المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكانة ثقافتنا= 2


أ.د. محمد جمال صقر
10-31-2012, 07:59 PM
وفي المحور الثالث وهو تقويم الاستشراق- برز قوله: "كان جوهرُ هذه الصورةِ- المبثوثُ تحت المباحث كلِّّّّّّّّها- هو أن هؤلاء العرب المسلمين هم في الأصل قومٌ بُداةٌ جُهّالٌ لا علمَ لهم كانَ، جِياعٌ في صحراءَ مجدبةٍ، جاءهم رجل من أنفسهم فادَّّّّّّعى أنه نبيٌّ مرسلٌ، ولَفَّق لهم دينا من اليهودية والنصرانية، فصدَّقوه بجهلهم واتبعوه، ولم يلبث هؤلاء الجياعُ أن عاثوا بدينهم هذا في الأرض يفتحونها بسيوفهم، حتى كان ما كان، و دان لهم من غَوْغاءِ الأُمم من دان، و قامت لهم في الأرض بعد قليل ثقافةٌ وحضارةٌ جُلُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّها مَسْلوبٌ من ثقافات الأمم السالفة كالفُرس والهند واليونان وغيرهم، حتّى لُغَتُهُمْ كُلُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّها مسلوبةٌ وعالةٌ على العِبْرية والسُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّريانية والآراميَََّّة والفارسيَّة والحَبَشِيَّة. ثم كان من تصاريف الأقدار أن يكون علماء هذه الأمة العربية من غير أبناء العرب - الموالي- وأن هؤلاء هم الذين جعلو لهذه الحضارة الإسلامية كلِّّّّّّها معنًى. هذا هو جوهر الصورة التي بثَّها المستشرقون في كُلِّّّّّّ كُتُبهم عن دين الإسلامِ وعن عُلوم أهل الإسلام وفنونهم وآثارهم وحضارتِهم، وأنّ هذه الحضارة إنّما هي إحدى حضاراتِ" القرون الوسطى" المظلمة التي كان العالم يومئذٍ غارقًا فيها - يعنون عالمَهُم هم - يجري عليها حُكْمُ قُرونهم الوسطى! بَثّوا تلك الصورة في كُلِّّّّّ كُتُبهم بمهارة وحِذْقٍ وخُبْثٍ مُعْرِقٍ، وبأسلوبٍ يُقنِع القارئ الأوربيّ المثقَََََََََََََّف الآن كُلَّّّ الإِقناع، وتنحطُُُُُُُّ في نَظَره حضارة الإِسلام وثقافته انحطاطَ "القرون الوسطى"، ويزداد بذلك زَهْوًا بأنّ أسلافَهُ من اليونان والآريِّّّّّّّين كانو هم رَكائز هذه الحضارة المزيَّفَةِ الملفَّقةِ دينًا ولُغَةً وعلمًا وثقافةً وأدبًا وشعرًا، ويزداد بذلك الأوربيُّّّّّّّّّّّّّّّ- أيًّّّّّّّّّّّّّّا كان- غَطْرسةً وتعاليًا وجَبَرِيَّةً، ولا يَرى في الدُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّنيا شيئًا لهُ قيمةٌ، إلا وهو مستمدٌّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ من أسلافِه اليونان والآريين والهَمَج الهامج!

ومن خِلالِ الصراحَة العارية التي طرحتْ كُلَّّّ حجابٍ، أو الصراحة المتحجِّّّّّّّّّبة بالبراءة وخلوص النيَّّة وحبِّّّّّّّّّّ العلم، أو بالصراحة الحيِيّة التي أمالَها الخَفَر إلى التبرُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّج بحبِّّّّّّّّّ الإنصافِ- استطاع" الاستشراق" أن يجعل هذه الصورة حيّةً متحركة في جميع كتبه ومقالاته ودراساته ومباحثه على اختلافها، حتى الدراسات التي تستعصي على قبول هذه الصورة واضحةً لم تخلُ من غَمْزٍ خَبيءٍ ولَمْزٍ خفيٍّّّّّّّّّّّّّ يستدعي حُضور هذه الصورةِ بطريقةٍ مّا. وكذلك نجح" الاستشراق" في تحقيق هدفه كلََّّّّ النجاح، واستطاعَ أنْ يُدْرِج الإسلامَ وشرائعه وثقافته وحضارته في مُسْتَنقع "القرون الوسطى" الذي طَمَرته "النهضةُ الحديثة" ووَطِئَهُ "عصر الإحياء والتنوير" بأقدامِه وَطْأةَ المُتَثاقل. وبذلك عَصَم العقلَ الأوربيَّّّ المثقَّف من أن يزِلَّ زلَََّةً، فيرى في دين الإسلام أو في ثقافته وحضارته ما يوجبُ انبهارَه كما انبهر أسلافٌ له من قَبْلُ تساقطوا في الإسلام وثقافته وحضارته طواعيةً، ثم صاروا- مع الأسف- من بُناة مجده على مدى اثني عشر قرنا على الأقل. واعلم أني على عَمْدٍ هنا أتناسى عمل" الاستشراق" في السَّطْو على الكنوز المخبوءَة كانتْ في علم دار الإسلام ، ثم ما بذلوه في نقله سِرًّّّّّّّا إلى علمائهم في زمنِ النَّأْنأة وما بعدها ليَبْنوا عليه حضارتهم العظيمة القائمة اليوم بيننا، وكيف أغلقوا الأبواب على ذِكْر ما سَطَوا عليه بالضَّبَّة والمفتاح؛ حتى لا يعلم خَبيئته أحد، حتى ولو كان أوربِّّّّّّّيا قُحًّّّّّّّّّّّّّّّّّّا- وأتناسى على عَمْدٍ منّي أيضًا حديث السفاهةِ والبذاءةِ التي جرت على ألسنة دَهاقينهم من المطاعن في القرآن العظيم، و في رسول الله - صلى الله عليه، وسلم!- وصحابته، إمدادًا لهيئات" التبشير"، للقيام بعملها النبيل في دار الإسلام وفي توابعه التي كانت محجوبة عنهم، ثم انفسح لها الطريق مع الزحف الأكبر"(ص59من كتاب المتنبي).

وفي المحور الرابع النهضة الإسلامية برز قوله: "يومئذٍ كان قد مضى على فتح القسطنطينية قَرْنان، مئتا عامٍ... ويومئذٍ آنَس قلبُ دار الإسلام رِكْزًا خفيًّّّّّّّّا فأرهفَ لهُ سَمْعه. سمع نَقيضَ أركانِ دارِ الخلافة وهي تتقَوَّّّّض؛ فتوجَّس توجُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّسًا غامضًا لشرٍّّّّّّّّّّّّّّّّ مستطير آتٍ لا يدري من أَيْن، فهبَّ من جوف الغَفْوةِ الغامرة أشتاتٌ من رجالٍ أيقظتْهم هَدَّةُ هذا التقوُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّض، فانبعثوا يحاولون إيقاظ الجماهير المستغرقة في غَفْوتها. رجالٌ عظامٌ أحسّوا بالخَطر المُبْهَمِ المُحْدِق بأُمَّّتهم، فهبّوا بلا تَواطُؤٍ بينهم. كانوا رجالًا أيقاظًا مُفَرَّقين في جَنَباتِ أرضٍ متراميةِ الأطراف، متباعدةٌ أوطانُهم، لا يجمعهم إلا هذا الذى توجَّسوه في قرارةِ أنفسهم مبهمًا من خطرٍ مُحْدقٍ. أحسّوا الخطرَ فراموا إصلاح الخَلَل الواقع في حياة دار الإسلام: خَلَلِ"اللُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّغةِ" و"خلَلَ العقيدة" و"خَلَل علوم الدين" و"خَلل علوم الحضارة" . وبأناةٍ وصَبْر عَمِلوا وأَلَّفوا وعَلَّموا تلاميذهم، وبهمةٍ وجدٍّّّّّّّّ أرادوا أنْ يُدْخِوا الأمَّة في" عصر النهضة"، نهضةِ دار الإسلام من الوَسَنِ والنومِ الجهالةِ والغفلة عن إرث أسلافهم العِظام. من هؤلاء خمسةٌ من الأعلامِ أذكرهُم لكَ هنا مجرَّد ذِكْرٍ باختصار :
• البغدادي، صاحب" خزانة الأدب" المتوفى سنة ثلاث وثمانين وستمائة وألف.
• الجَبَرْتي، الكبير المتوفى سنة أربع و سبعين وسبعمائة وألف في مصر.
• ابن عبد الوهاب، المتوفى سنة اثنين و تسعين و سبعمائة و ألف في جزيرة العرب.
• المُرْتَضى الزَّبيديّ، صاحب" تاج العروس" المتوفى سنة تسعين وسبعمائة وألف في الهند.
• الشَّّّوْكاني، اليمني المتوفى سنة أربع وثلاثين وثمانمائة وألف.

وإذا أنعمت النظر في هذه التواريخ علمت أنَّ "عصر النهضة" عندنا واقعٌ بين منتصف القرن الحادي عشر الهجري إلى منتصف القرن الثاني عشر، و يقابله منتصف القرن السابع عشر الميلادي إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، تذكَّّّّّّّرْ هذا ولا تنسَهُ أبدًا ؛ فهو الذى يكشف لك اللِّّّّّّّّثامَ عن التغريرِ الفاضح الذي طفَحتْ به حياتُنا الأدبيةُ الفاسدةُ المهلكةُ(ص81من كتاب المتنبي).

وفي المحور الخامس تقويم الحملة الفرنسية وحكم محمد علي في مصر- برز قوله: "وقيّض الله لفرنسا قائدًا أوربيًّّّّّّّّّّّّّا محنّكا مظفَّّّّرًا شديد البأس، خوّاضًا لغمراتِ الموتِ، ضَرَّسته الحروبُ في أوربة حتى صار اسمُه مثيرًا للرُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّعب في القلوبِ بأنه قائدٌ لا يُقْهر، هو الصليبيُّّّّّّّّّّّّّّّّّّ المكيافِلّيُّّّّّّّّّّّّّّّّّّ المغامر المفتون الفاجر: "نابليون" المتوفى سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف للهجرة، فلمّا فرغ من حروبه في أوربَّّّّّّّّّّّّّّّّة منصورًا نصرًا مؤزّرًا، أصاخ سمعَهُ لنذير"الاستشراق"، ولنُصْحه وإرشاده، فقدَّّّّرَ أنّ الحين قد حانَ ليكونَ أوّلَ قائدٍ أوربيٍّّّّّّّّّّّّّ استطاعَ بقوَّّّته التي لا تُقْهر، أن يَخْترق قلبَ دار الإسلامِ من الشمال، وأنْ يُداهم "اليَقَظَة" التي أرَّّّقَت مَنام" الاستشراق"، وأن يبطشَ بها في عُقْر دارها بَطْشة جبّارٍ عاتٍ لا يُبْقي على شيءٍ، وفوق ذلك كُلِّّّّّّّّّه: أن يرُدّ لفرنسا هيبتَها التي ضاعت يوم طردتها بريطانيا طردًا مخزيًا من دار الإسلام في الهند القصيَّّّّّة البعيدة، وبذلك تنفردُ فرنسا وحدها بالمجدِ السنيِّّّّّّّّ كُلِّّّّّّّّه ، وتكلِّّّّّّّّّّّّّّّّّّلها المسحية الشمالية عندَئذ بأكاليل الغار (ص89من كتاب المتنبي).

ولما فرغ "محمد علي" من تحطيم "اليقظة" التي كانت في جزيرة العرب- سنة تسع عشر وثمانمائة وألف الميلادية- وعلا بذلك شأنُه، وأرسى قواعد ملكه في الديار المصرية- كان في فرنسا رجُل كبيرٌ ممَّّّّّن شاركوا في الحملة الفرنسية، كان مهندسًا بارعًا، وكانت له منزلة كبيرة عند "نابليون" والمستشرق "فانتور" خليلِ نابليون ونَجِيِّّّّّّّّّّّه، وانتُخِب بعد عودته إلى فرنسا عضوا بالمجمع العلمي الفرنسيّ، وكان شديد الاهتمام بكل ما يخصُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ مصر، هو المسيو جومار المتوفى سنة اثنين وستين وثمانمائة وألف للميلاد. فلما رأى نجاح "القناصل" في إغراء "محمد علي" بإرسال البعثات إلى أوربة ما بين سنة إحدى عشر وثمانمائة وألف إلى سنة تسع عشرة وثمانمائة وألف للميلاد- أسرع جومار يحثُّّّّّّّّّّّّّّّّّ "الاستشراق" الفرنسيّ وقناصله في مصر، على إغراء محمد علي بإرسال بعثات كبيرة إلى فرنسا، ليجعلها تحت إشرافه، ولينفِّّّّّّّّّّّّّّّذ مشروع "نابيلون" الذي بيَّّّّّّّّّّّّنه لخليفته "كليبر" في رِسالته إليه. (ص140من كتاب المتنبي).

وفي المحور الأخير فساد الحياة الأوربية ومرضها- برز قوله- وهذا مهم جدا-:"باطل كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه ثقافة يمكن أن ثقافة عالمية أي ثقافة واحدة يمتزج فيها البشر جميعا، و يمتزجون على اختلاف لغاتهم و مللهم ونحلهم وأجناسهم و أوطانهم، هذا تدليس كبير،و إنما يُظن بشيوع هذه المقولة بين الناس و الأمم، هدف آخر يتعلق بفرض أمة غالبة على أمة مغلوبة؛لتبقى تبعا لها، فالثقافات متعددة بتعدد الملل،و متميزة بتميز الملل،و لكل ثقافة أسلوب في التفكير و النظر و الاستدلال منتزع من الدين الذي تدين به لا محالة، فالثقافات المتباينة تتحاور و تتناور و تتناقش و لكن لا تتداخل تداخلا يفضي إلى الامتزاج البتة، ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئا إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير و النظر و الاستدلال،فإن استجاب لأسلوبها أخذته و عدلته و خلصته من شوائبه، و إن استعصى نبذته و اطرحته، و هذا باب واسع جدا ليس هذا مكان بيانه،و لكني لا أفارقه حتى أنبهك لشيء مهم جدا هو أن تفصل فصلا حاسما بين ما يسمى الآن ثقافة وما يسمى علما- أعني العلوم البحتة- لأن لكل منها طبيعة مباينة للآخر؛فالثقافة مقصورة على أمة واحدة تدين بدين واحد و العلم مشاع بين خلق الله جميعا يشتركون فيه اشتراكا واحدا مهما اختلفت الأديان والعقائد"
أحسب- رحم الله من قرأت كلامه!- أني قرأت الكتاب كله- إلى حد ما- وعرضت ما يكفي لإثارة أساتذتنا إلى التعليق، والاستطراد، والاستنباط ، ومن هؤلاء الذين أمامكم وأنتم بين أيديهم تنتظرون أن تنهلوا؟