المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في آيات قرآنية- سورة المعارج-


عمر درويش
05-25-2018, 09:02 PM
سَنَّ أستاذنا الدكتور "علي المتقي" سنة حسنة في البحث العلمي، وندبنا إلى اتباعها والسير على نهجها وهداها، إذ كلفنا بانتخاب آيات من سورة من سور القرآن الكريم، ثم العودة إلى التفاسير المشهورة، سواء تلك التي تستند إلى الرواية، أو الدراية، أم إليهما معا، وبعدما نلم بكل جوانبها الدلالية والصرفية والتركيبية .. ونكون على بينة منها، ندلف إلى التنقيب عن دلالات أخرى لم تشر إليها التفاسير- يمكن أن أصطلح عليها بالإشارات- في ثناياها، ولكنه اشترط في ذلك شروطا منها ألا تكون مناقضة لأصل من أصول الشرع، وألا تكون حكما أو تشريعا أو فتوى، وأن تكون معقولة مقبولة تتصل بواقعنا الحاضر. وقد وقع اختياري على الآيات الكريمة الآتية:
"إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمُ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) سورة المعارج.
سأشتغل في هذه الورقة وفق منهج يحاول عن طريق آليات إجرائية ربط القرآن الكريم بالواقع، بوصفه خطابا لكل جيل، ونبراسا تهتدي بنوره كل أمة، وذلك بتثويره وتحيين معانيه، وجعل تراكيبه تخاطب كل فرد في عصرنا الراهن، لا أن نحصرها في نطاق ضيق يفرغها من حمولتها الدلالية والإقناعية، ويرجع بها دائما إلى زمن انتهت متطلباته بل ربما ماتت ودرست.
سأحاول بناء قراءة لهذه الآيات انطلاقا من محورين يتنازعان موضوع السورة ككل؛ تمثل الأول في صفات الكفار وجزائهم، فيما خُصص الآخر لصفات المؤمنين وثوابهم.
أما الآيات السبع عشرة محل اشتغالي فتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1-قسم أول ظهر بشكل صريح تناسبه مع أول السورة وآخرها، وذلك في قوله تعالى:« إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)» إذ ابتدأت -أي السورة- الحديث عن طلب الكفار العذاب، وعن زمن ذلك العذاب ومقداره، وعن أوصافه، وأحوال المعذبين فيه أثناء حلوله وقبل ذلك، فالصفات التي جبلوا أنفسهم عليها تصديقا وعملا هي التي جنت عليهم معاناة العذاب في هذا اليوم .
2- قسم ثان يحدد فيه من خلع نفسه من ربقة الصفات المذمومة المتصف بها من في القسم الأول، واتصف بصفات حميدة كان لها بالغ الأثر في حياتهم الدنيوية والأخروية وذلك في قوله جل شأنه « إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمُ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)».
3- قسم ثالث يتمثل في الجزاء الموعود به من سلف ذكرهم في القسم الثاني وهو قوله تعالى: «أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)».
وتأسيسا على ما سبق يمكن الخلوص إلى ثلاث وحدات دلالية أيضا جاءت على الشكل التالي:
وحدة الاضطراب والتذبذب: ( الداء الفردي)
تتعلق هذه الوحدة بأفعال صادرة عن الغريزة المتحكمة في حياة الإنسان؛ عُبِّر عنها باستعمال لفظة جامعة تمثلت في "الهلع"؛ والتي جاءت على صيغة المبالغة الدالة على شدة التمكن، بوصفها "قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها، أو عند توقع ذلك والإشفاق منه" ، للدلالة على أن محل ذلك القلب محكوما بنفوذ النفس؛ فيستشعر ما هو فيه ليسلك أقرب الطرق بغية دفعه في حال الشر، وبغية الإبقاء عليه حال الخير، فهو في كلا الحالين دائم الخوف منخلع الفؤاد، وهو خوف على أشياء مادية محسوسة مبني على ضعف إيمانه بخالقه بل انعدامه. وقد استعملت لتصوير ذلك ظاهرة الطباق (الشر≠ الخير) وظاهرة الجناس (هلوعا-جزوعا- منوعا)، وظاهرة التوازي ( إذا مسه الشر≠ إذا مسه الخير)، مما أضفى على الآيات بعدا جماليا وحجاجيا يؤثر في السامع ويظهر له قبح تلك الصفات وشناعتها، إضافة إلى ما ذكر؛ جاءت الاستعارة التبعية الواقعة في فعل المس (إذا مسه) الخاص باليد؛ دالة على تأثير أدنى درجة من الشر أو الخير بالإنسان ليقع منه ما سبق، وهو ما يعضده من جهة الافتتاح بالتأكيد (إِنَّ) المفيد الصدق في القول وكونه واقعا لا محالة، والشاهد يأتي من قارئ هذه الآيات نفسه، فتكون باعثة له على البحث في دواخله عن تحقق تلك الصفات فيه، مما يدفعه للاتعاظ والاقتناع بضرورة التغيير حالَ وجودها فيه، فلفظتا الشر/ الخير صفتان تقويميتان؛ ينقبض قلب المرء عند وقوع الأولى، فيما تنبسط أسارير قلبه دلالة على الرضا عند حصول الثانية، لكن ردة الفعل الصادرة عنهما تدل على سوء التصرف؛ وذلك في لفظتي الجزع/المنع؛ بمعنى حصول شيء في النفس ينخلع لأجله الفؤاد مخافة الشر فيظهر ذلك جليا في فعله مع نفسه ومع الناس بدوام الشكوى، والأمر نفسه يقع في حال الخير؛ فتنقبض نفسه وينخلع فؤاده مخافة فقدان ذلك الخير، ثم يظهر ذلك عليه مع نفسه فيقتر عليها، ومع الناس إذ يمنع حقوقهم في ذلك. من جهة أخرى؛ خرق مجيء لفظة (الخلق) المتعلق بالإنسان أفق الانتظار كونها سيقت للغرائز البشرية، في حين ترد هذه اللفظة كثيرا في سياق ذكر الأشياء المادية فيه، كالمضغة والعلقة والأمشاج وغير ذلك، ونظير هذا قوله تعالى: «خلق الإنسان من عجل» ، فالغريب في النظيرتين هو بناؤهما للمفعول الذي لم يسم فاعله، إذ الإشارة المقتنصة من هذه الظاهرة النحوية هي إرادة التركيز على الصفة دون موجدها، لتتبين من ذلك درجة التعالق بين الصفات الثلاث في القلب بوصفه الجامع بينها لكثرة التقلب والتذبذب والاضطراب فيه، تبعا للمتغيرات المحيطة به، وليظهر هذا التأثير في الإنسان نفسه وفي علاقته مع الآخرين، فالتعبير بهذه الألفاظ على وجازتها، صور لنا دواخل الإنسان فقيرا فأصابه شر أو خير، وحال غناه عندما يحدث معه مثل ذلك، إلا أنه قد «كان من القدرة البالغة أن يحفظ سبحانه من أراد من الخزي مع جبلته، ويحمله على كسر نفسه مرة بعد أخرى، حتى يتلاشى ما عنده من جبلة الشر، وتبقى الروح على حالها عند الفطرة الأولى، فلا تزال تحثه على المبادرة إلى طاعته سبحانه وتعالى وحفظ حدوده» .
وحدة الثبات والاستقرار: (الدواء الجماعي)
يعد الهلع غريزة يصعب طمسها نظرا لتمكنها في النفس البشرية، فجاءت هذه الصفات الثمانية كحل جذري لمعاناة الإنسان في ظل هيمنة هذه الغريزة عليه.
فإذا أنعمنا النظر نجد سيطرة الأسماء على فضاء هذه الوحدة؛ إذ يصل عددها إلى ثمانية وثلاثين اسما، فيما اقتُصِر على ذكر أربعة أفعال( يصدقون-ملكت-ابتغى-يحافظون) واحد منها جعل في خاتمة آية(يحافظون)، والأخرى وزعت في ثنايا الآيات. والاسم عند النحاة هو ما أفاد معنى في ذاته غير مقترن بزمان، فمن ناحية أولى؛ دل استغراقه لمعظم الآيات عدة معان كالقوة والرسوخ، ومن ناحية ثانية أفادت الألفاظ المستعملة نفسها نحو (المداومة والمحافظة والرعاية والقيام بالأمر) هذه المعاني وزيادة. أما من الزاوية النحوية فاستعمال الواو العاطفة مع أسماء الموصول والإتيان بجمة الصلة اسمية في ستة مواضع وفعلية في موضعين تلميح على قوة التواشج والتعالق بين هذه الصفات، وضرورة الجمع بين مكوناتها ليكتمل ذلك الترياق الموصوف لداء الهلع، وحتى يتم بعد ذلك الشفاء.
وعلى هذا الأساس، نستشف ذلك التفريق الجاري بين ما هو فردي صرف، وما هو فردي يتحرك في فضاء الجماعة؛ ليدل على ضرورة تماهي الجزء داخل الكل في نظام يترك للأول خصوصيته، فالإنسان قليل بنفسه كثير بإخوانه؛ وعليه نجد أن الصفات التي تخص الفرد في ذاته تنحصر في الآتي:
-التصديق بيوم الدين/ الإشفاق من عذاب الله/ المحافظة على الصلاة.
أما التي اشترك فيها مع الجماعة فهي كما يلي:
-المداومة على الصلاة/ الصدقة والزكاة/ حفظ الفرج/ رعاية الأمانة والعهد/ القيام بالشهادة.
وهذا التمازج بين أمور تقوم على الجنان، وأخرى متعلقة بالأركان؛ يدل على ضرورة تحري مطابقة القول أو الاعتقاد للعمل، فبانتفاء الأول يبطل الثاني، وبانتفاء الأخير يتساقط الأول.
وبالإضافة إلى ما سبق، نستشعر إشارة قوية إلى تلك القلة من العباد القادرة على إيفاء هذه الصفات كاملة رغم ما قد يعتور ذلك من إخلالات؛ إذ يحيل الاستثناء الوارد في بداية قوله تعالى: إلا المصلين" إلى اختصاص ثلة معينة بهذه الصفة، ونظير ذلك قوله تعالى "وقليل من عبادي الشكور"، وقول الشيطان مخاطبا الله سبحانه :«قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين(82)إلا عبادك منهم المخلصين(83)» ، وفيما جاء أيضا في الحديث حيث «أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » ، فشكر الله وإخلاص العمل له يتجلى في التمسك بأوامره واجتناب نواهيه والمداومة على ذلك؛ وهو ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بالمكاره لعسرها ومشقتها، نظرا للدور الذي تؤديه النفس في هذا المقام؛ ودليل ما سرنا إليه أنه تعالى لم يقل المؤمنين ولا المحسنين ولا المسلمين بل أتى بوصف المصلين للدلالة على أن الصلاة هي أشق عبادة على الإنسان، لوجوب المداومة عليها باحترام أوقاتها، وحفظ أركانها وشروطها المستمرة والمتجددة «وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين» . على هذا الأساس يمكن بيان وجه التناسب بين اسم السورة ( المعارج) ومقتضى هذه الآيات، إذ الأخذ بهذه الصفات الثمانية في الحياة الدنيا يخلص الفرد من حضيض الرذائل الدنيوية ويعرج به إلى نيل المكرمات الأخروية.
وحدة الجزاء: ( الخلاص الجماعي)
يتمثل هذا العنصر في دار البقاء، إذ بتمثل تلك الصفات الثمانية والثبات عليها في الحياة الدنيا، يكون الجزاء الإكرام في الجنة وبها، وفي الآية إشارة إلى وفاء الله سبحانه وتعالى بوعده لعباده المخلصين.