د.مصطفى يوسف
03-16-2018, 11:09 PM
سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
http://www.m-a-arabia.com/site/wp-content/uploads/2018/03/علي-أبو-المكارم.jpg
الحلقة التاسعة والستون: أ.د.علي أبو المكارم، ورأيه في الخلط بين مستويات الأداء اللغوي:
ثمة ظاهرة واضحة في البحوث اللغوية المأثورة عن العرب، وهي ظاهرة تكشف عن فهم خاص للغة وتدل على تصور محدد لها، تلك الظاهرة هي الخلط بين مستويات الأداء اللغوي واللهجي دون تفرقة بين ما يُنسب إلى لهجة من اللهجات القبلية وبين ما ينتمي إلى اللغة الفصحى، واعتبار الكل لغة واحدة، محددة الخصائص متحدة المستوى. وهذا الموقف يعني أن اللغة ليست مستوى واحدًا يتميز بخصائصه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية عن كل لهجة من اللهجات على حدة ثم عن اللهجات في مجموعها، وإنما هي مجموع اللهجات القبلية ذاتها.
والذي يكشف هذا التصور ويدل عليه مواقف النحاة أنفسهم في عصر الاستشهاد النحوي، فقد كانوا يلجأون إلى جمع ما أطلقوا عليه اسم "المادة اللغوية" من كل سبيل: بالرحلة إلى البادية، وبالأخذ عن البُداة الراحلين إلى المدن، وكان السماع أهم الأساليب التي أعانتهم في هذا المجال. وهم في سماعهم لم يفرقوا بين قبيلة وأخرى من القبائل التي أعانتهم في هذا المجال. وهم في سماعهم لم يفرقوا بين قبيلة وأخرى من القبائل التي استقر عندهم فصاحتها، كذلك لم يفرقوا بين إنسان وآخر من الناطقين باللغة!! وهكذا أباح لهم منهجهم أن يسمعوا من النساء والصبيان والمجانين أيضًا دون أن يفطنوا إلى وجود فوارق تركيبية ودلالية تميز فيما يسمعون بين المستويات اللهجية ومستوى اللغة الفصحى.
وقد أكد هذا التصور بعد ذلك مواقف النحاة عقب عصر الاستشهاد، فإنه إذا كانت مواقفهم في ذلك العصر تشير إلى هذا التصور فإن كتاباتهم الصريحة بعده تقطع به. وحسبنا أن نشير إلى ما ذكره ابن جني في كتابه الخصائص، في الفصل الذي عقده تحت عنوان: "باب اختلاف اللغات وكلها حجة" ويعني باللغات: اللهجات القبلية المنتشرة بين القبائل العربية. فهو يصدِّر الفصل بقوله: "اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال (ما) يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل من القومين ضربًا من القياس يُؤخذ به، ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخيّر إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسًا بها. فأما رد إحداهما بالأخرى فلا ... هذا حكم اللغتين إذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين، فأما أن تقل إحداهما وتكثر الأخرى جدًّا فإنك تأخذ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا. على أن هذا الأخذ ليس على سبيل الإلزام؛ إذ يجوز أن يستعمل ما يشاء من اللهجات بما فيها تلك اللهجة الضعيفة لما يميزها من خصائص حتى في كافة مجالات التعبير الأدبي بما في ذلك التعبير الفني، دون أن يكون تعبيره غير فصيح. صحيح أنه يُستحسن أن يتخير المتكلم ما يقوى ويشيع من اللهجات، بيد أنه إذا استعمل اللهجات الضعيفة "لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه كان يكون مخطئًا لأجود اللغتين، فأما إذا احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه، غير منعيّ عليه، وكذلك إن قال: يقول على قياس من لغته كذا. ويقول على مذهب من قال كذا: كذا". ويختم ابن جني هذا التقرير الصريح بكلمته القاطعة: "وكيف تصرفت الحال فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ"، وهو يعني بالضرورة كونه مصيبًا في حديثه بالعربية الفصحى غير مخطئ في خصائصها.
وتصور النحاة للغة على هذا النحو يمتد بصورة حتمية عن فكرة ثابتة في يقينهم لم يُتح لهم أن يناقشوها؛ ومن ثم لم يتيسر لهم أن يتبينوا زيفها. وهي فكرتهم الخاصة عن "السليقة اللغوية". فقد ظنوا أنه ما دامت اللغة العربية سليقة عند العرب فمن الطبيعي أن يكون كل الكلام لكل عربي خالص العروبة غير متأثر بعوامل أجنبية – عربيًّا، أي متسمًا بالظواهر والخصائص التي تميز الفصحى عن غيرها. وقد بنوا فكرتهم هذه على تفسيرهم الخاطئ لمفهوم "السليقة"، هذا التفسير الذي يربطون فيه بينها وبين الدم والجنس، ويردونها إليهما لا إلى الدربة والمران والمعاناة. وحسبوا أنه ما دام دم العربي خالصًا من الاشتراك، والحياة العربية بريئة من شوائب العجمة فمن المحتَّم أن يكون النشاط اللغوي الذي يصدر عن هؤلاء البشر في هذه الظروف عربيًّا صحيحًا فصيحًا. يستوي في صحته الصبيان الأغرار والشيوخ المهرفون والمجانين والنساء مع غيرهم من الفنانين والشعراء ذوي القدرة على ممارسة الإنتاج الفني الرفيع؛ إذ إن صفة السليقة مشتركة بينهم جميعًا. وهي تقضي أن يكون كلامهم كله فصيحًا، سليمًا من الخطأ، معتمدًا في ميادين البحث اللغوي على تعدد مستوياتها واختلاف مناهجها، وفي المقدمة منها مستوى التركيب والتحليل النحوي له.
وهكذا يجب أن يوضع في الاعتبار– في تصور اللغويين العرب- تلك الحقيقة المقررة عندهم عن مفهوم اللغة؛ ومن ثم يجب أن يلحظ في تقعيد ظواهرها وتفسيرها معًا أن تتشكل وفقًا لنظمها وطبقًا لظواهرها جميعًا. وقد كان لهذا التصور الخاطئ للغة آثاره البعيدة في دراستها، على تعدد مستوياتها وتنوع أساليبها، فإن آثار الخلط بين الخصائص المختلفة للغة الفصحى واللهجات القبلية موجودة في كافة مجالاتها الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية أيضًا.
المصدر: تقويم الفكر النحوي، علي أبو المكارم، دار غريب، القاهرة، 2005، ص 177-180.
إعداد: د.مصطفى يوسف
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
http://www.m-a-arabia.com/site/wp-content/uploads/2018/03/علي-أبو-المكارم.jpg
الحلقة التاسعة والستون: أ.د.علي أبو المكارم، ورأيه في الخلط بين مستويات الأداء اللغوي:
ثمة ظاهرة واضحة في البحوث اللغوية المأثورة عن العرب، وهي ظاهرة تكشف عن فهم خاص للغة وتدل على تصور محدد لها، تلك الظاهرة هي الخلط بين مستويات الأداء اللغوي واللهجي دون تفرقة بين ما يُنسب إلى لهجة من اللهجات القبلية وبين ما ينتمي إلى اللغة الفصحى، واعتبار الكل لغة واحدة، محددة الخصائص متحدة المستوى. وهذا الموقف يعني أن اللغة ليست مستوى واحدًا يتميز بخصائصه الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية عن كل لهجة من اللهجات على حدة ثم عن اللهجات في مجموعها، وإنما هي مجموع اللهجات القبلية ذاتها.
والذي يكشف هذا التصور ويدل عليه مواقف النحاة أنفسهم في عصر الاستشهاد النحوي، فقد كانوا يلجأون إلى جمع ما أطلقوا عليه اسم "المادة اللغوية" من كل سبيل: بالرحلة إلى البادية، وبالأخذ عن البُداة الراحلين إلى المدن، وكان السماع أهم الأساليب التي أعانتهم في هذا المجال. وهم في سماعهم لم يفرقوا بين قبيلة وأخرى من القبائل التي أعانتهم في هذا المجال. وهم في سماعهم لم يفرقوا بين قبيلة وأخرى من القبائل التي استقر عندهم فصاحتها، كذلك لم يفرقوا بين إنسان وآخر من الناطقين باللغة!! وهكذا أباح لهم منهجهم أن يسمعوا من النساء والصبيان والمجانين أيضًا دون أن يفطنوا إلى وجود فوارق تركيبية ودلالية تميز فيما يسمعون بين المستويات اللهجية ومستوى اللغة الفصحى.
وقد أكد هذا التصور بعد ذلك مواقف النحاة عقب عصر الاستشهاد، فإنه إذا كانت مواقفهم في ذلك العصر تشير إلى هذا التصور فإن كتاباتهم الصريحة بعده تقطع به. وحسبنا أن نشير إلى ما ذكره ابن جني في كتابه الخصائص، في الفصل الذي عقده تحت عنوان: "باب اختلاف اللغات وكلها حجة" ويعني باللغات: اللهجات القبلية المنتشرة بين القبائل العربية. فهو يصدِّر الفصل بقوله: "اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال (ما) يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل من القومين ضربًا من القياس يُؤخذ به، ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخيّر إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسًا بها. فأما رد إحداهما بالأخرى فلا ... هذا حكم اللغتين إذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين، فأما أن تقل إحداهما وتكثر الأخرى جدًّا فإنك تأخذ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا. على أن هذا الأخذ ليس على سبيل الإلزام؛ إذ يجوز أن يستعمل ما يشاء من اللهجات بما فيها تلك اللهجة الضعيفة لما يميزها من خصائص حتى في كافة مجالات التعبير الأدبي بما في ذلك التعبير الفني، دون أن يكون تعبيره غير فصيح. صحيح أنه يُستحسن أن يتخير المتكلم ما يقوى ويشيع من اللهجات، بيد أنه إذا استعمل اللهجات الضعيفة "لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه كان يكون مخطئًا لأجود اللغتين، فأما إذا احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه، غير منعيّ عليه، وكذلك إن قال: يقول على قياس من لغته كذا. ويقول على مذهب من قال كذا: كذا". ويختم ابن جني هذا التقرير الصريح بكلمته القاطعة: "وكيف تصرفت الحال فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ"، وهو يعني بالضرورة كونه مصيبًا في حديثه بالعربية الفصحى غير مخطئ في خصائصها.
وتصور النحاة للغة على هذا النحو يمتد بصورة حتمية عن فكرة ثابتة في يقينهم لم يُتح لهم أن يناقشوها؛ ومن ثم لم يتيسر لهم أن يتبينوا زيفها. وهي فكرتهم الخاصة عن "السليقة اللغوية". فقد ظنوا أنه ما دامت اللغة العربية سليقة عند العرب فمن الطبيعي أن يكون كل الكلام لكل عربي خالص العروبة غير متأثر بعوامل أجنبية – عربيًّا، أي متسمًا بالظواهر والخصائص التي تميز الفصحى عن غيرها. وقد بنوا فكرتهم هذه على تفسيرهم الخاطئ لمفهوم "السليقة"، هذا التفسير الذي يربطون فيه بينها وبين الدم والجنس، ويردونها إليهما لا إلى الدربة والمران والمعاناة. وحسبوا أنه ما دام دم العربي خالصًا من الاشتراك، والحياة العربية بريئة من شوائب العجمة فمن المحتَّم أن يكون النشاط اللغوي الذي يصدر عن هؤلاء البشر في هذه الظروف عربيًّا صحيحًا فصيحًا. يستوي في صحته الصبيان الأغرار والشيوخ المهرفون والمجانين والنساء مع غيرهم من الفنانين والشعراء ذوي القدرة على ممارسة الإنتاج الفني الرفيع؛ إذ إن صفة السليقة مشتركة بينهم جميعًا. وهي تقضي أن يكون كلامهم كله فصيحًا، سليمًا من الخطأ، معتمدًا في ميادين البحث اللغوي على تعدد مستوياتها واختلاف مناهجها، وفي المقدمة منها مستوى التركيب والتحليل النحوي له.
وهكذا يجب أن يوضع في الاعتبار– في تصور اللغويين العرب- تلك الحقيقة المقررة عندهم عن مفهوم اللغة؛ ومن ثم يجب أن يلحظ في تقعيد ظواهرها وتفسيرها معًا أن تتشكل وفقًا لنظمها وطبقًا لظواهرها جميعًا. وقد كان لهذا التصور الخاطئ للغة آثاره البعيدة في دراستها، على تعدد مستوياتها وتنوع أساليبها، فإن آثار الخلط بين الخصائص المختلفة للغة الفصحى واللهجات القبلية موجودة في كافة مجالاتها الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية أيضًا.
المصدر: تقويم الفكر النحوي، علي أبو المكارم، دار غريب، القاهرة، 2005، ص 177-180.
إعداد: د.مصطفى يوسف