المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل نحن في حاجة لإطار مرجعي عربي؟


شمس
02-16-2017, 12:18 PM
هل نحن في حاجة لإطار مرجعي عربي؟


د. إسلام يسري علي


بينما كنا في راحة على هامش مؤتمر مؤخرا سألني خبير تربوي تركي هل رأيت الكارثة؟ فقلت: أي كارثة؟ قال بحرارة عربي قح: قوم يتكلمون عن الإطار المرجعي الأوربي وآخرون يتكلمون عن الإطار الأمريكي. سألته: وما الكارثة في ذلك؟ فقال: العرب أهل الفصاحة يعتمدون في تقييم لغتهم على أطر أجنبية.. قلت: ما المشكلة؟ هم سبقونا في العلم فاستفدنا منهم.. ثانيا ما الجديد الذي سنضعه في الإطار العربي؟ قال: يا رجل.. المهم أن يكون اسمه “الإطار العربي”!!

في الحقيقة مضمون هذا الحوار تكرر –بصيغ مختلفة- على مدار العام الماضي في عدة فعاليات حضرتها، فهناك من يرى ضرورة بناء إطار معياري عربي، وآخر يرى أنها ليست ضرورة ويمكن عمل بعض الإضافات الخاصة بالعربية على أي من الأطر الموجودة حاليا. وتوج هذا الحوار بصدور آخر كتب أستاذنا د.علي مدكور –رحمه الله- الإطار المعياري العربي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.. ويحاول هذا المقال الإجابة عن السؤال “هل نحن في حاجة لإطار مرجعي عربي”؟

ما المقصود بالإطار Framework؟

يعرِّف Fulcher& Davidson (2007) إطار العمل بأنه وثيقة وسيطة بين نموذج الكفاءة -الذي هو وثيقة ملخصة عالية المستوى- ومواصفات الاختبار. ويمكن أن نعرف الإطار أيضا بأنه سلم مستويات الأداء في المهارات والكفايات المختلفة وفي ضوئه تُبْنَى الاختبارات بأنواعها المختلفة.

إذن ما هو نموذج الكفاءة؟

نموذج الكفاءة عبارة عن تصور لمكونات الكفاءة اللغوية، ما الذي يجب أن نعرفه لنعرف لغة ما، وما المطلوب لاستخدامها؟ وهناك نماذج متعددة من أشهرها Bachman (1990), CEFR 2000 (انظر : علي، 2016).

لماذا تنشأ الأطر المرجعية؟

في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجدت الإدارة الأمريكية أن تقييم الموظفين المعنيين بتعلم اللغات يتم بعبارات غير معيارية مثل “طلق في الألمانية” و”جيد في الفرنسية” ولذلك كلفت الإدارات المعنية باللغات الأجنبية بقيادة معهد الخدمة الخارجية FSI أن تعد إطارا معياريا لضبط عملية التقييم اللغوي لموظفيها، وتم تعميم العمل به سنة 1958م وأطلق عليه FSI ثم لاحقا تغير إلىInteragency ******** Roundtable (ILR) . Herzog (2015)

واستمر ILR متفردًا في الساحة الأمريكية حتى 1986م حين ظهرت توجيهات المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية ACTFL الذي احتل مساحة واسعة في المجال الأكاديمي خلال العقدين الماضيين، ثم ظهر الإطار المرجعي الأوربي المشترك للغات CEFR عام 2000م.

ومن ثم فإن المعايير تنشأ لتوحيد المستويات بين اللغات المختلفة، فمثلا عندما نقول إن شركة ما ستفتح فروعا في عدة بلاد ومطلوب أن يكون لديها مكتب لخدمة العملاء بلغات متعددة فتحدد مثلا المستوى C1 متطلبا لغويا لموظف خدمة العملاء أيا كانت لغته، ومن ثم فلا نحتاج أن نقول نحن نريد شخصا متميزا في العربية لخدمة العرب وشخصا طلقا في الفرنسية لخدمة الناطقين بالفرنسية… إلخ.

خلاصة هذه النقطة أن الأطر تنشأ لتوحيد مقاييس التقييم اللغوي، وهي مفترض أنها وحدات كالسنتيمتر والمتر والكيلومتر…

رأي القائلين بأهمية وجود إطار مرجعي عربي:

من أهم أنصار هذا الرأي أستاذنا د.على مدكور (2016،29) حيث يرى أن “المأمول أن يضع هذا الإطار المعياري لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى الأسس العامة للتوصيف التفصيلي للأهداف والمحتويات ومستويات الكفاءة اللغوية والاتصالية والثقافية الأمر الذي يسهل عملية الاعتماد المتبادل للمؤهلات في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي”. وفي الحقيقة لم يوضح أستاذنا ما الجديد الذي سيجعل هذا الإطار مختلفا عن الإطار المرجعي الأوربي وهو للغات متعددة منها العربية ويقوم بالمهام نفسها.

ويرى د.صنوبر (2016) أن الأطر العالمية “لا تكاد تعتني بالعربية التراثية أي عناية، فلا تُذْكر ولا يهتم لها من حيث التأطير ولا التصنيف، مما جعل المناهج المصنفة وفق هذه الإطارات لا تكاد تعرج على عربية التراث إلا نادرا”. ويقترب من هذا الرأي من يرون أن الأطر الأخرى لا تراعي الجوانب البلاغية في اللغة العربية ولا العمق التاريخي لها.

وهناك من يرى أن العرب لابد أن يكون لهم إطارهم المرجعي الخاص حتى لو كان الفرق بينه وبين غيره يسيرا فلا يليق بلغة القرآن أن تكون تابعة.

رأي الرافضين لبناء إطار مرجعي:

يرى أنصار هذا الرأي أن قيمة الأطر تستمد من أمرين: عموميتها وعالميتها، والمقصود من عموميتها أنها لا ترتبط بلغة بعينها، والمقصود بعالميتها أنها لا تتقيد بقطر بعينه، ولذلك سنجد أن معايير الإطار المرجعي الكندي وهو خاص باللغة الإنجليزية وله إصدار مطور خاص بالفرنسية لم يحظ بما حظيت به الأطر العامة الأمريكية ILR & ACTFL أو الأوربي CEFR

فلو بنى كل ناطقي لغة ما معيارا خاصا بهم لأصبحت فكرة الأطر المرجعية بلا جدوى، لأنه ستكون هناك أطر بعدد لغات العالم، وإن الأطر القديمة مثل ILR والحديثة نسبيا مثل ACTFL و CEFRتستمد قوتها من مرونتها وتعاملها مع عدد كبير من اللغات.

رأي الكاتب:

إذا تتبعنا ظهور المعايير تاريخيا فسنجد أنها لا تنشأ في فترات متقاربة ILR (1958) ACTFL (1986) CEFR(2000) ويتم تطويرها على فترات متباعدة، فمثلا معايير ACTFL صدرت للمرة الأولى في 1986 ثم طورت جزئيا معايير التحدث في 1999 والكتابة 2001 ثم صدر الإصدار الثاني 2012م أي بعد 26 سنة. أما CEFR فصدر عام 2000 ولم يصدر له إصدار ثان حتى الآن.

كما أن المعايير توضع لتسهيل الأعمال المهنية والتعليمية وتقليل الإجراءات، فلو كان لكل لغة معايير خاصة بها فإننا سنفتقد تلك المعيارية ويصبح هناك وصفٌ بِنَاءً على معايير كل لغة وربما كل دولة أيضا، وسنحتاج جهودا كبيرة لمعادلة الأطر ببعضها.

في الوقت نفسه لم يطرح المنادون ببناء إطار مرجعي عربي تصورا واضحا حتى الآن، وما أنجزه أستاذنا د.علي مدكور -رحمه الله- يشترك مع الإطار الأوربي في 95 % على الأقل من المصنفات وهو ما يجعلنا نقول إنه تعريب للإطار الأوربي أكثر منه منتجا جديدا.

أما إعادة تقسيم المستويات أو زيادتها أو إطلاق أسماء جديدة عليها فلا يعد منجزا لأن الأطر الحالية نفسها تسمح بوجود مستويات فرعية حسب حاجة المؤسسة والسياق المستخدم فيه الإطار.

رأيي أننا نحتاج إلى الإجابة عن عدد من الأسئلة حتى نستطيع أن نقرر هل نبني إطارا جديدا أم نطور؟ ومن أهمها:

هل هذا الإطار سيكون للغة العربية فحسب أم كل اللغات الأجنبية التي تدرس في العالم العربي؟
هل سيستند الإطار إلى نموذج نظري عربي للكفاءة اللغوية أم سيعتمد أحد النماذج التي أنتجها الناطقون بلغات أخرى؟ أم سيبني نموذجه الخاص؟
هل المصنفات الجديدة كافية لكي نطلق على هذا المنتج “إطارا جديدا”؟
هل المصنفات المتعلقة بلغة التراث ستكون هي المستوى المتقدم الأعلى أم ستكون موازية للمتقدم المعاصر أم جزء منه؟ فكثير من متقني العربية الاتصالية -من غير المسلمين- لا يحتاجون إلى تعلم لغة التراث، فهل ستحرمهم من الحصول على شهادة بإتقان العربية لأنهم لا يتقنون اللغة التراثية؟
ما المنهجية العلمية للتأكد من معيارية مصنفات الإطار؟
كيف ستتم معادلة هذا المعيار مع المعايير العالمية الأخرى؟
ما آلية اعتراف المؤسسات الدولية بهذا المعيار؟
ما خطة بناء هذا الإطار وما جهات تمويله واعتماده عربيا على الأقل؟
عندما نجد إجابة عن تلك الأسئلة نستطيع أن نقول إننا بدأنا نقاشا علميا جادا لبناء إطار أو تطوير أحد الأطر القائمة.

المراجع:

صنوبر، أحمد. (2016). إستراتيجيات تدريس النصوص التراثية في المستوى المتقدم للناطقين بغير العربية وفق المدخل الاتصالي: الحديث النبوي وعلومه نموذجا. أبحاث مؤتمر إسطنبول الدولي الثاني. تحرير: صنوبر وآخرون، إسطنبول: إيثار.
علي، إسلام يسري. (2016). مراجعة كتاب الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات: دراسة، تدريس، تقييم. مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. كوالالمبور: الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا.
مدكور، علي أحمد. (2016). الإطار المعياري العربي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. القاهرة: دار الفكر العربي.
Herzog, Martha. (2015). An overview of the history of the ILR ******** proficiency skill level de******ions and scale. Interagency ******** Roundtable. Retrieved 17-12-2015
The following two tabs change content below.



.