المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة آرامية سريانية للقرآن الكريم المستشرق الألماني: كريستوف لوكسمبورغ (اسم مستعار)


عمر درويش
05-27-2018, 08:12 PM
توطئة:
يعتبر نزول القرآن الكريم في الجزيرة العربية نقطة تحول جذرية في ثقافة أمة بأكملها، حيث جاء مخالفا بوجه من الوجوه البديعة لمجرى العرب في كلامها، مما مهد لهم الانكباب على دراسته من جهة المعرفة به كدافع أساسي، ثم من جهة الدفاع عنه ضد المشككين فيه كدافع احتياجي منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، ثم بعد انتشاره وذيوع صيته لم تقتصر دراسته على المتكلمين بلغته، بل انبهر بها غيرهم من العجم غير المسلمين؛ وهم الغرب الأوربي، فجاءت دراساتهم للقرآن الكريم تتخذ شكلا جزئيا ضمن موجة كبرى من الدراسات التي غزت الحضارة العربية الشرقية في القرن التاسع عشر ميلادي، مما ترتب عنه آثار سلبية وأخرى إيجابية ساهمت في فهم القرآن الكريم من زوايا نظر مختلفة ومتنوعة.
وتعد جهودهم في حفظ المخطوطات وتصنيفها مما يحسب لهم الفضل فيه، إضافة قيمة وغنية أثرت المجال العلمي العربي، وكذلك بإدخالهم واحدة من الأسس العلمية؛ وهي تحقيق الكتب ونشرها؛ ومن أبرز هذه التحقيقات نجد:
- أسرار التأويل وأنوار التنزيل للبيضاوي، دراسة وتحقيق الألماني فرايتاغ (د. ت).
- المتشابه في القرآن للكسائي بتحقيق الألماني بريتزل المطبوع في 1942م.
- القراءات الشاذة لابن خالويه بتحقيق الألماني برجشتراسر.
كما شهدت الدراسات اللغوية للقرآن الكريم تطورا واضحا؛ خاصة عند الألمان، الذين اتجهوا في غالب الأحيان لدراسة القرآن دراسة علمية موضوعية، بعيدا عن علم اللاهوت الذين كان مسيطرا على الغرب برمته قبل القرن التاسع عشر، وذلك اعتمادا على منهجين مبتكرين آنذاك:
- منهج علمي تمثل في تطويع مناهج العلوم الطبيعية لخدمة اللغة .
-منهج فيلولوجي يدرس اللغة في علاقتها بجنس المتكلمين بها.
وقد كتبت عدة أعمال بناء عليهما؛ نذكر من بينها:
- المعجم (العربي-اللاتيني) ل"فريتاج".
- الكلمات الأجنبية في القرآن، رسالة دكتوراه للألماني فرانكلين المطبوع في 1878 م.
- نجوم الفرقان في أطراف القرآن لجوستاف فلوجل المطبوع في 1898 م، وهو أول معجم مفهرس لألفاظ القرآن الكريم في اللغة العربية.
وعلى هذا النحو ألف (كريستوف لوكسمبورغ) كتابه:" قراءة آرامية سريانية للقرآن؛ مساهمة في تفسير لغة القرآن"؛ الذي صدر سنة 2000 م؛ إذ عرض فيه قراءة جديدة للمقاطع الغامضة التي وردت في القرآن الكريم من خلال معطيات تاريخية وفيلولوجية.
وفي العرض نصبو لبسط بعض مباحث الكتاب بطريقة أكثر سهولة وأقرب مأخذا، للوقوف على ما نحن بصدد دراسته؛ أي الدخيل في القرآن الكريم وذلك من وجهة نظر غربية ألمانية.
1- التصدير:
تطرق الباحث في تصدير الكتاب أولا؛ للحديث عن الطبعة الإنجليزية والتي تعتبر الأولى من نوعها وذلك بعد صدور ثلاث للكتاب باللغة الألمانية الأصل. ثم انتقل للحديث ثانيا عن أمله في أن تعطي هذه النشرة التي حوت مجموعة من النتائج حافزا قويا للأبحاث القرآنية لمناقشة ما ترتب عنها من المناهج والتأويلات حين النظر في محتوى النص القرآني.
وضع الباحث سؤالا مهما ليؤطر القارئ ضمن ما يروم توصيله إليه في هذا العمل؛ هو ماذا يقصد بالسريانية-الآرامية (حاليا السريانية)؟
حيث اعتبرها الباحث جزءا من لغة الكتابة التي كانت منتشرة في مِنطقة الشرق العربي في الفترة التي دُوّن فيها القرآن الكريم. هذه اللغة هي الآرامية، وقد نعتها الإغريق منذ عصر ما قبلَ الميلاد بالسُريانية نِسبة إلى مملكة آشور في بلاد ما بين النهرين وسوريا الطبيعية. وتنتمي أقدم نقوش آرامية اُكتُشِفت حتى الآن إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وقد عُرف الآراميون الذين اعتنقوا النصرانية بالسُريان تمييزا عن أبناء أمّتِهم الوثنيين بحيث أَضحى لقب الآرامي مُرادِفا للوثني. والطبري لا يَذكر في تفسيره الآرامية بل السريانية. وما رفع من شأن اللغة السريانية ترجمة الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) منذ القرن الثاني الميلادي وربما قبله إلى سريانية الرُّهَى، وهي اللغة الآرامية المَحكِيّة في مِنطقة الرُّهَى (وهي أورفا الحالية) الواقعة في شمال غرب بلاد ما بين النهرين. ومع تنصّر الملك أبجَر الخامس، ملك الرُّهَى، في أواخر القرن الثاني الميلادي وانتشار النصرانية على يد السُريان انطِلاقا من سوريا وبلاد الرافدين، أصبحت السريانية بفضل ذلك لغة الكتابة ليس في سوريا وبلادِ ما بين النهرين فحَسْب، بل وتجاوَزتها إلى مناطقَ مجاورة، منها بلاد فارس وشبه الجزيرة العربية. وقد ورد في حديث نَبَوي شريف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) طلب من زيد بن ثابت الذهاب إلى بلاد الشام لتعلّم السريانية، مما يبيّن لنا أهمية اللغة السريانية (المسيحية) في العصر الذي نشأ فيه القرآن الكريم وما بعده. إذ نعلم من تاريخ الأدب العربي اللاحق أن للسريان حظا وافرا في تطوير اللغة العربية الكتابية بما أنجزوه من ترجمات من السريانية واليونانية إلى العربية في العصر العباسي، فأضحَت اللغة العربية بعد السريانية لغةَ الآداب والفلسفة والعلوم. والمعروف أن الآرامية القديمة بدأ تدوينها بحسب النقوش المكتشفة منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وأن ملوكَ الفرس اتخذوها لغة دَواوينِهم واستعملوا الخط الآرامي لكتابةِ الفارسية الوسطى (الفهلويّة) كما اتخذها بنو إسرائيل بعد سَبيِهم إلى بابل لغةً لهم، فدوّنوا بها جُزءا من كتبِهم المقدسة منها كتاب النبي دانيال وتراجمُها. وليست السريانية إلا امتدادا للآرامية القديمة بطابعها المسيحي بعد الميلاد وباتت اللغة الرسمية إلى جانب العربية في العصر الأموي حتى عهد عبد الملك بن مروان (685 – 705 م)، مما يبيّن الاتصال الوثيق الرابط بين العربية والسريانية حتى عصر ما بعد الفتوحات.
2- مقدمة الكتاب:
بعد حديثه عن كون القرآن أول مؤلف كتب في الثقافة العربية؛ وعن كون محتوياته هي كلمة الله العليا عند العرب في الديانة الإسلامية، قدم تعليلين يبرران اهتمامات غير المسلمين بدراسته باعتباره إرثا ثقافيا إنسانيا:
-دراسة هذا الأثر الأدبي من منظور التاريخ الثقافي، ثم من وجهة نظر تاريخ الديانات.
-دراسة هذا الأثر الأدبي من المنظور الفيلولوجي.
هذا المنظور الفيلولوجي هو ما سيشغل الباحث في عمله، وذلك لتحليل المقاطع الغامضة أو الملتبسة في النص القرآني، باعتبار أن جزءا كبيرا منه لا يدلي بمعطيات فيلولوجية تمكن الباحث من ولوجه والوقوف عند معانيه المرادة.
كما يشير الباحث في هذه المقدمة المقتضبة إلى كون الدراسات الغربية هي أبرز من بدأ البحث في هذا المجال في القرن التاسع عشر؛ لذلك قام بتسطير مجموعة من أهم الأعمال في سلم كرنولوجي بحسب الظهور من ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى سبعينيات القرن العشرين وهي كالتالي:
-أبراهام جيجر: حبر يهودي » ماذا أخذ محمد من اليهودية؟ «
-ثيودور نولدكه: » تاريخ القرآن « .
-سيغموند فرانكل: تلميذ نولدكه؛ له » الألفاظ الآرامية الدخيلة في اللغة العربية«.
-كارل فولرز: »العربية العامية عند قدماء العرب«.
-جاكوب بارت: له مقال بعنوان:» نقد وتفسير القرآن«.
-أﮔناس ﮔولدتسيهر: » مذاهب المسلمين في تفسير القرآن«.
-جوزيف هورفيتز: له »أبحاث قرآنية« وله »أسماء الأعلام اليهودية في القرآن«.
-ألفونس منغانا: » التأثير السرياني في أسلوب القرآن الكريم«.
-هنريش اشباير: » القصص المسيحية المقدسة في القرآن«.
-آرثر جيفري: » المفردات الدخيلة في القرآن«؛ حيث نجد أن لوكسمبورغ قد أولى هذا العمل عناية ملحوظة؛ فاستفاض في بيان عمل صاحبه فيه:
فبعد أخذه بعين الاعتبار معارف اللغويين والمفسرين العرب، تناول ما يقارب ثلاثمائة لفظة بما فيها خمسين اسم علم تقريبا، يغلب عليها الأصل الآرامي أو السرياني الآرامي؛ وعلى مقياس من 100 درجة قسم هذه الألفاظ كالتالي:
%5 إثيوبي، %10 عبري، %10 يوناني روماني، %5 فارسي، %70 سرياني (آرامي سرياني).
ورتب هذه الألفاظ بحسب خمس طبقات: أسماء الأعلام- ألفاظ دينية- عبارات لغوية عادية- الإملاء- جمل إنشائية ومراجع تاريخية دخيلة.
-غانتر لولينغ: قدم أطرحة تنص بأن ثلث القرآن كان موجودا أصلا قبل ظهوره الإسلامي؛ أي على شكل تراتيل مسيحية لذلك فليس له أية علاقة مع محمد.
3- المراجع المعتمدة:
اعتمد الباحث في عمله على مجموعة من المصادر الإسلامية والمراجع الغربية؛ وهي كالتالي:
-جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط3، القاهرة 1968.
-لسان العرب لأبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي، بيروت 1955.
ولأغراض مقارناتية استعان الباحث بأهم الترجمات الأوربية للقرآن الكريم هي:
-ريتشارد بيل: ترجمة القرآن بالإنجليزية، مع إعادة ترتيب نقدية لسوره.
-رودي باريت: ترجم القرآن إلى الألمانية مع شرح فيلولوجي، حيث التزم بالترتيب العثماني المتعارف عليه، والنص كما هو.
-ريجيس بلاشير: ترجمة القرآن بالفرنسية.
ولضبط القراءات التفسيرية المبينة على اللغة السريانية الآرامية، اعتمد الباحث كذلك عدة معاجم هي:
-باين سميث: الموسوعة السريانية.
-كارل بروكلمان: المعجم السرياني.
-جاك أوجين مانا: القاموس العربي الكلداني.
واستعانة بهذه الترجمات يشير الباحث إلى إمكانية الوقوف على كيفية فهم هؤلاء الباحثين الغربيين لإشكالية المقاطع القرآنية الغامضة .
4- منهجية العمل المسطرة:
يقصر الباحث غاية هذا العمل على توضيح المقاطع الغامضة التي حددتها الدراسات الغربية للقرآن؛ لذلك فقد كشفت البحوث المقامة حول لغة القرآن التي جاءت بشكل عام عددا لا يستهان به من الالتباسات وسوء الفهم حتى عند تناولهم لتعابير عربية حقيقة؛ مما يحيلنا للقول باختلاف المفسرين الواضح، نظرا لانعدام التناسب التام بين المعنى والسياق؛ ومما ساهم في هذا هو عدم وجود أي معجم عربي معروف آنذاك كما هو الآن، باعتباره سيعطي إضافة قيمة للمفسرين القدامى؛ ويمثل الباحث بتفسير الطبري الذي أشاد فيه الأخير بالتراث الشفهي العربي، ولم يشر البتة إلى أي نوع كان من المعاجم في عصره؛ حيث قام الطبري قام باستعمال الشعر من أجل شرح بعض التعابير القرآنية الغامضة؛ إلا أن هذه المقارنة بين حقلين دلاليين مختلفين تعتبر مضللة، لأن المفردة في الشعر تختلف تمام الاختلاف عن تلك في القرآن.
قبل التطرق للإجراء المتبع في هذا المنهج، لابد من ذكر النقط الرئيسية التي سطرها الباحث فيه:
-اعتماده النسخة الكنسية للقرآن، والمطبوعة في القاهرة، لأنها تشكل قاعدة نصية؛ بما فيها من استشهادات قرآنية، وقواعد الإملاء، والرسم وترقيم الآيات.
-تتضمن هذه الطبعة عددا مهما من الملحقات المضافة مما جعلها تختلف عن المخطوطات القرآنية، خاصة ما يتعلق بتنقيط القرآن الذي عده لوكسمبورغ علامة صوتية مهمة تساعد على التمييز بين الحروف الغامضة والملتبسة في الأبجدية العربية القديمة.
-كما يؤكد الباحث ضرورة أخذ الحيطة والحذر عند إرادة توضيح السياق، وذلك من أجل الحصول عند قراءتنا على تعليلات منطقية؛ باعتبار أن الأفهام في قراءة القرآن عند العرب متفاوتة ، ثم استدل بما وجده عند الإمام الطبري عند قوله "اختلف أهل التأويل في تأويل كذا" وكذلك عند ختمه لجميع أقواله بعبارة "والله أعلم"، هذه الأخيرة وجدها مطردة كذلك في لسان العرب لابن منظور.
ثم ينتقل الباحث بعد ذلك لوضع مرتكزات منهجه وهي كالتالي:
-ضرورة الاعتماد على تفسير الطبري عله يكشف جملة من التفسيرات لكلمة تعد غامضة عند مترجمي القرآن الغربيين؛ لأن التراث العربي ظل محتفظا بمخزون كبير من التعابير الآرامية القديمة.
-إن لم يجد بغيته في تفسير الطبري انتقل إلى لسان العرب؛ الذي درست فيه العبارة لإيجاد أكبر قدر ممكن من الدلالات والمعاني، إذ من خلال هذه الخطوة يمكن الحصول على معنى أكثر ملاءمة.
-إذا لم يجد طلبته في هذه الخطوة؛ لجأ إلى طريقة يرجع من خلالها اللفظ إلى أصله السرياني الآرامي، باعتبار أن هذه القراءة السريانية الآرامية تولد معان مناسبة، إذ يمكن عند التمعن فيها الوصول إلى تقارب في المعنى بين ما هو عربي وسرياني آرامي.
-إذا لم تفلح هذه المحاولة؛ عندها سيتم تغيير مواضع النقط، لجعل الجذر الآرامي تحت الكتابة العربية؛ فهذه المحاولة كانت ناجحة في حالات كثيرة، حيث أعطت التعابير الآرامية للسياق معنى منطقيا أكثر ملاءمة.
-عند فشل هذه الطريقة عندها سيتم إعادة بناء المعنى الأصلي للعبارة القرآنية من خلال ترجمتها إلى السريانية، معتمدا في ذلك على علم الدلالة، هذه الطريقة تتجاوز في أهميتها مستوى صعوبة اكتشاف السريانية الحالية، فما دام ليس هناك معاجم سريانية عربية وجب على الباحثين الاعتماد على معرفتهم الخاصة باللغات.
-يشير لوكسمبورغ إلى أنه قد تواجه الباحث عبارات ليس لها تفسير في "لسان العرب" ولا شرح مقبول بالاعتماد على السريانية الآرامية، لأنها في العربية الراهنة مختلفة المعنى تماما، أو لأن معناها الأصلي غير معروف، لهذا وجب الاستعانة بمعاجم ألفت في القرن العاشر كوسيلة مساعدة للمترجمين السوريين للألفاظ العلمية السريانية إلى العربية؛ كمعجمي الفزيائيين " بار علي " و" بار بهلول " الذين قد يتيحان الوقوف على المعنى الحقيقي المراد، أو بالرجوع إلى المعجم السرياني-الآرامي(الكلداني) العربي لـ» ماناَّ« الذي تضمن مخزونا لا بأس به من الموروث السرياني في الشرق وصناعتهم في المعاجم، ذلك أنه وظف التفسير السرياني للكلمات والعبارات وبحث عن مرادفاتها.
كانت هذه هي المرتكزات التي حددها الباحث في تناوله لموضوع تحليل لغة النص القرآني على مستوى الكلمات والعبارات، بالإضافة لتطرقه لأهم المشاكل التركيبية التي برزت له أثناء معالجته للموضوع، وهذا سيتم بيانه في التطبيقي.
5- الخط العربي:
يعتبر لوكسمبورغ القرآن أول كتاب دون بالخط العربي، باستثناء النقوش المكتشفة قبل الإسلام في شمالي الحجاز وسوريا. كما يشير الشكل القديم للحروف العربية ونوع الحروف المركبة المستعملة إلى كون الكتابة السريانية الآرامية حفظت كنموذج للخط العربي. حيث أن الخطين معا لديهما قواسم مشتركة مع الآرامية القديمة والخط العبري؛ هذه القواسم المشتركة سيبينها لوكسمبورغ بواسطة معرفته بعلم الأصوات، من خلال الإشارة إلى بعض التشابه والتقارب في الصوامت(consonants)، والصوائت(vowels)، وأشباه الصوامت(semi-vowels) أو ما يسمى أحيانا بأشباه الصوامت.
يعتبر الباحث أن مشكلة الخط العربي الحقيقية تكمن في الصوامت، حيث أن ستة صوامت فقط نجدها تتميز بشكلها، في حين يتبقى لنا اثنان وعشرين صامتا؛ ولتشابهها لا نستطيع تمييزها عن بعضها إلا انطلاقا من السياق، هذا الخلط بين الحروف تم رفعه بواسطة التنقيط[1]، حيث يتوقف تباين هذه الصوامت بتنقيطها وتهجيتها على موضعها إما في بداية اللفظة أو في وسطها أو في نهايتها، مع كون متصلة من عدمه وهو ما سيبينه الباحث في تسلسل عمودي يميز فيه بين هذه الصوامت.
6-التقليد الشفهي:
يريد الكاتب من خلال هذا المبحث إبراز التناقض الذي حصل في التراث الإسلامي في قضية جمع القرآن، ذلك أن هذا الأخير وصلنا بسند متصل عن النبي من خلال مجموعة من أكابر قراء الصحابة كابن عباس وابن مالك، مع الأخذ بعين الاعتبار سعيهم للمساهمة في تحديد النص القرآني كي يخلد التاريخ ذكرهم كمتخصصين في القرآن، ولكن التناقض يظهر في كون النص الأصلي المنقح أخذه عثمان بن عفان من حفصة، وفي كل الأحوال لا يمكن إعطاء زمن محدد للجمع النهائي للقرآن المكتمل الرسم.


[1] Diacritical dots وهو ما أطلق عليه الباحث :