مشاهدة النسخة كاملة : تأملات وملاحظات لغوية
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 05:04 PM
هذه الصفحة للتأمل في بعض الأصول وإبداء بعض الملاحظات اللغوية.
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 05:08 PM
في بعض الأوزان النادرة
1. وزن تَمَفْعَلَ يَتَمَفْعَلُ. (المصدر: تَمَفْعُل. اسم الفاعل: مُتَمَفْعِل)
يرد هذا الوزن في أفعال مشتقة من أسماء[1]، بعضها شائع الاستعمال في المشرق والمغرب العربيين مثل:
ـ "تَمَسْكَنَ"، المأخوذ من "مسكين"، وهو دخيل في العربية (من السومرية عبر الأكادية: muškīn-um)؛
ـ "تَمَرْكَزَ"، المأخوذ من "مركز"، المشتق بدوره من /ركز/؛
ـ "تَمَنْطَقَ"، المأخوذ من "منطق"، المشتق بدوره من /نطق/؛
ـ "تَمَوْقَعَ"، المأخوذ من "موقع"، المشتق بدوره من /وقع/؛
ـ "تَمَحْوَرَ"، المأخوذ من "محور"، المشتق بدوره من /حور/؛
ـ "تَمَفْصَلَ"، المأخوذ من "مفصل"، المشتق بدوره من /فصل/؛
وبعضها شائع في المغرب فقط لأن المغاربة قاسوا عليه واشتقوا:
ـ "تَمَخْزَنَ"، المأخوذ من "مخزن"، المشتق بدوره من /خزن/. و"المخزن" في المشرق هو المكان الذي تخزن الأشياء فيه إلا أن المغاربة استعملوه في الأصل كناية عن "السجن"، ومن ثمة عن الدولة. إذاً تعني "تَمَخْزَنَ" بالضبط: "باعَ ذمته للحكومة".
ـ "تَمَدْرَسَ"، المأخوذ من "مدرسة"، المشتق بدوره من /درس/. ومنه: "بلغَ سِنُّ التَّمَدْرُس" وهي السن التي يلزم الطفل فيها بالالتحاق بالمدرسة والمثابرة على الدراسة فيها (من السادسة حتى الـ السادسة عشرة في المغرب)؛
ـ "تَمَظْهَرَ"، المأخوذ من "مظهر"، المشتق بدوره من /ظهر/. ومعناها: "اتخذ مظهراً ما" أي "تظاهر بمظهر ما"؛
ومما اشتق العوام قياسا على هذا الوزن:
ـ "تَمَشْكَلَ"، المأخوذ من "مشكل"، المشتق بدوره من /شكل/؛
ـ "تَمَشْيَخَ"، المأخوذ من "شَيخ"، المشتق بدوره من /شيخ/؛
2. وزن تَأَفْعَلَ يَتَأَفْعَلُ. (المصدر: تَأَفْعُل. اسم الفاعل: مُتَأَفْعِل)
هذا وزن نادر شاذ عن القياس لأنه يضيف تاء للمتعدي بهمزة، لأن التاء لا تدخل إلا على المتعدي بتضعيف العين مثل "رَكَّبَ" و"تَرَكَّبَ" و"سَلَّمَ" و"تَسَلَّمَ" و"وَصَلَ" و"تَوَصَّلَ" الخ. ومن ذلك:
ـ "تَأَسْلَمَ تَأَسْلُماً" فهو "مُتَأَسْلِمٌ"! ومما قرأت في جريدة الصباح المغربية الصيف الماضي: "ظاهرة التأسلم"، ويقصد بذلك مَن اصطلح المشارقة على تسميتهم بـ "السلفيين/الأصوليين"؛ "مُتَأَسْلِمُو العصر؛ المُتَأَسْلِمُون"، ويقصد بذلك "السلفيون/الأصوليون". ولقد ركَّبَ صحفيو المغرب هذا الوزن العجيب ترجمة للاحقة اللاتينية –sation/-zation، فأتت "تَأَسْلُم" إزاء Islamisation/Islamization، التي يقابلها في اللغة "أَسْلَمَة"! لكن الواضح من الاستعمال أنه لا يقصد بـ "تَأَسْلُم" "الأسلمة" التي نعبر عنها بقولنا "الدخول في الإسلام"، لأن "تَأَسْلُم"، في نهاية المطاف، بل تسمية مستهجنة أطلقوها على أتباع التيار السلفي الأصولي، الذي يطلق عليه صحفيو المشرق اسم "الإسلاميين" وذلك على الرغم من الخلط الشديد الذي يسببه هذا المصطلح الذي أتى، شأنه في التبعية الفكرية لصحفيينا الفاشلين، شأن "المتأسلمين"، ترجمةً مستعارةً لـ Islamists.
3. وزن فَوْعَلَ يُفَوْعِلُ. (المصدر: فَوْعَلَة. اسم الفاعل: مُفَوْعِل)
ـ "عَوْلَمَ عوْلَمَة" مقابل globalisation/globalization. ومنه: "تَعَوْلَمَ".
ـ "خَوْصَصَ خوْصَصَة" مقابل privatisation/privatization. ومنه: "تَخَوْصَصَ". أما المشارقة فيستعملون بدلا منها "خَصْخَصَ"، ويقولون "خَصْخَصَة".
4. وزن تَفَعْلَنَ يَتَفَعْلَنُ. (المصدر: تَفَعْلَنَة. اسم الفاعل: مُتَفَعْلِن)
ـ "تَقَهْوَنَ"، المأخوذ من "قهوة"، المشتق بدوره من /قهو/، ومعناه: "تناولَ القهوة في الصباح"!
ـ "تَعَلْمَنَ"، المأخوذ من "عَلماني" (بفتح العين لا بكسرها كما أورد البعلبكي خَطأً في المورد)، المشتق بدوره من /عَلم؛ عالَم/.
ـ "تَوَسْخَنَ"، المأخوذ من /وسخ/، ومثله كثير في لهجات أهل الشام!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذه أفعال مشتقة من أسماء مشتقة بدورها من أفعال كما نرى. إذاً ليست هي مثل الأفعال المشتقة من أسماء مثل "أَذَّنَ" من "أُذْن"، و"تَزَوَّجَ" من "زَوْج" و"بَوَّبَ" من "باب" الخ، لأن "أُذْن" و"زَوْج" و"باب" أسماء ليست مشتقة من أفعال.
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 05:12 PM
تأملات في اِمرأة – أنثى ـ رَجُلَة ـ إنسانة
هنالك في العربية:
/مَرأة/ (امرأة بعد زيادة الألف فيها فيما بعد) مؤنث /مَرء/ الذي يعني تأثيلياً /رجل/! وليس ببعيد في القياس بأنها كانت تجمع على /مَرآت/!
و/نساء/، جمع /إنسانة/، لأنها مشتقة من الجذر العربي/السامي القديم /أ ن س/، ومنه الإنسان والأنس والإنسانية الخ.
و/إنسانة/ هي مؤنث /إنسان/ كما ترى، تماما مثلما تكون /مَرأة/ مؤنث /مرء/، و/رجلة/ مؤنث /رجل/، علما أن رَجُلَة لا تقال إلا لأخوات الرجال في القول والفعل من النساء. وقد أطلقوها قديماً على أمنا عائشة ـ جعل الله لشانئها كوكب الرجم ـ فقالوا: هي رَجُلَةُ العرب!
إلا أن أهم جذر سامي يشير إلى المرأة هو الجذر: /أ ن ث/.
إذاً: الجذر السامي الدال على المرأة هو /أ ن ث/. وهنالك قانون صوتي مطرد في الساميات مفاده أن حرف /الثاء/ في اللغة السامية الأم التي تفرعت عنها كل اللغات السامية، يبقى في العربية /ثاء/، ويصبح في السريانية /تاء/ وفي البابلية والعبرية /شين/.
مثال: /ثُوم/ في اللغة السامية، يبقى في العربية /ثُوم/، ويصبح في السريانية /تُوما/، وفي البابلية والعبرية: /شُوم/. هذه قاعدة مضطردة لا شواذ لها.
وإذا طبقنا هذه القاعدة على الجذر /أ ن ث/ لوجدنا أن /أنثى/ السامية بقيت /أنثى/ في العربية، وأصبحت في العبرية: وאישה: إيشَّة ـ بتشديد الشين، وأصلها في العبرية /إِنْشَة/ إلا أن النون في العبرية من حروف العلة، فأدغمت بالحرف الذي يليها، وظهر التشديد عليه للدلالة على الإدغام.
أما المعنى الأصلي للجذر فله علاقة بالضعف، لأن هنالك فعلاً بابلياً مشتقا منه هو /إنِيشُ/ ومعناه ضَعُفَ، وهذا الفعل ينظر إلى أخيه في العربية: /أَنُثَ/، الذي يعني أصبح مثل الأنثى في الضعف.
وأما /نساء/ و/نسوة/ فأعتقد أن الأصل هو /أنس/ وهو جذر مرادف لـ /أنث/ في الاشتقاق لأن أصل الجذور السامية ثنائي يضاف إليها حرف ثالث لتحديد المعاني. وعليه فإن الاجتهاد يقتضي اعتبار الجذر الثنائي الأصلي لهذين الجذرين هو /أ ن/، فأضيفت الثاء إلى أحدهما للدلالة على الأنثى، والسين إلى ثانيهما للدلالة على /الإنسان/ ذكرا كان أم أنثى! وأميل إلى الاعتقاد أن أصل /نساء/ هو /أنسات/ (قارن: آنسة/آنسات)، فحذفت الألف التي هي فاء الجذر، وقدمت النون لتصبح هي فاء الفعل، وأصبحت السين عين الجذر، وأضيفت الواو التي أصبحت لام الجذر في /نسوة/ إليهما، وهي الواو التي انقلبت همزةً في /نساء/، مثلما انقلبت واو /كان/ همزة في اسم الفاعل منه: /كائن/.
إذاً: الجذر السامي الثاني الدال على الانسان، رجلا كان أم امرأة، هو /أ ن س/. وهنالك قانون صوتي مطرد في الساميات مفاده أن حرف /السين/ في اللغة السامية الأم التي تفرعت عنها كل اللغات السامية، يبقى في العربية /سين/، ويصبح في السريانية /شين/ وفي البابلية والعبرية /شين/ أيضاً.
مثال: /لِسان/ في اللغة السامية، يبقى في العربية /لِسان/، ويصبح في السريانية /لَشُونا/ (والألف نهاية الكلمة للتعريف)، وفي البابلية: /لِشان/، والعبرية: /لَشُون/. وهذه أيضاً قاعدة مضطردة لا شواذ لها.
وإذا طبقنا هذه القاعدة على الجذر /أ ن س/ لوجدنا أن /أنس/ السامية بقيت /أنس/ في العربية، وأصبحت في العبرية: אנש: /أَنَش/ (ومنه /أَناشِيم/ أي الناس، الذي يجانسه في العربية: أناس)!
ولكن إذا نظرنا وأمعنا النظر في الكلمة العبرية: /نَشي(م)/ = نساء، والسريانية /نَشي(ن)/ = نساء أيضا، لاستنتجنا بسهولة أن التطور الصرفي للجذر /أ ن س/ إلى /نسو/ وقع في العربية والعبرية والسريانية، وهذا من عجائب الاتفاق اللغوي!
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 05:17 PM
حاشية في جمع أُمٌّ.
تجمع أُمٌّ كما هو معلوم على أُمَّات وأُمَّهات.وقال صاحب اللسان: الأُمَّهات فيمن يعقل، والأُمّات - بغير هاء- فيمن لا يعقل، فالأُمَّهات للناس والأُمَّات للبهائم.
والأصل في هذه الكلمة هو أُمّات بدون الهاء لأنها مضافة إلى الكلمة في حالة الجمع فقط. ولقد أكثروا من استعمالها بالهاء للآدميات من الأمّهات، وبدون الهاء للبهائم مثل قولهم أُمّات الكَيْك للدجاجات وغير ذلك. والكَيْك: البيض.
ومثل ذلك: إضافة الهاء للجذر /إلّ/ بمعنى الإله ليصبح /أ ل ه/.
ومن الجدير بالذكر أن إضافة الهاء في جمع /أمّ/ مضطردة في السريانية والعبرية وغيرهما من اللغات السامية (مثلاً: אם – אםהות = إم – إمهوت)، إلا أن العربية تفرّدت باحتفاظها بالشكلين معاً: أُمّات (وهي الأصل) وأُمّهات (وهي الفرع) الذي طغى على الأصل في الاستعمال وذلك دون إلغاء الأصل في الدلالة على الآدميات من الأمهات مثل قول جرير:
لقد وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سَوْءِ
مُقَلَّدة من الأُمَّاتِ عارا
أو الفرع في الدلالة على البهائم مثل قول ذي الرمة:
رَمى أُمَّهات القُرْدِ لَذْعٌ من السَّفا
وأَحْصَدَ من قِرْبانِه الزَّهَرُ النَّضْرُ
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 05:23 PM
حاشية في لغة "أكلوني البراغيث"!
إن لغة "أكلوني البراغيث" هي القاعدة المطردة في إسناد الفعل إلى الفاعل في اللغات الجزيرية. وكانت العربية عطلتها لالتقاء الفاعِلَيْن، وهو تطور لغوي مخصوص بالعربية دون سائر اللغات الجزيرية.
مثال عن ذلك في عبرية التوراة:
قال في سفر التكوين، الإصحاح العشرين، الآية الثالثة عشرة، والكلام في الآية منسوب إلى إبراهيم الخليل عليه السلام في حديثه مع أبي مالك بشأن زوجته سارة:
טג וַיְהִי כַּאֲשֶׁר הִתְעוּ אתִי* אֱלהִים מִבֵּית אָבִי, וָאמַר לָהּ, זֶה חַסְדֵּךְ אֲשֶׁר תַּעֲשִׂי עִמָּדִי: אֶל כָּל-הַמָּקוֹם אֲשֶׁר נָבוֹא שָׁמָּה, אִמְרִי-לִי אָחִי הוּא.
النقحرة: وَيْهِي كَأَشِر هِتْعوا أوتي إلُوهِيم مِبَيْت أبي، وَأُومِر لَهْ زِه حَسْدِيك أَشِر تَعَسِي عِمَّدي: إِلْ كُلْ هَمَّقُوم أَشِر نَبُوء شَمَّه، إِمْري لي: أَخِي هُو.
الترجمة الحرفية: "13. وكان عندما أتاهوني الآلهة من بيت أبي أن قلت لها: هذا معروفك الذي تصنعين لي في كل مكان ندخله: قولي عني أخي هو".
فورد الفعل هِتْعوا (= أتاهوا) بصيغة جمع المذكر الغائب لأن الفاعل هو إلوهيم جمع /إِلُوَه/ "إله".
ــــــــــــ
* أوتي = إياي. إن الحرف את أداة نصب في العبرية ترد قبل المفعول به، وتجانس في العربية أداة النصب (أو ضمير النصب) "إي" في "إيّاك نعبد وإياك نستعين الآية"، مع فارق أنها لا تأتي في العربية إلا مع ضمائر النصب التي تكون بدلاً من الاسم المنصوب لتوكيده، بينما تستعمل في العبرية مع الضمائر: (א(ו)תנו = إيانا)، ومع الاسم المفعول به كما نقرأ في الآية الأولى من سفر التكوين: (בראשית ברא אלהים את־השמים ואת־הארץ: بِرِشِيت بَرَأ إِلُوهِيم إِتْ هاشَّمايْم وِإِتْ هاإِرِصْ "في البدء بَرَأَ اللهُ السماوات والأرض"). فالمفعولان بهما (هاشمايم "السماوات" وهاأرص "الأرض") مسبوقان بأداة النصب את.
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 06:27 PM
يفضي بنا التأمل في صيغ التعدية (أَفْعَلَ/هَفْعَلَ/سَفْعَلَ) إلى الملاحظة بأن العربية احتفظت بطائفة من الألفاظ التي يقول فيها اللغويون الأوائل (1) إن /الهاء/ فيها تبدل من /الهمزة/. من تلك الألفاظ: إِيّاك/هِيّاك؛ إِنّ/هِنَّ (قارن العبرية: הנה = /هِنِّيه/)؛ هَيْر/أَيْر (= الصَّبا)؛ أَيا/هَيا (للنداء) الخ. ونجد هذا الإبدال في الأفعال المزيدة مثل: أَرَاق/هَراق؛ أنارَ/هَنار؛ أراحَ/هَراح؛ أرادَ/هَراد الخ. كما نجد أفعالاً مزيدة وقع فيها إبدال السين من الهمزة أيضاً مثل سَلْعَفَ، سَقْلَبَ وسَلْقَيَ.
بالمقارنة مع اللغات الجزيرية نجد أن /الهمزة/ و/الهاء/ و/السين/ وردت فيها لتعدية الفعل اللازم، وعليه فإن /السين/ و/الهاء/ في اللغات الجزيرية تجانسان /ألف/ تعدية الفعل الناقص في العربية مثل ماتَ/أماتَ. فحرف /السين/ هو حرف التعدية في الأكادية ولهجتيها البابلية والآشورية (مثلاً: أُشَشْكِن، من الجذر: /شكن، سكن/)، وفي الحميرية (القتبانية: سَعْذَب من الجذر /عذب/)، وفي الآرامية القديمة (שהלב = /شَلْهِب/، من الجذر /لهب/) (2) ، وفي الأوغاريتية (لَحَمَ "طَعمَ"، شَلْحَمَ "أطعمَ" ). وورد في العبرية (שבלול = /شَبْلُول/ من الجذر /بلل/)، وفي السريانية: (ܣܩܒܠ = /سَقْبِل/ من الجذر /قبل/) وهو نادر في الأخيرتين ندرته في عربيتنا (بعكس الحميرية وغيرها من لهجات العربية الجنوبية). وحرف /الهاء/ هو حرف التعدية في العبرية (הקדיש = /هِقْدِيش/ وأصله: /هَقْدَشَ/ على وزن /أَفْعَلَ/ ويعني "قَدَّسَ")، وفي الآرامية القديمة (הנפק = /هَنْفِق/ من الجذر /نفق/ وتعني فيها "أخرج"، والإنفاق إخراج الدراهم)، وفي الحميرية (السبئية: /هَعْذَب/ من الجذر /عذب/)، وفي اللحيانية (/هَوْدَقَ/ من الجذر /ودق/ "قَرَّبَ قُرْباناً). أما /الألف/ فيرد في العربية (أراقَ/هَراقَ)؛ وفي الحبشية (/أسْتَيَ/ "سَقى"، من الجذر /ستي/؛ وفي السريانية (ܐܠܒܫ = /أَلْبِشْ/ من الجذر /لبش/ "أَلْبَسَ").
ويلاحظ في هذا السياق أن وزن أَفْعَلَ/هَفْعَلَ/سَفْعَلَ يأتي في اللغات الجزيرية للتعدية وللصيرورة أيضاً مثل "أصبحَ، وأحصدَ الزرعُ" الخ. ومثله في العبرية: השמין = /هِشْمِين/ "أَسْمَنَ" أي صار سميناً، وفي الحبشية: /أَمْسَلَ/ "أَمْثلَ"، صار مثله في الحديث، الخ.
--------------------------------------------------
(1) انظر، على سبيل المثال: ابن جني، سر صناعة الإعراب، الصفحة 551 وما يليها.
(2) من الألفاظ التي لا تزال مستعملة في لهجات الشام ـ وهي البلاد التي كانت الآرامية فيها تحكى قبل تعريبها ـ كلمة "شَلْهُوبِة" وتعني "الحريق". يقال: "عَلَّق/شَهْلَبْ شَلْهُوبةِ" أي أنشأ حريقاً. ومعنى "شَلْهِبْ" الدقيق هو "أَلْهَبَ" أي "أثار اللهبَ"؟
عبدالرحمن السليمان
05-12-2013, 06:46 PM
حاشية في جمع التكسير
إن جمع التكسير ظاهرة جزيرية قديمة بادت في اللغات الجزيرية وبقيت العربية تحتفظ بها حتى اليوم. فقد نظمت اللغات الجزيرية التكسير بإضافة لاحقة الجمع السالم إلا أن بناء الكلم في بعضها لا يزال يدل على ظاهرة التكسير الأولى. وأكثر ما نجد ذلك في الأسماء العبرية المسماة بـ: "بنات السيغولات" (أو:nomina segolata باللاتينية)، وهي الأسماء التي كانت في الأصل على وزن فَعْلٌ (مثل ) وفِعْلٌ (مثل سفر) وفُعْلٌ (مثل أذن). وقد تطورت هذه الأسماء في بعض اللغات الجزيرية كما يلي:
الجزيرية الأم: كَلْبٌ(م) = Kalb-um؛ العربية: كَلْبٌ؛ الأكادية: كَلْبٌ(م) = Kalb-um؛ الآرامية: كَلْبا = Kalbā؛ العبرية: כֶלֶב = Keleb/v (يلاحظ أن التنوين في الغة الجزيرية الأم كان بالميم، وأنه بقي في الأكادية بالميم وأصبح في العربية بالنون، من ثمة القول: "تمويم" مكان "تنوين")!
1. كل كلمة عربية على وزن فَعْل (بفتح الفاء وتسكين اللام) تصبح في العبرية كما يلي:
عَبْدٌ تصبح في العبرية: עֶבֶד = عِبِد (ebed)
2. كل كلمة عربية على وزن فِعْل (بمسر الفاء وتسكين اللام) تصبح في العبرية كما يلي:
سِفْرٌ تصبح في العبرية: سِيفِر סֵפֶר = sēfer
3. كل كلمة عربية على وزن فُعْل (بضم الفاء وتسكين اللام) تصبح في العبرية كما يلي:
أُذْنٌ تصبح في العبرية: أُوزِن אזֶן = ōzen
تسمى هذه الأوزان الثلاثة في النحو العبري: "بنات السيغولات" (أو:nomina segolata )، و"السيغول" هو الحركة الممالة إمالة سريعة نحو الكسر (وهي الـ e في ōzen).
تجمع هذه الكلمات في اللغتين جمع تكسير على /فِعال/. إلا أن العبرية نَظَّمت جمع التكسير وجعلته مطرداً فيها بإضافة لاحقة جمع المذكر السالم: "ـِيم = ים".
مثال:
العربية: كلب، كلاب، سفر، أسفار الخ؛
العبرية: – كلاب ـ كلابيم (כְלָבִים: كِلابِيم)؛ سفر، أسفار؛ سفاريم (סְפָרִים: سْفارِيم) وعليه قس.
عبد الله أبو زبيدة
05-13-2013, 07:29 AM
السلام عليكم
اذا كانت تلك الالفاظ متشابهة فيما بينها في كل تلك اللغات والاختلاف بينها بسيط جدا , فما هي تلك اللغة الام او اللغة الجزيرية على حد تعبيركم ؟
بعبارة اخرى ما هي مقاييسكم العلمية التي تجعل هذه اللغة او تلك اما ؟
عبدالرحمن السليمان
05-13-2013, 05:29 PM
وعليكم السلام،
الأستاذ الفاضل:
يقوم علم اللغة المقارن على أربعة أصول هي: الصوتيات والصرف والنحو والمعجم. والقرابة اللغوية التي لا تثبت على أساس هذه الأصول الأربعة ولا تحكمها قوانين صوتية مطردة لا تكون قرابة لغوية بل محض صدفة. وأسرة اللغات الجزيرية أسرة لغوية قديمة تتكون من فرعين الفرع الشرقي (ومنه الأكادية والأوغاريتية والآرامية والعبرية والفينيقية والحبشية والعربية وغيرها) والفرع الغربي (ومنه المصرية القديمة والأمازيغية وغيرهما). وقد ذهب أكثر الباحثين إلى أن أصل هذه اللغات كان في الجزيرة العربية.
ترتبط لغات هذه الأسرة اللغوية الكبيرة بقرابة لغوية ثابتة صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، مما يفترض انحدارها من لغة أم كانت تستعمل في الجزيرة العربية قبل تفرق القبائل المتحدثة بها وهجرتها إلى العراق والشام ومصر والمغرب. وقد اهتدى الباحثون إلى تصوّر هذه اللغة الأم المفترضة بمقارنة اللغات الجزيرية ببعضها على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي، وأطلقوا عليها اسم Proto-Hamito-Semitic أو "اللغة السامية الحامية الأم". ونصطلح نحن على تسميتها بـ (اللغة الجزيرية الأم) لأسباب أبناها في دراسة مفصلة.
ونحن عندما نقول (اللغة الجزيرية الأم) فلا نقصد بها (اللغة العربية الفصحى)، لأن العربية الفصحى هي لغة الشعب الجزيري الذي بقي في الجزيرة العربية ولم يهاجر منها كما هاجر البابليون والعبران والآراميون الخ، أقصد العرب الذين بقي سوادهم في الجزيرة العربية حتى الفتح الإسلامي. إلا أن البحث العلمي أثبت أن العربية الفصحى أقرب اللغات الجزيرية إلى اللغة الجزيرية الأم، بل إن اللغة الجزيرية الأم كما أعيد تركيبها في كتاب علم اللغة المقارن لهذه اللغات لا تكاد تختلف مع العربية الفصحى إلا في جزئيات صغيرة جدا. وهذا سهل التفسير من الناحية التاريخية فيما أظن.
تحياتي الطيبة.
عبدالرحمن السليمان
12-14-2013, 01:26 AM
(الزَّرْدَة)
(الزَّرْدَة) مصطلح مهم في المغرب ويعني فيه تلك الوليمة العامة التي يُدعى إليها لنكاح أو عقيقة أو صدقة، فيحضرها مَن دُعِيَ إليها ومَن لم يُدعَ إليها .. ويقابل مصطلحَ (الزَّرْدَة) في لهجة أهل الشام مصطلحُ: (السَّلْتِة).
وبما أن (الزَّرْدَة/السَّلْتِة) وليمة عامة لأهل الحي فإن الطفيليين يجتهدون في حضورها اجتهادا، فيخبرون بعضهم بعضا قبل انعقادها بيوم أو أكثر، ويصومون عن الطعام حتى يتنعموا بطيباتها ويتلذذوا بحلوياتها، ذلكم أن الوليمة العامة (الزَّرْدَة/السَّلْتِة) إنما تكون غنية جدا لأن أصحاب المناسبة يريدون أن يسلموا من ألسنة الناس فيجتهدون في التفنن (أو التبذير على رأي بعضهم). فيحضرون وقد شرب الواحد منهم كأسا من الخل لتتمدد معدته وتكبر ويكبر معها حظه من الطعام فيلتهم الأخضر واليابس .. من ثمة مبالغة الناس في وصف الكميات التي يلتهمها الطفيليون في أثناء (الزَّرْدَة/السَّلْتِة) ويسمونهم (سَلِّيتِة) ويقولون فلان (سَلِّيت يأكل عشرين دجاجة في الوجبة) .. وفلانة (سَلِّيتِة تتسلى بصينية بقلاوة وهي تشرب فنجان القهوة)!
ما يثير فضولي العلمي هو أن (الزَّرْدَة) في الشام والعراق ضرب من الحلوى الذي يقدم بعد الولائم الدسمة، وهو (أرز بحليب) أو (حُبوب) أو ما أشبه ذلك. وبما أن الولائم العامة التي يقام بها لنكاح أو عقيقة أو صدقة لا تتم إلا بالحلويات الطيبة التي تقدم في آخرها، مثل (الرز بحليب) أو (المهلبية) أو (الهيطلية) أو (كشك الفقراء) أو (عيش السرايا) أو (القطايف عصافيري) أو (حلاوة الجبن) أو (السفوف)، فقد يكون المغاربة كنوا بالحلوى عن الوليمة من باب تسمية الشيء ببعضه أو الطعام بألذه كما يبدو من نازلة الحال .. وهذا تصرف لغوي حسن!
ونظرا لأهمية (الزَّرْدَة/ السَّلْتِة) في الموروث الشعبي .. فقد اشتقوا منها أفعالا فقالوا: (زَرَدَ) في المغرب و(سَلَتَ) في الشام. و(زَرَدَ) و(سَلَتَ) ليسا مثل (طعمَ) و(أكلَ) فالأمر يتعلق هنا بثقافتين مختلفتين وتقنيتي طعام جد مختلفتين.
مصطفى شعبان
04-07-2016, 01:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزى الله أستاذنا العزيز خيرًا
والفعل "ازْدَرَدَ" في العربية يعني ابتلع، ومنه ما جاء في حديث البخاري:
وَقَالَ عَطَاءٌ: «إِنِ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لاَ أَقُولُ يُفْطِرُ».
وجاء في العين: "والزَّرْدُ: الابتلاع. ازدرد الطّعام".
وفي مجمل اللغة لابن فارس: "ازدردَ اللقْمة يزدردُها، وزردها يزردُها، إذا ابتلعها". وفي المقاييس:
"(زَرَدَ) الزَّاءُ وَالرَّاءُ وَالدَّالُ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الِابْتِلَاعِ، وَالزَّاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ سِينٍ. يُقَالُ ازْدَرَدَ اللُّقْمَةَ يَزْدَرِدُهَا. وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الزَّرَدُ مِنْ هَذَا، عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ السِّينُ، وَمَعْنَى الزَّرَّادِ السَّرَّادُ".
انسام
04-12-2016, 11:42 AM
يعطيك الف عافية
عبدالرحمن السليمان
04-12-2016, 02:53 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزى الله أستاذنا العزيز خيرًا
والفعل "ازْدَرَدَ" في العربية يعني ابتلع، ومنه ما جاء في حديث البخاري:
وَقَالَ عَطَاءٌ: «إِنِ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لاَ أَقُولُ يُفْطِرُ».
وجاء في العين: "والزَّرْدُ: الابتلاع. ازدرد الطّعام".
وفي مجمل اللغة لابن فارس: "ازدردَ اللقْمة يزدردُها، وزردها يزردُها، إذا ابتلعها". وفي المقاييس:
"(زَرَدَ) الزَّاءُ وَالرَّاءُ وَالدَّالُ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الِابْتِلَاعِ، وَالزَّاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ سِينٍ. يُقَالُ ازْدَرَدَ اللُّقْمَةَ يَزْدَرِدُهَا. وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ الزَّرَدُ مِنْ هَذَا، عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ السِّينُ، وَمَعْنَى الزَّرَّادِ السَّرَّادُ".
شكر الله لك قراءتك وإضافتك القيمة أستاذنا الفاضل.
تحياتي العطرة.
عبدالرحمن السليمان
04-12-2016, 02:54 PM
يعطيك الف عافية
شكرا جزيلا.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, vBulletin Solutions, Inc Trans by mbcbaba