المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستشارة (131): عن " المصطلح الجيولوجي في ميزان الترجمة"


مصطفى شعبان
04-17-2018, 06:17 PM
السلام عليكم..
أنا طالبة في السنة الثانية ماستر عنوان مذكرتي هو " المصطلح الجيولوجي في ميزان الترجمة" و أريد أن أدرس الآليات التي استعملت في وضع و ترجمة المصطلحات في هذا الاختصاص و كذلك أريد أن أقوم بمقارنة عينة من مصطلحات معجم الجيولوجيا الذي وضعه مجمع اللغة العربية في القاهرة بمصطلحات معجم الجيولوجيا للمجمع السعودي للتوصل أخيرا إلى تعريف المصطلح الجيولوجي و صعوبات ترجمته و كذلك التطورات التي طرأت على المصطلحات منذ صدور المعجم الأول سنة 1982 حتى صدور المعجم الجيولوجي المصور لمجمعكم . و هل هناك تنسيق بين أعضاء المجمعين؟

مصطفى شعبان
04-17-2018, 07:21 PM
الاستشارة (131)



وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أما تجربة التأليف في المصطلحات الجيولوجية فقد كان لمجمع اللغة العربية القاهري فيه شأو معروف سنتحدث عنه عما قليل، وأما التجربة الأخرى فصدرت عن هيئة المساحة الجيولوجية السعودية تأليف الدكتور محمد عبد الغني مشرف أستاذ الجيولوجيا وعلم الرسوبيات.

أما مجمع الجيولوجيا الذي صدر عن مجمع القاهرة فقد كان للمجمع في تعريب المصطلحات موقف نفصله في الآتي:
توسع مجمل اللغة القاهري كثيراً في وضع منهجية له في التعريب، وذلك في عدة مناسبات ونشر ذلك في مجلته التي اعتبرت تجربة ثمينة لتاريخ اللغة العربية ، في موضوع ترسيخ الجذور الثقافية لحضارة أخلاقية صرف وتقليدية، ووصلها بأشكال الحضارة التقنية المتحركة إلى الخلق والانتشار المستمرة، أما طريقته في وضع المصطلحات فهو يبدأ بالتنقيب عنها في كتب اللغة والعلم القديمة، فإذا وجدنا اعتمدنا، وإذا لم يجدها، لجأ إلى الاشتقاق أو المجاز أو النسب أو التصغير، أو نحو ذلك من القوانين اللغوية، حتى تكون ثروة مستمدة من أصولها ومواردها ، فنستغني بها عن سواها، ويجيز المجمع استعمال الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب.
لقد دأب مجمع اللغة القاهري إلى البحث عن مقابلات في اللغة العربية للمسميات الحديثة، وفق منهج يكاد يكون متكاملاً مع بقية المجامع اللغوية ، تحدد وسائل هذا المنهج الطرق التي تجيزها العربية من ترجمة أو اشتقاقاً أو مجازاً أو تضميناً أو نحتاً أو تركيباً، فإذا لم يتيسر ذلك بعد البحث يستعار اللفظ الأعجمي بعد صقله ووضعه على مناهج العربية، ويمكن بيان وسائل مجمع اللغة القاهري في تعريب المصطلحات الحديثة في النقاط التالية:
1. الترجمة، فترجمة المصطلح يسيرة سهلة إذا وجد المقابل ، وهيهات أن يوجد لأن شروط الفصاحة الزمانية والمكانية حرمت المعجم العربي من احتواء المصطلحات، فمصطلح " الجبر" الذي نصت عليه اللغات الأخرى بلفظه العربي لا يحتويه معجمنا بدلالته الاصطلاحية، فلا يحتاج واضع المصطلح إلى أكثر من استدعاء هذا المقابل بصيغته المناسبة، نحو(ذرة) مقابل (atome) و(قدرة) مقابل(power) لكن الأمر يختلف حينما لا يكون ثبت هذا المقابل حاضراً في معجم اللغة أصلاً، مما يملي على الباحث اشتقاق هذا الثبت من صميم المواضعة اللغوية القائمة بإتباع إحدى وسائل العربية في إغناء ذانها من اشتقاق ومجاز(نقل المعنى) ونحت، مما تبناه المعجميون وأقروا القياس عليه، لوضع هذا المقابل.
وقد وضح عبد الصبور شاهين الفرق بين الترجمة والتعريب من خلال مثالين، يقول:" فإذا نحن استخدمنا مصطلح مكنز مقابل thesaurus فهذه ترجمة، ولكن إذا استعملنا " الأرشفة" في مقابل Archivage فهذا تعريب ، (الأرشفة) على وزن(فَعللة) مصدر لفعل رباعي (أرشف: فَعْلل) ، توافرت فيه الصيغة العربية، وجاءت حروفه مؤتلفة صوتياً، فاكتسب بذلك حق المواطنة في اللغة العربية، فهو كــ(بعثر) ، و(دحرج) له ما للفعل الرباعي من خصائص صرفية، ومثله(تلفز) و(أكسح) و(هدرج) و(كبرت) .
2. الاشتقاق، اشتق المجمعيون من ألفاظ اللغة القائمة ألفاظاً للدلالة على الأشياء المستخدمة، فقياساً على الآلة مثلاً ، قالوا: " المِحْصَد والمِبْذر، والمِذْياع والمِمْواج والمِنْظار، فهي أسماء مستحدثة بدلالاتها ، قديمة من حيث مواردها، وقد أقر المجمع هذا القياس " يصاغ قياساً من الفعل الثلاثي على وزن مشفْعَل ومِفْعَلة ومِفْعَال للدلالة على الآلة التي يعالج بها الشيء.
وحملاً على الصفة المشبهة وزن(فعول)قالوا (خثور) أي قابل للتخثر مقابل (coagulable) و(لهوب) أي قابل للالتهاب مقابل (Infammable) و(حلول) مقابل (Dialysale).
وصاغوا نحو مصدر (غِراسة) من (غرس) و( رسامة) من (رسم) وكلتاهما مهنة، وذلك بناء على قرار المجمع : يصاغ للدلالة على الحرفة أو شبهها من أي باب من أبواب الثلاثي مصدر على وزن فعالة بالكسر".
وقياساً على اشتقاق العرب من أسماء الأعيان إذ قالوا(استحجر) من (الحجر) ، و(استنسر) من ( النسر) و(أبحر) من (البحر) و(ذهب) من (الذهب) اشتقوا حديثاً (السرطنة) من (السرطان) ، و(الغوللة) من (الغول) والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم" ، ثم ألغوا شرط الضرورة فيما بعد .
ويُصاغ فعَّال قياساً للدلالة على الاحتراف أو ملازمة الشيء، فإذا خيف لبس بين صانع الشيء وملازمه كانت صيغة فعَّال للصانع، وكان النسب بالياء لغيره ، فيقال(زجاج) لصانع الزجاج و(زجّاجي) لبائعه.
فالجديد في عمل مجمع اللغة القاهري هو مد القياس ، وفتح أبوابه الموصدة على أوزان لم يقل بالقياس فيه من قبل. وفي سياق الاشتقاق يقترح بعضهم صيغة فِعالة اسماً لبعض العلوم الحديثة، نحو:
كهافة : علم الكهف Sreleology - ونسابة: علم الإنسان gemealogy – وضراسة: علم الأضراس odontology – وثِداوة: علم الأثداء: mastology – وشياخة: علم الشيخوخة gerontogy .
3. المجاز، استخدم المجمعيون المجاز لتعريب المصطلح الأعجمي إلى العربية، وذلك لما في المجاز من الاتساع، فيقول ابن جني: " والاتساع فاش في جميع أجناس شجاعة العربية" .
ويتمثل في نقل المعنى وخلعه على المسمى الجديد اعتماداً على ما بين المعنيين من المشابهة أو على ما يمكن أن يلمح من المجاز المناسب بينهما، مع أمن اللبس، كقولنا: تخريج دفعة جديدة من الضباط فــ" الدفعة في الأصل من المطر والدم، وغيره أما حالياً فمفهوم الدفعة مرتبط بزمن معين وبمراسم وبتسمية أو شعار خاص"، وهو ما كان يطلق عليه قديماً بالمولد وقد عرفه د. حسن الظاظا بقوله: " المولد لفظ عربي البناء، أعطني في اللغة الحديثة معنى يختلف عما كان العرب يعرفونه، مثل : الجريدة السيارة والطيارة" ، وهذا الاستعمال المجازي للمفردة لا يلغي استخدامها بمعناها الأصلي، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد من استعماله.
وقد ساد المجاز حتى أن بعض المجازات الشرعية والحضارية والعلمية غدت حقائق لا يرجع الذهن إلى أصلها إلا بعد البحث والتأثيل، مثل: الزكاة والصلاة، فمن أجيالنا الحديثة يعرف البريد(post) مسافة بين منزلين من منازل الطريق، وأن الهاتف elephone، صوت يسمع دون أن يُرى صاحبه.
4. النحت، من وسائل إغناء العربية بالمصطلح للدلالة على المعاني المستحدثة، وقد أجاز المجمع عند الضرورة، وحدد شروط وضعه " يجوز أن ينحت من كلمتين أو أكثر اسم أو فعل عند الحاجة ، على أن يراعى ما أمكن استخدام الأصلي من الحروف دون الزوائد، فإن كان المنحوت اسماً اشترط أن يكون على وزن عربي، والوصف منه بإضافة ياء النسب، وإن كان فعلاً كان على وزن فَعْلَل أو تَفَعلل، إلا إذا اقتضت الضرورة غير ذلك ، وذلك جرياً على ما ورد من الكلمات المنحوتة.
وخلال القرن الماضي دخلت اللغة العلمية عشرات من هذه المنحوتات بشكل تركيب مزجي، لاقى بعضها قبولاً ورواجاً مثل الصفات برمائي كهرمغنطي وكهرضوئي وبتروكيميائي وعد بعضهم التركيب المزجي بالإلصاقات المنفصلة ضرباً من النحت؛ مثل: لا سلكي ولا شعوري، أو مثل فوق شمعي وفوق بنفسجي وفوق صوتي وفوق إشعاعي وأمثالها ، وثمة منحوتات تمزج ألفاظاً أعجمية وأخرى عربية؛ مثل: جمالوجيا esthetics وفكرلوجيا ideology .
وهناك منحوتات جاءت مبهمة لم تلق رواجاً فماتت في مهدها، مثل الأفعال حرصم في (حرر من الصمغ) وصلكل في (استأصل الكلية) و(شارسية) في (شارة سلبية) ، و(سمبصي) في (سمعي وبصري).
5. الاقتراض ، فالاقتراض يعني إدخال اللفظ الأجنبي إلى العربية بصيغته ونطقه دون ما تغيير ، نحو: فيديو، فاكس، سينما، الانزيم، غاوكوز...إلخ، ويُعمد إلى الاقتراض عندما يستعصي المصطلح الأجنبي على الترجمة والتعريب .
وفي هذه الحالة تجدر المحافظة على هوية الدخيل فلا نسقط عليه شيئاً من خصائص العربية الصوتية أو الصرفية، فتغيير الكلمة الأجنبية قد يخل بنظامها ومدلولها، فتغدو غريبة لا فصيحة ترد إلى أصل عربي، ولا أجنبية تحمل خصائص اللغة الأصلية، فمثلاً ثمة كثرة من المسميات الدخيلة تبدأ بالساكن مثل: غرافيت وكلور وبريتون ... فإضافة همزة الوصل أو تحريك الساكن نفسه، يعد تحريفاً لا مسوغ له، يبعد منطوق اللفظ عن مسماه.
ومما يدفع إلى إيثار التزام الترجمة والتعريب على الدخيل في نقل المصطلح إلى العربية، كونهما يتيحان المجال لاستمرارية خصائص العربية، فالمصطلح المترجم أو المعرب يُمنح خصائص العربية وليس الدخيل كذلك، فمن (الأرشفة)، مثلاً يمكن أن نشتق: أرشف، يؤرشف ، مؤرشِف، ومؤرشَف في حين لا يمكن إجراء هذا الاشتقاق من الدخيل (سينما ، فيديو، راديو...) .
ومهما يكن من أمر فإن الاقتصار على الترجمة والتعريب في نقل المصطلح أمر غير مستطاع لا في العربية ولا في غيرها، ويجب ألا تدفعنا غيرتنا على العربية إلى المبالغة والتكلف في ترجمة المصطلح، فلا لزوم إلى مصطلح عربي كالمصدئ للدلالة على الأكسجين، والمميه للدلالة على الهيدروجين والمخصب للنتروجين، والمومض للفسفور ، والمفحم للكربون، والكلاس للكالسيوم، والخضاب للكروم، مما يذهب إليه بعض المتشددين الذين لا يرضون بديلاً عن الترجمة، ويرفضون التعريب(*).

وأما المجمع الجيولوجي المصور السعودي فتحدث مؤلفه عن منهجه في مقدمة كتابه، ودورك هو دراسة عينات متنوعة من المصطلحات المشتركة الواردة في كلا المعجمين، وبالضرورة ستجدين فروقًا جوهرية، وفروقًا ثانوية بين الترجمتين والتعريبين، علمًا بأن المؤلف قد أشار في مقدمته إلى أن تنسيقًا على نحو ما تم بينه وبين مجمع القاهرة، وجامعـة دمشـق ومكتبتهـا في سـوريا، وكـذلك جامعة عين شمس ومكتبتها في القاهرة بجمهورية مصر العربية، وجامعـة محمـد الخـامس ومكتبتهـا ومكتـب تنسـيق التعريـب ومعهـد الدراسـات والأبحـاث للتعريـب في الربـاط بالمملكـة المغربيـة، والمتحـف البريطـاني خاصـة قسـم علـم الأرض في لنـدن ببريطانيـا(**).

والله الموفق

د. مصطفى شعبان

----------------
(*) المجمع اللغوي في القاهرة ودوره في تعريب المصطلحات الحديثة د. محمد رمضان البع ص8.
(**) مقدمة المعجم الجيولوجي المصور - 2،1.