المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأصيل الجذور اللغويّة للمعجم ـ الحلقة (11) و (12) و (13) و (14) و (15) و (16)


أ.د إسماعيل العمايرة
06-12-2012, 12:49 PM
.


(11)
بكم – بجم – بهم – بغم – برجم

الأبكم – من بكم – وهو الذي لا يُحْسن وجه الكلام (اللسان بكم 12/53 والبَجْم العَيّ، (اللسان: بجم 12/42) والأبهم كالأعجم، أي الذي لا يُحْسن الكلام، والكلام المبهم الذي لا يُعرف له وجه يؤتى منه، واستَبهم عليه: استَعجم فلم يقدر على الكلام (اللسان بهم 12/56)، وبَغَمتُ الرجلَ إذا لم تفصح له عن معنى تحدثه به، والبرجمة غِلَظ الكلام، وفي حديث الحجاج: أمن أهل الرّهَمسَة والبَرْجَمَة أنت؟ (اللسان، برجم 12/45)
وفي العبرية bahem وقد دلت على البكم (Furst 1: 169) ومنها behemah ويقابلها في العربيّة البهيمة ((Gesenius, 86 ، وفي الحبشية behma الذي يتحدث بصعوبة أو الأبكم (Leslau, 89-90) .
إن الأقرب في هذه الجذور: بكم، بجم، بهم، أن تكون الكاف قد تبادلت مع الجيم، أما الهاء، فهي الأبعد. غير أنها ممكنة. فالجيم بنطقها الانفجاري الكامل (كالجيم القاهريّة) عميقة المخرج، ويمكن تبادلها مع الغين في بغم، ومع الهاءفي بهم.

(12)
بزق – بسق – بصق – بزغ

جاء في كل مادة من المواد: بزق وبسق وبصق ما يشير إلى الأخرى، وهي تدل على البُساق أو البصاق المعروف.
وأما البزوغ – كبزوغ الشمس، فهو الخروج في تلألؤ. ولذا ارتبط استعمالها بالأشياء المتلالئة، فالشمس تبزغ، والقمر بازغ والنجوم بوازغ.
ويبدو أن هذا على ارتباط بالمادة البيضاء تخرج من الفم، وهي البُساق وقد جاء في مادة بسق أن بُساقة القمر: حجرٌ أبيضُ صافٍ يتلألأ . قال ابن منظور: "وهو مذكور في الصاد أيضا" (اللسان بسق 10/20 وبصق 10/21) وقيل في بزق بَزَقَت الشمس كبَزَغَت (اللسان بزق 10/19)، وهي لهجة معروفة، قديماً وحديثا، تبادل القاف والغين، إذ يُفرّ من انفجاريّة القاف وخفائها إلى احتكاكية الغين. وهذا ما يحدث لكثير من الأصوات الانفجاريّة، كالكاف والتاء والجيم.
فهذه المواد – في حدود هذه المعاني والمباني- يمكن ردّ بعضها إلى بعض. وقد دلت مادة بزق في العبريّة على بزوغ الشمس، وعلى التلألؤ (Furst 1:177 وانظر Gesenius 91) وفي الحبشيّة baziqa تعني يتلألأ
(Leslau ,117)
وفي الآراميّة (Leslau 117) bezeaq ، وأما bozaqa فقد دلت في التجرية على البصاق.
والأصوات الصفيريّة: السين والصاد والزاي، تتبادل لهجياً. وكلها أسنانيّة لثويّة، وأما السين والصاد فمهموسان، ويفرق بينهما أن الصاد مطبقة، أما الزاي فمجهورة.

(13)
مهق – مقه – قمه – بهق – بلق – بلج - بهلق – بلهق – برق – بهج-محق

جاء في مادة مهق، أن المهق بياض في زرقه، وقيل شدة البياض، وقيل: بياض لا يخالطه صُفرة ولا حُمرة، كلون الجصّ، ليس بنيّر، والعين المهقاء : حمراء الأشفار.
وأشير في المادة نفسها إلى مقلوبها: مقه، فقيل المهق والمقه بياض في زرقه، وقيل: المقَه أشد بياضاً من المهق. (اللسان مهق 10/349).
وجاء في مادة مقه (اللسان مقه 13/540) أن الأمقه: الأبيض. وقيل المَقَه: بياض في زُرْقه، وأشير إلى مقلوبها: مهق، وقيل المَقَه أشد بياضاً من المَهَق. وقيل المَقَه: حُمّرة في غُبْره، والعين المقهاء مُحْمرّة الجفون، وقيل: المقَه غبرة إلى بياض.
وأشير في ماد قمه (اللسان قمه 13/531) إلى الأقْمه وأشير في مادتي مقه وقمه إلى بيت رؤبة.
في الفيف من ذاكَ البَعيد الأمْقَهِ (الأقْمَهِ)
بمعنى المكان الأغبر الذي لا خُضرة فيه.
وجاء في مادة بهق (اللسان بهق 10/29) أن البَهَق بياض دون البَرَص
وجاء في مادة بهلق (اللسان بهلق 10/29) أن المرأة البهْلقَ: الحمراء الشديدة الحُمْرة كثيرة الضَّجر، وأشير في بهلق إلى مقلوبها: بلهق.
كما أشير في مادة بلهق (اللسان بلهق 10/27) إلى المعنى نفسه، فالبَلْهقة هي البَهْلَقة.
وجاء في مادة بلق (اللسان بلق 10/25) أن البَلَق سواد وبياض
ودل جميع المواد السابقة على اللون الذي لا يَسُرّ، وانتقل ذلك مجازياً إلى الدلالة على الحُمْق، والداهية، والأرض المُجْدبِة.(وانظر أيضا مادة محق)
أما مادة بهج فقد دلت على اللون، ولكنه اللون الحَسن، فالبهجة: "حُسْنُ لون الشيء ونضارته" (اللسان بهج 2/216)، أما المواد السابقة فقد دلت على اللون غير الحسن. وهي تتفاوت، حتى في المادة الواحدة، في تحديد دقيق لذلك اللون.
وقد رأينا في المواد السابقة: مهق، مقه، قمه، بهق، كيف تبادلت الباء مع الميم، وهو أمر معروف، فهما صوتان شفويان مجهوران، وكيف ترتب على القلب المكاني مزيد من تكاثر الجذور.
ولنا – لغوياً- أن نتصور أن بلق بعد التشديد: بلّق، قد فُكّ إدغامها فأصبحت بَهْلَق، ثم جُرّدت من الهاء – على توهّم زيادتها، فأصبحت بلق، ثم بودل بين اللام والراء في بلق وبرق، وهما صوتان يتبادلان في العادة. ولذا كان مفرّ بعض الناس من الراء التكرارية إلى اللام.
أما بهج فتشير إلى تبادل القاف والجيم، وهما صوتان يتبادلان كما هي الحال في جَصّ وقَصّ، بالمعنى نفسه، وهما لهجتان قديمتان حديثتان.
أما في شقيقات العربيّة فقد جاءت مادة بهق دالة على اللون الأبيض واللون المضيء، وعلى اللون الشاحب، ومنه في العربية :البهاق وهو المرض المعروف. ففي العبريّة bohaq ومعناها لمع وتألق وتلألأ وأنار (كمال، المعجم 64) وفي السريانية abheq أبيض ولامع (Costaz 25, Furst 1: 169) والمؤنث behqita لامعة، وفي الحبشيّة دلت ablaq ، على الخرز أو المرمر اللامع المخطط باللون الأسود والأبيض. والمفردة balaq Leslau ,96) ، وانظر (Gesenius 86
ولعلّ مجيء الأصل في هذه اللغات من مادة بهق , يرجح أن يكون هو الأصل الآصل في العربيّة، على ألاّ يمنع ذلك من أن تكون بعض هذه الجذور مستقلة أصلاً شكلاً ومعنى، ثم أدت التنوعات النطقية المتعددة لمادة بهق، بأشكالها المتنوعة إلى التداخل مع تلك المواد المستقلة، فأقحم مفهوم اللون على تلك المواد المستقلة من أثر حَمْل هذه التنوعات النطقيّة لمادة بهق، بما يؤهلها للالتقاء صوتاً – دون المعنى- بتلك المواد المستقلة. وبذا يكون من مهام المنهج التاريخي المقارن أن يسعى إلى استلال خيوط المادة الواحدة، بأشكالها النطقية المتنوعة ليؤلِّف منها سياقاً واحداً ذا لحمة شكلاً ومضموناً.
والشيء البليج: المشرق المضيء، وبُلْجة الصبح ضوؤه، وأبْلَجت الشمس: أضاءت والبلوج الإشراق (اللسان: بلج 2/216)
والبَلق حجر باليمن يضيء ما وراءه كما يضيء الزجاج. (اللسان بلق 10/25) وقد عُبّر عن السواد والبياض بالبَلَق، وقيل دابة أبْلق وجبل أبْرق، إشارة إلى التحجيل في الدواب، أي ارتفاع البياض في قوائمها. أما سائرها فأسود، وفي الجبل إشارة إلى السواد والبياض فيه. ويقال تيس أبرق: فيه سواد وبياض، وكذلك الأبْلق، والبَرْق: لمعان (أبيض في وسط أسود).
وتبادل اللام والراء كما في برق، وبلق، وتبادل القاف والجيم كما في بلق وبلج، معروف.
وقيل في البَرَج: البياض المُحْدق بالسواد، وتباريج النبات أزاهيره (اللسان برج 2/212) والتبرّج إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. وكانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط من الجانبين في إشارة إلى اللمعان. ومن معاني البروج: الكواكب، إذ هي لامعة.
وجاءت مادة بلج في العبريّة دالة على اللمعان والحُسْن والسرور، كما هي الحال في العربيّة، ومنها mablig وتعنى لامع، وفَرِح. (Gesenius 99) . كما دلّت مادة برق على البَرْق واللمعان، ومنها baraq وتعني البَرْق و hibriq وتعنى لمع أو برق (كمال المعجم 77) وفي العربيّة الجنوبيّة برق وتدل على البرق (Beeston 31) ومادة برق بمفهوم الإضاءة واللمعان واردة في اللغات الشقيقات فهي في السريانيّة beraq وفي الأوغاريتيّة brq وفي الأكاديّة baraqu (Leslau ,107)
إن هذا التتبع قد سعى إلى التماس رد شيء من هذه الجذور – في حدود هذه المعاني- إلى أصل واحد، ولكن هذا لا ينفي إمكانيّة استقلال بعضها بنفسه أصلاً، ثم جاءه الاشتراك مع الجذور الأخرى، من أثر التداخل اللهجي، الذي تَرَتّب عليه أن يلتقي جذر في معناه أو بعض معانيه، بما لجذر آخر من معنى، التقاء عارضاً. وعليه فلا مانع من أن يكون الجذر بلق الذي دل على الأرض الجافة، لا تُنْبت شجراً ولا ظل فيها، على غير علاقة أصلاً مع الإضاءة، وقد جاء مفهوم الإضاءة إليه من أثر تداخل مادة بلق بمادة برق مثلاً، إلا أن نمّد الخيال قليلاً أو كثيراً فنتخيل أن سبب تسمية الأرض التي لا نبت فيها، عائد إلى سطوع الضوء فيها. وقد دلت مادة بلق في العربيّة والسريانية على الخراب والجفاف واليباب.
ومن مادة بلق في العبرية bolqa(h) ، وفي السريانيّة baluquta (Furst 1:194)، وتعني الخراب.

(14)
بق – فق – بوق – بأق – بعق – بعثق – بعج – بج – مجّ

البَقّ: الخروج في تدفّق وغزارة، فأبقَّت السماء: كثر ماؤها وتتابع، وبقّ الشيء يبُقُّه أخرج ما فيه، وبقّ الخَبَر بقّاً: أرسله ونشره، وامرأة مِبَقّة كثيرة الأولاد، وبقبقة الكلام والقدر وكوز الماء: حكاية صوت كلّ منها، والرجل بقباق، وكذلك الفمُ. وجاء في مادة بقق أنه يقال رجل بقباق وفقفاق أي ثرثار مهذار. (التاج بقق 25/91) وقد وردت هذه المعاني في مادة فقق، كالرجل الفقّاق والفقْفاق. والفَقْفقَة حكاية صوت الماء، وصوت النباح (التاج فقق 26/308) .
وجاء في مادة بوق أن البُوقة بالضم دفعة من المطر، وانباقت المَطَرَةٌ: اندفعت والبَوْق: كثرة المطر (التاج بوق 25/108 )،
وتَبّوق: انتشر. وقد أشير في مادة بأق إلى العلاقة بين بأق وبوق (التاج بأق 25/31).
وفي مادة بعق: بعق الوابل الأرض بُعاقاً بالضم، إذا شقها وأسالها والبُعاق: السّيل الدَّفّاع، وجَمّ البُعاق: المَطَر الغزير (التاج بعق 25/87)، والانبعاق في الكلام: التدفق فيه.
فهل نشأت بعق أو بوق، أو بأق من فك الإدغام في بقّ، فتكونت بذلك هذه المواد الجديدة؟ وقيل في بعثق: البَعْثَقة: خروج الماء من غائل حوض أو خابية (جابية)، فهل في هذا إشارة إلى حكاية الصوت التي مرت سابقاً، وهل الثاء ناجمة عن فك الإدغام في وزن فعّل من بعّق لتصبح بعثق، وذلك بإقحام الثاء؟ أو من فك الإدغام في بقّ فنشأ عن ذلك البثق والانبثاق؟ وقد أشير في مادة بعق إلى ما يفيد أن القاف قد تبادلت مع الجيم، كالبَعَق والبعج (التاج بعق 25/88). وجاء في مادة بعج، انبعج السحاب بالمطر، وفي مادة بعق: انبعَق المُزْن: انْبَعَج بالمطر. (التاج بعق 25/87)
وقد التقت بقّ وبجّ في معنى الانشقاق، كانشقاق النبت والمُزن، والجُرح..، وقد أشير في مادة بجج إلى أن البجباج هو الفجفاج، وهو كثير الكلام، كما أشير في المادة نفسها إلى المبادلة بين الميم والباء، فقيل: يتبجج بفلان ويتمجّج (التاج بجج 5/412)
ولعل الأغلب في هذه المواد أن كثيراً منها متباينة، ذات دلالات مستقلة متباعدة في المعنى أصلاً، ثم أدى انحراف النطق والتباين اللهجي إلى دخول إحداها في ساحة الأخرى، مَعْنى، فبقّ تختلف عن بجّ في أصل معناها، سوى أن نطق القاف جيماً عند بعض العرب، أدى إلى دخول بعض معاني بجّ، على معاني بقّ. ومثل ذلك يقال في بجّ ومجّ. وقد أدى جمع اللغة، دون فرز دقيق لحدود التداخل اللهجي، إلى مثل هذا التداخل بين معاني المواد المتباينة أصلاً.
أما في العبريّة فقد دلت مادة بقق على الانشقاق، كانشقاق النبت. (Gesenius111) ودلت baqboq بالقاف في العبريّة و bagbug بالجيم في السريانية على ما دلت عليه بقبق في العربيّة (Gesenius 110) و bagbeg تعنى في السريانية الثرثار ، و bagbuga تعني الإبريق (Costaz 24) نظراً لصوت انصباب الماء منه – على ما يبدو - . وهكذا تبادلت القاف والجيم في هاتين اللغتين كما هي الحال في العربيّة.
وللمرء أن يدخل في هذا السياق من الموازنات مادتي: فجّ وفجو بتبادل مُسوَّغ، معنى وصوتاً بين الفاء والباء – فج وبج – وبين القاف والجيم.

(15)
دكّ – دأك – دوك – دهك ـ دكأ ـ دق

الدّك – من دكّ – الهدم، ودكت الجبال: زُلزلت، واندكّ الرمل: تلّبدَ، ودكّ التراب يَدُكّه دكاً: كبسه وسوّاه، وتداكّ عليه القوم: ازدحموا.
وداكأ القومَ – من دكأ – زاحمهم، ودافعهم، وهي بمعنى دأكهم، أي دافعهم. وفي مادة دكك: ذُكِر حديث علي – رضى الله عنه- ثم تداككتم عليّ تداكُك الإبل على حياضها، أي ازدحمتم، وفي حديث أبي هريرة: فتداكّ الناس عليه، أي تزاحموا.
وفي دوك": يدوك البعير الشيء بكَلْكَله، يَدُقّه ويسحقه ويطحنه وتداوَك القوم أي تضايقوا في حرب وشرّ . ودلت دكّ وداك على الجماع.
وفي دهك: الدهك الطحن والدقّ.
وقد جاء الأصل الثنائي في العبرية dah بمعنى ضغط أو دكّ، وهو يقابل دك في العربيّة، كما جاء بالواو في العبريّة في مقابل دوك في العربيّة ودكا، وكلها بمعنى سحق، ودق، وطحن. (Gesenius 161) . وقد جاءت القاف نظيراً للكاف في دقّ، وهي في العبرية (Gesenius 167) وفي الأكادية daqaqu بالقاف وdakaku بالكاف و daqqu ومعناها دقّ، وسحق (Soden I: 162) وجاء الأصل الثنائي بالكاف في السريانيّة daq ومعناها: دقّ، وسحق (Costaz 69) .
جبس – جمس – جنس - جبز
من معاني الجِبْس : الذي يُبنى به وهو مادة بيضاء، ليس بياضها بوضّاء، والجبْس: الجامد من كل شيء، والثقيل الروح والفاسق (اللسان جبس 6/34) ويلاحظ هنا الانتقال من المدلول الحسي إلى المدلول المعنوي.
وفي مادة جمس: جَمَس الوَدَك والسَّمْن والماء: جَمَد، فالجَمْس: الجامد (اللسان جمس 6/42).
وفي مادة جنس: الجَنَس جمود الماء وغيره (اللسان جنس 6/43) وفي مادة جبز: الجَبيز الخُبْز اليابس، ومن دلالتها المعنويّة أن الجِبْز من الرجال: الكزّ الغليظ، واللئيم البخيل
(اللسان جبز 5/316).
ويغلب أن تكون جبس هي الأصل، لأنها هي التي تقابل الشين في نظيرها العبري gabas ، وأما انقلاب السين إلى زاي في جبز فمسوّغ بتأثير الباء المجهورة في السين المهموسة.
(Furst 240)

(16)
بسر – نسر – بصر – نصر – بشر

تبتعد النون عن الباء في مادتي بسر، ونسر، وهما متباعدتان في المعنى كذلك، غير أن المعاجم تذكر الباسور والناسور، أو الباصور والناصور، على أنهما كلمتان مُعرّبتان، ففي اللسان: "الباسور كالناسور، أعجمي، داء معروف.. علّة تحدث في المِقْعدة، وفي داخل الأنف أيضاً". (اللسان: بسر 4/59)
وأحسب أن المقصود بالأعجّمية هنا السريانيّة، وليس الفارسيّة، غير أن القدماء كانوا لا يعنون بالعجمة هنا اًصلاً محدّداً، بمقدار ما يقصدون أنها غير عربيّة. ووزن فاعول وزن عربي، بَيْد أنه كثير الاستعمال في السريانية، وربما تسربت بعض الألفاظ التي جاءت عليه من السريانية إلى العربيّة. أو هي من العربيّة الأصيلة التي جاءت على هذا الوزن. وقد رأى فرينكل أن باسور تعود إلى besre السريانية بمعنى الحصرم، تشبيهاً للباسور بالحصرم.(Fraenkel 264) وورد في السريانية nasura بالنون والصاد، أي الناصور أو الناسور) انظر ف. عبد الرحيم 174).
ولمادة بسر في السريانيّة معانٍ منها besre ومعناها الحصرم، أي العنب الحامض، أي الذي لم ينضج بعد،ويقابله في العربية: البسر،وهو التمر قبل أن ينضج(ابن منظور: اللسان:بسر4/58)
ومن السريانية besar بمعنى اللحم والجسد والإنسان (Costaz 33) وفي العبريّة basar بمعنى الجسد واللحم والبشرة، ويقابلها في الحبشية basor (Leslau, 110) ولعله يقابلها في العربيّة: البَشَرَة. أشار إلى ذلك Leslau: Comparative 110 وقد ذكر أنها في الأوغاريتية bsr بمعنى اللحم.
ومهما يكن فإن مادة بسر دلت على الشيء الذي لم ينضج بعد، أو الذي لم يأت أوانه، فبَسَر النخلة: لقّحها قبل أوان التلقيح، وكذا قيل في الناقة. وبَسَر الحِبْنَ بسْراً: نكأه قبل أن ينْضَجْ، وكذا القَرْحَةُ، ولعلّ هذا المعنى انتقل إلى الجانب المعنوي، فالبَسْر: القَهْر، ودلت في السريانية bsara عليه كذلك (Costaz 33) ،والبسر:طلب الشيء في غير أوانه كالفاكهة مثلا أو سواها.(ابن منظور:اللسان:بسر4/57)
والبُسْرُ ما كوَّن ولم يَنْضَج من ثمر النخيل، وإذا نَضِجَ فقد أرطب، والبُسْرُ من النبت: الغضّ الذي لم يَنْضَج، وهو كذلك في الحيوان، والإنسان. فرجل بُسْرٌ وامرأة بُسْرَة: الشابان الطّريان، وابْتَسر الشيء: أخذه غَضّاً طرياً.
ويبدو أن العلاقة ربما كانت غير خافية بين القَرْحة التي لم تنضج وبين مفهوم الباسور. وأما مفهوم الحموضة التي تكون لبعض الثمار كالعنب الحِصْرم فليست هي المعنى الأصلي، وإنما المعنى الأصلي في عدم نضج الشيء، سواء أكان قُرحة أم نبتاً أم إنساناً، أم بُسْر نخيل.



.

محب العربية
01-05-2013, 10:15 AM
شكر الله لكم، وجزاكم عنا خيرا