عضو المجمع
06-12-2013, 06:43 AM
الكاتب سليمان إبراهيم العايد.
ملخص:
عنوان الورقة: معلم اللغة بين تدريس ما يعتقده وتدريس ما يحتاجه الطالب
حاجات طالب العربية في عصرنا تختلف عن حاجاته في العصور الخالية؛ فطالب العربية فيما مضى يطلبها لواحدٍ أو أكثر من الأهداف الآتية:
1- دراسة النحو من أجل توظيفه في فهم وتحليل النصوص الشرعية والأدبية.
2- مجاراة أهل العلم، والبَجَحِ بأن من يتكلّم لديه إلمامة، أو معرفةٍ بشيءٍ منه.
3- مماراة للجهلة ومفاخرة لمن ينقصهم هذا العلم.
4- من باب المكمِّلات الشخصية من ضرورة معرفة الشخص بشيءٍ من العربية.
5- التسلية بطرح الألغاز, وحلِّها.
ولم يكن عمل الطلاب ودرسهم أكثر من قراءة كتاب بل متنٍ من متون النحو، من أوّله إلى آخره، يتحفّظ مسائله، ويحاجي بمشكلها، ويبجح بحلّ ألغازها، وفكِّ رموزها، فإذا انتهى من متنٍ شرع في متنٍ آخر، أو انتقل إلى شرحٍ من شروحه، حتّى يمرَّ على مجموعةٍ من متون النحو وشروحها، وحواشيها، لا تختلف عن بعضها إلا بالحجم، وصياغة القاعدة، واختلاف العبارة وضوحًا وسهولة، واختصارًا وبسطًا.
وهذه الأهداف لا تخرج عن التحصيل المعرفي المنضبط بالقواعد، المؤيَّد بالشواهد، المحرر العبارة، غير أنه يفتقر إلى التمهير، والتطبيق، والممارسة لما تحفَّظه من القواعد، وألمّ به من المسائل، قراءة، وإلقاءً، وإنشادًا، وكتابةً؛ فهو عارف بالقواعد، عاجز عن تطبيقها، فضلا عن عجزه عن تحليل الخطاب، وتفكيك النصوص، وتذوُّق أعمال المبدعين، والتمييز بينها.
وما يجري الآن في قاعات تعليم اللغة العربية وفصول دراستها، ليس من هذا ببعيدٍ، يلتحق الطالب مثلا بقسم اللغة العربية؛ ليجد نفسه في إعصار من قراءة كتب العربية على هذا، فهو يتنقّل من مستوًى إلى مستوًى، فينتقل من موضوع إلى موضوع في مستوًى واحد، وأهداف واحدة، فكل ما تغيّر هو الموضوع، وأمّا الأهداف فهي مختزلة في جانبها المعرفي من حفظ القاعدة، والقدرة على تذكُّرها، والقدرة على فهم عبارة الكتاب المقرّر، لدى أمثل الطلاب طريقة، دون تطبيقٍ أو ممارسة، أو عناية بمهارات، أو استجابة لمتطلبات العصر؛ فالدرس امتداد لماضٍ، وصورة متكرِّرة، في بيئةٍ تختلف عن الماضي في أهدافها، وحياتها، واتصالها، وطرائق الاتصال، ومدى تغلغل الجوانب الكلامية في الحياة على ما سيأتي بيانه في الورقة، إن شاء الله.
وأودُّ من خلال هذه الورقة طرح أمورٍ على أساطين العربية، وأسئلة عن أهداف مقررات العربية خاصة النحو: المعرفية، والمهارية، ووسائل تعليمهما الطالب، وتكوينها لديه، وكيف يقيسون مدى تحقّقها في الطالب، وقدرته على تمثُّلها. وقد فرضت حياة العصر نوعين من المهارات: نوعًا يشترك فيه طلاب العربية مع غيرهم, ونوعًا يخصهم دون غيرهم.
---------------
العربية تدرس قديمًا وحديثًا, فهل يتساوى درسها في الزمنين: الحاضر والغابر؟ بل كيف كان يجري درس العربية في تاريخنا؟ وما أهداف طلابه؟ وكيف يجري درسها في العصر؟ ثمّ إنه إن كان ثمّت خلاف, فما هذا الخلاف؟ وهل يتمثّل باختلاف الوسيلة؟ أم باختلاف المادة والمحتوى؟ وهل ثمّت خلاف في الأهداف والمقاصد؟. وهل الاختلاف في شيء ممّا ذُكِر موجب لاختلافاتٍ أخرى؟
من الواضح أن أهدافهم في السابق لا تتجاوز خمسة:
• دراسة النحو، وعلوم اللغة الأخرى من أجل توظيفه في فهم وتحليل النصوص الشرعية والأدبية من إعراب، وقراءة صحيحة، وتخريج لما يشكل إعرابه، أو معناه، وتوجيه ما يمكن توجيهه.
• دراستها من باب مجاراة أهل العلم، والبَجَحِ بأن من يتكلّم لديه إلمامة، أو معرفةٍ بشيءٍ منها، كما هو حال كثيرٍ من أبناء الزعماء والقادة والولاة والخلفاء والأمراء حين يتّخذون لأبنائهم من يؤدِّبهم.
• دراستها مماراةً للجهلة ومفاخرة لمن تنقصهم هذه العلوم، ولا يحيطون بها، فيظهر نفسه في المجالس أنّه عالم بالنحو ملمٌّ بالعربية، عارف بشيءٍ من آدابها، وليرفع عنه الصفة المعاشية من تجارة أو فلاحة، أو صناعة، أو حرفة أخرى.
• دراستها من باب المكمِّلات الشخصية من ضرورة معرفة الشخص بشيءٍ من العربية، أو أداءً لما يفرضه نظام الحياة، والأعراف الاجتماعية، أو يقتضيه نظام التعليم، ومتطلبات الانخراط في طلابه.
• التسلية بطرح الألغاز, والمحاجاة, وهي بضاعة راجت في العصور الماضية, وأُلِّفت فيها بعض التصانيف، وتشاغل بها من لا شأن له بتطوير درس العربية.
ولم يكن عمل الطلاب ودرسهم أكثر من قراءة كتاب بل متنٍ من متون النحو، من أوّله إلى آخره، يتحفّظ مسائله، ويحاجي بمشكلها، ويبجح بحلّ ألغازها، وفكِّ رموزها، فإذا انتهى من متنٍ شرع في متنٍ آخر، أو انتقل إلى شرحٍ من شروحه، حتّى يمرَّ على مجموعةٍ من متون النحو وشروحها، وحواشيها، لا تختلف عن بعضها إلا بالحجم، وصياغة القاعدة، واختلاف العبارة وضوحًا وسهولة، واختصارًا وبسطًا. هذا من ناحيةٍ ومن ناحيةٍ أخرى، يقدِّم معلِّمو اللغة العربية لطلّابهم ما تعلّموه، ويسعون إلى تخريج جيلٍ يسير على خطاهم, وفق نمطٍ يناسبهم, ولا يخالف إعداد معلِّميهم.
وهذه الأهداف لا تخرج عن التحصيل المعرفي المنضبط بالقواعد، المؤيَّد بالشواهد، المحرر العبارة، غير أنه يفتقر إلى التمهير، والتطبيق، والممارسة لما تحفَّظه من القواعد، وألمّ به من المسائل، قراءة، وإلقاءً، وإنشادًا، وكتابةً؛ فهو عارف بالقواعد، عاجز عن تطبيقها، فضلا عن عجزه عن تحليل الخطاب، وتفكيك النصوص، وتذوُّق أعمال المبدعين، والتمييز بينها.
وما يجري الآن في قاعات تعليم اللغة العربية وفصول دراستها، ليس من هذا ببعيدٍ، يلتحق الطالب مثلا بقسم اللغة العربية؛ ليجد نفسه في إعصار من قراءة كتب العربية على هذا، فهو يتنقّل من مستوًى إلى مستوًى، فينتقل من موضوع إلى موضوع في مستوًى واحد، وأهداف واحدة، فكل ما تغيّر هو الموضوع، وأمّا الأهداف فهي مختزلة في جانبها المعرفي من حفظ القاعدة، والقدرة على تذكُّرها، والقدرة على فهم عبارة الكتاب المقرّر، لدى أمثل الطلاب طريقة، دون تطبيقٍ أو ممارسة، أو عناية بمهارات، أو استجابة لمتطلبات العصر؛ فالدرس امتداد لماضٍ، وصورة متكرِّرة، في بيئةٍ تختلف عن الماضي في أهدافها، وحياتها، واتصالها، وطرائق الاتصال، ومدى تغلغل الجوانب الكلامية في الحياة على ما سيأتينا، إن شاء الله.
وأودُّ هنا طرح أمورٍ على أساطين العربية، وأسئلة عن أهداف مقرر النحو: المعرفية، والمهارية، ووسائل تعليمهما الطالب، وتكوينها لديه، وكيف يقيسون مدى تحقّقها في الطالب، وقدرته على تمثُّلها.
وقد حكى نحوًا من هذه الصورة عبد الله ربيع ، في مقالٍ له بعنوان "من مشكلاتنا الصوتيّة في نطق العربية الفصحى وتعليمها" نشره في مجلّة كليّة اللغة العربية العدد الثامن 1398هـ 1978م.
وهل يقوم درس العربية في جامعاتنا على تخطيط؟ أنالا أريد فرض إجابة، ولكن أريد أن أعرض الآتي:
في أقسام اللغة العربية يكاد الإجماع يقع على أن يدرس الطالب كتابًا نصّيًّا من كتب النحو التراثي، بقسم الكتاب على مستوياتٍ يأخذ في كلِّ مستوًى جزءًا منه، مع حذف ما يراه القسم أو الأساتذة عسير الفهم على الطلاب، وهذه القراءة الغاية منها حفظ قواعد النحو، وشواهد الاستثناءات والشواذّ وما خرج على المطرد, من دون أن يصحب ذلك غالبًا لا ممارسة ولا تطبيق، ثمّ يمتحن الطالب بـ" اذكر أوجه كذا، أو شروط كذا، أو أدوات كذا، أو معاني حرفٍ من الحروف، أو اذكر الشاهد، أو عيِّن موضع الاستشهاد، ووجهه، وإعراب ما جرى إعرابه في الدروس، وتحفّظه الطالب بوعيٍ أو بدونه، بتذوُّقٍ أو بدونه, أو اذكر الخلاف وأدلّة كل فريق، أو مثِّل لما يأتي".
وقد لامس هذا الوضع رمضان عبد التواب بقوله"ولعلّ السبب في ذلك (ضعف الخريجين في اللغة العربية) يرجع بعضه إلى اعتقاد الكثيرين منا, بأن في تعليم قواعد اللغة تعليمًا للغة, وتفكيرنا في الأمر على هذا النحو, كتفكير من يعلِّم قواعد العروض، لكي ينشئ شاعرًا، أو كتفكير من يحفظ صفحتين في قواعد قيادة السيارات, ثمّ يظنّ أنّه بهذا الحفظ وحده, قد أصبح سائقًا ماهرًا, فإن اهتمامنا بتعليم القواعد النحويّة, في مرحلة مبكرة من حياة الطفل, جعلنا نظنّ أن مقياس إجادة اللغة هو البراعة في حفظ المصطلحات النحويّة, والتفنُّن في عدِّ مسوِّغات الابتداء بالنكرة, ومجيء الحال معرفة, وأحوال الصفة المشبّهة, وما إلى ذلك. وكل هذه الأمور وأمثالها، يردِّدها التلميذ، في هذه السنِّ المبكِّرة بلا وعيٍ، ثمّ ينساها عقب الفراغ، ولا يبقى في ذهنه منها إلا التندُّر على صعوبة اللغة العربية وما لاقاه في تعلّمها من عنتٍ ومشقّة"[فصول في فقه العربية/مكتبة الخانجي ص420]
وحتّى لا أكون متجنِّيًا فيما أقول أرغب لمن لديه غير ما أعلم أن يفيدني بذلك، فلعلّ في الميدان ما لا أعلمه؛ إذ كلّ ما أقوله من تجربة وممارسة، وتصوّرات كوّنتها من خلال عملي، ومن خلال اطلاعي على الخطط الدراسية في أقسام اللغة العربية المختلفة، ومن خلال الخلطة بالطلاب والأساتذة.
وليس الأمر واقفًا عند هذا الحدِّ ؛ فالنمط التعليمي في الغالب واحد، غير قابل للتنوّع والتعدّد بحسب الغاية والمقاصد والأهداف، ولا بحسب الفئات التي تقدّم لهم هذه البرامج، فالكل يدرس مقرّرًا واحدًا، ومنهجًا واحدًا ، لتحقيق أهداف واحدة ، وإن وجد اختلاف فالاختلاف في الكمية ، والاختيار، وصُنِّفَ لمتعلّم واحد، غير متنوِّع وغير متعدِّد، وليس لديهم اعتبار لمن يدرس اللغة لأغراضٍ خاصّة، وليس في حسابهم من يحتاج إليها وسيلة اتصال حيويّة, أو مؤقّتةٍ، وليس لديهم من يقصد إلى مهاراتها، ولا يهمّه التزيّد من معارفها وقواعدها.....إلخ. بغضّ النظر عمّن يتكلّم اللغة.
فهناك فئاتٌ تستخدم اللغة كالباحثين، والمترجمين، والتربويين والإعلاميين، والمشتغلين بالحاسب الآلي وميكنة اللغة أو المعالجة الآلية للغة، والطلاب، ولها أهداف ومقاصد خاصة، ولا بدّ من مراعاتها والاستجابة لها، ولا يجوز لأهل اللغة أن يستمسكوا بطريقتهم الوحيدة في الدرس اللغوي ، كما يجري عليه العمل في درس اللغة التقليدي، والتعليم الناجح هو الذي يراعي فئات المستفيدين، وتنوّع تلك الفئات، وأهدافها الخاصة.
من أبرز ملامح مشهد الدرس اللغويّ غياب الهدف عن الأستاذ، وأول أسباب النجاح وضوح الأهداف، وواقعيّتها، وقابليّتها للقياس، ومن أول معايير الجودة وضوح الهدف. والتفريق بين من يطلب المعرفة اللغوية، وبين من يطلب المهارات اللغوية، وتنوع الدرس حسب الفئات؛ فالدرس عند معظم معلمي العربية وأساتذتها واحد ، وفي الغالب يعتمد قراءة نصّ تراثيّ ، أو إذا أحسنّا الظنّ شرح نصٍّ تراثيّ، وهذا على الرغم من جلالته وقيمته ليس بالضرورة صالحًا لجميع الفئات التي تدرس العربية. وهي أهداف تصغر لو قرِنت بأهداف التربية في العصر الحديث, وهي أربعة: ((تعلّم لتعرف، تعلّم لتعمل، تعلّم لتكون، تعلّم لتشارك الآخرين)). (الثقافة العربية وعصر المعلومات /نبيل علي/ عالم المعرفة (265) ص307)
******
لا أريد أن أتحدّث عن مكانة المعلِّم وهيبته في السابق, وكونه قدوةً يقتدى به, فهذا من المسلّمات, ومن اللائق بالمعلِّم، ومن واجباته, ومن واجبات المجتمع نحو المعلِّم, وهي قيمٌ معتبرة في جميع المجتمعات البشريّة، حتّى قال شوقيٌّ:
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلا كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
المعلِّم في الماضي ملقِّنٌ, وتلميذه متلقِّنٌ, على المعلِّم أن يتكلّم, وعلى التلميذ أن يستمع, أو يسمع على الأقلِّ, التلميذ حاجاته محدودة, وتطلّعاته محصورة بأن يعرف القراءة والكتابة, ويلمّ بمبادئ الحساب, وما يحتاج إليه في حياته اليومية, بحسب ما يقتضيه ما يعدّ له من عمل, ثمّ بعد ذلك ينخرط في مهنة والده ((صنعة أبوك لا يغلبوك)). و((ولد الوزِّ عوّام)). قصارى أمر المتعلِّم أن ينخرط في مهنة والده بعد بلوغه، إن كان الأب فلّاحًا فمصير الابن الفلاحة، فهو فلاح بالوراثة, وإن كان تاجرًا اشتغل بالتجارة, وإن كان حدّادًا اشتغل بالحدادة, وإن كان صائغًا انخرط في الصياغة, وإن كان خيّاطًا صار الابن خيّاطًا، وهلمّ جرًّا في سائر المهن, يتوارثها الأبناء عن الآباء, ويتلقّاها اللاحق عن السابق, كان هذا هو السائد إلى وقتٍ قريبٍ؛ فالمهن تتوارث, والتعليم لا يقصد منه غير الإعداد الأوّليّ بما يساعد على ممارسة هذه المهن, والغايات وراء هذه مغيّبة أو غائبة, والعلم باللغة أو بشيءٍ منها ينطبق عليه ما ذُكِر، فطالب علوم اللغة سواء كانت نحوًا، أو أدبًا، أو بلاغة, إنما يطلبها؛ لأنّها تكمل تكوينه, أو تعطيه شيئًا من الوجاهة, أو تعطيه مقعدًا مرموقًا في المجالس أو صدرها, وتتيح له أن يشارك بها في الإلغاز والمحاجاة، وطرح النوادر والغرائب، ومباهاة الجهلة, ومزاحمة أهل العلم, على نحوٍ مما أسلفنا.
في حين أن تلميذ معلِّم العربية في هذا العصر قد يعمل أعمالًا مختلفة متنوِّعة تنوُّع أنشطة الحياة, فقد يكون عاملًا على قدر من المهارة,أو يكون طبيبًا, ويحتاج إلى اللغة لتحقيق تواصل جيِّد مع زائريه ومستشاريه, وطالبي استشارته ونصحه ودوائه, ومرتادي عيادته ومشفاه, ودور اللغة في هذا المقام واضح، ولا سيّما حين يكون الطبيب نفسيًّا, وكم من طبيب تسلّل إلى قلب مريضه من خلال لغته, ومنطقه، وأسلوبه, وبيانه، وتصرّفه في المادّة اللغويّة, وحسن التوظيف للبيان.
وقد يكون سياسيًّا, وحاجته للغة أمر ظاهر, بل قد يكون السياسي من أكثر الناس حاجةً إليها، فهو يموِّه على الجمهور, ويخادع من يتعامل معهم، وفي سبيل هذا يتلعّب باللغة, ويستطيع بها أن يتخلّص من كثيرٍ من المآزق, وأن يخفيَ بعض المآخذ في سياسته, ويظهر سياسته بالمظهر المناسب الملائم, الذي يحقّق للجماهير رغبتها، وهي في حقيقتها ليست كذلك, كل ما يعمله هو توظيف اللغة بما يخدم أغراضه السياسية, وأهدافه المرحلية, ووصوليته التي ترمقها عينه, ويحاول حجبها عن مسامع الآخرين.
وقد يكون رئيس مجموعة أو رئيس شركة أو منشطٍ ما, له مجلس إدارة، يتبوّأ قيادته, وهنا تأتي أهمّيّة اللغة, وتصرّفه فيها, حين يدير اللقاء أو الجلسة, وحين يعدُّ التقرير, وحين يرغب في تسويق منتجاته, وحين يرغب في تحسين صورتها, ومخاطبة الجهات أو الأفراد المستفيدين من هذه النواتج.
وقد ينخرط في أيِّ نشاطٍ في الحياة يتطلّب انفتاحه على البيئة المحيطة, واختلاطه ببشرٍ مثله, وكل هذا منوطٌ بقدرته البيانية, وبمهاراته اللغويّة.
وقد يكون رجل قانون يتعيَّن عليه أن يتعامل مع اللغة بطريقةٍ خاصّةٍ معبِّرة، توصل المعنى بدقّة، غير ملتبسٍ, ولا محتمل، إلا أن يكون ذلك مقصده.
كلّ هذه الأنماط تتطلّب تعليمًا خاصًّا, وإعدادًا لغويًّا مناسبًا، فهل فكّر أهل اللغة وعلماؤها فيما يجب فعله في مثل هذه البيئات، من أجل إعداد عناصر قادرة على أن تعيش معها، ومن أجل إعداد برامج لغويّة مناسبة لإعداد هذه العناصر.
المعلّم في الماضي ملقِّن, وتلميذه متلقِّن, على المعلّم أن يتكلّم وعلى التلميذ أن يستمع, أو أن يسمع على الأقلِّ, غير أنّ دور المعلِّم في عصرنا قد اختلف؛ إذْ عقد العصر الحديث بين اللغة والتربية زواجًا موثَّقًا، وصار بينهما لحمة لا تنفصل؛ إذ تعنى التربية بالسلوك الإنساني ومهاراته؛ واللغة سواء كانت شفهيّة, أو مكتوبة، لها مهارات من أهمِّ المهارات التي لا يستغني عنها إنسان، وعجزه فيها قصور ونقص، فباللغة يظهر إبداعاته، وتميُّزه، ويعبّر عن مشاعره وعواطفه، ويبين عن أفكاره وعلمه, ويصل إلى الآخرين, ويتفاهم مع شركائه في الحياة، وبها تعرف قيمته ومكانته, وهي سلوك يتّخذ أنماطًا متعدِّدة, ولكلِّ نمطٍ توجّهاته، وضوابطه, وقيمه, ولطالما تبارى البشر في لغاتهم، وإنجازاتهم بها، ولطالما وظّفوها في نتاجهم الإبداعي. وبين التربية في العصر الحديث واللغة مواضع التقاء، يصوِّرها ((الشكل التالي، المنقول من [الثقافة العربية ص324] عبر مسالك عدّة:
-------------------------------------------------------
ملخص:
عنوان الورقة: معلم اللغة بين تدريس ما يعتقده وتدريس ما يحتاجه الطالب
حاجات طالب العربية في عصرنا تختلف عن حاجاته في العصور الخالية؛ فطالب العربية فيما مضى يطلبها لواحدٍ أو أكثر من الأهداف الآتية:
1- دراسة النحو من أجل توظيفه في فهم وتحليل النصوص الشرعية والأدبية.
2- مجاراة أهل العلم، والبَجَحِ بأن من يتكلّم لديه إلمامة، أو معرفةٍ بشيءٍ منه.
3- مماراة للجهلة ومفاخرة لمن ينقصهم هذا العلم.
4- من باب المكمِّلات الشخصية من ضرورة معرفة الشخص بشيءٍ من العربية.
5- التسلية بطرح الألغاز, وحلِّها.
ولم يكن عمل الطلاب ودرسهم أكثر من قراءة كتاب بل متنٍ من متون النحو، من أوّله إلى آخره، يتحفّظ مسائله، ويحاجي بمشكلها، ويبجح بحلّ ألغازها، وفكِّ رموزها، فإذا انتهى من متنٍ شرع في متنٍ آخر، أو انتقل إلى شرحٍ من شروحه، حتّى يمرَّ على مجموعةٍ من متون النحو وشروحها، وحواشيها، لا تختلف عن بعضها إلا بالحجم، وصياغة القاعدة، واختلاف العبارة وضوحًا وسهولة، واختصارًا وبسطًا.
وهذه الأهداف لا تخرج عن التحصيل المعرفي المنضبط بالقواعد، المؤيَّد بالشواهد، المحرر العبارة، غير أنه يفتقر إلى التمهير، والتطبيق، والممارسة لما تحفَّظه من القواعد، وألمّ به من المسائل، قراءة، وإلقاءً، وإنشادًا، وكتابةً؛ فهو عارف بالقواعد، عاجز عن تطبيقها، فضلا عن عجزه عن تحليل الخطاب، وتفكيك النصوص، وتذوُّق أعمال المبدعين، والتمييز بينها.
وما يجري الآن في قاعات تعليم اللغة العربية وفصول دراستها، ليس من هذا ببعيدٍ، يلتحق الطالب مثلا بقسم اللغة العربية؛ ليجد نفسه في إعصار من قراءة كتب العربية على هذا، فهو يتنقّل من مستوًى إلى مستوًى، فينتقل من موضوع إلى موضوع في مستوًى واحد، وأهداف واحدة، فكل ما تغيّر هو الموضوع، وأمّا الأهداف فهي مختزلة في جانبها المعرفي من حفظ القاعدة، والقدرة على تذكُّرها، والقدرة على فهم عبارة الكتاب المقرّر، لدى أمثل الطلاب طريقة، دون تطبيقٍ أو ممارسة، أو عناية بمهارات، أو استجابة لمتطلبات العصر؛ فالدرس امتداد لماضٍ، وصورة متكرِّرة، في بيئةٍ تختلف عن الماضي في أهدافها، وحياتها، واتصالها، وطرائق الاتصال، ومدى تغلغل الجوانب الكلامية في الحياة على ما سيأتي بيانه في الورقة، إن شاء الله.
وأودُّ من خلال هذه الورقة طرح أمورٍ على أساطين العربية، وأسئلة عن أهداف مقررات العربية خاصة النحو: المعرفية، والمهارية، ووسائل تعليمهما الطالب، وتكوينها لديه، وكيف يقيسون مدى تحقّقها في الطالب، وقدرته على تمثُّلها. وقد فرضت حياة العصر نوعين من المهارات: نوعًا يشترك فيه طلاب العربية مع غيرهم, ونوعًا يخصهم دون غيرهم.
---------------
العربية تدرس قديمًا وحديثًا, فهل يتساوى درسها في الزمنين: الحاضر والغابر؟ بل كيف كان يجري درس العربية في تاريخنا؟ وما أهداف طلابه؟ وكيف يجري درسها في العصر؟ ثمّ إنه إن كان ثمّت خلاف, فما هذا الخلاف؟ وهل يتمثّل باختلاف الوسيلة؟ أم باختلاف المادة والمحتوى؟ وهل ثمّت خلاف في الأهداف والمقاصد؟. وهل الاختلاف في شيء ممّا ذُكِر موجب لاختلافاتٍ أخرى؟
من الواضح أن أهدافهم في السابق لا تتجاوز خمسة:
• دراسة النحو، وعلوم اللغة الأخرى من أجل توظيفه في فهم وتحليل النصوص الشرعية والأدبية من إعراب، وقراءة صحيحة، وتخريج لما يشكل إعرابه، أو معناه، وتوجيه ما يمكن توجيهه.
• دراستها من باب مجاراة أهل العلم، والبَجَحِ بأن من يتكلّم لديه إلمامة، أو معرفةٍ بشيءٍ منها، كما هو حال كثيرٍ من أبناء الزعماء والقادة والولاة والخلفاء والأمراء حين يتّخذون لأبنائهم من يؤدِّبهم.
• دراستها مماراةً للجهلة ومفاخرة لمن تنقصهم هذه العلوم، ولا يحيطون بها، فيظهر نفسه في المجالس أنّه عالم بالنحو ملمٌّ بالعربية، عارف بشيءٍ من آدابها، وليرفع عنه الصفة المعاشية من تجارة أو فلاحة، أو صناعة، أو حرفة أخرى.
• دراستها من باب المكمِّلات الشخصية من ضرورة معرفة الشخص بشيءٍ من العربية، أو أداءً لما يفرضه نظام الحياة، والأعراف الاجتماعية، أو يقتضيه نظام التعليم، ومتطلبات الانخراط في طلابه.
• التسلية بطرح الألغاز, والمحاجاة, وهي بضاعة راجت في العصور الماضية, وأُلِّفت فيها بعض التصانيف، وتشاغل بها من لا شأن له بتطوير درس العربية.
ولم يكن عمل الطلاب ودرسهم أكثر من قراءة كتاب بل متنٍ من متون النحو، من أوّله إلى آخره، يتحفّظ مسائله، ويحاجي بمشكلها، ويبجح بحلّ ألغازها، وفكِّ رموزها، فإذا انتهى من متنٍ شرع في متنٍ آخر، أو انتقل إلى شرحٍ من شروحه، حتّى يمرَّ على مجموعةٍ من متون النحو وشروحها، وحواشيها، لا تختلف عن بعضها إلا بالحجم، وصياغة القاعدة، واختلاف العبارة وضوحًا وسهولة، واختصارًا وبسطًا. هذا من ناحيةٍ ومن ناحيةٍ أخرى، يقدِّم معلِّمو اللغة العربية لطلّابهم ما تعلّموه، ويسعون إلى تخريج جيلٍ يسير على خطاهم, وفق نمطٍ يناسبهم, ولا يخالف إعداد معلِّميهم.
وهذه الأهداف لا تخرج عن التحصيل المعرفي المنضبط بالقواعد، المؤيَّد بالشواهد، المحرر العبارة، غير أنه يفتقر إلى التمهير، والتطبيق، والممارسة لما تحفَّظه من القواعد، وألمّ به من المسائل، قراءة، وإلقاءً، وإنشادًا، وكتابةً؛ فهو عارف بالقواعد، عاجز عن تطبيقها، فضلا عن عجزه عن تحليل الخطاب، وتفكيك النصوص، وتذوُّق أعمال المبدعين، والتمييز بينها.
وما يجري الآن في قاعات تعليم اللغة العربية وفصول دراستها، ليس من هذا ببعيدٍ، يلتحق الطالب مثلا بقسم اللغة العربية؛ ليجد نفسه في إعصار من قراءة كتب العربية على هذا، فهو يتنقّل من مستوًى إلى مستوًى، فينتقل من موضوع إلى موضوع في مستوًى واحد، وأهداف واحدة، فكل ما تغيّر هو الموضوع، وأمّا الأهداف فهي مختزلة في جانبها المعرفي من حفظ القاعدة، والقدرة على تذكُّرها، والقدرة على فهم عبارة الكتاب المقرّر، لدى أمثل الطلاب طريقة، دون تطبيقٍ أو ممارسة، أو عناية بمهارات، أو استجابة لمتطلبات العصر؛ فالدرس امتداد لماضٍ، وصورة متكرِّرة، في بيئةٍ تختلف عن الماضي في أهدافها، وحياتها، واتصالها، وطرائق الاتصال، ومدى تغلغل الجوانب الكلامية في الحياة على ما سيأتينا، إن شاء الله.
وأودُّ هنا طرح أمورٍ على أساطين العربية، وأسئلة عن أهداف مقرر النحو: المعرفية، والمهارية، ووسائل تعليمهما الطالب، وتكوينها لديه، وكيف يقيسون مدى تحقّقها في الطالب، وقدرته على تمثُّلها.
وقد حكى نحوًا من هذه الصورة عبد الله ربيع ، في مقالٍ له بعنوان "من مشكلاتنا الصوتيّة في نطق العربية الفصحى وتعليمها" نشره في مجلّة كليّة اللغة العربية العدد الثامن 1398هـ 1978م.
وهل يقوم درس العربية في جامعاتنا على تخطيط؟ أنالا أريد فرض إجابة، ولكن أريد أن أعرض الآتي:
في أقسام اللغة العربية يكاد الإجماع يقع على أن يدرس الطالب كتابًا نصّيًّا من كتب النحو التراثي، بقسم الكتاب على مستوياتٍ يأخذ في كلِّ مستوًى جزءًا منه، مع حذف ما يراه القسم أو الأساتذة عسير الفهم على الطلاب، وهذه القراءة الغاية منها حفظ قواعد النحو، وشواهد الاستثناءات والشواذّ وما خرج على المطرد, من دون أن يصحب ذلك غالبًا لا ممارسة ولا تطبيق، ثمّ يمتحن الطالب بـ" اذكر أوجه كذا، أو شروط كذا، أو أدوات كذا، أو معاني حرفٍ من الحروف، أو اذكر الشاهد، أو عيِّن موضع الاستشهاد، ووجهه، وإعراب ما جرى إعرابه في الدروس، وتحفّظه الطالب بوعيٍ أو بدونه، بتذوُّقٍ أو بدونه, أو اذكر الخلاف وأدلّة كل فريق، أو مثِّل لما يأتي".
وقد لامس هذا الوضع رمضان عبد التواب بقوله"ولعلّ السبب في ذلك (ضعف الخريجين في اللغة العربية) يرجع بعضه إلى اعتقاد الكثيرين منا, بأن في تعليم قواعد اللغة تعليمًا للغة, وتفكيرنا في الأمر على هذا النحو, كتفكير من يعلِّم قواعد العروض، لكي ينشئ شاعرًا، أو كتفكير من يحفظ صفحتين في قواعد قيادة السيارات, ثمّ يظنّ أنّه بهذا الحفظ وحده, قد أصبح سائقًا ماهرًا, فإن اهتمامنا بتعليم القواعد النحويّة, في مرحلة مبكرة من حياة الطفل, جعلنا نظنّ أن مقياس إجادة اللغة هو البراعة في حفظ المصطلحات النحويّة, والتفنُّن في عدِّ مسوِّغات الابتداء بالنكرة, ومجيء الحال معرفة, وأحوال الصفة المشبّهة, وما إلى ذلك. وكل هذه الأمور وأمثالها، يردِّدها التلميذ، في هذه السنِّ المبكِّرة بلا وعيٍ، ثمّ ينساها عقب الفراغ، ولا يبقى في ذهنه منها إلا التندُّر على صعوبة اللغة العربية وما لاقاه في تعلّمها من عنتٍ ومشقّة"[فصول في فقه العربية/مكتبة الخانجي ص420]
وحتّى لا أكون متجنِّيًا فيما أقول أرغب لمن لديه غير ما أعلم أن يفيدني بذلك، فلعلّ في الميدان ما لا أعلمه؛ إذ كلّ ما أقوله من تجربة وممارسة، وتصوّرات كوّنتها من خلال عملي، ومن خلال اطلاعي على الخطط الدراسية في أقسام اللغة العربية المختلفة، ومن خلال الخلطة بالطلاب والأساتذة.
وليس الأمر واقفًا عند هذا الحدِّ ؛ فالنمط التعليمي في الغالب واحد، غير قابل للتنوّع والتعدّد بحسب الغاية والمقاصد والأهداف، ولا بحسب الفئات التي تقدّم لهم هذه البرامج، فالكل يدرس مقرّرًا واحدًا، ومنهجًا واحدًا ، لتحقيق أهداف واحدة ، وإن وجد اختلاف فالاختلاف في الكمية ، والاختيار، وصُنِّفَ لمتعلّم واحد، غير متنوِّع وغير متعدِّد، وليس لديهم اعتبار لمن يدرس اللغة لأغراضٍ خاصّة، وليس في حسابهم من يحتاج إليها وسيلة اتصال حيويّة, أو مؤقّتةٍ، وليس لديهم من يقصد إلى مهاراتها، ولا يهمّه التزيّد من معارفها وقواعدها.....إلخ. بغضّ النظر عمّن يتكلّم اللغة.
فهناك فئاتٌ تستخدم اللغة كالباحثين، والمترجمين، والتربويين والإعلاميين، والمشتغلين بالحاسب الآلي وميكنة اللغة أو المعالجة الآلية للغة، والطلاب، ولها أهداف ومقاصد خاصة، ولا بدّ من مراعاتها والاستجابة لها، ولا يجوز لأهل اللغة أن يستمسكوا بطريقتهم الوحيدة في الدرس اللغوي ، كما يجري عليه العمل في درس اللغة التقليدي، والتعليم الناجح هو الذي يراعي فئات المستفيدين، وتنوّع تلك الفئات، وأهدافها الخاصة.
من أبرز ملامح مشهد الدرس اللغويّ غياب الهدف عن الأستاذ، وأول أسباب النجاح وضوح الأهداف، وواقعيّتها، وقابليّتها للقياس، ومن أول معايير الجودة وضوح الهدف. والتفريق بين من يطلب المعرفة اللغوية، وبين من يطلب المهارات اللغوية، وتنوع الدرس حسب الفئات؛ فالدرس عند معظم معلمي العربية وأساتذتها واحد ، وفي الغالب يعتمد قراءة نصّ تراثيّ ، أو إذا أحسنّا الظنّ شرح نصٍّ تراثيّ، وهذا على الرغم من جلالته وقيمته ليس بالضرورة صالحًا لجميع الفئات التي تدرس العربية. وهي أهداف تصغر لو قرِنت بأهداف التربية في العصر الحديث, وهي أربعة: ((تعلّم لتعرف، تعلّم لتعمل، تعلّم لتكون، تعلّم لتشارك الآخرين)). (الثقافة العربية وعصر المعلومات /نبيل علي/ عالم المعرفة (265) ص307)
******
لا أريد أن أتحدّث عن مكانة المعلِّم وهيبته في السابق, وكونه قدوةً يقتدى به, فهذا من المسلّمات, ومن اللائق بالمعلِّم، ومن واجباته, ومن واجبات المجتمع نحو المعلِّم, وهي قيمٌ معتبرة في جميع المجتمعات البشريّة، حتّى قال شوقيٌّ:
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلا كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولا
سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
المعلِّم في الماضي ملقِّنٌ, وتلميذه متلقِّنٌ, على المعلِّم أن يتكلّم, وعلى التلميذ أن يستمع, أو يسمع على الأقلِّ, التلميذ حاجاته محدودة, وتطلّعاته محصورة بأن يعرف القراءة والكتابة, ويلمّ بمبادئ الحساب, وما يحتاج إليه في حياته اليومية, بحسب ما يقتضيه ما يعدّ له من عمل, ثمّ بعد ذلك ينخرط في مهنة والده ((صنعة أبوك لا يغلبوك)). و((ولد الوزِّ عوّام)). قصارى أمر المتعلِّم أن ينخرط في مهنة والده بعد بلوغه، إن كان الأب فلّاحًا فمصير الابن الفلاحة، فهو فلاح بالوراثة, وإن كان تاجرًا اشتغل بالتجارة, وإن كان حدّادًا اشتغل بالحدادة, وإن كان صائغًا انخرط في الصياغة, وإن كان خيّاطًا صار الابن خيّاطًا، وهلمّ جرًّا في سائر المهن, يتوارثها الأبناء عن الآباء, ويتلقّاها اللاحق عن السابق, كان هذا هو السائد إلى وقتٍ قريبٍ؛ فالمهن تتوارث, والتعليم لا يقصد منه غير الإعداد الأوّليّ بما يساعد على ممارسة هذه المهن, والغايات وراء هذه مغيّبة أو غائبة, والعلم باللغة أو بشيءٍ منها ينطبق عليه ما ذُكِر، فطالب علوم اللغة سواء كانت نحوًا، أو أدبًا، أو بلاغة, إنما يطلبها؛ لأنّها تكمل تكوينه, أو تعطيه شيئًا من الوجاهة, أو تعطيه مقعدًا مرموقًا في المجالس أو صدرها, وتتيح له أن يشارك بها في الإلغاز والمحاجاة، وطرح النوادر والغرائب، ومباهاة الجهلة, ومزاحمة أهل العلم, على نحوٍ مما أسلفنا.
في حين أن تلميذ معلِّم العربية في هذا العصر قد يعمل أعمالًا مختلفة متنوِّعة تنوُّع أنشطة الحياة, فقد يكون عاملًا على قدر من المهارة,أو يكون طبيبًا, ويحتاج إلى اللغة لتحقيق تواصل جيِّد مع زائريه ومستشاريه, وطالبي استشارته ونصحه ودوائه, ومرتادي عيادته ومشفاه, ودور اللغة في هذا المقام واضح، ولا سيّما حين يكون الطبيب نفسيًّا, وكم من طبيب تسلّل إلى قلب مريضه من خلال لغته, ومنطقه، وأسلوبه, وبيانه، وتصرّفه في المادّة اللغويّة, وحسن التوظيف للبيان.
وقد يكون سياسيًّا, وحاجته للغة أمر ظاهر, بل قد يكون السياسي من أكثر الناس حاجةً إليها، فهو يموِّه على الجمهور, ويخادع من يتعامل معهم، وفي سبيل هذا يتلعّب باللغة, ويستطيع بها أن يتخلّص من كثيرٍ من المآزق, وأن يخفيَ بعض المآخذ في سياسته, ويظهر سياسته بالمظهر المناسب الملائم, الذي يحقّق للجماهير رغبتها، وهي في حقيقتها ليست كذلك, كل ما يعمله هو توظيف اللغة بما يخدم أغراضه السياسية, وأهدافه المرحلية, ووصوليته التي ترمقها عينه, ويحاول حجبها عن مسامع الآخرين.
وقد يكون رئيس مجموعة أو رئيس شركة أو منشطٍ ما, له مجلس إدارة، يتبوّأ قيادته, وهنا تأتي أهمّيّة اللغة, وتصرّفه فيها, حين يدير اللقاء أو الجلسة, وحين يعدُّ التقرير, وحين يرغب في تسويق منتجاته, وحين يرغب في تحسين صورتها, ومخاطبة الجهات أو الأفراد المستفيدين من هذه النواتج.
وقد ينخرط في أيِّ نشاطٍ في الحياة يتطلّب انفتاحه على البيئة المحيطة, واختلاطه ببشرٍ مثله, وكل هذا منوطٌ بقدرته البيانية, وبمهاراته اللغويّة.
وقد يكون رجل قانون يتعيَّن عليه أن يتعامل مع اللغة بطريقةٍ خاصّةٍ معبِّرة، توصل المعنى بدقّة، غير ملتبسٍ, ولا محتمل، إلا أن يكون ذلك مقصده.
كلّ هذه الأنماط تتطلّب تعليمًا خاصًّا, وإعدادًا لغويًّا مناسبًا، فهل فكّر أهل اللغة وعلماؤها فيما يجب فعله في مثل هذه البيئات، من أجل إعداد عناصر قادرة على أن تعيش معها، ومن أجل إعداد برامج لغويّة مناسبة لإعداد هذه العناصر.
المعلّم في الماضي ملقِّن, وتلميذه متلقِّن, على المعلّم أن يتكلّم وعلى التلميذ أن يستمع, أو أن يسمع على الأقلِّ, غير أنّ دور المعلِّم في عصرنا قد اختلف؛ إذْ عقد العصر الحديث بين اللغة والتربية زواجًا موثَّقًا، وصار بينهما لحمة لا تنفصل؛ إذ تعنى التربية بالسلوك الإنساني ومهاراته؛ واللغة سواء كانت شفهيّة, أو مكتوبة، لها مهارات من أهمِّ المهارات التي لا يستغني عنها إنسان، وعجزه فيها قصور ونقص، فباللغة يظهر إبداعاته، وتميُّزه، ويعبّر عن مشاعره وعواطفه، ويبين عن أفكاره وعلمه, ويصل إلى الآخرين, ويتفاهم مع شركائه في الحياة، وبها تعرف قيمته ومكانته, وهي سلوك يتّخذ أنماطًا متعدِّدة, ولكلِّ نمطٍ توجّهاته، وضوابطه, وقيمه, ولطالما تبارى البشر في لغاتهم، وإنجازاتهم بها، ولطالما وظّفوها في نتاجهم الإبداعي. وبين التربية في العصر الحديث واللغة مواضع التقاء، يصوِّرها ((الشكل التالي، المنقول من [الثقافة العربية ص324] عبر مسالك عدّة:
-------------------------------------------------------