مشاهدة النسخة كاملة : لغة آدم - عليه السلام -
محمد بن مبخوت
02-22-2014, 03:28 PM
الحمد لله وشكرا على نواله، والصلاة والسلام على محمد وآله.
قال ابن عساكر: وقرأت على أبي محمد أيضا عن عبد العزيز بن أحمد أنبأ علي بن الحسن الربعي أنا عبد الوهاب الكلابي أنبأ أبو الحسن بن جوصا نا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة نا أبو صالح عبد الله بن صالح نا معاوية بن صالح عن أبي عبد الملك محمد بن أيوب - وغيره من المشيخة - عن ابن عائذعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: « مائة ألف وعشرون ألفا »، قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك ؟ قال: « ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا »، قال: قلت: يا رسول الله ، من كان أولهم؟ قال: « آدم ». قلت: يا رسول الله، أنبي مرسل؟ قال: « نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا »، ثم قال: « يا أبا ذر أربعة سريانيون: آدم، وشيث، وأخنوخ وهو إدريس - وهو أول من خط بالقلم - ونوح. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح، ونبيك محمد - صلى الله عليـــــــــــــه وسلم - ». وفي رواية: قلت: يا رسول الله، كم النبيون ؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي». قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم الغفير». قلت: من كان أول الأنبياء ؟ قال: «آدم، آدم ». قلت: وكان من الأنبياء مرسلا؟ قال: « نعم مكلما ، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه».ثـم قال: « يا أبا ذر، أربعة من الأنبياء سريانيون: آدم وشيث وإدريس - وهو أول من خط بالقلم - ونوح، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأول الأنبياء آدم وآخرهم محمد - http://www.ahlalloghah.com/images/up/GifModified_07.gif -، وأول نبي من الأنبياء من بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وبينهما ألف نبي»([1] (http://www.ahlalathr.net/vb/#_ftn1)).
والسريانية تنسب إلى سوريانة أو سورانة أو أو سورية - وهي اسم الشام القديم ويشمل جزءا من العراق-
والعربية أفصح لهجات السريانية، وقد سلخت منها، وليس من السامية، كما يزعم المستشرقون ومن ولع بهم.
وقال الحاكم: حدثني إبراهيم بن إسماعيل القاري، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، ثنا معاوية بن سلام، حدثني زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام ، يقول: حدثني أبو أمامة - http://www.ahlalloghah.com/images/up/GifModified_05.gif - أن رجــــلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم ؟ قال: « نعم، معلم مكلم » قال : كم بينه وبين نوح؟ قال: « عشر قرون » قال: كم كان بين نوح وإبراهيم ؟ قال: « عشر قرون » قالوا يا رسول الله، كم كانت الرسل ؟ قال: « ثلاث مئة وخمس عشرة جما غفيرا »([2] (http://www.ahlalathr.net/vb/#_ftn2)).
وقال الطبري: حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: « قوله:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم :4 ]، أي: بلغة قومه ما كانت. قال الله - http://www.ahlalloghah.com/images/up/GifModified_06.gifّ-:﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾الذي أرسل إليهم، ليتخذ بذلك الحجة، قال الله - http://www.ahlalloghah.com/images/up/GifModified_06.gifّ-: ﴿ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ »([3] (http://www.ahlalathr.net/vb/#_ftn3)).
وقال الإمام أحمد في العلل: حدثني نصر بن علي قال: حدثنا نوح بن قيس قال: حدثنا الأشعث بن جابر عن الحسن قال: « خرج آدم من الجنة ولغته السريانية ولن تعود إليه »([4] (http://www.ahlalathr.net/vb/#_ftn4)).
وكتبه محمد بن مبخوت.
.............................. ..............................
([1]) سنده حسن إن شاء الله وهو جزء من حديث أبي ذر الطويل: رواه وابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق"273/23 وما بعدها وأشار إلى صحته، ط. دار الفكر، ورواه ابن حبان ( 1/384 – التعليقات الحسان) وصححه، وأبو نعيم في "الحلية" ( 1 / 166 - 168)، ط. دار الكتب العلمية، وابن جرير في"التاريخ "(1 /150- 151) و(1 / 170 - 171) ط. دار المعارف، ورواه ابن الجوزي في " المنتظم" ( 1/223 ) و( 2/ 142-143)، ط. دار الكتب العلمية، واحتج به، وقال الحافظ في "الفتح"( 6 / 416 – شيبة الحمد): صححه ابن حبان، وقال في "تحفة النبلاء": رواه ابن حبان وفي صحته مقال عن "موسوعة ابن حجر" ( 3/302 ) ط. الحكمة، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ( 1 / 226 ) و( 3/ 89-90 ) ط. دار هجر، وفي تفسيره ( 4/371-372و373-379 ) ط. قرطبة، وهو في "الدر المنثور" ( 5 / 164)، ط. دار هجر، وفي "الكامل في التاريخ" ( 1/51)، ط. دار الكتب العلمية، وانظر"السلسلة الصحيحة ( 6 / 362) و"السلسلة الضعيفة"( 4/383) و(13/205) للألباني، وبالجملة فإن أصل حديث أبي ذر حديث صحيح، ولكن تصرف بعض الرواة في ألفاظه.
([2]) رواه الحاكم ( 2 / 315) وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووفقه الذهبي ومقبل. وانظر تخريجه في السلسلة الصحيحة ( 6/ 358 - 364) .
([3]) أثر حسن: رواه الطبري في تفسيره (13/593).
([4]) صحيح: رواه الإمام أحمد في العلل ( 3 /414 ) ط 2. دار الخاني بالرياض.
عبدالرحمن السليمان
02-22-2014, 04:25 PM
والعربية أفصح لهجات السريانية، وقد سلخت منها، وليس من السامية، كما يزعم المستشرقون ومن ولع بهم.
السلام عليكم،
بغض النظر عن لغة آدم عليه السلام (وليس لدينا نص يعول عليه في لغته)، فإن القول إن العربية أفصح لهجات السريانية وإنها سلخت منها كلام لا صحة له على الإطلاق.
من جهة أخرى - والصراحة راحة: إن هذا الموقع موقع لغوي متخصص، ولا يجوز إطلاق الكلام فيه على البركة بدون توثيق. والحديث في اللغات الجزيرية (السامية سابقا) لا يعني أن المتحدث مولع بالمستشرقين، فهذه اللغات لغاتنا نحن، وليست لغات المستشرقين، ودراستها واجب علينا قبل غيرنا.
تحياتي الطيبة.
محمد بن مبخوت
02-22-2014, 06:21 PM
السلام عليكم،
بغض النظر عن لغة آدم عليه السلام (وليس لدينا نص يعول عليه في لغته)، فإن القول إن العربية أفصح لهجات السريانية وإنها سلخت منها كلام لا صحة له على الإطلاق.
من جهة أخرى - والصراحة راحة: إن هذا الموقع موقع لغوي متخصص، ولا يجوز إطلاق الكلام فيه على البركة بدون توثيق. والحديث في اللغات الجزيرية (السامية سابقا) لا يعني أن المتحدث مولع بالمستشرقين، فهذه اللغات لغاتنا نحن، وليست لغات المستشرقين، ودراستها واجب علينا قبل غيرنا.
تحياتي الطيبة.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
1- معلوم أن مصطلح السامية مصطلح استشراقي لاهوتي أول من استعمله المستشرق اليهودي شلوزر سنة 1781م، ولم يرتضه المحققون من أهل العلم.
2- اتفقت أربع نظريات من أصل ست على أن موطن الشعوب المسماة لغاتها بالسامية هو الجزيرة العربية، وهي بلاد العرب.
3- نص علماء اللغة كالخليل والأزهري وابن سيده وابن منظور أن الكنعانين- وهم من بين الشعوب المدعى أن لغتها سامية - هم أبناء سام بن نوح، وأنهم كانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية وتقاربها.
4-قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ( 3 / 279)- في سُورَستَان -: "ذكر زردُشت بن آذرخور - ويعرف بمحمد المتوكلي - أن سورستان العراق، وإليها ينسب السريانيون وهم النبط، وإن لغتهم يقال لها: السريانية . وكان حاشية الملك إذا التمسوا حوائجهم وشكوْا ظلاماتهم تكلموا بها لأنها أملق الألسنة ذكر ذلك حمزة في كتاب التصحيف عنه، وقال أبو الريحان: والسريانيون منسوبون إلى سورستان، وهي أرض العراق وبلاد الشام، وقيل إنه من بلاد خوزستان ؛ غير أن هرقل ملك الروم حين هرب من إنطاكية أيام الفتوح إلى القسطنطينية التفتَ إلى الشام وقال: عليك السلام يا سورية سلام مودع لا يرجو أن يرجع إليها أبداً وهذا دليل على أن سوريان هي بلاد الشام".
وقال أيضا ( 4 / 281): "وأما السريانية فهي لغة منسوبة إلى أرض سورستان وهي العراق وهي لغة النبط".
وقال الزبيدي في التاج( 12 / 107): "( وسُوريةُ ، مَضْموُمةً مُخَفَّفة : اسمٌ للشامِ ) في القديم ، وفي التَّكْملةِ في حديثِ كعبٍ " إن الله بارك للمُجاهدينَ في صلِّيانِ أرضِ الرومٍ كما باركَ لهم في شَعيرِ سُوريةَ " أي يقوم نجيلُهم مقامَ الشَّعيرِ في التَّقْويةِ، والكلِمَة رُومية ".
ونقل محمد عبد السلام هارون في "كناشة النوادر" ( ص / 39 -40) عن المسعودي ما نصه: " والروم يسمون بلادهم أرمانيا، ويسمون البلاد التي سكانها المسلمون في هذا الوقت من الشام والعراق: سوريا. والفرس إلى هذا الوقت تقارب الروم في هذه التسمية، فيسمون العراق والجزيرة والشام سورستان ، إضافة إلى السريانيين الذين هم الكلدانيون. ويسمون – أي الكلدانيون – سريان، ولغتهم سورية، وتسميهم العرب: النبط".
والأنباط - في قول أغلب المؤرخين – يعود نسبهم إلى إرم بن سام بن نوح، وهم قسمان: نبط السواد، ونبط الشام. انظر "علم الاكتناه العربي الإسلامي" لقاسم السامرائي (ص/ 29).
وإرم هو المذكور في قوله – تعالى - : ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ﴾ [ الفجر: 6 - 7 ]. قال الطبري في التفسير (24/362 - 363): حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ﴾ قال: "كنا نحدّث أن إرم قبيلة من عاد، بيت مملكة عاد".
5-قال ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (1/ 31-32): " ... إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير ، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتها.
ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول : إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة . وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله .
ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلا وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق ، فنجدهم يقولون في العنب: العينب ، وفي السوط أسطوط ، وفي ثلاثة دنانير ثلثدا . وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال السجرة ، وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول مهمدا إذا أراد أن يقول : محمدا ، ومثل هذا كثير .
فمن تدبر العربية والعبرانية السريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان ، واختلاف البلدان ومجاورة الأمم ، وأنها لغة واحدة في الأصل.
وإذ تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معا ، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل - عليه السلام - فهي لغة ولده ، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده . والسريانية بلا شك هي لغة إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم ، فالسريانية أصل لهما".
عبدالرحمن السليمان
02-22-2014, 08:25 PM
أخي الكريم،
أحيلك على جزء من مقالة لي ففيها توضيح للمسألة الملتبسة:
اللغات والكتابات الجزيرية
(أ) اللغات الجزيرية:
من المعروف أن اللغة العربية تنتمي إلى أسرة (اللغات السامية) وأن (اللغات السامية) تنتمي إلى أسرة لغوية أكبر هي أسرة (اللغات السامية الحامية). وتتكون هذه الأسرة اللغوية الكبيرة من لغات استعملتها مجموعات كثيرة من البشر منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد ولا تزال تستعملها حتى اليوم، وفي منطقة تمتد من الجزيرة العربية حتى المغرب، ومن جنوب تركيا حتى إثيوبيا. أشهر تلك اللغات العربية والأكادية والأوغاريتية والفينيقية والآرامية والعبرية والحبشية والمصرية القديمة والأمازيغية.
1. التسمية
ظهر تسمية (اللغات السامية) سنة 1781، وأطلقها المستشرق النمساوي شلوتزر (Schloezer) الذي أخذها عن التصنيف التوراتي للبشر بعد الطوفان، أي نسبة لأبناء نوح وهم: سام وحام ويافث. أما تسمية (اللغات السامية الحامية) التي كانت فيما بعد، فهي مركبة قياسًا بأسرة (اللغات الهندية الأوربية). وهذا التصنيف غير دقيق في جميع الأحوال لأنه يعتبر الفينيقيين الذين يتحدثون لغة "سامية" حاميين لأنه كان بينهم وبين اليهود الذين دونوا التوراة عداوات كثيرة. أضف إلى ذلك أن الزنوج اعتبروا من سلالة حام الملعون، لأن التوراة تنسب إلى نوح عليه السلام لعنته حامًا الذي لم يغط عورة أبيه حسب رواية التوراة ، مما برر للغربيين فيما بعد استعبادهم.
ولما كانت تسمية (اللغات السامية الحامية) أثارت جدلاً واسعًا فيما بعد لأسباب لا يتسع هذا الملخص لذكرها، فقد استبدلت في الأوساط البحثية بتسمية (اللغات الأفرو-آسيوية). أما نحن فنستعمل تسمية (اللغات الجزيرية) ونميز بين (اللغات الجزيرية الشرقية) كناية عن أسرة (اللغات السامية)، وبين (اللغات الجزيرية الغربية) كناية عن أسرة (اللغات الحامية).
إن مصطلَح (اللغات الجزيرية) أقرب إلى الحقيقة التاريخية من غيره من المصطلحات المستعملة للدلالة على هذه الأسرة اللغوية المهمة لأن أولئك الأقوام خرجوا جميعهم من شبه الجزيرة العربية كما يذهب أكثر الباحثين إلى ذلك. وهذه التسمية ليست لنا، ذلك أن أول مَن أطلق مصطلَح (اللغات الجزيرية) هو عالِم الآثار العراقي الأستاذ طه باقر في كتابه (من تراثنا اللغوي القديم - ما يسمّى في العربية بالدخيل)، حيث يناقش فيه مصطلح (الأقوام السامية) لشلوتزر بناء على سِفر التكوين، فيقول: "ولذلك، فهي [يقصد التوراة] ليست تأريخًا معتَمَدًا. وإذن، فبماذا نسمّي أولئك الأقوام؟ وموجز الإجابة على ذلك أنه بالاستناد إلى الرأي الذي أصبح حقيقةً مُجمَعًا عليها بين الباحثين الآن، وهي إنّ الجزيرة العربية كانت مهد أولئك الأقوام الذين شملتهم تسمية السّاميين وأبرزهم الأكديون والكنعانيون، والعموريون والآراميون والعبرانيون والفينيقيون وغيرهم، فالاسم الصحيح من الناحية التأريخية والقومية والجغرافية هو أن نُطلق عليهم (أقوام الجزيرة) أو (الجزيريين) أو (الجزريين) أو (الأقوام العربية القديمة)، فقد هاجروا من الجزيرة بموجات مختلفة منذ أبعد من العصور التأريخية إلى الأجزاء المختلفة من الوطن العربي، بحيث يَصحُّ القول: إنّ الأصول العربية فيها تَطغى على تركيب سكّانها وعلى لغاتها". فالنظرية السائدة في الدراسات (السامية الحامية) ـ وسوف نستعمل من الآن فصاعدًا مصطلح (اللغات الجزيرية) بمشتقاته ـ أن أصل تلك اللغات من الجزيرة العربية، وأن المتحدثين بها هاجروا منها بعد أن تصحرت بداية الألفية الخامسة قبل الميلاد، فقصدوا مواطن الماء والكلأ على ضفاف دجلة والفرات والعاصي في العراق والشام.
كانت حركة هجرة الأقوام الجزيرية من الجزيرة في بداية الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث خرجت قبائل من الجزيرة العربية إلى مصر والمغرب الكبير، واختلطت بالسكان الأصليين في الشمال الإفريقي، فنتج عن هذا الاختلاط القبائل التي كونت الشعوب الجزيرية الغربية وأهمها قدامى المصريين والأمازيغ. فالشعب المصري القديم، والشعب الأمازيغي، تولدا من اختلاط القبائل الجزيرية الشرقية المهاجرة إلى شمال إفريقيا، بالقبائل الأصلية فيها. أما الهجرة الثانية فكانت في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، وهي هجرة الأكاديين إلى بلاد الرافدين. أما الهجرة الثالثة فكانت هجرة الأوغاريتيين إلى غربي سورية في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد. ويغلب الظن أن الأوغاريتيين كانوا عربًا استعمروا غربي سورية، وكانت حاضرة ملكهم في رأس شمرا غربي سورية. ثم تلت بعد ذلك هجرة الآراميين والكنعانيين إلى بلاد الشام بداية الألف الثاني قبل الميلاد. والكنعانيون هم: الفينيقيون والمؤابيون والعبران. ثم هاجر نفر من عرب الجنوب إلى إفريقيا بداية الألف الأول قبل الميلاد واختلطوا بالسكان الأصلين ونتج عن ذلك الاختلاط الحبشة ثم الإثيوبيون والصوماليون والإريتيريون وغيرهم فيما بعد.
ونتحدث عن أسرة لغوية عندما تكون ثمة قرابة لغوية ثابتة ومطردة المجالات الأربعة التالية: (1) الصوتيات و(2) الصرف و(3) النحو و(4) المعجم. والقرابة اللغوية بين اللغات الجزيرية مطردة اطرادًا تحكمه قوانين صوتية ولغوية عامة.
2. التصنيف
تتكون أسرة (اللغات الجزيرية)، في الحقيقة، من أسرتين رئيستين:
1.2. أسرة (اللغات الجزيرية الشرقية)
تتكون أسرة اللغات الجزيرية الشرقية من الأفرع التالية:
1- الفرع الجنوبي: ويتكون من اللغة العربية البائدة (لغة جنوب الجزيرة العربية أو العربية الجنوبية، بالإضافة إلى الثمودية واللحيانية) والعربية الفصحى (أو العربية الشمالية) والحبشية (الجعزية والأمهرية)؛
2- الفرع الشمالي الشرقي: ويتكون من الأكادية بلهجتيها البابلية والآشورية؛
3- الفرع الشمالي الغربي: ويتكون من اللغات الأوغاريتية والآرامية واللغات الكنعانية (الفينيقية والمؤابية والعبرية) وكذلك الإبلية (على اختلاف بين علماء اللغات الجزيرية في تصنيفها).
وهنالك لهجات كثيرة تفرعت عن اللغات الجزيرية المذكورة أعلاه.
2.2. أسرة (اللغات الجزيرية الغربية)
أما أسرة اللغات الجزيرية الغربية فتتكون من المصرية القديمة ولهجاتها اللاحقة كالقبطية، ومن اللغة الأمازيغية (الاسم الصحيح للبربرية) والكوشية (لغة محكية في مناطق في تشاد ومالي ما إليهما) وبعض اللهجات الأخرى.
والقرابة اللغوية بين أسرتي اللغات الجزيرية الشرقية والغربية ثابتة علميـًا، إلا أنها دون القرابة بين أسرة اللغات الجزيرية الشرقية فيما بينهما نسبةً، ولا تبدو بوضوح لغير المتخصص إلا بعد رد الجذور الثلاثية إلى جذور ثنائية كما نلاحظ ذلك، على سبيل المثال، في الجذر الدال على الإيمان، فهو في كل اللغات الجزيرية الشرقية: /أمن/ وفي اللغات الجزيرية الغربية:/من/. ومعنى هذا الجذر الأساسي في اللغات الجزيرية الشرقية والغربية هو "صدَّق، ثَبَت، ثبت بالإيمان" كما ترى في /أمِنَ/ في العربية، وفي /آمن/. ومثله في الحبشية: /أَمَنَ/ "ثبتَ (بضم الباء)، وفي الحميرية: /أمنت/ "أمانة"، وفي السريانية: ܐܡܝܢ: أَمِين "ثابت، قوي، سرمدي"، وكذلك في العبرية: אמן: آمِن "آمين" وكذلك אמנם: أُمْنَ(مْ) "حقًا". ولقد وردت الكلمة في اللغات الجزيرية الغربية التي نذكر منها المصرية القديمة /م ن/ "ثبت، صدق" فقط. ومن هذا الجذر اشتق أيضا اسم الإله المصري القديم "آمون" الذي كان يعبد في "نو" والذي ورد في اسم الفرعون "توت عنخ آمون".
وتعتبر اللغة الأكادية أقدم اللغات الجزيرية الشرقية من حيث التدوين لأنها أول لغة جزيرية دُونت بالكتابة المسمارية التي أخذها الأكاديون عن السومريين. والسومريون هم أقدم الأقوام المعروفين الذين سكنوا جنوب بلاد الرافدين وبنوا فيه أول حضارة في تاريخ البشرية. اخترع السومريون الكتابة المسمارية، وهي أول كتابة في التاريخ أيضـًا. ومن المعروف أن اختراع الكتابة كان الحد الفاصل بين الحقبة التاريخية وحقب ما قبل التاريخ، وهذا من إنجازات السومريين العظيمة.
وتعتبر اللغة العربية الفصحى أو الشمالية (لغتنا الحالية) آخر لغة جزيرية دونت. أما العربية الجنوبية (لغة ممالك سبأ وقتبان وحضرموت وحمير) فقد سبق تدوينها تدوين العربية الشمالية بقرون كثيرة، وتسمى الكتابة التي كتبت بها بخط (المسند) وهي أبجدية مكونة من تسعة وعشرين حرفًا، وهي أبجدية مجهولة الأصل ولا نعرف مراحل تطورها الأولى.
وعلى الرغم من أن العربية الشمالية آخر اللغات الجزيرية تدوينًا إلا أنها احتفظت بجل خصائص اللغة الجزيرية الأم، كالإعراب الذي اختفى من كل اللغات الجزيرية باستثناء الأكادية. واللغة الجزيرية الأم هي لغة افتراضية تُوُصل إليها بعلم اللغة المقارن (أي مقارنة اللغات الجزيرية ببعضها بعضـًا). ويعلل ذلك بسبب العزلة النسبية التي عاشت فيها القبائل العربية التي بقيت في الجزيرة العربية، بينما تأثرت لغة القبائل الجزيرية المهاجرة باللغات الأخرى غير الجزيرية التي اتصلت بها وأخذت منها وأعطتها، الشيء الذي أدى إلى حدوث تغيرات لغوية أبعدتها من الأصل الجزيري وهذا ما وقع للأكادية والعبرية والحبشية وغيرها.
ويوجد إجماع بين دارسي اللغات الجزيرية مفاده أن معرفة العربية شرط رئيس لمعرفة اللغات الجزيرية، بما في ذلك العبرية والسريانية. واللغة الجزيرية الأم، وهي لغة افتراضية توصل إليها بمقارنة اللغات الجزيرية على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي كما تقدم، تبدو للباحث وكأنها العربية، بل إنها في حقيقة الأمر ليست إلا العربية تقريبًا .. فلقد أثبت البحث العلمي في علم اللغة المقارن أن العربية ـ وحدها، وبعكس كل اللغات الجزيرية ـ احتفظت: 1. على المستوى الصوتي: بكل الأصوات الجزيرية الأصلية إلا حرفًا واحدًا احتفظت به الحميرية؛ 2. على المستوى الصرفي: بكل الأبنية الجزيرية الأصلية بناءً ولفظًا وكذلك بصيغ الأفعال (أضافت العربية إليها صيغ المجهول باطراد وهذا تطور مخصوص بها)؛ 3. على المستوى النحوي: بالإعراب (بالتنوين وأصله بالتمِّيم ما عدا في المثنى فأصله بالتنوين)؛ 4. على المستوى المعجمي: بكل الجذور الجزيرية الأصلية تقريبًا. والناظر في اللغات الجزيرية وفي اللغة الجزيرية الأم كما تم تصورها وإعادة بنائها في كتب بروكلمان ونولدكة ورايت وموسكاتي وغيرهم (وهي الكتب المرجعية في هذا المجال)، يجد أنها لا شيء إلا العربية تقريبًا. والمتمعن في ذلك يرى بوضوح أن العلاقة التاريخية بين العربية الفصيحة من جهة، وبين اللغات الجزيرية مجتمعة (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) من جهة أخرى، ليست أكثر أو أقل من العلاقة الحالية بين العربية الفصيحة من جهة، واللهجات العربية الحالية من جهة أخرى .. وهذه المقارنة مثيرة للاهتمام حقًا، ولقد انتهينا إلى ذلك بعدإجراء مقارنات بين العربية الفصيحة من جهة، وبين العبرية والسريانية واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى، سنعالجها في كتاب منفرد. وما ينطبق على المقارنة بين العربية الفصيحة والعبرية والسريانية من جهة، وبين العربية الفصيحة واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى، ينطبق على كل اللغات الجزيرية (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) وكل اللهجات العربية. مثال: الوزن الجزيري الأصلي (فَعْلٌ):
اللغة الجزيرية الأم: (abd-um)؛ الأكادية: (abd-um)؛ العربية: (abd-un)؛ العبرية: (ebed)؛ اللهجة الشامية/المصرية (abed).
والملاحظ أن العربية والأكادية لغتان معربتان وأن الإعراب في الأكادية بالميم (تـمِّيم) وفي العربية بالنون (تنوين). أما العبرية فأهملت الإعراب مثلما أهملته اللهجتان المصرية والسورية. والنتجية هي التقاء الساكنين (الباء والدال في /عَبْد/) وهذا لا يجوز في كل اللغات الجزيرية. لذلك استغنت اللغات الجزيرية التي أهملت الإعراب من جهة، واللهجتان المصرية والسورية اللتان أهملتا الإعراب أيضا من جهة أخرى، عن مخرج الإعراب (um/un) بإضافة كسرة خفيفة ممالة نحو الـ e بينالباء والدال (‘ebed/ ‘abed) التخلص من التقاء الساكنين. وتشذ السريانية عن ذلك لجعلها أداة التعريف (وهي ألف المد) آخر الكلمة فيقال: عَبْدا = ‘ab-dā مما يلغي مشكلة التقاء الساكنين مع الإشارة إلى أن السريانية ليس فيها إعراب. وقد أدت هذه العلاقة بالمشتغلين باللغات الجزيرية من المستشرقين إلى الاستنتاج بأن جزيرة العرب مهد القبائل الجزيرية وأن العربية حافظت على خصائص الجزيرية الأم حتى كادت أن تكون إياها.
عبدالرحمن السليمان
02-22-2014, 08:31 PM
هذه حاشية من مقالة أخرى لي منشورة، فيها إضاءة على علاقة العربية بالسريانية، وهي علاقة الأخت بالأخت لا أكثر ولا أقل، مع الإشارة إلى أن العربية أقرب الأخوات إلى الأم كما أثبت البحث العلمي الحديث. وفي الحقيقة: هذه حقائق علمية مفروغ منها أصلا.
الحاشية:
((إن ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل في نسبة ألفاظ عربية بعينها إلى هذه اللغة الجزيرية أو تلك لأسباب تتعلق بأسبقية التدوين، ظاهرة أصبحت ملحوظة في المجلات والمواقع العنكبية .. وأسبقية التدوين لا يقول بها عالم. وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي في كتابه (غرائب اللغة العربية. المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959)، حيث يرد كل كلمة عربية ذات أصل جزيري مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية .. وهذا مذهب فاسد لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول الجزيرية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى الأكادية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر هو الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة".
ثم إن البحث العلمي أثبت أن العربية الشمالية – على الرغم من أنها أحدث تدوينا من سائر اللغات الجزيرية – أقدم من سائر اللغات الجزيرية، بما في ذلك الأكادية التي دونت ابتداء من مطلع الألفية الثالية قبل الميلاد. ونستأنس في هذا السياق بقول النحوي السرياني أقليميس يوسف داود مطران دمشق على السريان في كتابه اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية: "وأشهر اللغات السامية هي العربية والعبرانية والسريانية والحبشية بفروعهن الكثيرة [..] وإنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات الجزيرية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لمن يريد أن يتقن حسنا معرفة سائر اللغات السامية ولا سيما السريانية". ويضيف: "ثم إننا لا نعتقد أن الآرامية هي أقدم اللغات السامية كما زعم قوم، وأقل من ذلك أنها أقدم لغات العالم كما زعم غيرهم بلا بينة ولا أساس. بل نثبت مع العلماء المحققين أن اللغة العربية هي التي تقرب إلى أم اللغات السامية أكثر من أخواتها". ويقصد أقليميس يوسف داود بالعلماء المحققين المستشرقين الذين قالوا بهذا الرأي الذي ينقله، ونذكر منهم شخولتنز ونولدكة وبرغشتراسر وبروكلمان ورايت ودي لاسي الذين أثبتوا هذه الحقيقة بالدرس المقارن للغات الجزيرية)).
إدارة المجمع
04-21-2014, 01:42 PM
بارك الله في العلماء الأجلاء
عبدالرحمن السليمان
04-21-2014, 07:13 PM
معلوم أن مصطلح السامية مصطلح استشراقي لاهوتي أول من استعمله المستشرق اليهودي شلوزر سنة 1781م، ولم يرتضه المحققون من أهل العلم.
السلام عليكم،
فاتني أن أعلق على هذه الجزئية. لم يكن شلوزر يهوديا بل كان نصرانيا من مذهب البروتستانت. كما أن مصطلح (السامية) ليس مصطلحا لاهوتيا.
تحياتي الطيبة.
عبدالرحمن السليمان
04-21-2014, 07:16 PM
بارك الله في العلماء الأجلاء
بارك الله في إدارة المجمع وشكر لها حسن ظنها بالأستاذ محمد بن مبخوت وبي، وبكرمها علينا باللقب الشريف!
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, vBulletin Solutions, Inc Trans by mbcbaba