أ.د. محمد جمال صقر
10-31-2012, 07:44 PM
مواليه : رحمةً واسعةً !
أبو مذود : ما أَحْسَنَ ما لَبِسَ لِكُلِّ حالٍ مِنْ أَحْوالِ الْإِنْسانِ ، بمجموعته " موسيقا مِنَ السِّرِّ " ؛ فَدَلَّ على ثَقافَةٍ واسِعَةٍ ، وإنسانيَّةٍ زائدةٍ ، وَحَياة خَصيبةٍ ، وبَصيرةٍ نَيِّرَةٍ !
براء : أحفظ له قوله :
أَلْفانِ وَعَشْرَةُ آلافْ
وَأَنا طَوّافْ
في الْبَحْرِ الْغارِقِ في الْأَسْدافْ
روحي مِجْدافْ
قَلْبي مِجْدافْ
يَجْتازُ جُنونَ الرّيحِ وَيَنْفُذُ في الْأَلْفافْ
وَيُحيلُ اللُّجَّ طَريقًا لِلْأَعْرافْ
وَيُلاقي الْجَوْهَرَ في الْأَعْماقِ فَلا أَغْوارَ وَلا أَصْدافْ
وَحقيقَةَ هذا الْكَوْنِ تَلوحُ فَلا أَسْرارَ وَلا أَلْطافْ
اَلْمَرْكَبُ طافْ
عُرْيانَ الرُّؤْيَةِ لا مَكْفوفَ وَلا خَوّافْ
أبو مذود : هو من أوائل حُرَّتِهِ " موسيقا مِنَ الزَّمانِ " في مجموعته " موسيقا مِنَ السِّرِّ " نفسها ، ولْتَتَأَمَّلوا دَوْراتِ الساعات في أثناء الفاءات .
أيمن : أحفظ له قوله :
يا رِياحَ الْمَغيبْ
يا أَغاني الزَّمَنْ
أَيُّ سِرٍّ رَهيبْ
في حَشاكِ اسْتَكَنْ
لِلشَّقيِّ الْغَريبْ
فَوْقَ هذا الْوَطَنْ
هَلْ سَمِعْتِ الْجِبالْ
في سُكونِ الظُّلَمْ
تَشْتَكي لِلرِّمالْ
سِجْنَها مِنْ قِدَمْ
أَمْ سَقاكِ الْخَيالْ
جُرْعَةً مِنْ عَدَمْ
فَعَبَرْتِ التِّلالْ
وَالرُّبا وَالْقِمَمْ
غابَةً مِنْ زَوالْ
أَطْلَقَتْها السُّدُمْ
شابَ فَوْدُ الْغُيوبْ
وَهْيَ رَيّا الْفَنَنْ
إِنْ سَرَتْ لا تَؤوبْ
أَوْ بَكَتْ لا تَئِنْ
يا رِياحَ الْمَغيبْ
يا أَغاني الزَّمَنْ
أبو مذود : هو من أَوائل مُوَشَّحَتِهِ " رياحُ الْمَغيبِ " في مجموعته التي باسمها ، وَلْتَتَأَمَّلوا دَوْراتِ الأقدار في أَثْناء الأسرار .
أنس : ألمحمود حسن إسماعيل المِصْري الصَّعيديِّ الدَّرْعَميِّ ، هذان الكَلامان !
أبو مذود : أجل ، له هو نفسه عقله لسانه !
أنس : وكيف اجتمع في عقله ثم استقام على لسانه ، مثل هذين ومثل قوله :
لا أَرْفُضُ الْمَوْتَ لكِنّي أُسائِلُهُ هَلْ ذُقْتَ ما أَنْتَ بِالْإِنْسانِ فاعِلُه
شَيْءٌ هُوَ الْمَوْتُ يا جَبّـارُ تَكْتُمُهُ خُطـاكَ أَنْتَ وَراءَ الْعَيْنِ حامِلُه
مُقَنَّـعٌ بِمَتاهـاتٍ وَأَوْدِيَــةٍ وَأَغْصُـنٍ زَهْرُهـا ماتَتْ بَلابِـلُه
وَتَسْـحَرُ النّاسَ تَأْوي في مَخادِعِهِـمْ وَفي خُطاهُمْ بِكَفٍّ لا تُزايِلُه
تَمْـشي بِلا شَـبَحٍ تَسْقي بِلا قَدَحٍ وَكُلُّ بابٍ وَمَهْمــا أَنْتَ داخِلُه
أَعْمى عَصـاكَ بِلا دَرْبٍ وَلا بَصَـرٍ وَلا صَــدًى يُرْشِدُ الْآذانَ قاتِلُه
وَلا يَقودُكَ إِلّا الْغَيْبُ تَعْلَـمُهُ وَكُلُّ حَـيٍّ بِوَجْــهِ الْأَرْضِ جاهِـلُه
تَزورُ لا أَدَبُ التَّـزْوارِ تَعْرِفُــهُ وَلا لَدَيْــكَ إِلى إِذْنٍ وَسـائِلُه
وَلا تُبالي إِذا داهَمْتَ مُنْتَهِيًا يَدْعوكَ أَمْ فارِسًـا تَمْضـي تُصـاوِلُه
بِكَفِّـهِ أَمَـلُ الدُّنْيا وَغَفْلَتُـها وَكَفُّـكَ الْغَـــدْرُ شَـنَّتْهُ مَناجِلُه
سَكَنْتَ في شَرَكِ الْأَنْفاسِ تَرْصُـدُها كَصائِدٍ لَمْ تَخِبْ يَوْمًا حَبائِلُه
أبو مذود : ذاك أنه كان فنانا قداميا حداثيا مستقبليا ، وما أنشدتَّ من أوائل عموديته " موسيقا من الموت " في مجموعته " موسيقا مِنَ السِّرِّ " نفسها ، وَلْتَتَأَمَّلوا دَوْراتِ القَضاء في أَثْناءِ الفَناء .
أنس : ولكنْ ثَمَّ أصول عروضية ينبغي مراعاتها ، وإلا خرج الكلام عن أن يكون أبياتا من الشعر ، والأبيات عن أن تكون قصيدة واحدة .
براء وأيمن معًا : ما هي ، يا فقيه ؟
أنس تاليًا : " مَجْموعُ أَبْياتٍ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ ، مُسْتَوِيَةٌ في عَدَدِ الْأَجْزاءِ ، وَفي جَوازِ ما يَجوزُ فيها ، وَلُزومِ ما يَلْزَمُ ، وَامْتِناعِ ما يَمْتَنِعُ ؛ فَخَرَجَ ما لَيْسَ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ ، وَما هُوَ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ لكِنْ لا مَعَ الِاسْتِواءِ في عَدَدِ الْأَجْزاءِ كَأَبْياتٍ مِنْ الْبَسيطِ بَعْضُها مِنْ وافيهِ وَبَعْضُها مِنْ مَجْزوِّهِ ، وَما هُوَ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ مَعَ الْاسْتِواءِ في عَدَدِ الْأَجْزاءِ لكِنْ لا مَعَ الِاسْتواء في الْأَحْكامِ كَأَبْياتٍ مِنَ الطَّويلِ بَعْضُها ضَرْبُهُ تامٌّ وَبَعْضُها ضَرْبُهُ مَحْذوفٌ . وَلَيْسَ اتِّفاقُ الرَّويِّ شَرْطًا في تَحَقُّقِ مُسَمّى الْقَصيدَةِ ، بَلْ في وُجوبِ سَلامَتِها مِنَ الْإِقْواءِ وَالْإِكْفاءِ وَالْإِجازَةِ وَالْإِصْرافِ اللّاتي هِيَ مِنْ عُيوبِ الْقافِيَةِ هذا مُفادُ كَلامِهِمْ فَاحْفَظْهُ " .
براء وأيمن : قاتَلَكَ اللهُ ، أيُّ بَبْغاءَ أَنْتَ !
أبو مذود : بَلْ لِلّهِ دَرُّكَ ، أَيُّ حافِظٍ أَنْتَ !
تلكم - يا مَكْمَلي وَمَحْيايَ وَمَخْلَدي - عبارة السيد محمد الدَّمَنْهوريِّ شيخِ الجامع الأزهر في زمانه ، بحاشيته " الإرشاد الشافي على متن الكافي في علمي العروض والقوافي لأبي العباس أحمد بن شعيب القِنّائي " - رحمهما الله ! - عن مقالات من سبقه في القصيدة اصطلاحا .
براء وأيمن : إنه - يا مولانا - من حَفَظَةِ الظاهر المُقَلِّدين !
أبو مذود : بل هو - إن شاء الله - من حُفّاظِ الظاهر والباطن المستوعبين ؛ فهات بيانك .
أنس : تلك العبارة على قدامتها ، تَنْبيهٌ حَسَنٌ على خصائص البيت والأبيات في القصيدة الواحدة ، أنها :
عَروضيَّةٌ وَزْنيَّةٌ [ التفاعيل ( نوع المقاطع اللغوية المعينة { البَحْرُ } ) ، والطول ( عدد التفاعيل ) ، والانقسام ( صور أطراف الأشطار ) ] .
وعَروضيَّةٌ قافَويَّةٌ : [ الأجزاء ( الأصوات ) ، والنوع ( أوضاع الأجزاء ) ] .
فإمّا سَلَّمْتُ لصاحبيَّ هذين بأن أقسامَ نَصَّيْهما تلك المُتَبَجِّحَةَ بإجازة ما يجوز من الزِّحافات كخَبْنِ ( مُسْتَفْعِلُنْ ) إلى ( مُتَفْعِلُنْ ) و( فاعِلُنْ ) إلى ( فَعِلُنْ ) والعِلَل كتَذْييلِ ( مُسْتَفْعِلُنْ ) إلى ( مُسْتَفْعِلانْ ) وقطع ( فاعِلُنْ ) إلى ( فاعِلْ ) ، المُتَعَدِّيَةَ إلى استباحة ما لم يقع من العلل كَتَسْبيغِ ( فاعلْ ) المقطوعة إلى ( فاعلْنْ ) وحذف ( فاعلن ) أحيانا من البَيْنِ - أبياتٌ من بحر البسيط بما تكرر فيها من مُرَكَّباتِ مقاطع أصواته اللغوية المُعَيَّنَة ، لم أُسَلِّمْ بأنها مستوية في عدد أجزاء ، ولا مستوية في لزوم ما يلزم !
أيمن : كيف تقول مثل هذا في نونية سيدنا محيي الدين بن عربي ؟
أنس : ألا ترى كيف خرج مطلع نونية سيدك ، بعشر تفاعيل ، وكل ما بعده على خمس وعشرين ! أثم لا ترى كيف جرى في تفاعيلَ من بيتٍ على القطع وهو علة ، ثم جرى في أشباهها من بيت آخر على القطع والتسبيغ ، وكيف جرى في تفاعيلَ من بيتٍ على السلامة ، ثم جرى في أشباهها من بيت آخر على التذييل ... وهكذا !
أيمن : بل لا ترى أنت أنها من طريقة " رياح المغيب " السابقة !
براء : وكيف تقول مثل هذا في رائية سيدنا أحمد عبد المعطي حجازي ؟
أنس : ألا ترى كيف خرج مطلع رائية سيدك ، بثماني تفاعيل ، وما بعده بثماني عشرة ، وما بعدهما بست وعشرين ... وهكذا !
براء : بل لا ترى أنت أنها من طريقة " موسيقا من الزمان " السابقة !
أيمن - وأعانه براء - : تَعْسًا لها أُصولًا عَليلةً !
أنس : بل سَعْدًا لها أُصولًا جَليلةً تُخْرِجُ نَصَّيْكُما عن الشعر إلى النثر ؛ فإنَّ من شاء وجد مثلهما في خلال كلام الناثرين !
أبو مذود : اعلموا - يا مَساكينُ - أَنَّ عروض الشعر وَلَدُ الموسيقا التي كانت بشريَّةً ( غِناءً ) ، ثم صارت بشريَّةً آليَّةً ( غِناءً وَعَزْفًا ) ، ثم صارت آليَّةً ( عَزْفًا ) . وكلما طَوَّرَتْها سَعَةُ حُرّيَّتُها وقوَّةُ سَبْقِها وسُرْعَةُ حَرَكَتِها ، زادَ بَوْنُ ما بينها وبين وليدها الذي لا يعرف غير اتباعها والتعلق بها .
كانت الموسيقا دَوْراتٍ كثيرة قصيرة ساذجة محددة متوالية ؛ فكان عروضُ العمودي والقصيدةُ منه أبياتٌ كثيرة قصيرة ساذجة محددة تتوالى مؤتلفةً أجزاءً ( بحرا ) وأحوالَ أجزاء ( سلامة وتغيرا ) .
ثم صارت الموسيقا دَوْراتٍ قليلة طويلة مزخرفة محددة متوالية ؛ فكان عروضُ الموشح والقصيدةُ منه أبياتٌ قليلة طويلة مزخرفة محددة تتوالى مؤتلفةً أجزاء ( بحرا ) ، مختلفة أحوال أجزاء ( سلامة وتغيرا ) .
ثم صارت الموسيقا دَوْرةً واحدة متطاولة مضطربة ؛ فكان عروضُ الحر والقصيدةُ منه ينبغي أن تكون بيتًا واحدا متطاولا مضطربا يبدأ ثم لا ينتهي إلا أخيرا مرة واحدة ، ولكنها لم تستقم على ما ينبغي لها إلا بعد زمان طويل .
وإِنَّ تلكم الخصائص العروضية الوزنية والقافوية التي أحسن أنس استنباطها من عبارة الدمنهوري ، لَهِيَ الروابطُ الباطنة التي إذا انضافت إليها روابطُ النصِّ الواحدِ اللغويةُ الظاهرةُ استوت القصيدةُ بُنْيانًا عَروضيًّا لُغَويًّا ( نَصًّا مَوْزونًا ) ، وَحدةُ جانبه العروضيّ البيتُ ، ووَحدة جانبه اللغويّ الجملة .
ثم إِنَّه بنصيب البيت والأبيات في القصيدة الواحدة من هذه الخصائص ، يظهر نوع الشعر .
ثم إِنَّ الدمنهوري عالمٌ قَداميٌّ لم يتجاوز نصيب البيت العمودي .
ثم إِنَّه تَقْليديٌّ لم يتجاوز أبيات العروضيين ، بل كان متن صاحبه أكثر شعرا من حاشيته التي فَرَّقَتْ بين العروض وشعره ، ورحم الله محمود حسن إسماعيل مرة أخرى !
مواليه : رحمة واسعة مرة أخرى !
أبو مذود : حدثنا أبو تميم عبد الحميد بسيوني - وكان مستشار أمير الكويت - أنه شهد مجلس أستاذنا محمود محمد شاكر ، وقد أقبل محمود حسن إسماعيل - رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ، ولم يَفْتنّا بعدهم ، ولم يحرمنا أجرهم ! - ينشد من شعره المجلس الجليل ، وفيه الحسّاني حسن عبد الله الفنّان الشاعر العالِم العَروضيُّ الْقَداميُّ ، يَتَسَقَّطُ له ، حتى لَقَطَ شيئا صاح به عليه ؛ فغضب محمود حسن إسماعيل .
قال أبو تميم : فلما كان المجلس التالي ، بَدَرَ إسماعيلُ بِحُرَّتِهِ " الوَهَجُ وَالدّيدانُ " ، يقول :
تَفْعيلَتانْ
ثَلاثُ تَفْعيلاتْ
وَسَبْعُ تَفْعيلاتْ
وَأَحْرُفٌ تُعانِقُ الْأَلْحانَ بِالْأَحْضانِ وَالرّاحاتْ
تُدَفِّقُ النّورَ عَلى حَفائِرِ الْأَمْواتْ
شَلّالَ موسيقا بِلا قَواعِدٍ مَرْسومَةِ الرَّنّاتْ
مَعْصومَةِ الْإيقاعِ دونَ حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ
يَعُدُّها مِنْ قَبْلِ أَنْ تَجيءَ بِالْأَسْبابِ وَالْأَوْتادِ وَالشَّطْراتْ
تَشُقُّ بابَ الرّوحِ لا تَسْتَأْذِنُ الْإِصْغاءَ وَالْإِنْصاتْ
وَلَيْسَ في إِعْصارِها سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ
وَلا فُضولُ الْمَوْتِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْحَياةَ عَنْ تَوَهُّجِ السّاحاتْ
وَلا فُضولُ اللَّيْلِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْفَجْرَ لِماذا تَنْسَخُ الرُّفاتْ
ضَجَّ الْبِلى مِنْ صَيْحَةِ الْإِشْراقِ في تَشَبُّثِ الْمَواتْ
وَانْتَفَضَتْ هَياكِلٌ مَرْصوفَةُ الطُّقوسِ مِنْ تَناسُقِ الْأَشْتاتْ
وَكُلُّ ما فيها قَرابينُ تُقَدِّسُ الرِّمامَ في كُلِّ حَصادٍ ماتْ
مَصْلوبَةُ الْجُمودِ وَالرُّكودِ وَالْهُمودِ وَالسُّباتْ
عَلى مَطايا زَمَنٍ مُهَرَّأِ الْأَكْفاتْ
تَحَرَّكَتْ في غَبَشِ الْكُهوفْ
جَنائِزًا في لَحْدِها تَطوفْ
مَشْلولَةَ الْمَسيرِ وَالْحِراكِ وَالْوُقوفْ
كَأَنَّها لِتُرَّهاتِ أَمْسِها رُفوفْ
أَوْ أَنَّها لِكُلِّ نورٍ شَعَّ في زَمانِها حُتوفْ
تُريدُ شَلَّ الْوَهَجِ الْعَصوفْ
بِأَعْيُنٍ ضِياؤُها مَكْفوفْ
وَأَلْسُنٍ نِداؤُها مَعْقوفْ
تَهاتَرَتْ مَخْدورَةً مِنْ سَمْتَةِ الْعُكوفْ
وَراعَها تَمَزُّقُ السُّجوفْ
وَخَيْبَةُ التَّكْرارِ وَالدُّوارِ في الْقيعانْ
فَأَنْشَبَتْ هُذاءَها في الْقَشِّ وَالْعيدانْ
وَالْحَبُّ عَنْ عَمائِها مُغَلَّفٌ نَشْوانْ
وَوَعْيُها مِنْ غَشْيَةٍ غَفْلانْ
وَطَرْفُها مِنْ عَشْيَةٍ ظَمْآنْ
لِكُلِّ ما لَمْ يَبْقَ فيهِ قَبَسٌ لِخُطْوَةِ الْإِنْسانْ
سُبْحانَ رَبِّ النّورِ مِنْ تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مَنْ أَيْقَظَ الدّيدانْ
أَنْغامُ هذا الطَّيْرِ ما لَقَّنَها بُسْتانْ
وَلا حَداها حارِسٌ يَقْظانْ
وَلا بِغَيْرِ ما تَجيشُ نارُها تَحَرَّكَتْ بَنانْ
مِنْ ذاتِها وَوَحْيِها رَحيقُها الصَّدْيانْ
الرّافِضُ الْإيماءَ لِلْوَراءِ يَمْتَصُّ خُطا الرُّكْبانْ
الرّافِضُ الْقِياسَ في الصَّدى وَفي الْمَدى وَفي اللِّسانْ
وَفي هَوى التَّنْغيمِ وَالتَّفْخيمِ وَالتَّرْنيمِ وَالْإِرْنانْ
تَدَفَّقَتْ لا تَعْرِفُ التَّطْريزَ في تَوَهُّجِ الْأَلْحانْ
وَلا خِداعَ السَّمْعِ في تَبَرُّجِ الْحُروفِ لِلْآذانْ
وَلا لِخَطْوِ اللَّحْنِ قَبْلَ سَكْبِهِ مِنْ نايِها ميزانْ
أَسْكَرَها خالِقُها قَبْلَ انْبِثاقِ اللَّحْنِ بِالْأَوْزانْ
تَحَرَّرَتْ فَما بِها لِلْقالَبِ الْمَصْبوبِ قَبْلَ كَأْسِها إِذْعانْ
زَخارِفٌ مَطارِفٌ مَتاحِفٌ لِقِشْرَةِ الْأَكْوانْ
قَواقِعٌ بَراقِعٌ بَدائِعٌ زَيّافَةُ الْأَلْوانْ
جَلَّ عَزيفُ النّايِ أَنْ يَقودَهُ إِنْسانْ
وَجَلَّ روحُ الْفَنِّ عَنْ تَناسُخِ الْأَبْدانْ
فَالشِّعْرُ شَيْءٌ فَوْقَ ما يَصْطَرِعُ الْجيلانْ
روحٌ تَرُجُّ الرّوحَ كَالْإِعْصارِ في الْبُسْتانْ
بِزَفِّها وَحَرْفِها وَنورِها الْمُمَوْسَقِ النَّشْوانْ
وَخَمْرِها الْمَعْصورَةِ الرَّحيقِ مِنْ تَهادُلِ الْأَزْمانْ
لِكُلِّ جيلٍ كَأْسُهُ لا تَفْرِضوا الدِّنانْ
مَلَّ النَّدامى حَوْلَكُمْ عِبادَةَ الْأَكْفانْ
فَجَدِّدوا أَرْواحَكُمْ لا تَظْلِموا الْميزانْ
فَالشِّعْرُ لَحْنٌ مِنْ يَدِ الرَّحْمنْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مُلْهي النُّسورِ عَنْ خُطا الدّيدانْ
مواليه : " حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ " ، " سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ " ، " فُضولُ الْمَوْتِ " ، " فُضولُ اللَّيْلِ " ، " تَشَبُّثُ الْمَواتْ " ، " تَناسُقِ الْأَشْتاتْ " ، " تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ " ، " تَناسُخِ الْأَبْدانْ " ، " عِبادَةَ الْأَكْفانْ " ، " خُطا الدّيدانْ " !
اللهمَّ نجاةً ! لقد عَرّاهُ للملأ ، ثم سَلَحَ عليه ! بل لقد زَلْزَلَهُ وأَضَلَّه عن نفسه ثم تركه في بَيْداء ! فأَيَّةُ مَذَمَّةٍ لم يَصُبَّها عليه ! وأَيَّةُ مَحْمَدَةٍ لم يَسْلُبْها منه !
أبو مذود : ثم تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف تَجَلّى قوله :
" فَالشِّعْرُ شَيْءٌ فَوْقَ ما يَصْطَرِعُ الْجيلانْ " ،
مَنارَةً يرى بها العالِمُ استيعابَ الفنانين جميعا قَداميّينَ وحَداثيّينَ ومُسْتَقْبَليينَ - مهما تَلاعَنوا بين يديه وتَنافَوا - طَريقًا إلى كمال نظره الذي لن يكون إلا بمزج أعمالهم كلها بعضها ببعض مادةً لعمله .
- وقوله :
" لِكُلِّ جيلٍ كَأْسُهُ لا تَفْرِضوا الدِّنانْ " ،
منارة أخرى يرى بها العالِمُ كُلَّ نَوْعٍ من أنواع الشعر ، وَلَدَ دَواعٍ خاصة من الأسباب والغايات والوسائل وغيرها ، وكلَّ داع من هذه الدواعي إنسانيًّا باقيًا بَقاءَ الإنسان نفسِهِ ؛ وأننا إن لم تَدْعُنا إلى نوع ما دواعيه ، ثَقَّفَتْنا ثَقافَتُهُ المتعلقةُ به التي لا خير في اطراحها ؛ فزادت من إنسانيتنا وأخصبت من حياتنا وأنارت من بصيرتنا .
مواليه : اللهم ، لك تُبْنا ، وإليك أَنَبْنا ؛ فَتَقَبَّلْنا في عبادك الخطّائين التوابين ؛ وكَرِّهْ إلينا جَهالَةَ الجُهَلاءِ وسَفاهَةَ السُّفَهاءِ ما أَحْيَيْتَنا ، فإِمّا قَعَدَ بنا العَجْزُ عن شَأْوِ مولانا أبي مذود وتعليمه ، فاقبضنا إليك غيرَ مُحَرِّفينَ ولا مُزَيِّفينَ ولا مُخْتَلِفينَ !
تَأَمَّلْـ... تُ في قَهْـ... وَتي
ددن دن... ددن دن... ددن
خُلودَ... هَوى نَجْـ... مَتي
ددن د... ددن دن... ددن
بِمَنْزِ... لَةِ الْبَهْـ... جَةِ
ددن د... ددن دن... ددن
فَلَمْ أَصْـ... حُ مِنْ سَكْـ... رَتي
ددن دن... ددن دن... ددن
أَنا فَـ... لَكُ الْحُلْـ... مِ شَحْبَلْ
ددن د... ددن دن... ددن دن
سَيَنْفَـ... تِحُ الْبا... بُ يَوْمًا... لِأَدْخُلْ
ددن د... ددن دن... ددن دن... ددن دن
فإذا الصوتُ الواحدُ الغَريبُ يتباعد بالشَّبَحِ المَعْروف عندهم المُنْكَرِ بينهم ، والتَيّارُ المَوّارُ يَتَدَفَّقُ في الصَّبَبِ وراءهم .
أبو مذود : ما أَحْسَنَ ما لَبِسَ لِكُلِّ حالٍ مِنْ أَحْوالِ الْإِنْسانِ ، بمجموعته " موسيقا مِنَ السِّرِّ " ؛ فَدَلَّ على ثَقافَةٍ واسِعَةٍ ، وإنسانيَّةٍ زائدةٍ ، وَحَياة خَصيبةٍ ، وبَصيرةٍ نَيِّرَةٍ !
براء : أحفظ له قوله :
أَلْفانِ وَعَشْرَةُ آلافْ
وَأَنا طَوّافْ
في الْبَحْرِ الْغارِقِ في الْأَسْدافْ
روحي مِجْدافْ
قَلْبي مِجْدافْ
يَجْتازُ جُنونَ الرّيحِ وَيَنْفُذُ في الْأَلْفافْ
وَيُحيلُ اللُّجَّ طَريقًا لِلْأَعْرافْ
وَيُلاقي الْجَوْهَرَ في الْأَعْماقِ فَلا أَغْوارَ وَلا أَصْدافْ
وَحقيقَةَ هذا الْكَوْنِ تَلوحُ فَلا أَسْرارَ وَلا أَلْطافْ
اَلْمَرْكَبُ طافْ
عُرْيانَ الرُّؤْيَةِ لا مَكْفوفَ وَلا خَوّافْ
أبو مذود : هو من أوائل حُرَّتِهِ " موسيقا مِنَ الزَّمانِ " في مجموعته " موسيقا مِنَ السِّرِّ " نفسها ، ولْتَتَأَمَّلوا دَوْراتِ الساعات في أثناء الفاءات .
أيمن : أحفظ له قوله :
يا رِياحَ الْمَغيبْ
يا أَغاني الزَّمَنْ
أَيُّ سِرٍّ رَهيبْ
في حَشاكِ اسْتَكَنْ
لِلشَّقيِّ الْغَريبْ
فَوْقَ هذا الْوَطَنْ
هَلْ سَمِعْتِ الْجِبالْ
في سُكونِ الظُّلَمْ
تَشْتَكي لِلرِّمالْ
سِجْنَها مِنْ قِدَمْ
أَمْ سَقاكِ الْخَيالْ
جُرْعَةً مِنْ عَدَمْ
فَعَبَرْتِ التِّلالْ
وَالرُّبا وَالْقِمَمْ
غابَةً مِنْ زَوالْ
أَطْلَقَتْها السُّدُمْ
شابَ فَوْدُ الْغُيوبْ
وَهْيَ رَيّا الْفَنَنْ
إِنْ سَرَتْ لا تَؤوبْ
أَوْ بَكَتْ لا تَئِنْ
يا رِياحَ الْمَغيبْ
يا أَغاني الزَّمَنْ
أبو مذود : هو من أَوائل مُوَشَّحَتِهِ " رياحُ الْمَغيبِ " في مجموعته التي باسمها ، وَلْتَتَأَمَّلوا دَوْراتِ الأقدار في أَثْناء الأسرار .
أنس : ألمحمود حسن إسماعيل المِصْري الصَّعيديِّ الدَّرْعَميِّ ، هذان الكَلامان !
أبو مذود : أجل ، له هو نفسه عقله لسانه !
أنس : وكيف اجتمع في عقله ثم استقام على لسانه ، مثل هذين ومثل قوله :
لا أَرْفُضُ الْمَوْتَ لكِنّي أُسائِلُهُ هَلْ ذُقْتَ ما أَنْتَ بِالْإِنْسانِ فاعِلُه
شَيْءٌ هُوَ الْمَوْتُ يا جَبّـارُ تَكْتُمُهُ خُطـاكَ أَنْتَ وَراءَ الْعَيْنِ حامِلُه
مُقَنَّـعٌ بِمَتاهـاتٍ وَأَوْدِيَــةٍ وَأَغْصُـنٍ زَهْرُهـا ماتَتْ بَلابِـلُه
وَتَسْـحَرُ النّاسَ تَأْوي في مَخادِعِهِـمْ وَفي خُطاهُمْ بِكَفٍّ لا تُزايِلُه
تَمْـشي بِلا شَـبَحٍ تَسْقي بِلا قَدَحٍ وَكُلُّ بابٍ وَمَهْمــا أَنْتَ داخِلُه
أَعْمى عَصـاكَ بِلا دَرْبٍ وَلا بَصَـرٍ وَلا صَــدًى يُرْشِدُ الْآذانَ قاتِلُه
وَلا يَقودُكَ إِلّا الْغَيْبُ تَعْلَـمُهُ وَكُلُّ حَـيٍّ بِوَجْــهِ الْأَرْضِ جاهِـلُه
تَزورُ لا أَدَبُ التَّـزْوارِ تَعْرِفُــهُ وَلا لَدَيْــكَ إِلى إِذْنٍ وَسـائِلُه
وَلا تُبالي إِذا داهَمْتَ مُنْتَهِيًا يَدْعوكَ أَمْ فارِسًـا تَمْضـي تُصـاوِلُه
بِكَفِّـهِ أَمَـلُ الدُّنْيا وَغَفْلَتُـها وَكَفُّـكَ الْغَـــدْرُ شَـنَّتْهُ مَناجِلُه
سَكَنْتَ في شَرَكِ الْأَنْفاسِ تَرْصُـدُها كَصائِدٍ لَمْ تَخِبْ يَوْمًا حَبائِلُه
أبو مذود : ذاك أنه كان فنانا قداميا حداثيا مستقبليا ، وما أنشدتَّ من أوائل عموديته " موسيقا من الموت " في مجموعته " موسيقا مِنَ السِّرِّ " نفسها ، وَلْتَتَأَمَّلوا دَوْراتِ القَضاء في أَثْناءِ الفَناء .
أنس : ولكنْ ثَمَّ أصول عروضية ينبغي مراعاتها ، وإلا خرج الكلام عن أن يكون أبياتا من الشعر ، والأبيات عن أن تكون قصيدة واحدة .
براء وأيمن معًا : ما هي ، يا فقيه ؟
أنس تاليًا : " مَجْموعُ أَبْياتٍ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ ، مُسْتَوِيَةٌ في عَدَدِ الْأَجْزاءِ ، وَفي جَوازِ ما يَجوزُ فيها ، وَلُزومِ ما يَلْزَمُ ، وَامْتِناعِ ما يَمْتَنِعُ ؛ فَخَرَجَ ما لَيْسَ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ ، وَما هُوَ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ لكِنْ لا مَعَ الِاسْتِواءِ في عَدَدِ الْأَجْزاءِ كَأَبْياتٍ مِنْ الْبَسيطِ بَعْضُها مِنْ وافيهِ وَبَعْضُها مِنْ مَجْزوِّهِ ، وَما هُوَ مِنْ بَحْرٍ واحِدٍ مَعَ الْاسْتِواءِ في عَدَدِ الْأَجْزاءِ لكِنْ لا مَعَ الِاسْتواء في الْأَحْكامِ كَأَبْياتٍ مِنَ الطَّويلِ بَعْضُها ضَرْبُهُ تامٌّ وَبَعْضُها ضَرْبُهُ مَحْذوفٌ . وَلَيْسَ اتِّفاقُ الرَّويِّ شَرْطًا في تَحَقُّقِ مُسَمّى الْقَصيدَةِ ، بَلْ في وُجوبِ سَلامَتِها مِنَ الْإِقْواءِ وَالْإِكْفاءِ وَالْإِجازَةِ وَالْإِصْرافِ اللّاتي هِيَ مِنْ عُيوبِ الْقافِيَةِ هذا مُفادُ كَلامِهِمْ فَاحْفَظْهُ " .
براء وأيمن : قاتَلَكَ اللهُ ، أيُّ بَبْغاءَ أَنْتَ !
أبو مذود : بَلْ لِلّهِ دَرُّكَ ، أَيُّ حافِظٍ أَنْتَ !
تلكم - يا مَكْمَلي وَمَحْيايَ وَمَخْلَدي - عبارة السيد محمد الدَّمَنْهوريِّ شيخِ الجامع الأزهر في زمانه ، بحاشيته " الإرشاد الشافي على متن الكافي في علمي العروض والقوافي لأبي العباس أحمد بن شعيب القِنّائي " - رحمهما الله ! - عن مقالات من سبقه في القصيدة اصطلاحا .
براء وأيمن : إنه - يا مولانا - من حَفَظَةِ الظاهر المُقَلِّدين !
أبو مذود : بل هو - إن شاء الله - من حُفّاظِ الظاهر والباطن المستوعبين ؛ فهات بيانك .
أنس : تلك العبارة على قدامتها ، تَنْبيهٌ حَسَنٌ على خصائص البيت والأبيات في القصيدة الواحدة ، أنها :
عَروضيَّةٌ وَزْنيَّةٌ [ التفاعيل ( نوع المقاطع اللغوية المعينة { البَحْرُ } ) ، والطول ( عدد التفاعيل ) ، والانقسام ( صور أطراف الأشطار ) ] .
وعَروضيَّةٌ قافَويَّةٌ : [ الأجزاء ( الأصوات ) ، والنوع ( أوضاع الأجزاء ) ] .
فإمّا سَلَّمْتُ لصاحبيَّ هذين بأن أقسامَ نَصَّيْهما تلك المُتَبَجِّحَةَ بإجازة ما يجوز من الزِّحافات كخَبْنِ ( مُسْتَفْعِلُنْ ) إلى ( مُتَفْعِلُنْ ) و( فاعِلُنْ ) إلى ( فَعِلُنْ ) والعِلَل كتَذْييلِ ( مُسْتَفْعِلُنْ ) إلى ( مُسْتَفْعِلانْ ) وقطع ( فاعِلُنْ ) إلى ( فاعِلْ ) ، المُتَعَدِّيَةَ إلى استباحة ما لم يقع من العلل كَتَسْبيغِ ( فاعلْ ) المقطوعة إلى ( فاعلْنْ ) وحذف ( فاعلن ) أحيانا من البَيْنِ - أبياتٌ من بحر البسيط بما تكرر فيها من مُرَكَّباتِ مقاطع أصواته اللغوية المُعَيَّنَة ، لم أُسَلِّمْ بأنها مستوية في عدد أجزاء ، ولا مستوية في لزوم ما يلزم !
أيمن : كيف تقول مثل هذا في نونية سيدنا محيي الدين بن عربي ؟
أنس : ألا ترى كيف خرج مطلع نونية سيدك ، بعشر تفاعيل ، وكل ما بعده على خمس وعشرين ! أثم لا ترى كيف جرى في تفاعيلَ من بيتٍ على القطع وهو علة ، ثم جرى في أشباهها من بيت آخر على القطع والتسبيغ ، وكيف جرى في تفاعيلَ من بيتٍ على السلامة ، ثم جرى في أشباهها من بيت آخر على التذييل ... وهكذا !
أيمن : بل لا ترى أنت أنها من طريقة " رياح المغيب " السابقة !
براء : وكيف تقول مثل هذا في رائية سيدنا أحمد عبد المعطي حجازي ؟
أنس : ألا ترى كيف خرج مطلع رائية سيدك ، بثماني تفاعيل ، وما بعده بثماني عشرة ، وما بعدهما بست وعشرين ... وهكذا !
براء : بل لا ترى أنت أنها من طريقة " موسيقا من الزمان " السابقة !
أيمن - وأعانه براء - : تَعْسًا لها أُصولًا عَليلةً !
أنس : بل سَعْدًا لها أُصولًا جَليلةً تُخْرِجُ نَصَّيْكُما عن الشعر إلى النثر ؛ فإنَّ من شاء وجد مثلهما في خلال كلام الناثرين !
أبو مذود : اعلموا - يا مَساكينُ - أَنَّ عروض الشعر وَلَدُ الموسيقا التي كانت بشريَّةً ( غِناءً ) ، ثم صارت بشريَّةً آليَّةً ( غِناءً وَعَزْفًا ) ، ثم صارت آليَّةً ( عَزْفًا ) . وكلما طَوَّرَتْها سَعَةُ حُرّيَّتُها وقوَّةُ سَبْقِها وسُرْعَةُ حَرَكَتِها ، زادَ بَوْنُ ما بينها وبين وليدها الذي لا يعرف غير اتباعها والتعلق بها .
كانت الموسيقا دَوْراتٍ كثيرة قصيرة ساذجة محددة متوالية ؛ فكان عروضُ العمودي والقصيدةُ منه أبياتٌ كثيرة قصيرة ساذجة محددة تتوالى مؤتلفةً أجزاءً ( بحرا ) وأحوالَ أجزاء ( سلامة وتغيرا ) .
ثم صارت الموسيقا دَوْراتٍ قليلة طويلة مزخرفة محددة متوالية ؛ فكان عروضُ الموشح والقصيدةُ منه أبياتٌ قليلة طويلة مزخرفة محددة تتوالى مؤتلفةً أجزاء ( بحرا ) ، مختلفة أحوال أجزاء ( سلامة وتغيرا ) .
ثم صارت الموسيقا دَوْرةً واحدة متطاولة مضطربة ؛ فكان عروضُ الحر والقصيدةُ منه ينبغي أن تكون بيتًا واحدا متطاولا مضطربا يبدأ ثم لا ينتهي إلا أخيرا مرة واحدة ، ولكنها لم تستقم على ما ينبغي لها إلا بعد زمان طويل .
وإِنَّ تلكم الخصائص العروضية الوزنية والقافوية التي أحسن أنس استنباطها من عبارة الدمنهوري ، لَهِيَ الروابطُ الباطنة التي إذا انضافت إليها روابطُ النصِّ الواحدِ اللغويةُ الظاهرةُ استوت القصيدةُ بُنْيانًا عَروضيًّا لُغَويًّا ( نَصًّا مَوْزونًا ) ، وَحدةُ جانبه العروضيّ البيتُ ، ووَحدة جانبه اللغويّ الجملة .
ثم إِنَّه بنصيب البيت والأبيات في القصيدة الواحدة من هذه الخصائص ، يظهر نوع الشعر .
ثم إِنَّ الدمنهوري عالمٌ قَداميٌّ لم يتجاوز نصيب البيت العمودي .
ثم إِنَّه تَقْليديٌّ لم يتجاوز أبيات العروضيين ، بل كان متن صاحبه أكثر شعرا من حاشيته التي فَرَّقَتْ بين العروض وشعره ، ورحم الله محمود حسن إسماعيل مرة أخرى !
مواليه : رحمة واسعة مرة أخرى !
أبو مذود : حدثنا أبو تميم عبد الحميد بسيوني - وكان مستشار أمير الكويت - أنه شهد مجلس أستاذنا محمود محمد شاكر ، وقد أقبل محمود حسن إسماعيل - رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ، ولم يَفْتنّا بعدهم ، ولم يحرمنا أجرهم ! - ينشد من شعره المجلس الجليل ، وفيه الحسّاني حسن عبد الله الفنّان الشاعر العالِم العَروضيُّ الْقَداميُّ ، يَتَسَقَّطُ له ، حتى لَقَطَ شيئا صاح به عليه ؛ فغضب محمود حسن إسماعيل .
قال أبو تميم : فلما كان المجلس التالي ، بَدَرَ إسماعيلُ بِحُرَّتِهِ " الوَهَجُ وَالدّيدانُ " ، يقول :
تَفْعيلَتانْ
ثَلاثُ تَفْعيلاتْ
وَسَبْعُ تَفْعيلاتْ
وَأَحْرُفٌ تُعانِقُ الْأَلْحانَ بِالْأَحْضانِ وَالرّاحاتْ
تُدَفِّقُ النّورَ عَلى حَفائِرِ الْأَمْواتْ
شَلّالَ موسيقا بِلا قَواعِدٍ مَرْسومَةِ الرَّنّاتْ
مَعْصومَةِ الْإيقاعِ دونَ حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ
يَعُدُّها مِنْ قَبْلِ أَنْ تَجيءَ بِالْأَسْبابِ وَالْأَوْتادِ وَالشَّطْراتْ
تَشُقُّ بابَ الرّوحِ لا تَسْتَأْذِنُ الْإِصْغاءَ وَالْإِنْصاتْ
وَلَيْسَ في إِعْصارِها سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ
وَلا فُضولُ الْمَوْتِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْحَياةَ عَنْ تَوَهُّجِ السّاحاتْ
وَلا فُضولُ اللَّيْلِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْفَجْرَ لِماذا تَنْسَخُ الرُّفاتْ
ضَجَّ الْبِلى مِنْ صَيْحَةِ الْإِشْراقِ في تَشَبُّثِ الْمَواتْ
وَانْتَفَضَتْ هَياكِلٌ مَرْصوفَةُ الطُّقوسِ مِنْ تَناسُقِ الْأَشْتاتْ
وَكُلُّ ما فيها قَرابينُ تُقَدِّسُ الرِّمامَ في كُلِّ حَصادٍ ماتْ
مَصْلوبَةُ الْجُمودِ وَالرُّكودِ وَالْهُمودِ وَالسُّباتْ
عَلى مَطايا زَمَنٍ مُهَرَّأِ الْأَكْفاتْ
تَحَرَّكَتْ في غَبَشِ الْكُهوفْ
جَنائِزًا في لَحْدِها تَطوفْ
مَشْلولَةَ الْمَسيرِ وَالْحِراكِ وَالْوُقوفْ
كَأَنَّها لِتُرَّهاتِ أَمْسِها رُفوفْ
أَوْ أَنَّها لِكُلِّ نورٍ شَعَّ في زَمانِها حُتوفْ
تُريدُ شَلَّ الْوَهَجِ الْعَصوفْ
بِأَعْيُنٍ ضِياؤُها مَكْفوفْ
وَأَلْسُنٍ نِداؤُها مَعْقوفْ
تَهاتَرَتْ مَخْدورَةً مِنْ سَمْتَةِ الْعُكوفْ
وَراعَها تَمَزُّقُ السُّجوفْ
وَخَيْبَةُ التَّكْرارِ وَالدُّوارِ في الْقيعانْ
فَأَنْشَبَتْ هُذاءَها في الْقَشِّ وَالْعيدانْ
وَالْحَبُّ عَنْ عَمائِها مُغَلَّفٌ نَشْوانْ
وَوَعْيُها مِنْ غَشْيَةٍ غَفْلانْ
وَطَرْفُها مِنْ عَشْيَةٍ ظَمْآنْ
لِكُلِّ ما لَمْ يَبْقَ فيهِ قَبَسٌ لِخُطْوَةِ الْإِنْسانْ
سُبْحانَ رَبِّ النّورِ مِنْ تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مَنْ أَيْقَظَ الدّيدانْ
أَنْغامُ هذا الطَّيْرِ ما لَقَّنَها بُسْتانْ
وَلا حَداها حارِسٌ يَقْظانْ
وَلا بِغَيْرِ ما تَجيشُ نارُها تَحَرَّكَتْ بَنانْ
مِنْ ذاتِها وَوَحْيِها رَحيقُها الصَّدْيانْ
الرّافِضُ الْإيماءَ لِلْوَراءِ يَمْتَصُّ خُطا الرُّكْبانْ
الرّافِضُ الْقِياسَ في الصَّدى وَفي الْمَدى وَفي اللِّسانْ
وَفي هَوى التَّنْغيمِ وَالتَّفْخيمِ وَالتَّرْنيمِ وَالْإِرْنانْ
تَدَفَّقَتْ لا تَعْرِفُ التَّطْريزَ في تَوَهُّجِ الْأَلْحانْ
وَلا خِداعَ السَّمْعِ في تَبَرُّجِ الْحُروفِ لِلْآذانْ
وَلا لِخَطْوِ اللَّحْنِ قَبْلَ سَكْبِهِ مِنْ نايِها ميزانْ
أَسْكَرَها خالِقُها قَبْلَ انْبِثاقِ اللَّحْنِ بِالْأَوْزانْ
تَحَرَّرَتْ فَما بِها لِلْقالَبِ الْمَصْبوبِ قَبْلَ كَأْسِها إِذْعانْ
زَخارِفٌ مَطارِفٌ مَتاحِفٌ لِقِشْرَةِ الْأَكْوانْ
قَواقِعٌ بَراقِعٌ بَدائِعٌ زَيّافَةُ الْأَلْوانْ
جَلَّ عَزيفُ النّايِ أَنْ يَقودَهُ إِنْسانْ
وَجَلَّ روحُ الْفَنِّ عَنْ تَناسُخِ الْأَبْدانْ
فَالشِّعْرُ شَيْءٌ فَوْقَ ما يَصْطَرِعُ الْجيلانْ
روحٌ تَرُجُّ الرّوحَ كَالْإِعْصارِ في الْبُسْتانْ
بِزَفِّها وَحَرْفِها وَنورِها الْمُمَوْسَقِ النَّشْوانْ
وَخَمْرِها الْمَعْصورَةِ الرَّحيقِ مِنْ تَهادُلِ الْأَزْمانْ
لِكُلِّ جيلٍ كَأْسُهُ لا تَفْرِضوا الدِّنانْ
مَلَّ النَّدامى حَوْلَكُمْ عِبادَةَ الْأَكْفانْ
فَجَدِّدوا أَرْواحَكُمْ لا تَظْلِموا الْميزانْ
فَالشِّعْرُ لَحْنٌ مِنْ يَدِ الرَّحْمنْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مُلْهي النُّسورِ عَنْ خُطا الدّيدانْ
مواليه : " حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ " ، " سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ " ، " فُضولُ الْمَوْتِ " ، " فُضولُ اللَّيْلِ " ، " تَشَبُّثُ الْمَواتْ " ، " تَناسُقِ الْأَشْتاتْ " ، " تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ " ، " تَناسُخِ الْأَبْدانْ " ، " عِبادَةَ الْأَكْفانْ " ، " خُطا الدّيدانْ " !
اللهمَّ نجاةً ! لقد عَرّاهُ للملأ ، ثم سَلَحَ عليه ! بل لقد زَلْزَلَهُ وأَضَلَّه عن نفسه ثم تركه في بَيْداء ! فأَيَّةُ مَذَمَّةٍ لم يَصُبَّها عليه ! وأَيَّةُ مَحْمَدَةٍ لم يَسْلُبْها منه !
أبو مذود : ثم تأملوا - يا مَكْمَلي ومَحْيايَ ومَخْلَدي - كيف تَجَلّى قوله :
" فَالشِّعْرُ شَيْءٌ فَوْقَ ما يَصْطَرِعُ الْجيلانْ " ،
مَنارَةً يرى بها العالِمُ استيعابَ الفنانين جميعا قَداميّينَ وحَداثيّينَ ومُسْتَقْبَليينَ - مهما تَلاعَنوا بين يديه وتَنافَوا - طَريقًا إلى كمال نظره الذي لن يكون إلا بمزج أعمالهم كلها بعضها ببعض مادةً لعمله .
- وقوله :
" لِكُلِّ جيلٍ كَأْسُهُ لا تَفْرِضوا الدِّنانْ " ،
منارة أخرى يرى بها العالِمُ كُلَّ نَوْعٍ من أنواع الشعر ، وَلَدَ دَواعٍ خاصة من الأسباب والغايات والوسائل وغيرها ، وكلَّ داع من هذه الدواعي إنسانيًّا باقيًا بَقاءَ الإنسان نفسِهِ ؛ وأننا إن لم تَدْعُنا إلى نوع ما دواعيه ، ثَقَّفَتْنا ثَقافَتُهُ المتعلقةُ به التي لا خير في اطراحها ؛ فزادت من إنسانيتنا وأخصبت من حياتنا وأنارت من بصيرتنا .
مواليه : اللهم ، لك تُبْنا ، وإليك أَنَبْنا ؛ فَتَقَبَّلْنا في عبادك الخطّائين التوابين ؛ وكَرِّهْ إلينا جَهالَةَ الجُهَلاءِ وسَفاهَةَ السُّفَهاءِ ما أَحْيَيْتَنا ، فإِمّا قَعَدَ بنا العَجْزُ عن شَأْوِ مولانا أبي مذود وتعليمه ، فاقبضنا إليك غيرَ مُحَرِّفينَ ولا مُزَيِّفينَ ولا مُخْتَلِفينَ !
تَأَمَّلْـ... تُ في قَهْـ... وَتي
ددن دن... ددن دن... ددن
خُلودَ... هَوى نَجْـ... مَتي
ددن د... ددن دن... ددن
بِمَنْزِ... لَةِ الْبَهْـ... جَةِ
ددن د... ددن دن... ددن
فَلَمْ أَصْـ... حُ مِنْ سَكْـ... رَتي
ددن دن... ددن دن... ددن
أَنا فَـ... لَكُ الْحُلْـ... مِ شَحْبَلْ
ددن د... ددن دن... ددن دن
سَيَنْفَـ... تِحُ الْبا... بُ يَوْمًا... لِأَدْخُلْ
ددن د... ددن دن... ددن دن... ددن دن
فإذا الصوتُ الواحدُ الغَريبُ يتباعد بالشَّبَحِ المَعْروف عندهم المُنْكَرِ بينهم ، والتَيّارُ المَوّارُ يَتَدَفَّقُ في الصَّبَبِ وراءهم .