المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السَّكَن


أ.د عبد الرحمن بو درع
02-12-2014, 11:34 PM
من آيات الله في الخَلْق أن أخرَجَ لهم من أنفسهم مَن يَسكنون إليه ويأنسون به:
وليسَ يُعدُّ كلّ مَيلٍ سَكناً و مَلاذاً حَسَناً ؛ إنّما السّكنُ ما ضُمِنَت له أسباب الدّوامِ،
وهو الزّواجُ الشرعيّ، أمّا أسبابُ الغرامِ وطَيش السِّهام، فإنّها تبدأ بشرارةٍ مُحرِّكة
وتنهتي بنارٍ مُحرقَة :

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم:21)

المرأة من نَفس الرجل، خرجت من ذاته، حِسّاً ومَعنىً، حقيقةً ومَجازاً، وإذا سكَنَ
الرجلُ إليها سكَنَ إلى نفسه وإذا كانَت بينهما مودّةٌ ورحمةٌ فإنما تكونُ منه لنفسه،
فالسَّكَنُ ههنا سَكنُ بعض الرجل إلى بعضه، والحكمةُ من ذلك أن السَّكَنَ طمأنينةٌ
خالصةٌ وأنّ المودّةَ محبّةٌ صافيةٌ وأنّ الرحمةَ خلقٌ فطريٌّ، ولا تتحقق هذه المَعاني
والمَشاعرُ إلاّ إذا توثّقَت القَرابةُ ببينهما بميثاق الشّرع ورابطة الزواج، ولا عبرةَ ههنا
بتقارب آخَر يترجمونَه بالعشق والهيام والمَيْل الطبيعيّ، لأنّ هذه العلاقاتِ السائمَة
تنتهي بانتهاء الغريزة وتَنْفَدُ بنَفادِ المصلحة وكأنّ المَلاذَ مكانٌ للكراء لا للسكّن، وفي
ذلك قلقٌ واضطرابٌ يُنافي السَّكَن الدّائمَ، و شكٌّ يعتري القلبَ فلا يترك له مكاناً لمودّة.