المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأصيل الجذور اللغوية للمعجم ـ الحلقة (5) و (6) و (7) و (8) و (9) و (10)


أ.د إسماعيل العمايرة
05-12-2012, 01:55 PM
.

(5)
دحّ – دحو – دحي – دعّ – طحّ – طحو – طحي

المدحوح : الموسَّع، ودَحّه : وسَّعه ، ومن معاني الدح: الدع والرمي وإلصاق الشيء بالأرض
وقد ذهب ابن منظور إلى أن الدَّح شبيه بالدَّع، وقيل هو مثل الدعّ سواء (ابن منظور اللسان: دحح 2/433). ويبدو أن هذا الالتقاء جاء من أثر لهجي، تبادل فيه صوتان حلقيان: العين والحاء. وقد وردت دحا، بالحاء، في العبريّة والآراميّة بمعنى دعّ أو دفع (Gesenius 160) وبالحاء المضعفة (Gesenius 160) وفي السريانية deha بمعنى دفع أو صدم (Costaz 62)
وفي مادة دحح أشير إلى أن دُحّت ودُحيت بالمعنى نفسه، كما أشير إلى دحا يدحو، وكأنما هي إشارة إلى تواشج هذه المواد: دحح، ودحو ودحي.
وقد تبادلت الدال مع الطاء، فالطَّحُّ : البَسْط ، وانطح انبسط (اللسان: طحح 2/528)
وفي مادة طحا: طحاه طَحْواًَ وطُحُوّاً : بَسَطه. وطَحى الشيء يَطْحيه طَحْياً بسطه أيضاً. قال ابن منظور في قوله تعالى: "والأرض وما طحاها": "قال الفراء: طحاها ودَحاها واحد" (اللسان طحا 15/4) بمعنى وسّعها، والاتساع فيه استدارة وامتداد.
وفي مادة دحا: الدَّحْوُ : البَسْط، دحا الأرض يَدْحوها دحواً: بسطها (اللسان: دحا 15/251)
وقد وردت مادة طحا في العبريّة taha ومن معانيها: وسّع (Furst I: 466)

(6)
دمم – ذمم – دمدم – ذمذم – ذأم – ذأب – ذام – دمي – دمو – أدم

الذميم والدميم : القبيح. وقد اتجهت اشتقاقات دمم لتدلّ في مجملها على القبح المادي، واتجهت ذمم بالمعجمة لتدل على القبح السلوكي كالإساءة والملامة، ففلان ذميم الفعل، دميم الوجه. وقد استخدمت دمم أحياناً بمعنى القبح السلوكي، فأدممت أقبحت الفعل (اللسان دمم 12/208).
ولكن مادة دمم لها معنى ربما كان مستقلاً عن ذلك المعنى. فدمّ الشيء طلاه، والدّمام: الطلاء. ولعل هذا المفهوم للطلاء يقترب بالمادة من مفهوم مادة أخرى، فالمدموم: الأحمر،وهو لون الدم، ودَمَمْتُ الثوب طليته بالصِّبْغ، وفي مادة دمي: والمدمَّى الثوب الأحمر (اللسان: دمى 14/270) ، وقِدْرٌ دَميم ومَدمومة ودميمة: مطلية بالطِّحال أو الكبد أو الدم. والدُّمادم: شيء يشبه القَطِران يسيل من السَّلَم والسَّمُر، أحمر. وقد عولج الدّمُ (دم الإنسان أو الحيوان مثلاً) تحت مادة دمي. وقيل في تثنية الدم: دميان ودموان (بالياء والواو) ولا حاجة بنا إلى التفصيل في كلمة دم، فهي مادة تعرفها اللغات الشقيقات. (انظر Gesenius 164 و300 Leslau 136. Furst 1:) وفي مادة أدم قيل إن الأَدَم: الجلد، وقيل الأحمر منه. والأَدَمة باطن الجلد، والبَشَرة ظاهره. ومن المادة: أدم جاء أديم الأرض أي وجهها، ولهذا – كما تقول المعاجم علاقة بتسمية آدم عليه السلام- لأنه مخلوق من التربة، وقد وردت هذه المعاني في العبريّة، فكلمة adom تعني: أحمر ، و adam وتعني: آدم عليه السلام وتعني إنسان، وتعنى adama أرض (انظر كمال ص 33 وانظر Gesenius 10 )
وثمة معنى ثالث لدمم جاء – فيما يبدو – من المحاكاة، كمحاكاة صوت الريح، أو الكلام غير المفهوم، وهو الدَّمْدَمة (انظر في العبرية مادة دمم Gesenius 165). أما الذمذمة فقط ظلت ملتصقة بمفهوم الذم، فذَمْذم الرجل إذا قلّل عطيتَه، ولهذا علاقة بالشح، وهو مذموم، أم ترى أن ثمة علاقة بين تخفيض العطية وتخفيض الصوت؟
ولما كانت ذمّ مشدّدة كان من حق المرء أن يردّ إليها ذأم أي بفك الإدغام من ذمّ بإقحام الهمزة فكانت ذأم، والمعنى هو هو في ذمّ وذأم. فذأم الرجل يذأمه ذأماً: حَقّره وذمّه وعابه. (اللسان: ذأم 12/219) وقد أشار ابن منظور إلى أن ذأم وذأب تفيدان المعنى نفسه، فذأبه تعنى ذأمه، أي ذمّه. (اللسان ذأم 12/219) ثم قال ابن منظور: والذأم: العيب، يُهْمز ولا يُهمز، وبذا تكون مادة أخرى قد تشكلت وهي ذام.

(7)
عرت – عرص – عتر – عنتر – أرز – أزر – أرص

جاء في مادة عرت: عَرت الرمح إذا صَلُب، ورُمْح عرَّات وعَرّاص شديد الاضطراب، فعَرت وعَرِص لغتان في الشيء نفسه. وقد أشار ابن منظور إلى عتر في مادة عرت، ونقل عن الأزهري أنه صح عَتَر وعَرَت، ولكنه شكك في أن يكون كل واحد منهما من الآخر. وقد جاء في مادة عتر، عتر الرمحُ وغيره عتراً وعتراناً إذا اشتد واضطرب واهتز.
وأحسب أن عنتر التي دلت على الشِّدة والشجاعة، هي من مادة عتر، إذا شُدّدت ثم فك الإدغام فأصبحت عنتر. أما ابن جني فقد نقل عنه ابن منظور أن النون في عنتر أصليّة.
وكما دلت مادتا عرت وعرص بالتاء والصاد على الشدة، فقد دلت أرز، بالزاي على الشدة والتقبضّ، فالآرز من الإبل: القوي الشديد ، والناقة القويّة آرزَة، والآرزة: الشديدة، والتاء والزاي والصاد متقاربة المخرج والصفات، وهذا مُسَوّغ تبادلها. وكما دلت أرز على القوة والشّدة فإن مقلوبها أزر كذلك. فالأزر: القوة والشدة (اللسان أزر 4/17 ) فـ (اشْدُد به أزْري) أي قوتي. ودلت أزر على القوة والشّدّة. ودلت مادة أسر على القوة كذلك، فالأسْرة من معانيها: الدرع الحصينة وأسَر قَتَبة: شدّة، والإسار: ما شُدّ به، والإسار القيد الذي يُشدّ به، والأسير مَنْ قُيّد، أي شُدّ بالقيد، والأسْرُ: القوة والحبس. وسميت الأسْرة كذلك لأن المرء يتقوّى بها، وقد تبادلت السين والصاد. فأصَر الشيءَ يأصِره أصْراً: حبسه (اللسان: أصر 4/23). ولم يفت ابن منظور أن يشير إلى أن بعض العامة تبادل الهمزة والعين فيقولون: المعاصر، بمعنى المآصر. جمع مَأصَر وهو الحبس (اللسان أصر 4/23). وفي العبرية araz وهي بالهمزة والصاد، وقد دلت على الشدة، وبالزاي araz بمعنى حزم، وأحسب أن Furst على حق حين أشار إلى كلمة arac في الأراميّة ومعناها الأرض وهي في العبرية `eres. بتبادل بين الصاد والعين والضاد، وهو أمر مطرد ، يعرفه أصحاب الموازنة بين هذه اللغات الشقيقات. وقد جاء معنى الشدة والتماسك والثبوت للأرض في مقابل فكرة السيولة، ممثلة في الجزء المائي من الأرض الذي أشار إليه (Furst 1:142) . فالأرض بمعنى اليابسة بعكس الماء، ولعل هذا يذكِّر بقوله تعالى: "فاضرب لهم طريقاً في البحر يبسا" واليبس هنا الجزء الجاف المتماسك من الأرض.

(8)
أصّ – عصّ ـ أصل – وصل – أثل – وثل – وسل

جاء في مادة أثل، أن أثَلَة كل شيء أصله، وهي تدل على الحَسَب، والتأثيل: التأصيل. وجاء في مادة أصل أن الأصل أسفل كل شيء، والأصل الحسب. وجاء في مادة وصل أن اتصل الرجل: انتسب، بمعنى أنه وصل نفسه بحسبه.
وفي مادة وسل: الوسيلة: الوُصْلة والقُربى، وآت محمداً الوسيلة أي ما يُتوَصّل به إلى الشيء ويتقرب به. وبذا التقت وصل ووسل وجاء في مادة وثل، أن وثّل تعني: أصّل. لغة في أثّل. وجاء في مادة أثن (اللسان أثن 13/7) أن الأثين هو الأصيل وهكذا تلتقي هذه المواد جميعاً في معنى الارتباط بالأصل.
وجاءت مادة أصل لتدُلّ في العبريّة على معنى الحسب النبيل، كما دلت على الرابط أو المفصل `asil وفي السريانيّة yasila بمعنى المفصل أو الكوع (Costaz, 143,Furst 1:148) ) وفي الأكادية eselu بمعنى الرباط (Gesenius 61) وهي بالسين. وقد دلت مادة ومنها `asel بالشين على التأثيل بمعنى الوصل والتثبيت،في العبرية.
وربما كانت: أصّل، أثراً من الأصل الثنائي لـ أصل، فالأصّ: الأصل، وفي إشارة إلى النسب قيل إن الأصّ هو الأصل الكريم.(اللسان:أصص) ومما يلفت أن الهمزة في أص تبادلت مع العين، فقد جاء في عصص أن العصَّ: الأصل الكريم، وقد أشار ابن منظور في مادتي عصّ وأصّ في كل واحدة منهما إلى الأخرى، إحساساً منه بأثر اللهجات، كما هي الحال في أرض أريضة أي عريضة.
ومما يجدر ذكره أن السين والصاد صوتان احتكاكيان تجمع بينهما أواصر قربى، فهما أسنانيان لثويان، وهما مهموسان، بمعنى أن الوترين الصوتيين لا يهتزان بنطق أي منهما، وهما صفيريان هسيسيّان، إلاّ أن السين غير مطبقة، والصاد مطبقة. وأما الثاء فهي كذينك الصوتين، إذ هي احتكاكية مهموسة،وهي أسنانية غير مطبقة.
أما الواو فتتبادل مع الهمزة أحياناً في أول الكلمة، كما في وحّد، وأحّد، ووكّد وأكّد، وورّخ وأرّخ، ويبدو أن هذا يحدث برغبة من التخلّص أحياناً من المقطع الذي نواته شبه حركة، فهو مقطع مكروه أو يسعى الناطقون إلى التخفف منه أحياناً.

(9)
فوع – فوغ – فعو – فعي – فغو – فغي ـ أفع

يقال: فَوْعَة الطيب وفوغته بالعين وبالغين. وهو طيبٌ رائحته تطير إلى خياشيمك، وفوعة السّمّ: حدّته وحرارته. قال ابن سيدة، وقد قيل الأفعوان منه، فوزنه على هذا أفْلُعان (ابن منظور اللسان 8/257-258، وانظر اللسان فوغ 8/448). ولكن كلمة أفعى وردت أيضاً تحت مادة فعا، وعلى هذا يكون وزنها أفعوان على أُفْعُلان.
وجاء في مادة فغا أن "الفَغو والفَغْوة والفاغية: الرائحة الطيبة.. وأفغى النبات أي خرجت فاغيته" (اللسان: فغا 8/160).
وجاء في مادة فعا أن الأفعاء: الروائح الطيبة (ابن منظور:اللسان فعا 15/159) وعولجت كلمة الأفعى تحت فعا، وقد كان بعضهم يَقْلب الألف واواً: الأفْعَو. وهي لغة أهل الحجاز. ومنهم من يقلب الألف ياء في الوقف، وبعضهم يشدد الواو والياء. والتشديد مبعثه تأكيد نطق الصوت الأخير، وبخاصة عند الوقف. فهمزة أفعى على هذا زائدة.
فهذه الأصول تعود إلى أصل واحد، وتدل على معنى واحد: فَوْعَة الطيب وفَوْعَة السّم، أي انتشار الشيء ذي الحّدة كالسّم أو رائحة الزهر أو الطيب. ومن هنا سُمّي بعض الزهور بالفاغية، والفغو؛ لانتشار رائحتها الذكيّة وسُمّيت الحيّة بـ "الأفعى" لحدّة سُمّها وحرارته، وشدة انتشاره في الجسم اللديغ.
وأما الأفعى في اللغات الشقيقات فعولجت تحت مادتي أفع وفعا، فهي في
العبريّة epce(h) (ربحي كمال المعجم 54)، وفي الحبشّية `afcot
وفي الأوغاريتية pc ، (Leslau 9) وفي الأمهرية fuala
(Leslau 9,154)
وقد دلت مادة أفع ومادة فعا في اللغات الشقيقات على الرائحة الشذيّة التي تفوح وتنتشر Furst, 127 ,Leslau, 154) . ومما يجدر ذكره أن الغين في اللغات الشقيقات قد تقابلها الغين أو العين في العربيّة. بقي أن نلقي الضوء على مدى التقارب بين صوتي الغين والعين، فكلاهما قريب من الآخر، سوى أن الغين أقصى حَنَكية، وأما العين فحلقية، وكلا الصوتين مجهوران وتجويف الفم في كل منهما متسع كثيراً.

(10)
أبن – أبل – أفل – أفن

التقت مادتا أبن وأبل، على الحزن على الميت وتأبينه، فـ "أبّنت الميت تأبيناً وأبّلْته تأبيلاً إذا أثنيت عليه بعد وفاته" .
وقد دلت مادة أبل، في اللغات الشقيقات، على الذبول والفساد والموت، كما دلت على الحزن على الميت، وهما معنيان يؤول أحدهما إلى الآخر. (انظر `abal في العبرية (Gesenius 6 وانظر Furst 1: 11 ) و ebal في السريانيّة (Costaz 2 )ودلت أفل في العربيّة على المعنيين، فأفلت شمسه: مات. والمأفول: فاسد العقل أو ناقصه، كالمأفون، بتبادل بين اللام والنون (اللسان أفل 11/ 19، وانظر اللسان 13/19 ).
وأما (أبن) فقد دلت على الفساد والعيب، كما دلت كذلك على التأبين. وهكذا تكون هذه المواد أبن، أبل، أفل، أفن، قد تقاربت صوتاً ومعنى. أما الفاء فهي صوت شفوي أسناني، وأما الباء فشفوية. وقد تقاربت:
أفل، في العربيّة والعبريّة في الدلالة على الظلمة، ومغيب الشمس من ذلك في العبريّة (Furst 1: 129, Gesenius 59) ofel وتعني الظلمة، والمصيبة، والزوال.



.

المراقب العام
05-13-2012, 08:25 AM
بارك الله فيكم وفي علمكم ..
علم غزير .. ومعلومات قيمة ..
نفع الله بكم وبعلمكم