المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حلب مجموعة قصص قصيرة


السيد عبدالوهاب
02-17-2017, 03:26 PM
مجموعة قصصية بقلم السيد شعبان جادو





















حجرة عفى عليها الزمن
الحقيقة مؤلمة،لا تبعد هذه المقولة عن ذهني،أنت لا تجيد فعل شيء ،كل ما تملكه مجرد كلمات تتسلى بها،مجرد حروف باهتة،لا أحد يقرأ،أنت تعيش في عالم تناسى ذاته،لم يبق غيرك يسطر تلك الأوهام،البيت يوشك أن يتداعى علينا،المرتب لا يكفي ،كل ما تجيده هو أن تسرد خيالاتك المختزنة في ذاكرة تحكمت بك،أنت بعيد عن الواقع،انهالت علي تلك الكلمات صباح هذا اليوم مثل كومة من حجارة جهدت ألا تصيبني،كنت مثل رجل قذف به أولاده خارج البيت،العجز ألا تصاب بالكبر أو يبلغ بك المرض شدته؛أن تقف قبالة من تحب ولا يعيروك انتباها،هذا ما أدركته،الجحود سمة هذا العالم،لم أدر ما أفعل؟
دارت بي رأسي،يا لحسرة رجل فقد ظله،الحياة صارت بالنسبة إلي شديدة المرارة،كل ما أستطيع قدمته لكم،عيبي أنني وجدت الماضي أكثر رحابة فتعلقت به،انزويت في حجرتي التى أجد فيها بعض الأمن والهدوء المفتقد في عالم يطالبني كل ما فيه بالصخب،ينتزع مني ذاتي،ألفت التعلق بأنفاس الراحلين صوب الضفة الأخرى فما أجيد فعله ، أن أمسك بالقلم وأخط به على وجه الصفحة البيضاء،في أحيان كثيرة أشعر بأن الأحلام تسكن هذه الورقة ، يجول قلمي؛فتنشط ذاكرتي من خمول وتميس فتنة وحياة
أسمع بعض دقات متتابعة على نافذة حجرتي،الشارع علاها ،المارة لو ألقوا بأعينهم لجاسوا خلال البيت،يا لقسوة الفقر،يغتال منك أجمل اللحظات " المال والبنون زينة الحياة الدنيا" سمعت هذا من قبل،لم أع دلالته إلا الآن
كأنما قول الله عز وجل يستحثني أن أنهض،أن أدع الموات الذي سرق مني عزيمتي،تعللت كثيرا بما تألمت منه،وهل الورود مغلفة إلا بالأشواك،تذكرت أبي وقد أمسك بالمعول يشق وجه الأرض،أمي وقد انحنى ظهرها وهي تمسك بمقود الدواب ردفا لأبي،لم يتألما يوما،أف لهذه المسكنة التى غلبتني،كل يوم تشرق الشمس،التحفت الأشجار الضوء،لم يصبها الوهن رغم مرور كل هذه الأحداث الكبرى، فكرت في دار أخرى،الرحيل!
لكن إلى أين؟
سرقت الاقلام والأوراق سنوات عمري،أحلامي دائما كانت مؤجلة،قاتل الله طول الأمل،ليتني أخذتها على انفراد،ماذا جنيت غير تلك الوعود الكاذبة بالتغيير،كنت مثل سحابة صيف تصيب سرابا بقيعة،الظمأ لا ترويه تعلات المنى،جرى قطار الحياة مثل خداع امرأة لعوب،الجميع يعلم فعلتها،لكنهم يشتهون تلك الأصباغ الزاعقة،هيهات تفلح السعادة معها،الآن ويا لقسوة الآن ما تراني أفعل؟
أمسك بالقلم،تلك مهنتي التى أجيدها،أن أدون الكلمات،أسرد منها حكايات،ربما يأتي يوم يجد فيه السائرون ناحية المجد تذكرة عودة،لا يكفي أن تكون دون جذر،سأبقى هنا قبالة هذا النهر،سأجعل من حياتي وقفا عليه،أن أحرس الماء،الغدر أن يأتي هذا اللص،يحول المجرى،يحنون للدخول الكبير،البلهاء على مسرح المقامرة يصفقون،بالأمس دموع التماسيح،انتشى يوم جف النبع ،يأتي بالحيل،ياله من ثعلبان!
حتى السماء لم تنزل منها غير دموع وحسرات والهة،الحقول أصابها البوار،الرماح تصوب ناحية الصدور البريئة،الأوراق التى صارت مثل سندات دين وجب سداده،تقبع هي الأخرى في حجرتي!

























البيت الأصفر!
الناس يشترون أشياءهم التى يحتاجون إليها؛لتستمر حياتهم ،لن أطيل في تعددها الكل يعرف هذا،أما أنا فقد احتجت لأن أشتري شيئا آخر،أحتاج أن أضعه في واجهة المحل،لن يعرض للبيع ،سأجعله شارة لما أنتوي فعله،جميلة تلك المفردة ،في يوم ما خرجت من فم ذلك الرجل الغامض ذي النظارة السوداء،لقد كان يوما من أيام الحلم المسفوح على رصيف الميدان،ربما يصفني أحدكم بالخروج عن المعتاد،لا بأس،كثيرا ما وصفتني أمي بأنني متمرد،زملائي في المدرسة هم أيضا أطلقوا علي الفيلسوف،لست هكذا،كل ما في الأمر أنني أنظر من زاوية مختلفة للعالم،قديما تعلقت بالشعر واللغة ،جمعت الكثير من القصائد،دونت أفكارا تصلح لزراعة الصحراء،بنيت مساكن للفقراء فوق مياه البحر،الخيال بالنسبة إلي كان زاد المتعطل،الآن وبعد مرور هذه الأحداث الكبرى، فكرت في أن أدير محلا لبيع الأحلام والأفكار الجديدة،الكثيرون سيسارعون بالاتصال بالسراي التى يوما كان لونها أصفر،حتى دلالة هذا اللون تحتاج تفسيرا،ولم جعلوها سراي؟
ألم يكن بهم حاجة أن يطلقوا عليها "بيت" حقا يكون أجمل " البيت الأصفر" على شاكلة هذا البيت الذي يسكنه الترامب!
لن أتكلم في السياسة،يكفيني تلك السياط التى حفرت أخدودا فوق ظهري،أما أنا لن أبيعهم الأحلام والأفكار الرائعة دون مقابل،حين تكون السلعة زهيدة الثمن لا تجد رواجا،تعلمت هذا من آدم سميث،علي أن أحسن تغليف الأحلام،نحن في عالم مسكون بالرغبة في الكذب،أجمل النساء هي من تخفي آثار الزمن على وجهها،تحسن معالجة الملل الذي يحوط بالأمكنة الباردة،يا لقسوة الحجرات الصفيح حين تصب الشمس حممها في أيلول ذلك الشهر ارتبط كثيرا باللون الأحمر،ثمة علاقة بينه وبين اللهب الذي أحرق شجيرةالياسمين التى عبقنا من أريجها ذات يوم،يبدو أن سلعتي لن تجد من يدفع لأجلها،ومن تمام خيالاتي التي تتوالد من بعضها،نعم مثل الخلية الوحيدة التى أخرجوا منها النعجة دولي،أعلم أن القابعين حول مكحلة النساء،والمتنمصين سيقولون: حرام!
كم تخدع المفردات من فم اللصوص بدلالات الكذب،وتلك الزهور التى قطفت يوما كانت حلالا؟
وهل الخصر حين تمايل مبشرا بيوم وردي كان من المباح فعله وقوله؟
لا دخل لي بهذا،أنا فقط أقترب من البيت الأصفر،ألم أعاهدكم أنني سأغير فقط المسمى،ربما سألجأ إلى المقايضة
حلم بحلم،لن أتعامل بالنقود،يقولون إن من
مسها قد يصاب بأمراض معدية،يا لهول المرض،ومن ثم يذهبون بي إلى تلك الكانتونات ذات القطط السوداء،إنها تتعايش على بقايا أمعاء ساكني البيت الأبيض، لكم يخيفيني هذا الترامب إنه محمر الوجه،كأنما هو ..بري،ربما يذهبون بي بعد إلي هناك ،يا لبشاعة كوبا!
ساعلق على واجهة المحل عبارة : هنا نشتري الغد!
جميلة أليس كذلك؟
لكن الكثيرين سيحضرون معهم سلالا وأوعية،الجوع وحش قاتل،يظنون أن كل ما بالمحل يملأ البطون
الضاوية!
ستكون فكرة جيدة حلم لأجل الغد،ترى هل ستجد قبولا؟
علي أن أدعو الكسالى ممن هم على شاكلتي لغد أن نجتمع ونلوك الحكايات مثل هؤلاء الذين غادرهم قطار الحياة جبرا!




























الرحلة المتدثرة بالألم
ساشرع اليوم في عمل جديد،المؤجل دائما يثقل فكري ويعطل مسيرة حياتي،ترددت كثيرا في اتخاذ هذا القرار؛أن أنتقل من هذا البيت،لقد رحلوا جميعا،لم يبق إلا أنا،الآخرون امتطوا قطار الليل،لم أشاهدهم،تحت ستار ظلمته تدثروا بها،تخفوا حتى لا تخبو عزيمتهم،حملوا أشياءهم،العيون بكت ،النفوس أصابها الوجع،الرحلة مجهدة ولكن لا بد منها،هكذا أخبرت أولادي،لم تعد تصلح تلك البلدة لنا وطنا،الغربان تحوم حولنا،الأبواب صارت لنا بوابة قبور لا نافذة حياة!
لم أحدد وجهة للسفر،كل ما في ذهني ما هو إلا بعض لهفة للتغيير، حب الحياة ما يدفعني لهذا،صوت في داخلي: بيت الأجداد،عبق الماضي،الجذور،يجيب الصدى: حجة واهية ،وما نفع تلك الظلال الباهتة،هل ستعطيك الخبز؟
هل يوما تمنحك الأحلام المغتالة في وضح النهار؟
ماذا أحمل معي؟
لن أترك شيئا أندم على تركه،حتى قصاصات الأوراق سأحتفظ بها،الخيالات الحالمة ستصحبني،أغاني أمي سترافقني،آيات الله بصوت شيخي ستكون وردي، هي لن تتركني،وهل فعلت هذا إلا لأجلها؟
البيوت المتلاصقة تذرف دموع الوداع ثمة حنين إلينا،إنها ذات شوق لهؤلاء الذين عطروها بأنفاسهم،في السابق كنت لا أقوى على البعد،تعود إلي رئتي حين أتنفس هواء الطرقات المتربة ،أحببت منظر الدواب تسرح في جنباتها،أما اليوم صارت مثل علب الليل التى تزحف وتموج داخلها الخطيئة،يا لبشاعة الحاضر!
ربما الحزن هو ما يسكن داخلي،أنا المصاب بالقرح،الأبنية كتل صماء ،نحن من يعطيها دفق المشاعر،الأشجار لا تطرب رقصا لي بل تلك عادتها،الظنون تستبد بي،لم كل هذا الألم؟
ليتني ما ارتحلت
الأبواب تصدر صريرا كأنما هو نشيج باك آلمه الفقد وآيسته أوبة من أحب،كلما أتى ليل استبد به الحنين وجدا لطلعة وجه المحبين،هيهات يأنس لتلك الأصوات التى تختلط بمكر الخيانة،صارت المواطن منافي،والصدور من وقع الحقد مرتع الخائنين،ما عادت بي حاجة للبقاء،حين يأتى القطار محملا بتلك الأجساد التى تكدست مثل أجولة القمح في مخزن أبوراس،سألحق بهم،لن أمتاز عنهم بشيء ،ساتخلص من لغتي،لا حاجة بي لتلك الكومة من الأوراق التى سعيت عمري لأنالها،اللصوص في القرية احتازوا النهر،لقد بدلوا المياه والجزيرة إلى علب إسمنتية لا نفع لها إلا أن تكون مدعاة لوجاهة مختلقة،تحاول أن تغطي عمالتها لذلك الشيطان !
اليوم وجهتي للغد،حتى يأتي ذلك الحلم منتشيا بثوبه الأرجواني،لن أبقى لأتجرع مرارة الحرمان،هناك عالم يسعى جاهدا ليدرك القمر في تمامه،سأمد يدي لأقبس بعض ضوئه، ولعلي أجد عنده هدى !
الساعات تمضي في رتابة وتوجس،لم أتعود على هذا،كنت مثل جواد امريء القيس يسابق الريح،ما الذي دهاني؟
اعتلال جسد وكلل بصر،ووهن عزيمة،الشوق برح بي ،لم يدع لي مخرجا،هل سأغادر تلك الأماكن وقد نصبت للحب ألف راية،تحت هذا الركام من الحقد تكمن عاطفة موارة!

شيء واحد سأحرص على أن يكون معي؛أول سطر خطته يدي ما يزال بتلك الورقة،رغم أنها صفراء،لكن بعض ذكرى هو ما يجعلها ذات قيمة.
لا لن أكسر قلمي !
كتبت في حالة يأس وغضب عن كسر الأقلام ،لكنني عدت إلى صوابي ،وجدت أن القلم تعلة رجل مثلي ؛يتواصل به مع أحبائه ؛يكتب بعض همه ،يتفاعل مع عالمه الافتراضي ، يصاحب الفضلاء ،ربما كان عليه أن يصمت كثيرا ،يتناسى أن بنفسه جراحات تنزف كلما عاود الكتابة ،يتداوى من جراح بجراح ،نضب معين كان يستقي منه ،الرعاة كثر ؛يتزاحمون النهل يطلبون مزيدا ،يسائل أنداده أن يهبوه بعض خلب من أمل ، طرق كل الأبواب ،سار يحمل عساه بين الحارات ،طاف بالوطن شرقا وغربا ، يريد أن يجد موضعا لجسد منهك ،يبصر مرآه فيجد رجلا قد انحنى ظهره ،تغضن جلده ،خارت قواه ،بل حتى رغائب جسده صارت باهتة ،كان يظن نفسه المتنبي في عنفوانه ؛لكنه عاد لا مال ولا أهل ولا وطن !
تعلات ماضر لو نفر منها ، يتدلل البؤس في وطنه ،يختال مزهوا بباطله ،يعتصره الهم ألا يكون البهاء والجمال موضع العين.
أما حكاية القلم معي فقد بدأت من عمر مديد ،حاولت جاهدا أن أمسك به ،كان في بدايته عصيا ،ينفر من يد صبي غر ما يجد له في عالم الشباب غير تله به ،وكان لداته يأتون من اللعب صنوفا يعجز أن يجاريهم فيها ،ينزوي بركنه ويخرج قصاصة من جريدة ويمعن فيها قراءة ،يستجيد بعض كلمات من هذا ،ويطالع بعض سرد من ذاك ،يذهبون لملاعب القرية أما هو فكانت ضالته مكتبة فقيرة بمركز الشباب !
عرف نتفا من كتب ،له ذاكرة عجيبة عرف الأدب والفلسفة والفكر ، حتى رائحة الكتب في خزانتها ،كانت عطره الذى يستشفه ويملأ خياشيمه منه .
مرت سنونه سراعا وكان القلم خدنه ،تغاضبه المفردات ،وتداعبه المعاني ،له ولع بوطنه ،يحب كل ما كتب عنه ،ينظر أهله في طيبة ووداعة ، لكنه يعتب عليهم ذلة وانكسارا
يخطب فيهم بقلمه ولكنهم لا يدرون غير سكون قاتل ،المرض والجهل يغلبان شعبا ،والبطش والقهر يسكتانه ، ترى هل يجد القلم ضالته في وعي ؟!










حلم عند ضفة النهر
الكلام حين يكثر ينسي بعضه بعضا،ورغم ذلك البوح إلا أن ثمة حكاية ما تزال تلح علي أن أمسك بالقلم وأسرد بعض تفاصيلها؛ فبرغم لكنة في لغتي،إلا أنني أجيد الحكي،هذا كل نصيبي من ثروة جدتي،تركت في ولعا بالحكايات ،مضى ذلك العمر سرابا،لم تعد الألوان زاهية كما عهدتها،الثياب صارت أشبه بلوحة سريالية،حتى الأفكار ما عادت إلا تهاويم مجذوب،لقد اختلطت كل الحواجز،عندنا يقولون : اختلط النيل بالمالح،كثرت تلك الآلام جعلتني التمس الراحة ،لأول مرة أغادر البيت دون بطاقة ،ما حاجتي إليها؟
لقد ثقب الهم ذاكرتي،الناس تعرفني،والآخرون يعدون علي خطواتي،لست ذا خطر ،على أية حال،أمسكت بورقة وقلم،كلما مررت بباب أخط في الورقة كلمة،كثرت المفردات،وتعددت المواقف،حاولت التخفف منها،ألقيت بعض الحروف في الماء،تخلصت من ثقلها،انتظرت قليلا ،هاهو النهر يتحول ماؤه إلى محبرة كبيرة،حتى صارت الكلمات من حروفي سطورا متتابعة،هنا حكاية اندثرت وأخرى تجمعت أحداثها،ثمة كلمة لم تظهر من بين تلك الكلمات،مفردة تركت فجوة،أعلم قصتها،وحدي من يحتفظ بالسر،لقد أخفيت تلك المفردة،وضعتها في معجم ،لم يدركه لسان العرب،أصابتني إغفاءة،جوار شجيرة السنط التى كانت تربض فوق الضفة الشرقية من نهر النيل،هذا هو المكان الذي اختزن الحكايات،لم يشهد مثله تلك الأحداث الفرحة يوم أن هتف الزعيم،لقد كان له مريدون كثر،الغفوة حلوة ،جلبت إلي أطياف الراحلين،تسامرت معهم،أدركت أن الطريق أوشك أن يبلغ بي نهايته،حتى هي كانت هنا،أعطتنا رقم هويتي الذي كنت تركته في البيت،الثياب الخضراء،وجه القمر،خصلات الشعر ذات اللون المريمي،السعادة التى حرمت منها،يا لروعة مفرداتي لقد تشكلت في لوحة ربما فاقت ما يفعله "دافنشي" ابتسمت لي بعد ضنى،حاولت أن أقرأ بعض سطور من تلك اللوحة،الكلمات تداخلت مرة ثانية ،النهر ابتلع الحروف تباعا،رغم مهارتي عجزت أن أصطاد حرفا،أفقت على صوته،لحيته البيضاء تعطي وهج الشمس وبريق القمر،قص لي حكاية النهر والحرف،شربت من يديه،فماؤه غير ما في النهر،الوعد قادم
أشار بيديه عند الضفة الأخرى قرب الوادي الأيمن،عند ملتقى النهرين ستخرج الأرض نباتها الطيب،هل حقا سيأتي حاملا سيفه؟
أم أن تلك العطور التي سكبت على قارعة الطريق ستضوع قوما أشد بأسا؟
أدركتني حين هممت بالرحيل،أمسكت بي،ولأن القلب معنى بها،استجبت إليها،تعرف وجهتي،أخذت بيدي،أشارت هيا!
تلفت صوب الصوت ،اللوحة تجمعت ملامحها،وحده كان هنا،لم ينس شارته التى وسم بها كل بيت،النهر فاض،لم تعد بي حاجة لأن أتتبع الحروف،يكفي ما اختزنته لسنوات ،حين تأتي الأمطار تغسل الدرن،تلك كلمات جدتي الخضراء،يا لبراعة الطيف الشيخ والجدة!





عودة
وجدت الباب مفتوحا،لم أتمالك نفسي من السعادة التى ملأت قلبي،حان الوقت أن أدخل بيتنا من جديد،الأماكن تحمل الذكريات مثل أم عطوف،هنا كان يحلو لأبي أن يجلس؛بعد كل صلاة كنت أسمع دعاءه ،لم أتذكره يوما يغتاب أحدا،أمي مثل الشجرة الطيبة تقف في شموخ جوار البيت ،أنا وإخوتي في مهد يحنو علينا،ترى ما الذي فرقنا؟
لا أستطيع تذكر تفاصيل الزمن الفائت ،ثمة جرح مايزال ينزف،لم يلتئم رغم مرور تلك الأعوام التى ناهزت الثلاثين عاما: الرحيل!
صوب وجهة لم أدر سببا لكل هذا،قيل لي :إن الحياة هناك أفضل!
هكذا بدأت الجذور يصيبها الموات،عاطفتي تشتت،رياح الخريف ضربت أركان قلبي،تركت ذكرياتي الواهنة هنا،الأقلام والكتب،حقيبة المدرسة،الممحاة وأدوات الهندسة،ذات الوجه الجميل ،ترى أين هي الآن؟
هل ما تزال تتذكرني؟
الأشجار والخضرة ،القلوب التى كانت صافية مثل اللبن الذى كانت تحلبه جدتي من ضرع البقرة الصفراء،تركت كل هذا واغتربت،منذ هذا اليوم وأنا أعيش ممزقا،ما أصعب أن تنقسم نفسك!
مضت بي الأيام لم أمسك منها غير خيوط العنكبوت،كل أصدقائي يرحلون،وحدي ألتمس بقاياهم،أعاود فتح صفحات كتبي الصفراء،هنا في هذا البيت كان يحلو السمر،ليالي الشتاء الباردة كم كان دفء القلوب ينهي تبلد الأطراف،بدا لي أن العمر يستدير مرة ثانية،أحاول جاهدا أن أجد ذلك المفتاح لقد تركته جدتي هنا،يا لشقاء من يأتي دون أن يعرف أين تختفي الأسرار!
شرعت في فتح الابواب المغلقة،التراب صار مثل تلة معفرة،لا تبين الملامح،الأسرة تآكلت،حتى الألوان على الحوائط صارت باهتة مثل واجهات المقابر المهجورة،وضعت يدي على وسادتي وجدتها تتقطع تحت يدي،الراحلون أخذوا الأشياء معهم،حتى عبق أنفاسهم لم يعد موجودا،وهم تعلقت به ثلاثين عاما ؛أن أجد الفائت من عمري هنا،الساعات تمضي،صرت منعزلا عن العالم الصاخب من حولي،أشبه بمن أتى الكهف،حتى الممرات تداخلت،ربما هذا البيت يسكنه آخرون،أليست الجن تسكن الأماكن الخربة؟
ولأن الوهم بدأ ينكشف،استعدت لحظتي الحاضرة،لم يعد مقبولا أن أبقى هنا،لم آت لأبكي على الماضي،لقد تشاجرت أنا وهي،المدينة تلك المرأة التى تضع الأصباغ على وجهها كل آونة،عليك أن تبني لنا بيتا هنا،دعك من تلك الخيوط الممزقة،بع هذا البيت ،لقد صار شبح قوم اندثروا،بالفعل أتيت لأجل هذا،لكن ما إن خطوت بداخله حتى سمعت صدى صوت أبي،مثلت لي أطياف أهلي،كرهت أن أعيش منزوع الهوية،ما الذي فعلته؟
لا أعلم تفسيرا لهذا؟
شرعت في تنظيف البيت،كلما أزلت الركام تعود الذاكرة قوية،لقد وجدت الآنية كما تركتها أمي،الصنبور به الماء،النوافذ جلبت ضوء الشمس،يا لجمال المكان!
العصافير وأفراخ اليمام دخلت البيت،لن أرحل مرة ثانية،سأبقى هنا،أوشك الليل أن ينتهي،كفاني تبعثرا في بلاد الله،أريد لجسدي حين يداهمني الموت أن يرقد جوار أبي وأمي،ليس معقولا أن أدفن في بلاد غريبة!