المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفتوى (199): كيف نشأ الخلاف بين النحويين؟


أبو الفتح
09-22-2013, 11:38 AM
كيف نشأ الخلاف بين النحويين؟

د. عبدالعزيز بن علي الحربي
09-23-2013, 11:04 AM
الإجابة:

اعلم أنّ مسائل النحو – يا أبا الفتح – محصورة ، ولو كثرت، والذي وسَّع دائرة النحو وشقّق مسائله وحمّل كثيرا من أبوابه وجوها كثيرة هو الخلاف الذي كان بين مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة، وكثير من ذلك الخلاف سببه علميّ صِرف، ومنه ما هو سياسيّ، ومنه نوع ثالث مردّه إلى الهوى والتعصّب وقهر الخصم، لاسيما إذا كان الخلاف بحضرة خليفة أو وزير، وربّما وضع المجادل منهم عن مذهبه ورأيه البيت والبيتين، ولا غرابة في ذلك فقد وضع الواضعون في حديث رسول الله‘ ،وفيهم من كان من العبّاد والزهّاد، فكيف بالنحويّين الذين لا ورع في كثير منهم، أو كان فيهم من يرى أن النحو لا يحتاج إلى وَرَع، بل هو اجتهاد وكلام لا يغيّر حكما ولا يفسد طهارة، والخلاف الناشئ بين مدرسة الكوفة والبصرة شائع ذائع، وللكسائي مع الأصمعيَّ ومع سيبويه مجالس محفوظة، وكان الأصمعيُّ عالما بالرواية حافظا للعربية ولم يكن على دراية تامة بالإعراب، وقصة الكسائي مع سيبويه مشهورة، وهي مع شهرتها في حِياكتها نظر، وقد يكون لها أصل، ولكن الله سلّط على الكسائي من يثأر للأصمعي وسيبويه، وهو يحي بن المبارك اليزيديُّ، فجرَّعه كثيرا من الويلات في مجلس الرشيد والمهدي، ثم كان للمبرّد البصري وثعلب الكوفيَّ مطارحات ذكر طائفةً منها الزجاجيُّ في "مجالس العلماء" وفيها – إن صحّت – تظهر قوة المبرّد وسلطانه العلميّ ومراوغات ثعلب وتناقضاته ،عفا الله عنهم جميعا ، وهكذا استمر الخلاف ثم استقرَّ بعد ذلك مفصلاً يقرأه الناس ويتعلمونه ويحكون فيه وجوه الخلاف وأدلة كلَّ فريق، وكان في أتباع كل مذهب من له خروجات عن مذهبه إلى مذهب الآخر تبعاً للدليل كما فعل ابن مالك وأبو حيان، وقبلهما أبو علي الفارسيّ وابن جنيّ، وكما يصنع الفقهاء أتباع المذاهب، وقد كانت البصرة أقرب إلى قبائل البدو التي لم يخالطها العجم وأكثر عربها من قيس أو تميم، وكان أهل الكوفة أدخل في مخالطتهم العجم، والقبائل المحيطة بهم دون قبيلتي قيس وتميم ،غير أنهم – أعني الكوفيين- أدنى إلى التيسير وترك التكلف في كثير من مسائل النحو، وفي كل خير ، وعلى الباحث الدراس أن يحقق ليرجَّح، وأما من لا يحتاج إلى ذلك فيكفيه ما عليه كلام الله وكلام رسوله وكلام الفصحاء ، ونحن في هذه العصور نحتاج في كل العلوم إلى التصفية والتيسير أكبر مما نحتاج إلى الجمع والتكثير ..والله المستعان ،وهو على جمعهم إذا يشاءُ قدير.