة غير ساميّة.

السيوطي جلال الدين
04-10-2013, 08:57 PM
شكر الله لكم سعادة أ.د إسماعيل العمايرة