أ.د. محمد جمال صقر
10-31-2012, 07:58 PM
مكانة ثقافتنا العربية من خلال
" رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " للأستاذ محمود محمد شاكر
ندوة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
في 23-4-2007م
أعدَّ لها و قدمها الأستاذ الدكتور محمد جمال صقر
و شارك فيها الأساتذة
أ.د. محمود الربيعي أ.د. عبد المنعم تليمة
أ.د. محمد حماسة عبد اللطيف أ . عبد الرحمن شاكر
أ.د. أحمد كشك أ.د. أحمد درويش
أ.د. فهر محمود محمد شاكر
سجلتها وفرغتها وضبطتها
نهاد مجدي
gaheza584@yahoo.com
تمهيدية الماجستير بقسم النحو والصرف والعروض
من كلية دار العلوم ، بجامعة القاهرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
" لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كانَ يَرْجواللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللهَ كَثيرًا (21) وَ لَمّا رَأى الْمُؤْمِنونَ الْأَحْزابَ قالوا هذا ما وَعَدَنا اللهُ وَ رَسولُهُ وَ صَدَقَ اللهُ وَ رَسولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلّا إيمانًا وَّتَسْليمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مََّّنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مََّن يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلوا تَبْديلًا(23) لِّيَجْزيَ اللهُ الصّادِقينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقينَ إِن شاءَ أَوْ يَتوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفورًا رَّحيمًا(24)" (الأحزاب من 21 إلى 24). .
جيء بهذه الآيات لأجل الرجل الذي بدأ رسالته في الطريق إلى ثقافتنا بالحديث الذى رواه أحمد والترمذي بسنديهما عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه!- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه، وسلم!- يقول: " ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلا هَيْبَةُ الناسِ أن يقول بِحَقٍّ إذا عَلِمَهُ". فكان كذلك الأستاذ محمود شاكر في كتابه وفي رسالته إلى أن توفاه ربه . وجزيتم خيرا لحسن الاستماع.
الطالب:أحمد أبو خليل(المقرر التنفيذي لأسرة فرسان النور)
عندما وُكِلَ إليَّ تقديم هذه الندوة- وأنا لست بذلك التوكيل جدير- حِرْتُ فى أمري وأمرها، وما عساني أن أفعل في هذا المقام الصعب وفي هذا المقام المخيف، حيث تَعْصِفُ الرياح وتَبْطُل الأسمار، في حضرة أساتذتي الأجلاء، وأمام كتاب من أعظم الكتب، وبين يدي علامة العصر، فكيف للعبارات المُنَمَّقة و الكلمات المزخرفة أن توفي حق هذا أو ذاك! لا مجال لذلك .
لذا أود فقط و قبل أن أترك المكان لأهله الحقيقيين و ناسِه المَعْنِيين فعلا- أن أبعث بثلاث رسائل :
الرسالةُ الأولى : مِنّا إليكم ، منا نحن طلاب دار العلوم إليكم أنتم أيها الضيوف الكرام رسالة تحية وإجلال واحترام على ما منحتمونا إياه من شرف استضافة هذه الندوة، نقول لكم: لو ضاقت بكم أقطار السماوات والأرض ستجدون دائما دار العلوم ملاذا لكم، منبر يعلو من فوقه صوتكم .
الرسالةُ الثانية: مِنّي إليكم، رسالة شكر وتقدير لكل من لبّى الدعوة، وحضر هذه الندوة، وأيضا تحية خاصة إلى كل من ساهم بجهد أو بمال في سبيل إنجاح هذا العمل وخاصة من زملائي أعضاء أسرة "فرسان النور" التي تشرف بكون أستاذنا الدكتور محمد جمال صقر رائدا لها.
أما الرسالةُ الثالثة: فهي إليكم أيها الأساتذة وأيها الطلاب جميعا، ولكنها ليست مني إنما هي من صاحب هذا المقام، إنها رسالة إصلاح هذه الأمة التي نحن مَعْنِيّون في المقام الأول بثقافتها، فلنستمع إليه يقول، إن هذا الإصلاح الآن موقوف على ظهور الرجل الذي ينبعث من هذا الشعب المسكين الفقير المظلوم يحمل في رجولته سراجا وهاجا مشتعلا من كل نواحيه هو الرجل المصبوب في أجلاده من الثورة والعنف والإحساس بآلام الأمة كلها، وألام الأجيال الصارخة من وراء البنيان الحي المتحرك على هذه الأرض الذي يسمى الإنسان، فلابد أن يكون من بينكم ذاك الرجل، وإلا فلا مفر لكم من أن تُخرجوا منا، من هذا الجيل ذلك الرجل .
أمتع الله بكم، وكان جاركم، وأترك التقديم الآن إلى أستاذي الدكتور محمد جمال صقر، فليتفضل مشكورا.
الأستاذ الدكتور محمد جمال صقر:
أستاذي الجليل الدكتور محمود الرَّبيعيّ، أستاذي الجليل الدكتور عبد المنعم تَلّيمة، أستاذي الجليل الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، أستاذي الجليل الكاتب الأديب الأستاذ عبد الرحمن شاكر، أخي الجليل الكبيرالدكتور فهر.. رائحة الحبائب!، أيها الضيوف الكرام، سلام عليكم، طبتم وطاب مسعاكم إلينا، بسم الله- سبحانه، وتعالى !- وبحمده، وصلاة على رسوله، وسلاما، ورضوانا على صحابته وتابعيهم حتى نلقاهم!
إذا هجر المثقفون ثقافتهم جَهِلوها، فضاع إيمانهم بها، و زَهِدوا فيها، واختلفوا؛ فمِنْ متشاغل عنها بماديات حضارته وكأنها لُغْزٌ يُعَنِّّّّّّّّتُهُ النظرُ فيه، ومن مُدْبِرٍ عنها إلى غيرها من الثقافات وكأنها عارٌ ينبغي أن يتبرأ منه، ومن مُقْبِل عليها بالتحريف وكأنها قَرْزَمَةٌ ينبغي أن يهذبها- حتى إذا ما تَيَسَّرَ لبعضهم أن يستوعبها حتى تملأ عليه أقطارَ نفسه؛ فيؤمن بها حتى يصير هو نفسُه مَظْهَرَ كُنْهِها، ويحرصَ عليها حتى يصيرَ هو نفسُه لسانَ حالها- أقبل يتأتى إلى تعليمها ويغري المثقفين بمراجعتها.
ويبدو لي أنَّ حيواتِ الثقافاتِ الكبيرةَ حيواتٌ مستديرة، تتوالى فيها من قديم إلى حديث، أحوال الوِصال والهِجران، والاستيعاب والجهل، والقوة والضعف؛ فقد ابْتُلِيَتِ الثَّقافةُ العربيةُ الإسلاميةُ في القرن الهجريِّ الرابعَ عَشَرَ الميلاديِّ العشرينَ بطوائفَ من أولئك الجاهلين الشّاكّين الزاهدين، تشاغلوا، وأدبروا، وحرفوا، وتمكنوا، حتى نشأ مصطفى صادق الرافعي، ثم تلميذه محمود محمد شاكر- رحمهما الله!- فلم يكونا إلا مُثَقَّفَيْنِ أوتِيا مِنَ اسْتيعابِ الثَّقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ والإيمانِ بها والحرص عليها، ما أَقْبَلا يتأتيان به إلى تعليمها والإغراء بمراجعتها، حتى استحدثا أساليب أدبية متعددة مختلفة أَثَّرَتْ في المتلقين تأثيرا شديدا.
تمنيت أن أسمعكم أستاذنا- رحمه الله!- ينشد ملحمته "اعصفي يا رياح" ولكنني تكاثرت علي مقاطع من كلامه في كتابه هذا المختار "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" أَبَتْ إلا أن أُطلعكم بها على ستةِ محاورَ تدور عليها إحدى وعشرون ومائة فكرة هي مادة كتابه هذا المختار.
المحـــــور الاول - إذا استفدنا مما استظهره أستاذنا الدكتور سعد مصلوح- حد الثقافة.
المحــــور الثاني ، مراحل الصراع بين المسيحية الأوروبية وبين الإسلام.
والمحـــور الثالث، تقويم الاستشراق.
والمحـــورالرابع، النهضة الإسلامية.
والمحور الخامس، تقويم الحملة الفرنسة وحكم محمد علي في مصر.
والمحور السادس، فساد الحياة الأدبية ومرضها.
وفي المحور الأول برز قوله:" و رأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام، والذي هو فطرة الإنسان، أيَّّّّّّ دين كان- أو ما كان في معنى الدين- وبقدر شمول هذا الدين لجميع ما يَكْبَحُ جُموح النفس الإنسانية ويَحْجِزُها عن أن تَزيغَ عن الفطرة السََّوية العادلة- وبقدر تَغَلْغُلِهِ إلى أغوار النفس تغلغُلًا يجعل صاحبها قادرا على ضبط الأهواء الجائرة ومريدًا لهذا الضبط- بقدر هذا الشمول وهذا التغلغل في بُنيان الإنسان تكون قوة العواصم التي تعصم صاحبها من كل عيب قادح في مسيرة "ما قبل المنهج"، ثم في مسيرة "المنهج" الذي ينشعب من شطره الثاني، وهو شطر التطبيق"( ص31 من كتاب المتنبي).
في المحور الثاني الذي هو مراحل الصراع- برز قوله: " وبغتةً- كما كان اقتحامُ المسلمين قلبَ أوربةَ بغتةً- تَهاوَتِ الحَواجزُ التي كانت تمنع حركة اليقظة والتَّنَبُّّّّّّّّّّّّّّّّّّه في أعقاب الحروب الصليبية لأن تؤتي ثمارها، وخرجت أوربة من أصفاد "القرون الوسطى"، ودخلت بعد جهاد طويل مرير في "القرون الحديثة" كما يُسمّونها. ومع تقوُّض هذه الحواجز ظهرت براعيم الثمار الشهية، وبظهورها غَضَّّة ناضرة، زادت الحماسةُ، وتعالتِ الْهِمَمُ، ومُهِِِِِِِِّّّّدَ الطريقُ الوَعْر، ودَبَّّّتِ النَّّشوةُ في جماهير المجاهدين، وتحددت الأهداف والوسائل، وتَبَيَّن الطريقُ اللّاحِبُ. ومن يومئذٍ بدأ الميزانُ يَشول، فارتفعت إحدى الكِفَّتَيْنِ شيئا ما، وانخفضت الأخرى شيئا ما. ارتفعت كِفَّةُ أوربة بهذه اليقظة الهائلة الشاملة التي أحدثتها الهزائم القديمة والحديثة، وانخفضت كفة المسلمين بهذه الغفلة الهائلة الشاملة التي أحدثها الغرور بالنصر القديم وبالنصر الحديث وفتح القسطنطينية. وكذلك شال الميزان، وكانت فرحةٌ محسوسةٌ في جانب، وكانت غفلةٌ لا تُحَسُّ في جانب . تاريخٌ طويلٌ مضى وغاب، وتاريخٌ طويلٌ سوف يأتي، ثم لا يعلمُ إلا اللهُ متى يكون غيابُه" (ص43من كتاب المتنبي).
" رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " للأستاذ محمود محمد شاكر
ندوة في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
في 23-4-2007م
أعدَّ لها و قدمها الأستاذ الدكتور محمد جمال صقر
و شارك فيها الأساتذة
أ.د. محمود الربيعي أ.د. عبد المنعم تليمة
أ.د. محمد حماسة عبد اللطيف أ . عبد الرحمن شاكر
أ.د. أحمد كشك أ.د. أحمد درويش
أ.د. فهر محمود محمد شاكر
سجلتها وفرغتها وضبطتها
نهاد مجدي
gaheza584@yahoo.com
تمهيدية الماجستير بقسم النحو والصرف والعروض
من كلية دار العلوم ، بجامعة القاهرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
" لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كانَ يَرْجواللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللهَ كَثيرًا (21) وَ لَمّا رَأى الْمُؤْمِنونَ الْأَحْزابَ قالوا هذا ما وَعَدَنا اللهُ وَ رَسولُهُ وَ صَدَقَ اللهُ وَ رَسولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلّا إيمانًا وَّتَسْليمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مََّّنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مََّن يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلوا تَبْديلًا(23) لِّيَجْزيَ اللهُ الصّادِقينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقينَ إِن شاءَ أَوْ يَتوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفورًا رَّحيمًا(24)" (الأحزاب من 21 إلى 24). .
جيء بهذه الآيات لأجل الرجل الذي بدأ رسالته في الطريق إلى ثقافتنا بالحديث الذى رواه أحمد والترمذي بسنديهما عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه!- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه، وسلم!- يقول: " ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلا هَيْبَةُ الناسِ أن يقول بِحَقٍّ إذا عَلِمَهُ". فكان كذلك الأستاذ محمود شاكر في كتابه وفي رسالته إلى أن توفاه ربه . وجزيتم خيرا لحسن الاستماع.
الطالب:أحمد أبو خليل(المقرر التنفيذي لأسرة فرسان النور)
عندما وُكِلَ إليَّ تقديم هذه الندوة- وأنا لست بذلك التوكيل جدير- حِرْتُ فى أمري وأمرها، وما عساني أن أفعل في هذا المقام الصعب وفي هذا المقام المخيف، حيث تَعْصِفُ الرياح وتَبْطُل الأسمار، في حضرة أساتذتي الأجلاء، وأمام كتاب من أعظم الكتب، وبين يدي علامة العصر، فكيف للعبارات المُنَمَّقة و الكلمات المزخرفة أن توفي حق هذا أو ذاك! لا مجال لذلك .
لذا أود فقط و قبل أن أترك المكان لأهله الحقيقيين و ناسِه المَعْنِيين فعلا- أن أبعث بثلاث رسائل :
الرسالةُ الأولى : مِنّا إليكم ، منا نحن طلاب دار العلوم إليكم أنتم أيها الضيوف الكرام رسالة تحية وإجلال واحترام على ما منحتمونا إياه من شرف استضافة هذه الندوة، نقول لكم: لو ضاقت بكم أقطار السماوات والأرض ستجدون دائما دار العلوم ملاذا لكم، منبر يعلو من فوقه صوتكم .
الرسالةُ الثانية: مِنّي إليكم، رسالة شكر وتقدير لكل من لبّى الدعوة، وحضر هذه الندوة، وأيضا تحية خاصة إلى كل من ساهم بجهد أو بمال في سبيل إنجاح هذا العمل وخاصة من زملائي أعضاء أسرة "فرسان النور" التي تشرف بكون أستاذنا الدكتور محمد جمال صقر رائدا لها.
أما الرسالةُ الثالثة: فهي إليكم أيها الأساتذة وأيها الطلاب جميعا، ولكنها ليست مني إنما هي من صاحب هذا المقام، إنها رسالة إصلاح هذه الأمة التي نحن مَعْنِيّون في المقام الأول بثقافتها، فلنستمع إليه يقول، إن هذا الإصلاح الآن موقوف على ظهور الرجل الذي ينبعث من هذا الشعب المسكين الفقير المظلوم يحمل في رجولته سراجا وهاجا مشتعلا من كل نواحيه هو الرجل المصبوب في أجلاده من الثورة والعنف والإحساس بآلام الأمة كلها، وألام الأجيال الصارخة من وراء البنيان الحي المتحرك على هذه الأرض الذي يسمى الإنسان، فلابد أن يكون من بينكم ذاك الرجل، وإلا فلا مفر لكم من أن تُخرجوا منا، من هذا الجيل ذلك الرجل .
أمتع الله بكم، وكان جاركم، وأترك التقديم الآن إلى أستاذي الدكتور محمد جمال صقر، فليتفضل مشكورا.
الأستاذ الدكتور محمد جمال صقر:
أستاذي الجليل الدكتور محمود الرَّبيعيّ، أستاذي الجليل الدكتور عبد المنعم تَلّيمة، أستاذي الجليل الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، أستاذي الجليل الكاتب الأديب الأستاذ عبد الرحمن شاكر، أخي الجليل الكبيرالدكتور فهر.. رائحة الحبائب!، أيها الضيوف الكرام، سلام عليكم، طبتم وطاب مسعاكم إلينا، بسم الله- سبحانه، وتعالى !- وبحمده، وصلاة على رسوله، وسلاما، ورضوانا على صحابته وتابعيهم حتى نلقاهم!
إذا هجر المثقفون ثقافتهم جَهِلوها، فضاع إيمانهم بها، و زَهِدوا فيها، واختلفوا؛ فمِنْ متشاغل عنها بماديات حضارته وكأنها لُغْزٌ يُعَنِّّّّّّّّتُهُ النظرُ فيه، ومن مُدْبِرٍ عنها إلى غيرها من الثقافات وكأنها عارٌ ينبغي أن يتبرأ منه، ومن مُقْبِل عليها بالتحريف وكأنها قَرْزَمَةٌ ينبغي أن يهذبها- حتى إذا ما تَيَسَّرَ لبعضهم أن يستوعبها حتى تملأ عليه أقطارَ نفسه؛ فيؤمن بها حتى يصير هو نفسُه مَظْهَرَ كُنْهِها، ويحرصَ عليها حتى يصيرَ هو نفسُه لسانَ حالها- أقبل يتأتى إلى تعليمها ويغري المثقفين بمراجعتها.
ويبدو لي أنَّ حيواتِ الثقافاتِ الكبيرةَ حيواتٌ مستديرة، تتوالى فيها من قديم إلى حديث، أحوال الوِصال والهِجران، والاستيعاب والجهل، والقوة والضعف؛ فقد ابْتُلِيَتِ الثَّقافةُ العربيةُ الإسلاميةُ في القرن الهجريِّ الرابعَ عَشَرَ الميلاديِّ العشرينَ بطوائفَ من أولئك الجاهلين الشّاكّين الزاهدين، تشاغلوا، وأدبروا، وحرفوا، وتمكنوا، حتى نشأ مصطفى صادق الرافعي، ثم تلميذه محمود محمد شاكر- رحمهما الله!- فلم يكونا إلا مُثَقَّفَيْنِ أوتِيا مِنَ اسْتيعابِ الثَّقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ والإيمانِ بها والحرص عليها، ما أَقْبَلا يتأتيان به إلى تعليمها والإغراء بمراجعتها، حتى استحدثا أساليب أدبية متعددة مختلفة أَثَّرَتْ في المتلقين تأثيرا شديدا.
تمنيت أن أسمعكم أستاذنا- رحمه الله!- ينشد ملحمته "اعصفي يا رياح" ولكنني تكاثرت علي مقاطع من كلامه في كتابه هذا المختار "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" أَبَتْ إلا أن أُطلعكم بها على ستةِ محاورَ تدور عليها إحدى وعشرون ومائة فكرة هي مادة كتابه هذا المختار.
المحـــــور الاول - إذا استفدنا مما استظهره أستاذنا الدكتور سعد مصلوح- حد الثقافة.
المحــــور الثاني ، مراحل الصراع بين المسيحية الأوروبية وبين الإسلام.
والمحـــور الثالث، تقويم الاستشراق.
والمحـــورالرابع، النهضة الإسلامية.
والمحور الخامس، تقويم الحملة الفرنسة وحكم محمد علي في مصر.
والمحور السادس، فساد الحياة الأدبية ومرضها.
وفي المحور الأول برز قوله:" و رأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام، والذي هو فطرة الإنسان، أيَّّّّّّ دين كان- أو ما كان في معنى الدين- وبقدر شمول هذا الدين لجميع ما يَكْبَحُ جُموح النفس الإنسانية ويَحْجِزُها عن أن تَزيغَ عن الفطرة السََّوية العادلة- وبقدر تَغَلْغُلِهِ إلى أغوار النفس تغلغُلًا يجعل صاحبها قادرا على ضبط الأهواء الجائرة ومريدًا لهذا الضبط- بقدر هذا الشمول وهذا التغلغل في بُنيان الإنسان تكون قوة العواصم التي تعصم صاحبها من كل عيب قادح في مسيرة "ما قبل المنهج"، ثم في مسيرة "المنهج" الذي ينشعب من شطره الثاني، وهو شطر التطبيق"( ص31 من كتاب المتنبي).
في المحور الثاني الذي هو مراحل الصراع- برز قوله: " وبغتةً- كما كان اقتحامُ المسلمين قلبَ أوربةَ بغتةً- تَهاوَتِ الحَواجزُ التي كانت تمنع حركة اليقظة والتَّنَبُّّّّّّّّّّّّّّّّّّه في أعقاب الحروب الصليبية لأن تؤتي ثمارها، وخرجت أوربة من أصفاد "القرون الوسطى"، ودخلت بعد جهاد طويل مرير في "القرون الحديثة" كما يُسمّونها. ومع تقوُّض هذه الحواجز ظهرت براعيم الثمار الشهية، وبظهورها غَضَّّة ناضرة، زادت الحماسةُ، وتعالتِ الْهِمَمُ، ومُهِِِِِِِِّّّّدَ الطريقُ الوَعْر، ودَبَّّّتِ النَّّشوةُ في جماهير المجاهدين، وتحددت الأهداف والوسائل، وتَبَيَّن الطريقُ اللّاحِبُ. ومن يومئذٍ بدأ الميزانُ يَشول، فارتفعت إحدى الكِفَّتَيْنِ شيئا ما، وانخفضت الأخرى شيئا ما. ارتفعت كِفَّةُ أوربة بهذه اليقظة الهائلة الشاملة التي أحدثتها الهزائم القديمة والحديثة، وانخفضت كفة المسلمين بهذه الغفلة الهائلة الشاملة التي أحدثها الغرور بالنصر القديم وبالنصر الحديث وفتح القسطنطينية. وكذلك شال الميزان، وكانت فرحةٌ محسوسةٌ في جانب، وكانت غفلةٌ لا تُحَسُّ في جانب . تاريخٌ طويلٌ مضى وغاب، وتاريخٌ طويلٌ سوف يأتي، ثم لا يعلمُ إلا اللهُ متى يكون غيابُه" (ص43من كتاب المتنبي).