الدكتور علي العبيدي
06-10-2013, 11:44 PM
مراتب الكلام العربي في المحكم والمحيط الأعظم
لابن سيده الاندلسي الجزآن الأول والثاني
قد اجل اللغويون مراتب الكلام العربي ، فقال ابن هشام الخضراوي (( اعلم انهم يستعملون غالبا ، وكثيرا ، ونادرا ،وقليلا ، ومطردا، فالمطرد الذي لا يتخلف ، والغالب اكثر الاشياء ، والكثير دونه ، والقليل دون الكثير ، والنادر اقل القليل )) (1) .
ومن خلال ما تقدم من كلام ابن هشام الخضراوي الذي نقله السيوطي في مزهره تبدو لنا عناية اللغويين العرب بهذه المسألة ، أي : مسائل اوجه الكلام العربي ومراتبه ، فقد تناولوه في جل مصنفاتهم ، واستوفوا وصفه ، وحده ، فهذا ابن فارس يعقد لمراتب الكلام بابا سماه ( باب مراتب الكلام في وضوحه و اشكاله ) (2) .
ثم ان علماء العربية وقفوا على تلك الألفاظ و أوضحوا ما يراد بها في اللفظ والاصطلاح، وهذه التعابير مهمة جدا في الدرس اللغوي ، إذ لولا تلك الاقيسة والحدود العملية التي وضعها اللغويون لضاعت أشياء كثيرة من اللغة واختلط الفصيح الذي يعتد به بسواه ، ولألتبس الأمر على الدارس وأشكل كثيرا .
وفي هذا البحث سنحاول ان نأتي على ما أجمله اللغويون من مراتب الكلام العربي ، ونعوته من خلال ما تقدم له من أوصاف وحدود ، إذ قد وصف علماء العربية كما مر الألفاظ اللغوية بصفات مختلفة فاستعملوا مصطلحات من نحو : غالبا ، وكثيرا، ونادرا ، وقليلا ، ومطردأ ، وقد استعملوا في آثارهم مصطلحات اخرى اختلطت مداليها لديهم ، وتشعبت الآراء حولها ، فقالوا : هذا لفظ شاذ ، وهذا فصيح ، وهذا شارد ، وهذا حوشي ، وهذا غريب ، وهذا نادر ( 3)
اولا : الفصيح
معنى الفصيح لغة واصطلاحا : الفصيح في اللغة هو من ( تفصيح اللبن وذهاب اللبأ عنه ، وكثرة فصحه ، وذهاب رغوته ، وفصَّح اللبن تفصيحا ، ورجل فصيح ، فصُح فصاحة ) (4) ، وفي أساس البلاغة ( فصح : انطلق لسانه وبها خلصت لغته من اللكنة … وتقول : لمحة نصيحة خير من كلمة فصيحة ) ( 5) ، وقال الراغب : ( الفصح : خلوص الشيء مما يشوبه واصله في اللبن ، يقال : فصح اللبن ، و أفصح فهو مفصِح ، وفصيح اذا تعرى من الرغوة … ومنه استعير فصُح الجل اذا جادت لغته ، وأفصح تكلم بالعربية ) (6) واما في الاصطلاح : فهو الطلق اللسان في القول الذي يعرف جيد الكلام ، والفصيح من الفصاحة ، وهي البين ، ومدار الفصاحة كثرة الاستعمال العربي لها ، والكلام الفصيح على هذا ما خلص من تنافر الحروف ، ومخالفة القياس اللغوي ( 7) ، وهذا يعني ان الفصيح ما طابق قياس العربية وكثر استعماله .
وجاء في طبقات النحويين لابي بكر الزبيدي ( قال : سمعت ابن نوفل يقول : سمعت ابي يقول لابي عمرو بن العلاء : اخبرني عما وضعت مما سميت عربية ، أيدخل فيه كلام العرب كله ؟ فقال : لا، فقلت : كيف تضبط ما خالفتك فيه العرب وهم حجة ؟ فقال : احمل على الأكثر ، واسمي ما خالفني لغات ) (8) ومن خلال النص في أعلاه نجد ان معيار الفصاحة في الكلمة هو كثرة الاستعمال ، فضلا عن تناسق بنائها ، كما نقل السيوطي عن ثعلب قوله ( ومنه ما فيه لغتان او ثلاث ، او أكثر من ذلك فاخترنا أفصحهن ، ومنه ما فيه لغتان كثرتا واستعملتا ، فلم تكن احداهما أكثر من الأخرى ) (9) ، وقد حدد اللغويون الشروط الواجب توفرها في المفردة حتى تعد فصيحة ، وهي :
1. خلوص اللفظ المفرد من تنافر الحروف .
2. خلوصه من الغرابة .
3. خلوصه من مخالفة القياس اللغوي ( 10) .
وقد زيد على ما تقدم من شروط كون اللفظة لا تخرج عن استعمال العرب لها الموثوق بعربيتهم فقالو ( ثم علامة كون الكلمة فصيحة ان يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا ) (11) لذا فقد خلص السيوطي إلى أن المراد بالفصيح هو ( ما كثر استعماله في السنة العرب ) .
ومن خلال ما تقدم يمكن ان نستشف حقيقة المراد باللفظ الفصيح ، والحدود التي قيد بها ، وحدد والتي لأجلها سمي فصيحا ، كما ذكر غيره ان مخالفة القياس لا تتعارض مع كثرة الاستعمال ، إذ قال الشيخ بهاء الدين السبكي ( ما خالف القياس ، وكثر استعماله ، فورد في القران فهو فصيح ) (12) ، وحول مسألة القياس اللغوي المخل بالفصاحة فإننا ( لا نسلم ان مخالفة القياس اللغوي يخل بالفصاحة وسند هذا المنع بكثرة ما ورد منه في القران الكريم ، بل مخالفة القياس مع قلة الاستعمال مجموعهما هو المخل ) ( 14) .
وبعد فان النظرة اللغوية لم تكن وحدها هي التي أسهمت في تحديد مفهوم الفصاحة بل ارتبطت ارتباطا وثيقا وصميميا بالبلاغة التي ترتكز على منطلقات جمالية ، واعتبارات سياقية في الاهتداء الى الفصيح ومعرفته و الا فان تنافر الحروف ملحوظ في الدرس البلاغي أكثر من الدرس اللغوي وان كان الأخير اسبق لان البلاغة تنظم علاقات الكلم من حقيقة وجاز وتركيب فيقول عبد القاهر الجرجاني :( انه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد حتى يكون قد الف منه الكلام ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي اريج به ) (15) ، ولا نعتقد انه قد اراد بـ( سلامة الألفاظ ) الا مطابقتها لاقيسة كلام العرب ومجاراتها له في سنن تاليفه ، وتركيبه وبنائه ، وقد ظهر الأثر الذي تركه البلاغيون في تصنيف الكلام العربي واضحا عند الكثير منهم ، فهذا ابو هلال العسكري من المتقدمين والرواد في الفكر البلاغي العربي يقول ( انك اذا قلت فصُح الرجل ، أفاد ذلك انه صار على حال يقيم فيها الحروف ويوفيها حقها ) ( 16) ، وعند البلاغيين لا يكون الكلام فصيحا ما لم يحمل مجموعة من الصفات وجملة من النعوت هي ( وضوح المعنى ، وسهولة الالفاظ ، وجودة السبك غير مستكره فج ، ولا متكلف وخم ، لايمنعه من احد الاسمين شيء لما فيه من ايضاح المعنى وتقويم الحرف ) ( 17) ، وهنا نقف قليلا عند قول ابي هلال العسكري ( انه صار على حال يقيم فيها الحروف ) ولا نعتقد انه اراد ( بإقامة الحروف ) الا حسن تأليفها وعدم قرب مخارجها واستواءها على ساق الفصاحة ، وقربها منها لتكون ضمن قولنا ( كلمة فصيحة ) .
اما اللغويون فكانوا اكثر ملاحظة واستقراء لكلام العرب لإثبات الفصيح وتمييزه عن غيره على أسس يكاد ان يكون اغلبها صوتيا كما هو ملاحظ عند البلاغيين ، فهذا الخليل بن احمد يقول عن تأليف الحروف مع بعضها : ولولا بحة في الهاء لأشبهت العين فلذلك لم يأتلفا في كلمة واحدة وكذلك الهاء، وقال أيضا : سمعنا كلمة شنعاء ( الهعخع ) فانكرنا تأليفها ( 18) وهذا يوحي انه لا يحكم على كلمة ما بأنها فصيحة ما لم ينسجم فيها تأليف الحروف ، فلا تكون متقاربة حد الفحش ، و القباحة ، ولا متباعدة حد النشوز ، والركاكة ، وقد قال ابن دريد ( اعلم ان أحسن الأبنية ان يبنوا بامتزاج الحروف المتباعدة … الا ترى انك لا تجد بناء رباعيا مصمت الحروف لا مزاج له من حروف الذلاقة ) ( 19)
ثانيا : مفهوم النادر في اللغة والاصطلاح
النوادر : جمع نادر ، او نادرة ، إذ جاء في الصحاح ( ندر الشيء ، يندر : سقط ، وشذ ، ومنه النوادر ) ( 20) ، وهي أيضا : من ندر الشيء ، يندر ندورا ، ونوادر الكلام تندر ، وهي ما شذ ، وخرج عن الجمهور ( 21) ، وأما النادر في الاصطلاح فيراد به ( تعبير لغوي يرد في كتب اللغة ، ومعجماتها كثيرا بمعنى خلاف الفصيح المعروف على الأغلب ، والنادر قريب المعنى من الحوشي ، والغرائب ، والشواذ في اللغة ، الا ان النادر بمعناه العام يشمل هذه الالفاظ جميعا على الرغم من انه بمعناه الخاص اقرب هذه الالفاظ من الفصيح ) ( 22) .
وقد أورد السيوطي قاعدة جليلة يعرف بها النادر فقال : ( والنادر اقل من القليل ، فالعشرون بالنسبة الى ثلاثة وعشرين غالبها ، والخمسة عشر بالنسبة إليها أكثرها لا غالب ، والثلاثة قليل ، والواحد نادر ) ( 23) . ووما تجدر الإشارة إليه ههنا ان النظرية التي تقدم ابن هشام بها وأوردها السيوطي هي نظرية ( قائمة على أساس مخالفة القياس اللغوي وخروج اللفظ عنه ، وهي نظرية صحيحة ثابتة تؤكد الأمثلة الكثيرة المبثوثة في كتب اللغة ، ولكنها لا تحل مشكلة النادر أيضا ) ( 24) مع ما تقدم من صحتها ، وذلك لاننا نجد كثيرا من الألفاظ مخالفة للقياس ، وهي مع ذلك فصيحة .
والحقيقة ان معيار الحكم على الألفاظ هو الاستعمال ( فعلامة كون اللفظة فصيحة ان يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا … اذاً فالمراد بالفصيح كما مر هو ما كثر استعماله في السنة العرب ) ( 25) ، والمراد بالنادر اذاً ما قل استعماله في السنة العرب (26) ، ، لذلك فان ( كثرة الاستعمال ، وقلته هي المعيار الصحيح الثابت الذي يه يمكن لنا ان نحكم ان هذا اللفظ فصيح معروف وان ذاك اللفظ نادر مجهول ) ( 26) .
ثالثا :كشف بتراث النادر في العربية
ومن باب استكمال الفائدة وإتمام النفع رأيت ان أتقصى تراث التأليف في مجال النوادر ، لانه حقيقة تراث ضخم يستوجب ان تجرى حوله دراسة لغوية شاملة تهدف الى اظهار مدى تاثير النوادر في اللغة وفي النحو وفي الصرف على نحو ما صنعت أستاذتنا الدكتورة نهاد العاني في بحثها ( النادر في الأبنية الصرفية ) ويبدو لي ان افق النادر لا يقتصر على الصرف فحسب بل يتعداه الى النحو والى الدلالة كذلك ، وما اخلق باحثا لغويا لو وجه جهده في موضوع النوادر ودرسها دراسة لغوية شاملة ، وتتبع معاييرها ، وأسباب نشوئها ، وتأثير اللهجات في ذلك .
ومن تراث العربية في النوادر ، إليك مسردا بأسماء من ألفوا فيها ، وهم حسب الترتيب الزمني :
1. أبو عمر ابن العلاء البصري ( 154هـ) .
2. يونس بن حبيب الضبي البصري ( 183هـ) له كتاب النوادر الكبير ، والنوادر الصغير .
3. علي بن حمزة الكسائي ( 189هـ) له كتاب النوادر الكبير والصغير والاوسط ، وله كتاب نوادر الأعراب .
4. عبد الله بن سعيد الأموي .
5. القاسم بن معن المسعودي قاضي الكوفة ( 188هـ) (27)
6. سحيم بن حفص النسابة .
7. عمر بن سليمان بن كركرة النحوي .
8. يزيد بن عبد الله الكلابي … وكتابه كبير فيه فوائد كثيرة .
9. ابو شبلي العقيلي .
10. دهمج بن محرز البصري .
11. ابو المضرحي .
12. دلامز البهلول .
13. يحي بن المبارك اليزيدي ( 202هـ) له كتاب النوادر ، الفه على غرار نوادر الاصمعي ، وقد اخذت رسالة ماجستير في قراءته عام ( 2001م ) في كلية آداب الجامعة المستنصرية تقدمت بها الطالبة هناء كاظم الحسيناوي .
14. اسحق بن مرار الشيباني ( 206هـ) له كتاب النوادر المعروف ب ( الجيم ) كما يقول الدكتور عزة حسن ، وله النوادر الكبير والصغير والأوسط ، ولم يذكر ان الجيم هو من كتب النوادر عند تحقيقه .
15. محمد بن المستنير قطرب ( 206هـ) .
16. علي بن حازم اللحياني ، له كتاب النوادر ، شريف كان الفراء دائما يثني عليه .
17. يحي بن زياد الفراء ( 207هـ)
18. الهيثم بن عدي الثعلي ( 207هـ) .
19. معمر بن المثنى التيمي ( 210هـ) .
20. سعيد بن اوس الانصاري ( 215هـ) .
21. عبد الملك بن قريب الأصمعي ( 216هـ) .
22. علي بن محمد المدائني ( 215هـ) .
23. محمد بن يحي بن المبارك اليزيدي ( 227هـ) . (28)
24. الاخفش الأوسط ( 221هـ) .
25. علي بن المغيرة الاثرم ( 230هـ) .
26. عبد الله بن محمد بن هارون التوزي ( 230هـ) .
27. محمد بن زياد الأعرابي ( 231هـ) له كتاب النوادر ، و نوادر بني فقعس .
28. عمرو بن ابي عمرو الشيباني ( 231هـ)
29. عبد الوهاب بن حريش ، ابو مسحل الأعرابي .
30. عيينة بن عبد الرحمن تلميذ الخليل بن احمد.
31. ابو الوازع محمد بن عبد الخالق ، له كتاب في النوادر .
32. محمد بن هانيء النيسابوري اللغوي ، له كتاب كبير في نوادر الإعراب وغرائب الفاظها وفي المعاني والأمثال.
33. عبد الرحمن بن برزج اللغوي ، له كتاب في النوادر اثنى عليه الازهري .
34. يعقوب بن اسحق السكيت ( 244هـ) .
35. إبراهيم بن سليمان بن حبان النهمي .
36. سهل بن محمد السجستاني ( 255هـ) .
37. احمد بن أبي عبدالله الرقي .
38. الحسن بن عليل العنزي ( 290هـ) ، له كتاب النوادر عن العرب .
39. محمد بن العباس اليزيدي ( 310هـ) .
40. إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزجاج ( 311هـ) .
41. محمد بن الحسن بن دريد الازدي ( 321هـ) .
42. محمد بن عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب ( 345هـ) (29)..
43. إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي ( 356هـ) له كتاب الامالي والنوادر في اللغة والغريب ، وقد املى كتابه في جامع الزهراء بقرطبة ، وقد شرحه الوزير ابو عبيد الله بن العزيز البكري الاندلسي ( 487هـ) وسماه ( شرح اللألىء ، واختصره احمد بن عبد المؤمن الشريشي ( 619هـ) .
44. عثمان بن جني ( 392هـ) له كتاب النوادر الممتعة في العربية .
45. الحسن بن عبد الله العسكري ، ابو هلال ( 395هـ) .
46. صاعد بن الحسن الاندلسي ( 410هـ) له كتاب الفصوص في النوادر والغريب والادب والأشعار على غرار نوادر ابي علي القالي ( 30 ) .
ومن نتائج هذا الإحصاء يتبين لنا ان جل كتب النوادر لم يصل الينا وان التاليف فيه انقطع في القرن الرابع الهجري ، وبداية القرن الخامس الهجري ، فآخر من الف فيه توفي عام ( 410هـ) .
لابن سيده الاندلسي الجزآن الأول والثاني
قد اجل اللغويون مراتب الكلام العربي ، فقال ابن هشام الخضراوي (( اعلم انهم يستعملون غالبا ، وكثيرا ، ونادرا ،وقليلا ، ومطردا، فالمطرد الذي لا يتخلف ، والغالب اكثر الاشياء ، والكثير دونه ، والقليل دون الكثير ، والنادر اقل القليل )) (1) .
ومن خلال ما تقدم من كلام ابن هشام الخضراوي الذي نقله السيوطي في مزهره تبدو لنا عناية اللغويين العرب بهذه المسألة ، أي : مسائل اوجه الكلام العربي ومراتبه ، فقد تناولوه في جل مصنفاتهم ، واستوفوا وصفه ، وحده ، فهذا ابن فارس يعقد لمراتب الكلام بابا سماه ( باب مراتب الكلام في وضوحه و اشكاله ) (2) .
ثم ان علماء العربية وقفوا على تلك الألفاظ و أوضحوا ما يراد بها في اللفظ والاصطلاح، وهذه التعابير مهمة جدا في الدرس اللغوي ، إذ لولا تلك الاقيسة والحدود العملية التي وضعها اللغويون لضاعت أشياء كثيرة من اللغة واختلط الفصيح الذي يعتد به بسواه ، ولألتبس الأمر على الدارس وأشكل كثيرا .
وفي هذا البحث سنحاول ان نأتي على ما أجمله اللغويون من مراتب الكلام العربي ، ونعوته من خلال ما تقدم له من أوصاف وحدود ، إذ قد وصف علماء العربية كما مر الألفاظ اللغوية بصفات مختلفة فاستعملوا مصطلحات من نحو : غالبا ، وكثيرا، ونادرا ، وقليلا ، ومطردأ ، وقد استعملوا في آثارهم مصطلحات اخرى اختلطت مداليها لديهم ، وتشعبت الآراء حولها ، فقالوا : هذا لفظ شاذ ، وهذا فصيح ، وهذا شارد ، وهذا حوشي ، وهذا غريب ، وهذا نادر ( 3)
اولا : الفصيح
معنى الفصيح لغة واصطلاحا : الفصيح في اللغة هو من ( تفصيح اللبن وذهاب اللبأ عنه ، وكثرة فصحه ، وذهاب رغوته ، وفصَّح اللبن تفصيحا ، ورجل فصيح ، فصُح فصاحة ) (4) ، وفي أساس البلاغة ( فصح : انطلق لسانه وبها خلصت لغته من اللكنة … وتقول : لمحة نصيحة خير من كلمة فصيحة ) ( 5) ، وقال الراغب : ( الفصح : خلوص الشيء مما يشوبه واصله في اللبن ، يقال : فصح اللبن ، و أفصح فهو مفصِح ، وفصيح اذا تعرى من الرغوة … ومنه استعير فصُح الجل اذا جادت لغته ، وأفصح تكلم بالعربية ) (6) واما في الاصطلاح : فهو الطلق اللسان في القول الذي يعرف جيد الكلام ، والفصيح من الفصاحة ، وهي البين ، ومدار الفصاحة كثرة الاستعمال العربي لها ، والكلام الفصيح على هذا ما خلص من تنافر الحروف ، ومخالفة القياس اللغوي ( 7) ، وهذا يعني ان الفصيح ما طابق قياس العربية وكثر استعماله .
وجاء في طبقات النحويين لابي بكر الزبيدي ( قال : سمعت ابن نوفل يقول : سمعت ابي يقول لابي عمرو بن العلاء : اخبرني عما وضعت مما سميت عربية ، أيدخل فيه كلام العرب كله ؟ فقال : لا، فقلت : كيف تضبط ما خالفتك فيه العرب وهم حجة ؟ فقال : احمل على الأكثر ، واسمي ما خالفني لغات ) (8) ومن خلال النص في أعلاه نجد ان معيار الفصاحة في الكلمة هو كثرة الاستعمال ، فضلا عن تناسق بنائها ، كما نقل السيوطي عن ثعلب قوله ( ومنه ما فيه لغتان او ثلاث ، او أكثر من ذلك فاخترنا أفصحهن ، ومنه ما فيه لغتان كثرتا واستعملتا ، فلم تكن احداهما أكثر من الأخرى ) (9) ، وقد حدد اللغويون الشروط الواجب توفرها في المفردة حتى تعد فصيحة ، وهي :
1. خلوص اللفظ المفرد من تنافر الحروف .
2. خلوصه من الغرابة .
3. خلوصه من مخالفة القياس اللغوي ( 10) .
وقد زيد على ما تقدم من شروط كون اللفظة لا تخرج عن استعمال العرب لها الموثوق بعربيتهم فقالو ( ثم علامة كون الكلمة فصيحة ان يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا ) (11) لذا فقد خلص السيوطي إلى أن المراد بالفصيح هو ( ما كثر استعماله في السنة العرب ) .
ومن خلال ما تقدم يمكن ان نستشف حقيقة المراد باللفظ الفصيح ، والحدود التي قيد بها ، وحدد والتي لأجلها سمي فصيحا ، كما ذكر غيره ان مخالفة القياس لا تتعارض مع كثرة الاستعمال ، إذ قال الشيخ بهاء الدين السبكي ( ما خالف القياس ، وكثر استعماله ، فورد في القران فهو فصيح ) (12) ، وحول مسألة القياس اللغوي المخل بالفصاحة فإننا ( لا نسلم ان مخالفة القياس اللغوي يخل بالفصاحة وسند هذا المنع بكثرة ما ورد منه في القران الكريم ، بل مخالفة القياس مع قلة الاستعمال مجموعهما هو المخل ) ( 14) .
وبعد فان النظرة اللغوية لم تكن وحدها هي التي أسهمت في تحديد مفهوم الفصاحة بل ارتبطت ارتباطا وثيقا وصميميا بالبلاغة التي ترتكز على منطلقات جمالية ، واعتبارات سياقية في الاهتداء الى الفصيح ومعرفته و الا فان تنافر الحروف ملحوظ في الدرس البلاغي أكثر من الدرس اللغوي وان كان الأخير اسبق لان البلاغة تنظم علاقات الكلم من حقيقة وجاز وتركيب فيقول عبد القاهر الجرجاني :( انه لا يكون بسهولة الألفاظ وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد حتى يكون قد الف منه الكلام ثم كان ذلك الكلام صحيحا في نظمه والغرض الذي اريج به ) (15) ، ولا نعتقد انه قد اراد بـ( سلامة الألفاظ ) الا مطابقتها لاقيسة كلام العرب ومجاراتها له في سنن تاليفه ، وتركيبه وبنائه ، وقد ظهر الأثر الذي تركه البلاغيون في تصنيف الكلام العربي واضحا عند الكثير منهم ، فهذا ابو هلال العسكري من المتقدمين والرواد في الفكر البلاغي العربي يقول ( انك اذا قلت فصُح الرجل ، أفاد ذلك انه صار على حال يقيم فيها الحروف ويوفيها حقها ) ( 16) ، وعند البلاغيين لا يكون الكلام فصيحا ما لم يحمل مجموعة من الصفات وجملة من النعوت هي ( وضوح المعنى ، وسهولة الالفاظ ، وجودة السبك غير مستكره فج ، ولا متكلف وخم ، لايمنعه من احد الاسمين شيء لما فيه من ايضاح المعنى وتقويم الحرف ) ( 17) ، وهنا نقف قليلا عند قول ابي هلال العسكري ( انه صار على حال يقيم فيها الحروف ) ولا نعتقد انه اراد ( بإقامة الحروف ) الا حسن تأليفها وعدم قرب مخارجها واستواءها على ساق الفصاحة ، وقربها منها لتكون ضمن قولنا ( كلمة فصيحة ) .
اما اللغويون فكانوا اكثر ملاحظة واستقراء لكلام العرب لإثبات الفصيح وتمييزه عن غيره على أسس يكاد ان يكون اغلبها صوتيا كما هو ملاحظ عند البلاغيين ، فهذا الخليل بن احمد يقول عن تأليف الحروف مع بعضها : ولولا بحة في الهاء لأشبهت العين فلذلك لم يأتلفا في كلمة واحدة وكذلك الهاء، وقال أيضا : سمعنا كلمة شنعاء ( الهعخع ) فانكرنا تأليفها ( 18) وهذا يوحي انه لا يحكم على كلمة ما بأنها فصيحة ما لم ينسجم فيها تأليف الحروف ، فلا تكون متقاربة حد الفحش ، و القباحة ، ولا متباعدة حد النشوز ، والركاكة ، وقد قال ابن دريد ( اعلم ان أحسن الأبنية ان يبنوا بامتزاج الحروف المتباعدة … الا ترى انك لا تجد بناء رباعيا مصمت الحروف لا مزاج له من حروف الذلاقة ) ( 19)
ثانيا : مفهوم النادر في اللغة والاصطلاح
النوادر : جمع نادر ، او نادرة ، إذ جاء في الصحاح ( ندر الشيء ، يندر : سقط ، وشذ ، ومنه النوادر ) ( 20) ، وهي أيضا : من ندر الشيء ، يندر ندورا ، ونوادر الكلام تندر ، وهي ما شذ ، وخرج عن الجمهور ( 21) ، وأما النادر في الاصطلاح فيراد به ( تعبير لغوي يرد في كتب اللغة ، ومعجماتها كثيرا بمعنى خلاف الفصيح المعروف على الأغلب ، والنادر قريب المعنى من الحوشي ، والغرائب ، والشواذ في اللغة ، الا ان النادر بمعناه العام يشمل هذه الالفاظ جميعا على الرغم من انه بمعناه الخاص اقرب هذه الالفاظ من الفصيح ) ( 22) .
وقد أورد السيوطي قاعدة جليلة يعرف بها النادر فقال : ( والنادر اقل من القليل ، فالعشرون بالنسبة الى ثلاثة وعشرين غالبها ، والخمسة عشر بالنسبة إليها أكثرها لا غالب ، والثلاثة قليل ، والواحد نادر ) ( 23) . ووما تجدر الإشارة إليه ههنا ان النظرية التي تقدم ابن هشام بها وأوردها السيوطي هي نظرية ( قائمة على أساس مخالفة القياس اللغوي وخروج اللفظ عنه ، وهي نظرية صحيحة ثابتة تؤكد الأمثلة الكثيرة المبثوثة في كتب اللغة ، ولكنها لا تحل مشكلة النادر أيضا ) ( 24) مع ما تقدم من صحتها ، وذلك لاننا نجد كثيرا من الألفاظ مخالفة للقياس ، وهي مع ذلك فصيحة .
والحقيقة ان معيار الحكم على الألفاظ هو الاستعمال ( فعلامة كون اللفظة فصيحة ان يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا … اذاً فالمراد بالفصيح كما مر هو ما كثر استعماله في السنة العرب ) ( 25) ، والمراد بالنادر اذاً ما قل استعماله في السنة العرب (26) ، ، لذلك فان ( كثرة الاستعمال ، وقلته هي المعيار الصحيح الثابت الذي يه يمكن لنا ان نحكم ان هذا اللفظ فصيح معروف وان ذاك اللفظ نادر مجهول ) ( 26) .
ثالثا :كشف بتراث النادر في العربية
ومن باب استكمال الفائدة وإتمام النفع رأيت ان أتقصى تراث التأليف في مجال النوادر ، لانه حقيقة تراث ضخم يستوجب ان تجرى حوله دراسة لغوية شاملة تهدف الى اظهار مدى تاثير النوادر في اللغة وفي النحو وفي الصرف على نحو ما صنعت أستاذتنا الدكتورة نهاد العاني في بحثها ( النادر في الأبنية الصرفية ) ويبدو لي ان افق النادر لا يقتصر على الصرف فحسب بل يتعداه الى النحو والى الدلالة كذلك ، وما اخلق باحثا لغويا لو وجه جهده في موضوع النوادر ودرسها دراسة لغوية شاملة ، وتتبع معاييرها ، وأسباب نشوئها ، وتأثير اللهجات في ذلك .
ومن تراث العربية في النوادر ، إليك مسردا بأسماء من ألفوا فيها ، وهم حسب الترتيب الزمني :
1. أبو عمر ابن العلاء البصري ( 154هـ) .
2. يونس بن حبيب الضبي البصري ( 183هـ) له كتاب النوادر الكبير ، والنوادر الصغير .
3. علي بن حمزة الكسائي ( 189هـ) له كتاب النوادر الكبير والصغير والاوسط ، وله كتاب نوادر الأعراب .
4. عبد الله بن سعيد الأموي .
5. القاسم بن معن المسعودي قاضي الكوفة ( 188هـ) (27)
6. سحيم بن حفص النسابة .
7. عمر بن سليمان بن كركرة النحوي .
8. يزيد بن عبد الله الكلابي … وكتابه كبير فيه فوائد كثيرة .
9. ابو شبلي العقيلي .
10. دهمج بن محرز البصري .
11. ابو المضرحي .
12. دلامز البهلول .
13. يحي بن المبارك اليزيدي ( 202هـ) له كتاب النوادر ، الفه على غرار نوادر الاصمعي ، وقد اخذت رسالة ماجستير في قراءته عام ( 2001م ) في كلية آداب الجامعة المستنصرية تقدمت بها الطالبة هناء كاظم الحسيناوي .
14. اسحق بن مرار الشيباني ( 206هـ) له كتاب النوادر المعروف ب ( الجيم ) كما يقول الدكتور عزة حسن ، وله النوادر الكبير والصغير والأوسط ، ولم يذكر ان الجيم هو من كتب النوادر عند تحقيقه .
15. محمد بن المستنير قطرب ( 206هـ) .
16. علي بن حازم اللحياني ، له كتاب النوادر ، شريف كان الفراء دائما يثني عليه .
17. يحي بن زياد الفراء ( 207هـ)
18. الهيثم بن عدي الثعلي ( 207هـ) .
19. معمر بن المثنى التيمي ( 210هـ) .
20. سعيد بن اوس الانصاري ( 215هـ) .
21. عبد الملك بن قريب الأصمعي ( 216هـ) .
22. علي بن محمد المدائني ( 215هـ) .
23. محمد بن يحي بن المبارك اليزيدي ( 227هـ) . (28)
24. الاخفش الأوسط ( 221هـ) .
25. علي بن المغيرة الاثرم ( 230هـ) .
26. عبد الله بن محمد بن هارون التوزي ( 230هـ) .
27. محمد بن زياد الأعرابي ( 231هـ) له كتاب النوادر ، و نوادر بني فقعس .
28. عمرو بن ابي عمرو الشيباني ( 231هـ)
29. عبد الوهاب بن حريش ، ابو مسحل الأعرابي .
30. عيينة بن عبد الرحمن تلميذ الخليل بن احمد.
31. ابو الوازع محمد بن عبد الخالق ، له كتاب في النوادر .
32. محمد بن هانيء النيسابوري اللغوي ، له كتاب كبير في نوادر الإعراب وغرائب الفاظها وفي المعاني والأمثال.
33. عبد الرحمن بن برزج اللغوي ، له كتاب في النوادر اثنى عليه الازهري .
34. يعقوب بن اسحق السكيت ( 244هـ) .
35. إبراهيم بن سليمان بن حبان النهمي .
36. سهل بن محمد السجستاني ( 255هـ) .
37. احمد بن أبي عبدالله الرقي .
38. الحسن بن عليل العنزي ( 290هـ) ، له كتاب النوادر عن العرب .
39. محمد بن العباس اليزيدي ( 310هـ) .
40. إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزجاج ( 311هـ) .
41. محمد بن الحسن بن دريد الازدي ( 321هـ) .
42. محمد بن عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب ( 345هـ) (29)..
43. إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي ( 356هـ) له كتاب الامالي والنوادر في اللغة والغريب ، وقد املى كتابه في جامع الزهراء بقرطبة ، وقد شرحه الوزير ابو عبيد الله بن العزيز البكري الاندلسي ( 487هـ) وسماه ( شرح اللألىء ، واختصره احمد بن عبد المؤمن الشريشي ( 619هـ) .
44. عثمان بن جني ( 392هـ) له كتاب النوادر الممتعة في العربية .
45. الحسن بن عبد الله العسكري ، ابو هلال ( 395هـ) .
46. صاعد بن الحسن الاندلسي ( 410هـ) له كتاب الفصوص في النوادر والغريب والادب والأشعار على غرار نوادر ابي علي القالي ( 30 ) .
ومن نتائج هذا الإحصاء يتبين لنا ان جل كتب النوادر لم يصل الينا وان التاليف فيه انقطع في القرن الرابع الهجري ، وبداية القرن الخامس الهجري ، فآخر من الف فيه توفي عام ( 410هـ) .