المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تداخل الأصول اللغوية


أ.د. عبدالرزاق فراج الصاعدي
05-18-2012, 05:07 AM
1 من الثابت عند علماء اللغة العربية أن لكل كلمة وما تفرع عنها أصلاً واحداً فحسب، بَيْدَ أنَّ ثَمَّةَ أصولا - يصعب حصرها – تتداخل؛ وأعني بذلك: أن الكلمة الواحدة قد يتوارد عليها أصلان أو أكثر، مما يؤدّي إلى التداخل مع أصلها الحقيقي؛ فيلتبس الأصلان أو الأصول؛ فكلمة (( المَدِينة )) – مثلا – يتوارد عليها أصلان ثلاثيان؛ فيتداخلان؛ وهما (م د ن) و(د ي ن) ويتداخل في كلمة (( الرُّمَّان )) أصلان؛ وهما (ر م م) و(ر م ن) أما كلمة (( القرآن )) فإنها تحتمل ثلاثة أصول: (ق ر أ) و(ق ر ي) و(ق ر ن) وتحتمل كلمة (( مَأْجَجٍ )) ثلاثة أصول – أيضا -، وهي: (أ ج ج) و(م ج ج) و( م أ ج ج).
ومن أعجب ما وقع فيه التداخل كلمة (( كَوْكَب )) فإن فيها خمسة أصول متداخلة؛ وهي: (ك ك ب) على مذهب الجمهور، و(و ك ب) على مذهب الأصمعي والأزهري، و( ك ب ب) على مذهب الراغب الأصفهاني، و( ك و ك ب) على مذهب الخليل وأبي بكر الزبيدي، و(ك ب ك ب) على مذهب بعض الباحثين المعاصرين.
وقد كثر التداخل في أنواع مخصوصة من ألفاظ اللغة، منها: الرباعي المضاعف؛ نحو: سلسل وزلزل ووسوس، فأثَّرَ ذلك في بناء معاجم القافية تأثيرا بالغا؛ إذ تابع صناع تلك المعاجم فيه المذهب الكوفي؛ وهو أن مثل تلك الكلمات هو من الثلاثي، وتركوا المذهب المشهور، وهو مذهب البصريين وجمهور النحاة واللغويين؛ وحاصله أن تلك الكلمات رباعية.
وعلى الرغم من ذلك فإن متابعتهم الكوفيين لم تتصف بالاطراد؛ فثَمَّةَ كلمات من ذلك الضرب وضعت عندهم في الرباعي؛ وهو موضعها الصحيح؛ ومما يثير الانتباه أنّ ما جاء في موضعه الصحيح من هذا الضرب كاد يقتصر على باب الهمزة فقط.
أما نحو: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ، ودَمِثٍ ودِمَثْرٍ؛ فهو باب من التداخل؛ وتداخل الأصلين منه عند المعجميين دفعهم إلى ترجمة أحدهما في الآخر.
ومما كثر فيه التداخل، واختلفت فيه المعاجم: المهموز والأجوف والناقص وذو النون أو الميم، فكان بعضهم يرى الهمزة أو الميم أو النون من الأصل، وبعضهم يرى ذلك زائداً أو يرى الهمزة منقلبة عن حرف علة، أو العكس؛ فيضعها فريق في باب، ويضعها فريق في باب آخر، بل إنهم كثيرا ما وقعوا في تكرار المهموز في المعتل؛ مما أدى إلى تضخيم البابين.
والحق أن المعتل والمهموز من أكثر الأصول إثارة لحيرة اللغويين والمعجميين، ولا سيّما تداخل الواو والياء في المعتل الناقص؛ فأدى ذلك إلى محاولة بعض المعجميين تجاوز هذه العقبة بوضع الواوي واليائي في باب واحد؛ وأوّل من فعل ذلك: الجوهري في (( الصحاح )) فغدا صنيعه منهجا يُحتذى.
أما النون فمزلقتها كبيرة، فإن أصالتها تلتبس في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها؛ نحو: نَرْجِسٍ، وذُرْنُوحٍ، وضَيْفَنٍ.
وللميم مزلقة لا تقل عن النون فأصالتها تلتبس في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها – أيضا– نحو: الْمَدِينَةِ، ودُلاَمِصٍ، وحُلْقُومٍ.
وقد تخفى حالة التاء؛ إذا وقعت في أول الكلمة، نحو: تَرْقُوَةٍ، وتَنُّورٍ، وتَأْلَبٍ، وتُرَامِزٍ، وتَوْلَجٍ، وتَنُوخَ.
ومن عجائب تداخل الأصول في: (( اللِّسَان )) أنّ ابن منظور ذكر (( الأَفْكَلَ )) وهي: الرعدة – في أصل رباعي، في باب اللام؛ فصل الهمزة، مع نص أكثر علماء العربية على أن الكلمة ثلاثية الأصول، والهمزة فيها زائدة، وقد قرر ابن منظور نفسه زيادة الهمزة فيها؛ فوزنها عنده: (أَفْعَل) ومع ذلك وضعها في الرباعي، على أصالة الهمزة.
وقد بُنِيَ البحث على ما وقع فيه التداخل حقيقة لا تقديراً، وذلك من خلال آراء لبعض أهل اللغة أو صنعة معجمية ظاهرة تنطق بالتداخل، أما الاحتمال المجرد من ذلك فلا سبيل إليه في البحث ولا حاجة أليه.
والحق أن لتداخل الأصول أثراً بالغاً في بناء المعجم العربي، ولا سيما معاجم القافية، التي تعتمد على أصل الكلمة أساساً في التبويب والترتيب؛ فإن الكلمة قد تنتقل من باب إلى باب آخر، أو من فصل إلى فصل آخر، فتجيء في غير موضعها الصحيح، أو توضع في موضعين، أو أكثر، مما يؤدي إلى خلل بَيِّن في النظام المعجمي الدقيق، ويسهم في تضخيم بعض الأبواب.
ومن ضرر التداخل في المعاجم أنه يحول بين الباحث فيها عن شيء ومراده فيها، وقد امتد هذا الأثر إلى بعض العلماء في مؤلفاتهم؛ فاستدركوا على بعض المعاجم مواد هي فيها.
ويؤدي التداخل – أيضا – إلى الحكم على الكلمة بأنها من أصل ليست منه، مما ينتج عنه شيء من الاضطراب في بعض الأحكام التصريفية، كحركة عين المضارع في الأجوف، أو الناقص، أو المهموز، وكذا في الجمع والتصغير.
ويقود وضع الكلمة في موضعين أو أكثر إلى اختلاف شرحي الكلمة أو شروحها؛ في المضمون، من حيث الترجمة، أو الضبط، أو الأحكام، أو النقول، أو الشواهد، أو النصوص، ونحو ذلك.
وقد يؤدي تداخل الأصول إلى ظهور أبنية غريبة على العربية، بعيدة عن قياسها، كـ(افْلأَعْلَ) على رأي من يجعل كلمة: (( اكْلأَزَّ )) من الأصل الثلاثي (ك ز ز) و( فَعْفَبِيلٍ ) نحو: (( سَلْسَبِيلٍ )) على تقدير أنه ثلاثي من ( س ل ل ) على مذهب الراغب الأصفهاني؛ و( افْعَالَ ) نحو: (( انبَاقَ )) حملا على صنيع الجوهري ، في وضعه الكلمة في ( ن ب ق ).

أ.د. عبدالرزاق فراج الصاعدي
05-18-2012, 05:22 AM
2
فتداخل الأصول؛ الذي أعنيه في هذا البحث؛ ذو شقين:
أحدهما: أن يتوارد أصل أو أكثر على كلمة؛ مما يؤدي إلى التداخل مع أصلها الحقيقي؛ فيلتبس الأصلان أو الأصول؛ كـ (( المكان)) يتوارد عليه أصلان؛ فيتداخلان؛ وهما ( م ك ن) و ( ك و ن ) ويتوارد على ((الترقوة )) ـ وهي القَلْت بين العنق ورأس العضد ـ ثلاثة أصول؛ فتتداخل؛ وهي ( ر ق و ) و ( ر ق ي ) و ( ت ر ق ) وهذا هو الشق الأكبر من (( تداخل الأصول )).
أما الشق الثاني من التداخل؛ ـ وهو أقل كثيراً من سابقه ـ فهو ما عناه ابن جني؛ وهو: أن يتشابه الأصلان في الحروف أو في أكثرها مع اتفاقهما في المعنى؛ كـ (( رَخْوٍ )) و((رِخْوَدٍّ ))( ) ، و(( ضَيَّاطٍ )) و((ضَيْطار ))( )، و (( دَمِثٍ )) و((دِمَثْرٍ))( ) فيظن من أنهما أصل واحد؛ وهما أصلان مختلفان؛ على مذهب المحققين من اللغويين.
وقد وضّح ابن جني مراده في ذلك بقوله عن التداخل في الثلاثي: (( أن تجد الثلاثي على أصلين متقاربين، والمعنى واحد، فههنا يتداخلان، ويوهم كل واحد منهما كثيراً من الناس أنه من أصل صاحبه؛ وهو ـ في الحقيقةـ من أصل غيره )).( )
وقال عن تداخل الثلاثي بالرباعي : ((فأما تداخل الثلاثي والرباعي لتشابههما في أكثر الحروف فكثير؛ منه قولهم: سَبِطٌ وسِبَطْرٌ ( )؛ فهذان أصلان لا محالة؛ ألا ترى أن أحداً لا يدعي زيادة الراء )) ( ).
وقال عن تداخل الرباعي والخماسي:(( وأما تزاحم الرباعي مع الخماسي فقليل؛ وسبب ذلك قلة الأصلين جميعاً؛ فلما قلاّ قَلّ ما يعرض من هذا الضرب فيهما ))( ).
ومما يُلْحظ في بعض نصوص ابن جني أنه يستعمل كلمة (( تَزَاحُم )) بمعنى (( تَدَاخُل )) مرادفة لها.
وهذا الشق من التداخل الذي ذكره ابن جني ـ على قلته ـ يمكن إدخاله في الشق الأول؛ فيُنظَرُ إلى التداخل من جهة واحدة؛ فهو يقول: إن (( سَبِطا وسِبطراً )) يتداخلان؛ وهما أصلان مختلفان؛ فيقال ـ حينئذ ـ إن (( سِبَطراً )) يتوارد عليه أصلان فيتداخلان؛ وهما: ( س ب ط ) و ( س ب ط ر) وكذلك (( رِخْوَدٌّ )) يتوارد عليه أصلان فيتداخلان؛ وهما ( ر خ د ) و ( ر خ و )( ) وهكذا يمكن توجيه ما ذكره ابن جني، فالمآل واحد.
نعم؛ وثَمَّةَ كلمات كثيرة تتداخل أصولها عند اللغويين؛ فكلمة (( أُفْنُون )) وهو الغصن المُلتفّ، والجري المختلط، والكلام المُثبّج ـ يتداخل أصلها بغيره؛ فيتوارد عليها أصلان، هما: (ف ن ن) و (أ ف ن) فهي ( أفْعُول ) أو ( فُعْلُول )( ) وكلمة ((البُرْهَان )) ـ بمعنى البيان ـ يتداخل فيها أصلان: ( ب ر هـ ن ) و ( ب ر هـ ).( )
وربما تتداخل أصول ثلاثة، فتتوارد على كلمة واحدة، فكلمة الملائكة يتوارد عليها ثلاثة أصول( ): ( ل أ ك ) و ( أ ل ك ) و ( م ل ك).
ومثل ذلك (( المُعَار )) في قول الشاعر:
أَحَقُّ الخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ( )
أَعِيرُوا خَيْلَكُمْ ثُمَّ اركِضُوهَا

وهو السمين المُضَمّر، أو المنتوف الذّنَب، فتتوارد عليه ثلاثة أصول؛ هي: ( ع و ر )( ) و ( ع ي ر )( ) و ( م ع ر )( ).
وربما تتداخل أصول أربعة فتتوارد على كلمة واحدة، فمن ذلك لفظ الجلالة (( الله )) يتوارد عليه ( ): ( أ ل هـ ) و(و ل هـ ) و (ل و هـ ) و (ل ا هـ ا ) والأخير من (( لاها )) بالسريانية أو العبرانية.
وكذلك الذُّرِّيّة يتوارد عليها أصول أربعة؛ وهي ( ذ ر أ) و ( ذ ر ر ) و ( ذ ر و ) و ( ذ ر ى ) ( ).
وتداخل الأصول يختلف من كلمة إلى أخرى؛ فمنها ما هو شديد الوضوح، ومنها ما هو شديد الخفاء والغموض. والذي يدل على خفاء بعض الأصول وتداخلها تردد بعض العلماء في أصولها؛ فـ (( مَنجَنُون )) وهو الدَّولاب ( فَعْلَلُول ) عند سيبويه، ولكنه ذكر بعد بضعة أسطر أنه (فَنْعَلُول ) ( ).
وتردد الصّغاني في أصل (( الحَدَلَّق )) ـ وهو القصير المجتمع ـ حيث نقل عن ابن دريد أنه ( فَعَوْلل )( ) فقال الصّغاني: (( فإن كانت اللام أصلية فهذا موضِعُ ذِكْرِه( )، وإن كانت زائدة فموضع ذكره قبل هذا التركيب بتركيب )) ( ).
ويدل على ذلك ـ أيضاً ـ كثرة ما يوجد من الهفوات أو السهو فيه لجلِّة العلماء؛ ألا ترى ما حكي عن أبي عبيد القاسم بن سلام من أنه قال في (( مَنْدُوحَة )) من قولك: ما لي عنه مندوحة؛ أي: متسع: إنها مشتقة من (( انداحَ )) ؟ ( )
قال ابن عصفور:((وذلك فاسد؛ لأن (( انداح )): (انفَعَلَ) ونونه زائدة، ومَنْدُوحة: ( مَفْعُولة ) ونونه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكانت ( مَنفُعْلَة ) وهو بناء لم يثبت في كلامهم؛ فهو على هذا مشتق من النَّدْحِ؛ وهو جانب الجبل وطرفه؛ وهو إلى السَّعَة))( ).
ومن ذلك أن المازني سأل ابن السكيت في مجلس المتوكل بقوله: يا أبا يوسف،ما وزن ((نَكْتَل)) من قوله تعالى:فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ( )؟ قال له: ( نَفْعَل ). قال ابن سيده ـ في تمام الرواية:(( وكان هنالك قوم قد علموا هذا المقدار؛ ولم يؤتوا من حظ يعقوب ـ في اللغة ـ المِعشار، ففاضوا ضحكاً، وأداروا من الهزء فَلَكاً، وارتفع المتوكل؛ فخرج السّكّيتي والمازني؛ فقال ابن السكيت: يا أبا عثمان؛ أسأت عِشْرتي، وأَذْوَيْتَ مَشْرَتي.( ) فقال له المازني: والله ما سألتك عن هذه حتى تحققت أني لم أجد أدنى محاولاً، ولا أقرب منه متناولاً)).( )
ولا شك ـ عندي ـ أن ذلك سهو من أبي يوسف؛ كأنه اشتق (( نَكْتَل )) من (ك ت ل ) وهي من ( ك ي ل ).
وجواب ما سأل عنه أبو عثمان أن يقال: ( نَفْتَلْ ) مضارع ( افْتَعَل ) من (( اكتال )) حُذفت عينه بسبب التقاء الساكنين عند جزم الفعل.
وذهب ثعلب في قولهم:(( أُسْكُفَّةُ الباب )) إلى أنها من قولهم: اسْتَكَفّ؛ أي: اجتمع. قال ابن جني: ((وهذا أمر ظاهر الشناعة؛ وذلك أن أُسْكُفَّةً: ( أُفْعُلّة ) والسين فيها فاء، وتركيبه من ( س ك ف ) وأما اسْتَكفّ، فسينه زائدة؛ لأنه ( اسْتَفْعَل ) وتركيبه من ( ك ف ف ) فأين هذان الأصلان حتى يُجمعا، ويدانى من شملهما ؟ ولو كانت أُسْكُفَّة من: اسْتَكَفّ لكانت (أسْفُعْلَة ) ))( ) وهذا لا نظير له.
ومن ذلك ما ذكره عبد القاهر الجرجاني، بقوله:(( وأما ذكر ابن دريد: المَلَك في تركيب (م ل ك ) فلا اعتداد به؛ لأنه قد ذكر ـ أيضاً ـ: لِثَة مع: ثَهْلان و رِعَة مع: عاهر، وغير ذلك؛ مما هو من تصريف الصّبيان )). ( )
هكذا قال الشيخ عبد القاهر، وعندي أن ذلك لم يكن لقلة ما في اليد؛ بل وقع ـ ومثله كثير في الجمهرة ـ لأسبابٍ منها: أن ابن دريد أملى الجمهرة إملاء من حفظه من دون مراجعة؛ فكانت الكلمات تنثال، والأصول تتزاحم؛ فتتداخل، وربما صحّف المستملي، أو حرّف، أو كتب غير ما سمع، فتحمل أبو بكر وِزْرَ ذلك.
على أن أعجب ما وقفت عليه مما يتصل بالتداخل جعْل أبي الحسن كُراع النمل حرف العين من (( دعق )) في قولهم: ((دَعَقَتِ )) الدابةُ الطريقَ (( دَعْقاً )) زائدة ( ) فيكون الأصل (د ق ق) ؛ وهو مما لا يقول به أحد من المتقدمين؛ لأنه يخالف ما انتهوا إليه في الأصول.
وبالجملة فإن (( تداخل الأصول )) لا يخرج عن قسمين:
أولها: التداخل في البناء ( الأصل ) الواحد؛ كتداخل الثلاثي بالثلاثي، والرباعي بالرباعي، والخماسي بالخماسي.
--------------
ملحوظة: تم حذف الحواشي والتعليقات تخفيفا وخوفا من التطويل، ومن أرادها يمكنه طلبها من الكاتب

أ.د. عبدالرزاق فراج الصاعدي
05-18-2012, 05:25 AM
3
وثانيهما: التداخل بين بناءين ( أصلين ) مختلفين؛ كتداخل الثلاثي بالرباعي، والثلاثي بالخماسي، والرباعي بالخماسي.
وهذا سبيل حصر الظاهرة في إطارها العام؛ بحيث لا يَتخلّف من جوانبها المختلفة شيء ـ إن شاء الله ـ وهو ما يأتي تفصيله في البابين الثاني والثالث.
وثَمَّةَ نوع من التداخل شاع ذكره عند اللغويين والصرفيين، وأعني به: تداخل اللغات، ويسمى ـ أيضاً ـ تَرَكّب اللغات، وقد عقد له ابن جني باباً ( ) ؛ وذكر له أمثلةً منها ما جاء على فَعِلَ يفْعَلُ؛ نحو: نَعِمَ ينعُمُ، وفَعَلَ يَفْعَلُ؛ مما ليس حلقي العين أو اللام؛ نحو: قَلَى يَقْلَى، ورَكَنَ يَرْكَنُ؛ وأخرج ابن جني ذلك من الشذوذ، وعزاه إلى تداخل اللغات وتركبها؛ بقوله: (( واعلم أن أكثر ذلك وعامته إنما هو لغات تداخلت فتركّبت )). ( )
ويوضح حال التداخل في ذلك بقوله:(( قولهم: قَنَطَ يَقْنَطُ إنما هو لغتان تداخلتا؛ وذلك أن قَنَطَ يَقْنِطُ لغة، وقَنِطَ يَقْنَط أخرى؛ ثم تداخلتا؛ فتركبت لغة ثالثة )). ( )

ولا يخفى أن مثل هذا النوع من التداخل ليس من (( تداخل الأصول )) في شيء؛ فلا سبيل له إلى هذا البحث؛ الذي يدور على الحروف؛ وهي الأصول وعليها مدار بناء المعجم العربي، أما تداخل اللغات فمداره على الحركات.
وثَمَّةَ علاقة بين تداخل الأصول وتداخل اللغات؛ وهي أن تداخل الأصول قد يؤدي إلى تداخل اللغات؛ لا سيما في الأجوف، أو الناقص، أو مهموز اللام؛ في الثلاثي؛ كما سيأتي بيانه في الباب الرابع ـ إن شاء الله .

إدارة المجمع
05-18-2012, 01:57 PM
.
بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ أ.د عبدالرزاق الصاعدي على هذه الدرر والفوائد القيمة
و على هذا الأسلوب السهل الجميل في تناول المسائل العلمية وطرحها ....

نفعنا الله بعلمكم

.

*^* شريفة *^*
05-19-2012, 04:20 PM
جزاكم الله خيرا وأثابكم على العرض النافع

سنكون في انتظار الجزء رابع بإذن الله

داعين المولى عز وجل أن يبارك فيكم وفي علمكم