المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تابع : حلب مجموعة قصصية


السيد عبدالوهاب
02-17-2017, 03:33 PM
فأر عم فؤاد
لم يعد للحكايات رونقها،كل الكلمات صارت باهتة،لاجديد تحت شمس الشتاء،الغيوم تتراكم،والقليل من المطر يتساقط ،حتى الأقلام جف مدادها،لم يعد لعمي فؤاد مكان بيننا،كان يقص أجمل خواطره،الشباب تسربوا كل إلى مقهى،بل إن الفتيات غادرن حيث عالم آخر ،لقد سكنت الشبكة العنكبوتية عقولهم،غادروا المحكى اليومي بلا رجعة،تحولت أفكارهم بل واختياراتهم صوب جهة ،ما حذرهم منها عمي فؤاد فعلوه،الخطر كامن بين تلك الصور المخادعة،إنها تجذب في غير انتباه،تترك أثرها،وها هم صاروا كائنات تمضي بطريق ربما لا تؤمن عواقبه!
أحدهم ممن لا يجيد غير كتابة النشرات المخفية بين طيات المراسلات ذات النكهة السرية،يترصد دلالات الكلمات البرتقالية،الرموز قد تجلب الثورة،لقد تم تدجين العم فؤاد منذ زمن بعيد،حين علموا- وفي الواقع كانت ضربة موفقة منهم -أن لسانه به زائدة مطرية،لو قطعوها خلسة؛ وهكذا يفعلون دائما؛حيلة مخادعة أن يستولوا على عقل ذلك المسكون بالقص،يتلاعبون بخلايا برمجته العصبية،ليكن له ناديه،وليقف الحارس الليلي ذو النظارة الطبية ببابه،تنتشر عنه الأقاويل ،إنه عالم من السحر،له ذاكرة عجيبة ،يحسن السرد ويأتي بالخيل إلى ساحات الغزو،السيرة الهلالية،الجنية والنهر،حديث الهراس،كل ليلة يلوك حكاية،والمخدرون تشخص عيونهم ،لم يكن مخادعا،هو لا يعي أن يد خفاء لعبت بتلافيف عقله،لقد صار مثل تروس الطاحونة التى سكنتها الفئران!

جاء شتاء وراء شتاء غامت الرؤى ،اعتل عمي فؤاد،لابد للعمر من انحناءة،لم يعد لسانه يلوك تلك العلكة اليومية،ثقب فأر شارد ذاكرته،لقد تهرأت، آه لو كانوا يعلمون،ما لبثوا في ذلك الخدر سنين!
الشمس حين تشرق في أيام الحصاد تغادر البرودة كهوف الجسد،الحياة تسري كما لو كانت قصيدة حب غزلية،الفتيات الآن على موعد مع الربيع،لقد انتهى البيات الشتوي،الجمال الأنثوي صار يزهر مثل الأقحوان البري،أعواد الرمان ،لها ورود حمراء،لقد أنعش الربيع نفوسهم،صارت المدينة أزهى ،الممرات بها شرايين جديدة،حين غابت ذاكرة عمي فؤاد بالعجز انبثق نور الفجر،لملموا بقاياهم المتشردة وراء أكوام من مخلفات ليالي الغفلة،صاحب النظارة الطبية،هو الآخر ما عاد مبصرا،تحركت تلك الزنابق تداعت مثل حبوب لقاح في مواسم التزاوج،الهمسات تحولت لشلال هادر،لكن الأيدي صغيرة مثل نبتة لم يشتد ساعدها،التنين تحت ثقل قدمه أخفاها،تأوهت كثيرا،الصوت واهن ولا صدى،فمن يستمع الآن يجد له ألف سوط رهقا!
يوما اهتز مؤشر البوصلة،لقد تسلل الفأر إليها،مثلما فعل جده بسد مأرب،اندفع الماء،خمدت منه الجذوة عند البقعة المباركة،الأخبار تتوالى ؛الرجل ذي العين الزجاجية سمح له بالتجول في الميدان،الشبكة العنكبوتية هي الأخرى صارت قن دجاج شهي،العم سام يتلاعب بأرصدة الخزانة،الكلمات في الفضاء الأزرق عاودت حكي السيرة الهلالية،لم يعد عم فؤاد واحدا؛لنلهو خلفه،كان والده ناظرا لدار العلوم،ليته لم يولد،أ هو زمن التهرب من كل القيم،أحقا كانت تلك اللعوب التى تمايل خصرها علينا ذات يوم أما له؟!


تجاعيد الزمن!
لا أدري ما الذي جاء بطيف جدي الصاوي إلي هذه الليلة؟
هل اقترب رحيلي عن هذا العالم المسكون بالقلق؟
كنت دائما أتسمع حكاياته من أمي التى لم تبقى في ذاكرتها غير ومضات من حديث جدتي؛ مات منذ زمن طويل،ولأن الحكايات مثل وشم على جلد لا يمحو الزمن خيوطه،بقيت تلك السيرة ماثلة في عقلي أستدعيها وقتما أريد،فكما تعلمون هوايتي القص،على كل رأيته هذه المرة وقد حمل عصاه،بعض شياه تتبعه،لم يكن مفتول الشارب،كان متعبا فقد تراكمت الهموم عليه،مع أنه قادم من ذلك الزمن الذي حمل أنفاس الطيبين هكذا اعتادت جدتي أن تتحدث عنه، فالجدات لا يغادرن الماضي رغم بعض ألمه ،حديثه يجعلنه رفيقا فيما تبقى من عمرهن ،الرحيل صوب الأرض التى احتوت أجساد الآباء،الآن الذاكرة أكثر فتوة،كلبه يتبعه مثل ظله،لم ينطق بكلمة واحدة،لا أدري أتلك هي صورته في عالم الحقيقة أم أنا من كونها من شتى وجوه العائلة؟
لم أهتم بذلك كثيرا كل ما أعيه أنني أبحث عن شيء ما،لم تكن ثمة وثيقة واحدة تثبت وجوده ،الشاهد الوحيد أنه مر من هنا،ربما لأن الآخرون ارتحلوا،أخذتهم النداهة بعيدا،ألقت بهم حيث المتاهة التى لا عودة منها،لم أكن محظوظا بطبيعة الحال؛أن تبقى في أرض تتنكر لك تلك محنة قاسية،بدأت أتلمس الطريق،الكل ذكرني بابن الصاوي،هل حقا أنا ولده؟
ربما
فالمتنبي ربته جدته،ظل مجهول النسب فما سره أن لقب بابن عيدان السقا!
حاولت التخلص من تلك الذاكرة الممتلئة بالغرائب،كم أرجو أن أمحوها!
أن ألقي بها في النهر غير آسف،بقيت لي منه السمة،الوشم العلامة على ظاهر يدي،لست على كل حال
هجينا،الآن تركت حرفة جدي الصاوي،هربت من شياهه،وضعت ثيابه في صندوق خشبي،حتى عصاه جهدت أن أحشرها بين طيات الملابس العتيقة،تأبت علي!
لا أدري ما الذي جعلها تقف شاخصة هكذا؟
السوس نال من طلائها،لم ينفد إلى قلبها،بعد ما يقارب الثمانين عاما نظرتها فإذا هي فتية كأن لم تختف من
مس البعيد،هل عادت له شياهه من جديد؟
كانت سيفه ، الربوة التى كان يقف عندها ليرعى اختفت معالمها،تحولت لوكر يبيض فيه الشيطان،يشرف منها على الوادي الذي كان أخضر!
لملمت بقايا جدي،استجمعت مفرداته التى سمعتها من جدتي كل ليلة كانت تجمعنا،هي تمتاز بتلك الحكايات،تضع حبات الفول السوداني،ثم تسرد في غير انقطاع كيف ضرب جدنا الصاوي أحد العساكر الإنجليز بتلك العصا، ذلك الوغد يريد أن يسرق شاة،ربما كان شعرها يغطي نصف ظهرها يتماوج مثل أعواد الصفصاف عند حنية النهر،يومها أسال دمه وألقى به في قرارة حفرة عند مقابر المجرية!
كانت عصية مثل مهرة عربية، تلك الحكايات مثلت هذه الليلة كائنات بشرية لا أحدد لها وجها مميزا كل ما أعيه منها ذلك الوشم المختزن على جبهتها،الحياة تتدفق بكآبة ،السحنة الحمراء عادت تتلصص على مربد الشياه،غاب مجددا جدي صاوي،التابع الذليل يختلس النظر إليها،يراغمها بل يراودها عن حملانها،الرعاة خارج البادية،يلوكون سمر المدينة غناء ولهوا،خصورهم تثنت مثل بغي جاءت من بلاد الثلج والخمر!
تنبهت الفجر موعد،رغم القهر.


























ثوب زاه
الأحلام المؤجلة تسبح في فضاء يزدهي برونق من طلاء عجيب،الخيالات مثل أجنحة طائر يغرد بلحن يسحر الآذان،هكذا رأيت أفكاري المرتقبة كل ما أخفيته وجب الآن البوح به،فما جدوى تلك المفردات التى سجنت في معجم ساكن أمسك بدلالاته وحدي،الماضي يتتابع مثل متوالية الأعداد التى تتعامل معها الآلة الحاسبة التى احتفظت بها في خزانة المكتب،لا وقت للانتظار،العمر يغافله الجني الساحر،لقد سلب ذاتي،جعلني أدور وراءه مثل مجذوب يهيم عشقا بفاتنة لن تأتي،الخيال يا له من رواء كاذب للحالمين به!
في مرات سابقة عاجلت الفجر،دعوته أن يلوح بشارة الأمل،كان واهنا،أصابته علة الصبر،منذ أعوام يقف عند قارعة الطريق،لكنهم أرهقوه بأحمالهم التى ناءت بها أجسادهم،كلفوه بما لا يطيق،إنهم يتعجلون مشرق الشمس،العمر يتهرب كأنما يخاف أن لا تدركه قافلة المغادرين صوب النصر،تفرقوا كل استلب عقله زيف،أنا ذلك المعنى بحلمه،الراصد لنجمه ،يغزل من خيوط الفجر الثوب الأرجواني،هيهات تأخذني الأوهام في طريق لامفر من السير فيه حتى نهابة الشوط،ذلك قدري الذي يحوطني،علي أن أغادر فراشي .
الخروج من الشرنقة، تعددت المآسي التى سكنت نفسي،أخذت وقتا ليس بالقليل ؛لأتعافى من آثارها،النسيان ذلك الدواء الذي تعاطيته مرغما،هو مر لكنه على كل أجدى نفعا،تركت بعضها عند أول موقف تعرضت له،سبب واحد جعلني أبحث عن التشافي مثل باحث عن أمل وسط كومة من الآلام،ربما كان ذلك آخر حيلة التجأت إليها،كنت مثل عجوز وهنت قواه استند إلى حائط متهدم،مضت تلك السنوات مثل نصل غرس في صدري.
آن لي أن أعانق الحياة من جديد،لتغادر الهموم بلا رجعة سقف بيتي،علي أن أفتح تلك النافذة الموصدة منذ أطل الشيطان بقرنه،يا له من عدو ينتهب لحظات عمري،لقد أسدل غلالته السوداء فأعمت بصري،تركتني أتخبط دونما هدف،مسلوب الإرادة فاقد الشعور بالزمن،كل من رآني يذهل لتغضن جفنا عيني،صرت مثل رجل خرج لتوه من حفرة سكنها مجبرا، القبر الذي أودعت فيه دونما شفقة ،هيهات ترد تلك الظنون الفائت من عمري المهدر،أوشك الشتاء الرابع أن ينتهي،البراعم بدأت تبحث عن ضوء الشمس.
رأيت صبيحة هذا اليوم أن الحياة أخذت طريقها من جديد ،لحظة الميلاد المختزنة طوال أشهر كل ما فيها كان ساكنا،والآن وجب علي أن ألبس ثوبا آخر،لن تقتلني تلك المآسي،أعلم أن جراحي غائرة مثل جب يوسف،ولكن حبل النجاة ألقي إلي،إنها طلبت أن أبدل تلك السحنة التى لازمتني،ليس من السهولة أن تختفي المحنة،تذكرت مقولتها: إنهم يراهنون على مرضنا،يشقون إن التحفنا بضوء القمر،يحبسون الشر ويدخرونه لأجلنا،لهم عيون تعمى ولا ندرك الطريق!
وقعت كلماتها من نفسي حمدا،بدلت مألوف أيامي منذ تلك الفاجعة،علي أن أعاود الحديث عن الآمال بل تلك هي مهمتي التى لا بديل لي عنها،ما أتعس اليائس من رحمة ربه!
ولأن الربيع بقف بباب الحديقة يغازل أغصان أشجارها،غرست شتلات الورد ،نثرت حبات الأقحوان البري،أعواد الرمان شذبتها،قطعت في غير أسى جذور نبات العليق،وقفت أنظر الحملان وهي تثغو،إنها على غير عادتها تمرح،أكان ذلك تفاؤل منها أم لعلها تجاوبت مع دفق مشاعري؟
نحن نصنع عالمنا،الكون انعكاس لها،ذلك قول يفسر حالتي،استغرقت تلك الخواطر التى أسطرها بعض وقت لأتذكرها،لست واهما يا عزيزتي،بل ولست بطبيعة أمري بلا غاية أسعى لتحقيقها،كل ما في الأمر أنه لم يعد بي صبر على تلك الآلام التى التفت مثل ثعبان حول عمري،الآخرون يصفقون بل سيبالغون فيه طربا إن وجدوا مني الانحناءة،هل أعطيهم ما يشتهون؟
العمر يمضي نهبا مثل عقارب الساعة التي فقدت اتزانها،غابت اللحظات الجميلة بفعل القهر الذي انتهب أجمل الأحلام،تكيدهم بسمتي،تشقيهم سعادتي لست ظل رجل ،ولا عملة زائفة!!
لن ألتفت للوراء،يكفيني ما أصابني من سهام غدر،النهر سيغسل بمياهه -حين يأتي الفيضان- تلك المحنة،سيرمي بالعوالق الميتة في لجة البحر،كل ما علي أن أبقى حاملا مفتاح العودة،أعلم أن الأبواب توارت تحت ركام من مخلفات الظلام والأقفال صدئة،سأعتمد على بقايا ذاكرتي،الخطو ما يزال أثره هنا،المصباح الأبيض يكشف خبايا العتمة،الرهان دائما يكسبه من يحسن زراعة الصبر،وهل بقي لي غيره أمل؟
كنت مثل النابغة،بنت ليل ناوشتني ،تهيبت منها،وهل لأعزل أن ينجو من لحظها المخادع إلا بحيلة ؟
ولأن وجهه كريه،تقول أمي حين يأتيك شره اتل آية الكرسي،خواتيم سورة النصر،أعلم أن ذلك صعب على بلوغ مراميه،يكفيني المحاولة،لن أبكي على تلك الترهات التى بلغت بي حد الهاوية، لن تدوم تلك المحنة،فرج الله يقترب، كما المطر يهطل فيغسل أدران السوء،الكون يتسع لكل الأحلام التى سعيت خطوي لأدركها،الدموع
مطهرات وشفاء لتلك الجراح،أنا واحدهم،ليس لي عنهما غناء،سألزم موضع خطوهم،وهل يبدل المرء اختياراته التى وشمت فوق ظهره؟
حتى وإن غامت سماء كنت أرقب نجمها،ما لي بد غير هذا،لتكن لي ذات تتجمل بالخير،الغول ذلك القميء المنزوي في كهف ناء جوار الأحجار المكدسة ثقلا فوق تلال الزمن،يترصد الساعين بأحلامهم نحو العلا،أوقف الرحالة استلب من الأمهات الحملان،سلبهن الضروع،ألقى بالثياب البيضاء المعدة للعيد في نيرانه التى أشعلها حقدا،يالقسوة الغدر،لم أدر من أي ناحية يأتي بتلك العداوة؟!
آن لصوتي الواهن أن يرعد في ظلمة الليل الحالكة،يسابقني حلمي وأغفل عن ساعته،يترصدني الألم فأشرع له بابي المحطم؛هروبا وما بي غبر تصبر بأيام الله.