عبد الحميد محمد العمري
03-19-2014, 05:07 AM
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(قصتي "الجزار" التي كتبتها من وحي الثورات، ومن قصة واقعية، رأيت أن أنشرها اليوم في أجزاء أربعة في ظل ما يحدث هذه الأيام من تغول للفساد. فعسى أن تكون فيها الفائدة)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الجزء الأول)
كنا جلوسا عند أبي ياسر بن أبي عمر في مجلس العصر، فذكرنا أمر الشيطان ومكائده، والفرق بين شياطين الإنس والجن، ومقدار تغلب هذا على ذاك في سباقهم نحو الضلال والشر، فقال أبو ياسر: قد علا إبليس في أمره، حتى ظن أن لا أحد فوقه، ثم نظر فوقه، فإذا أستاذه الجزار فوقه بمراحل فتعجب من صنع البشر وحبهم للضلال، فتذكر قول أبي مصعب الشويعر:
بَيْنَ الوَرَى وَمَنَاقِبِ الأَخْيَارِ
سَدٌّ بَنتْهُ كَوَائِنُ الجَزَّارِ
هَذَا الذِي مِنْهُ الشَّيَاطِينُ انْتَقَتْ
سُمَّ الضَّلاَلِ وَمَوْرِدَ الأوزارِ
وَتَعَلَّمَتْ مِنْهُ الغِوَايَةَ قَبْلَهَا
وَمَصْائِدَ الأَخْيَارِ وَالأَشْرَارِ
هَذَا الذِي أَغْوَى الأُبَيْلِسَ مَرَّةً
فَأَبَى السُّجُودَ بِحَضْرَةِ الْجَبَّارِ
هَذَا الذِي أَوْحَى، فَحَقَّرَ آدَمًا
فِي عَيْنِ إِبْلِيسٍ عَلَى اسْتِكْبَارِ
فَأَضَلَّهُ، وَأَضَلَّ هَذَانِ الوَرَى
فَعَلَيْهِ وِزْرُ الفَاجِرِ الكَفَّارِ
قلنا: ومن يكون الجزار ؟ وما خبره؟ وما حكاية الأستاذية؟
فاعتدل في جلسته، وأقبل إلينا بوجهه وقال:
أما ترون فعل إبليس في بني آدم مذ أخرج آدم من الجنة؟ كم أضل من بنيه، وكم أغوى منهم وأفسد، ومهما يفعل فإن الجزار أضل منه وأفجر لأنه أستاذه؟ فمن يكن رأى رجلا في الناس، أخبث في نفسه من الفاسق المنافق، وفي ظاهره من الشيطان ، فلن يزيد على أن يكون لقي الجزار.
وإني لأعرفه مذ عقلت، وإن صورته لفي ذهني ممسوخة مشوهة مخيفة قبل أن يعرف عنها الناس شيئا. وقد كنت أراه فأقول: ما ينبغي أن يكون الخير في جسم كهذا. وما ينبغي إلا أن يكون شرا على الأرض يمشي، وإنه لكذلك.
كان رجلا قصيرا قصرته ذنوبه، وشدته إلى الأرض، ضخم الجثة على قصره، فجمع كل قبح وكل خبث يستقبح في الورى. فكان إذا أقبل سد عليك الأفق، وإذا تكلم في بيته ماتت الألسنة في أفواه أهل البيت وويل لمن نطق، وإن أمر فبيده يأمر لا بلسانه، يسبق منه العقاب الأمر، ويسبق الشتم والسباب الخطأ، فكأنما خلق ليسب وخلق ليرهب الناس ويخوفهم. وإنك لترى البيت مستقرا هادئا، فإذا دخل تحرك البيت لثقل من فيه، وسمعت صخبه من بعيد، فما يزال يرعد ويزبد حتى يخرج لتعود السكينة إلى البيت من جديد، فكأنما كان لا يسلك واديا إلا سلك الخير واديا غيره، وإنما هو الشر في صورة البشر، فلا أدري كيف ولد ولا كيف نشأ بين الفتيان، ولا كيف كان مع الناس؟ لست أعلم كل هذا. ولكني أعلم أن أمه هي التي ابتلاها الله بمولود في صورة شيطان.
كان ذكَرا في بيته بين ثلاث طبقات من أهله واثنتين من الناس، طبقة من أهله يحكمها حكما مطلقا، لا حق لأحدهم في رفع عينيه بحضرته، يخيفهم ويهابونه إلى حد لا يتصوره عاقل، ولا يملكون أن يعارضوه في شيء، بل إنه يرغمهم على أن يحبوه، وهو يعلم أن المرء قد يؤثر السوط في جسده، ثم لا يتجاوزه إلى القلب، لأن الحب والبغض والإيمان بمعزل عن ممر الهواء والمرض والضعف. وطبقة محيطة به تستفيد من بعض امتيازاته فهو مبجل عظيم عبقري تحترمه. ولقد حكموه فيهم وملكوه عليهم، حتى إن الواحد منهم ليكاد يسبح بحمده ويقدس له، ويكادون يسجدون له من دون الله. فكان أحدهم يرى فيه الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، والطعام الذي يأكله، والنار التي يستدفئ بها، والظل الذي يلجأ إليه من حر الشمس، حتى كأنما أنزلت فيه آيات سورة الواقعة (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ)، فكان في أعينهم الزرع والماء والنار، وكذا كان يراه المحكوم عليهم بالتبعية العمياء. فإذا نظرت إلى حاله تلك لم يمثل أمامك إلا قوله تعالى في فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) ولقد أغرقهم وأعنتهم وأعماهم، فلما مدوا إليه يدا يطلبون النجدة قال إني بريء منكم إني لا أخاف الله رب العالمين. فكان أجحد من الشيطان وأكفر. وطبقة ثالثة تعرف عنه باطنه كما يعرف الناس ظاهره، لكن سلطانه يغلبها على أن تقول له: أنت فاسد، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم لا يملكون إلا أن يسكتوا، وربما كانوا ضحايا ظلمه وجبروته فما يملكون إلا أن يدعوا لأنفسهم منفذا للهواء. فإنه متى سخط عليهم سد عليهم حتى منافذ الفكر التي لا يملكها أحد إلا الشيطان وأستاذه. بل إنهم لمعارضوه دوما، فإذا حاولوا أن يظهروا للناس ما هو فيه من الفساد، ما زادهم ذاك غير تكذيب. وما يزيدهم ذاك غير صَغار في أعين الآخرين. وهم أذلاء في عيون الجزار وشيعته. فما زالوا يسقطون في أعينهم، ويذلون ويصغرون حتى أدقعوا، وألحق بهم الجزار عار الدهر، ولم يكتف بذاك. بل استمر... إذ لا بد له من شر يعيش على إتيانه، فمتى انتهى الشر انتهت مهمة الشيطان وأستاذه في هذا الوجود.
وأما طبقتا الناس فواحدة لا تعرف عنه شيئا غير أنه جزار، وهي التي تجالسه وتحادثه ولا يظهر لها إلا ما يرى أنه يرفع قيمته في نظرهم. وهو عندهم امرؤ يقضون مصالحهم على يديه فهم محيطون به ما بقيت المصلحة. والثانية تعرفه وتعرف أخباره ولكن ليس يضيرها ما يفعل، إذا كان شره بعيدا عنهم مهما استطار. وخيره مقطوعا عنهم كما قطع عن أخص أهله. فلا خير في أن يسروا أمره أو يعلنوه.
قال أبو ياسر: هذا باطن الرجل الكاذب، وأما ظاهره فأكذب وأغرب، كان رجلا إذا ذكر المال فكأنما ذكر حبيب له، فكان بينهما من الحب ما لا يسمو له حب العشاق ولا أخوة المتحابين في الله. كان الدرهم في عينه أقرب إليه من أمه وأبيه و أخيه وصاحبته وبينيه وفصيلته التي تؤويه، وكان آية في الحرص ليس في بخلاء الجاحظ ولا بخلاء الخطيب من هو في درجته. ثم كان آية في الشره والطمع لا يبلغها طمع المذنب التائب في مغفرة ربه، فلو أريته في يدك درهما ثم أمسكتها ومضيت تغريه بها وأنت تتراجع، لتبعك إلى آخر الدنيا، وإلى القبر... وإلى جهنم !!!
(قصتي "الجزار" التي كتبتها من وحي الثورات، ومن قصة واقعية، رأيت أن أنشرها اليوم في أجزاء أربعة في ظل ما يحدث هذه الأيام من تغول للفساد. فعسى أن تكون فيها الفائدة)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الجزء الأول)
كنا جلوسا عند أبي ياسر بن أبي عمر في مجلس العصر، فذكرنا أمر الشيطان ومكائده، والفرق بين شياطين الإنس والجن، ومقدار تغلب هذا على ذاك في سباقهم نحو الضلال والشر، فقال أبو ياسر: قد علا إبليس في أمره، حتى ظن أن لا أحد فوقه، ثم نظر فوقه، فإذا أستاذه الجزار فوقه بمراحل فتعجب من صنع البشر وحبهم للضلال، فتذكر قول أبي مصعب الشويعر:
بَيْنَ الوَرَى وَمَنَاقِبِ الأَخْيَارِ
سَدٌّ بَنتْهُ كَوَائِنُ الجَزَّارِ
هَذَا الذِي مِنْهُ الشَّيَاطِينُ انْتَقَتْ
سُمَّ الضَّلاَلِ وَمَوْرِدَ الأوزارِ
وَتَعَلَّمَتْ مِنْهُ الغِوَايَةَ قَبْلَهَا
وَمَصْائِدَ الأَخْيَارِ وَالأَشْرَارِ
هَذَا الذِي أَغْوَى الأُبَيْلِسَ مَرَّةً
فَأَبَى السُّجُودَ بِحَضْرَةِ الْجَبَّارِ
هَذَا الذِي أَوْحَى، فَحَقَّرَ آدَمًا
فِي عَيْنِ إِبْلِيسٍ عَلَى اسْتِكْبَارِ
فَأَضَلَّهُ، وَأَضَلَّ هَذَانِ الوَرَى
فَعَلَيْهِ وِزْرُ الفَاجِرِ الكَفَّارِ
قلنا: ومن يكون الجزار ؟ وما خبره؟ وما حكاية الأستاذية؟
فاعتدل في جلسته، وأقبل إلينا بوجهه وقال:
أما ترون فعل إبليس في بني آدم مذ أخرج آدم من الجنة؟ كم أضل من بنيه، وكم أغوى منهم وأفسد، ومهما يفعل فإن الجزار أضل منه وأفجر لأنه أستاذه؟ فمن يكن رأى رجلا في الناس، أخبث في نفسه من الفاسق المنافق، وفي ظاهره من الشيطان ، فلن يزيد على أن يكون لقي الجزار.
وإني لأعرفه مذ عقلت، وإن صورته لفي ذهني ممسوخة مشوهة مخيفة قبل أن يعرف عنها الناس شيئا. وقد كنت أراه فأقول: ما ينبغي أن يكون الخير في جسم كهذا. وما ينبغي إلا أن يكون شرا على الأرض يمشي، وإنه لكذلك.
كان رجلا قصيرا قصرته ذنوبه، وشدته إلى الأرض، ضخم الجثة على قصره، فجمع كل قبح وكل خبث يستقبح في الورى. فكان إذا أقبل سد عليك الأفق، وإذا تكلم في بيته ماتت الألسنة في أفواه أهل البيت وويل لمن نطق، وإن أمر فبيده يأمر لا بلسانه، يسبق منه العقاب الأمر، ويسبق الشتم والسباب الخطأ، فكأنما خلق ليسب وخلق ليرهب الناس ويخوفهم. وإنك لترى البيت مستقرا هادئا، فإذا دخل تحرك البيت لثقل من فيه، وسمعت صخبه من بعيد، فما يزال يرعد ويزبد حتى يخرج لتعود السكينة إلى البيت من جديد، فكأنما كان لا يسلك واديا إلا سلك الخير واديا غيره، وإنما هو الشر في صورة البشر، فلا أدري كيف ولد ولا كيف نشأ بين الفتيان، ولا كيف كان مع الناس؟ لست أعلم كل هذا. ولكني أعلم أن أمه هي التي ابتلاها الله بمولود في صورة شيطان.
كان ذكَرا في بيته بين ثلاث طبقات من أهله واثنتين من الناس، طبقة من أهله يحكمها حكما مطلقا، لا حق لأحدهم في رفع عينيه بحضرته، يخيفهم ويهابونه إلى حد لا يتصوره عاقل، ولا يملكون أن يعارضوه في شيء، بل إنه يرغمهم على أن يحبوه، وهو يعلم أن المرء قد يؤثر السوط في جسده، ثم لا يتجاوزه إلى القلب، لأن الحب والبغض والإيمان بمعزل عن ممر الهواء والمرض والضعف. وطبقة محيطة به تستفيد من بعض امتيازاته فهو مبجل عظيم عبقري تحترمه. ولقد حكموه فيهم وملكوه عليهم، حتى إن الواحد منهم ليكاد يسبح بحمده ويقدس له، ويكادون يسجدون له من دون الله. فكان أحدهم يرى فيه الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، والطعام الذي يأكله، والنار التي يستدفئ بها، والظل الذي يلجأ إليه من حر الشمس، حتى كأنما أنزلت فيه آيات سورة الواقعة (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ)، فكان في أعينهم الزرع والماء والنار، وكذا كان يراه المحكوم عليهم بالتبعية العمياء. فإذا نظرت إلى حاله تلك لم يمثل أمامك إلا قوله تعالى في فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) ولقد أغرقهم وأعنتهم وأعماهم، فلما مدوا إليه يدا يطلبون النجدة قال إني بريء منكم إني لا أخاف الله رب العالمين. فكان أجحد من الشيطان وأكفر. وطبقة ثالثة تعرف عنه باطنه كما يعرف الناس ظاهره، لكن سلطانه يغلبها على أن تقول له: أنت فاسد، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم لا يملكون إلا أن يسكتوا، وربما كانوا ضحايا ظلمه وجبروته فما يملكون إلا أن يدعوا لأنفسهم منفذا للهواء. فإنه متى سخط عليهم سد عليهم حتى منافذ الفكر التي لا يملكها أحد إلا الشيطان وأستاذه. بل إنهم لمعارضوه دوما، فإذا حاولوا أن يظهروا للناس ما هو فيه من الفساد، ما زادهم ذاك غير تكذيب. وما يزيدهم ذاك غير صَغار في أعين الآخرين. وهم أذلاء في عيون الجزار وشيعته. فما زالوا يسقطون في أعينهم، ويذلون ويصغرون حتى أدقعوا، وألحق بهم الجزار عار الدهر، ولم يكتف بذاك. بل استمر... إذ لا بد له من شر يعيش على إتيانه، فمتى انتهى الشر انتهت مهمة الشيطان وأستاذه في هذا الوجود.
وأما طبقتا الناس فواحدة لا تعرف عنه شيئا غير أنه جزار، وهي التي تجالسه وتحادثه ولا يظهر لها إلا ما يرى أنه يرفع قيمته في نظرهم. وهو عندهم امرؤ يقضون مصالحهم على يديه فهم محيطون به ما بقيت المصلحة. والثانية تعرفه وتعرف أخباره ولكن ليس يضيرها ما يفعل، إذا كان شره بعيدا عنهم مهما استطار. وخيره مقطوعا عنهم كما قطع عن أخص أهله. فلا خير في أن يسروا أمره أو يعلنوه.
قال أبو ياسر: هذا باطن الرجل الكاذب، وأما ظاهره فأكذب وأغرب، كان رجلا إذا ذكر المال فكأنما ذكر حبيب له، فكان بينهما من الحب ما لا يسمو له حب العشاق ولا أخوة المتحابين في الله. كان الدرهم في عينه أقرب إليه من أمه وأبيه و أخيه وصاحبته وبينيه وفصيلته التي تؤويه، وكان آية في الحرص ليس في بخلاء الجاحظ ولا بخلاء الخطيب من هو في درجته. ثم كان آية في الشره والطمع لا يبلغها طمع المذنب التائب في مغفرة ربه، فلو أريته في يدك درهما ثم أمسكتها ومضيت تغريه بها وأنت تتراجع، لتبعك إلى آخر الدنيا، وإلى القبر... وإلى جهنم !!!