المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فؤادة


السيد عبدالوهاب
03-04-2017, 10:03 AM
فؤادة
لأول مرة سأبوح بالسر الذي أخفيته عنكم طوال هذه الفترة التي عرفتموني بها، ما كان من أمري قناع أجدت التخفي وراءه،بعضكم سيراني متهورا،والبعض الآخر ربما زم شفتيه غاضبا؛لم كل هذا؟
ذلك حديث وجب البوح به،أنا غريب عن هذا المكان،لم تكن لي به معرفة من قبل،جئت إليه مرغما، تهاجر في خفاء البلابل لغلظة ووحشية البوم.
يقلقني ألا أسرد تلك الحكاية المتدثرة بثوب كثيف من الكتمان،الشوق استبد بي إليها،كم كنت أحبها!
مثل وجه القمر كانت،يعجزني لساني ويكل قلمي أن أصفها لكم،وهل لعاقل أن يخبر بحبيبة سكنت فؤاده؟
نعم هي فؤادة وهو كان العتريس،تربص بي،امتلأ قلبه بالحقد الأسود،كنت يومها عاجزا،الفقر ذلك البيت الذي يقتل أهله،شيء واحد تباهيت به ذلك القلم الذي أسرد لكم به حكايتي،تجمعت لي ثروة من الكلمات،بدأت أصوغها جملا،ولأنه منتش بأبيه المختزن في دواره كل حبات القمح،حتى السواقي لا تدور إلا بأبقاره،كنا صغيرين أنا وهو نلهو فوق التلة الصغيرة،الفلاحون يجمعون الردم الفائض ليكون وسادة الماشية ليالي الشتاء،رغم أنه ابن صاحب الأطيان إلا أنه يلعب معي،الطفولة مشاع بيننا،اللهو والفقر مثل نحل الوسية تحت أشجار الليمون،وفي يوم ما أزال أتذكره،جذب فؤادة إليه،قبلها من خدها،كشف عن شعرها الذهبي،هي ابنة عمي،ساعتها فار الدم برأسي،وهويت عليه بالعصا التى كانت جوار الساقية،رأيت الدم يسيل من رأسه كأنما انشق شريان قلبه،أمسكت بطرف ثوبي وليت مدبرا،أخذت أجري دونما جهة محددة،تناهى إلى أذني أنني قتلت ولد الباشا،الخوف تملكني،صرت بلا جذر،عند أول محطة للقطار،وضعت قدمي،تخفيت في العربة الأخيرة،كانت للبضائع،لا مال لدي ،بطني تصدر صدى الجوع،يخرج عرقي برائحة الجرم الذي ارتكبته،هل حقا مات؟
لا أدري،أخذت أفكر في غدي،ربما يمسك بي أحد معارفه ،ستقطع رقبتي ولاشك،بل ربما جاءوا بأبي وأمي،إخوتي الصغار سينالهم مثلي،ما هذا؟
أنا ما أزال في فراشي،الليل ساكن صامت،بدأت أتحسس وجهي،يالغرابة الحلم،كل ذلك كان وهما؟
بالفعل فقد نمت مبكرا،صليت العشاء،ولأن الخيالات تسرح في ردهة الظلام،وجدت صاحبا لها،ما حيرني هو تلك الفتاة التى دافعت عنها،ولم فعلت هذا؟
وأي قناع يغطي وجهي،ما أقسى الحرمان!
وهل أنا الزناتي خليفة؟
بائعة الفجل تنادي أسفل النافذة،زوجتي تطالبني بأن أخرج وأدع ما بيدي،فالحكايات لن تطعم الصغار خبزا،وجب علي أن أبدل ثيابي،موعد القطار يقترب،المسافة إليه تبلغ مدى طويلا،تهرأ ثوبي،الحذاء اليتيم تمزق جلده،أكلت الأرض كعبيه،علي بالفعل أن أترك تلك الأوهام،ما لي أنا وفؤادة؟
الشهر لايكفي ،تعجبت من مقالتها،ربما تقصد الراتب،ما في مقدوري أفعله،بل أقرأ الصحف متسولا،أتحين كلمة مع أي ممسك بصحيفته أعقد معه صفقة أن نتبادل الأوراق،لم أشتر كتابا منذ أن تزوجنا،تمسك بالمبلغ كله،هي محقة ،لن يطعم الطفل الصغير قصصا وروايات؟
الحل ألا أنام مبكرا،هي بكل تأكيد لن تدع لي فرصة للسهر،وإن كان لا يسعدها أن أنام مبكرا،تعرف حكاية فؤادة جيدا،تغار منها،تدرك أنها سرقتني منها.