أ.د. محمد جمال صقر
10-31-2012, 08:01 PM
أستاذنا الدكتور محمود الربيعي صديق و تلميذ كبير لأستاذنا محمود محمد شاكر، والدكتورعبد المنعم تليمة صديق وتلميذ كبير، وأستاذنا الدكتور محمد حماسة منذ كان صغيرا في الثانوية أو في الإعدادية له علاقة وله إحساس وطلب وطرب خاص بهذه المدرسة، والأستاذ عبد الرحمن شاكر الصحفي الأديب من عجائب هذه المدرسة، ويشرفنا حضوره، وأخونا العزيز الدكتور فهر رائحة هذا الحبيب وأستاذ بكلية الآداب بالقسم الذي كان فيه أستاذنا محمود محمد شاكر صغيرا وتركه،لأمر ما تركه، ولأمر ما جعل ابنه في هذه الكلية حتى صار من أساتذتها . هؤلاء صفوة من صفوة هذه المدرسة، كلنا آذان مُصْغِيَةٌ مُتَشَوِّّّّّّّّّقَةٌ لسماع تعليقاتهم، واستطراداتهم، واقتباساتهم، وتنبيهاتهم .
أستاذنا الدكتور محمود الربيعي، تفضل، لك كل الشكر، نحن نتمنى أن تكلمنا في هذا بما شئت من تعليقات واستنباطات واستطرادات تضيء لنا هذه الجوانب التي أثرتها بسماع نصوص، لم أستنبط منها، ولم أعلق عليها، تفضل.
الأستاذ الدكتور محمود الربيعي:
بسم الله الرحمن الرحيم، يرحم الله الأستاذ محمود محمد شاكر عاش عزيزا، ورام أمرا عظيما!
أبدأ، فأوجه تحية إلى السيدة الكريمة العظيمة "أم فهر" التي أعتبر وجودها بيننا اليوم شرفا عظيما لهذه الجلسة ، ولدار العلوم، وللجو الحميم الذي عشنا فيه نحن تلامذة الأستاذ ومحبّيه أجمل الأوقات في ظل كرمها السابغ الذي يشهد به كل من خطا بقدمه داخل هذا البيت الكريم.
وأشعر بالحرج الشديد؛ لأن الأخ العزيز الدكتور محمد صقر قدَّّّّّّّمني على الصديقين العزيزين الدكتور تليمة والأستاذ عبد الرحمن شاكر، فوضعني موضع الضيف، وكنت أحب أن أشعر أنني كلما دخلت دار العلوم دخلت بيتي، والإنسان لا يُقَدَّّمُ أولا في بيته. أما وقد أرادها كذلك، فأستميح أخوي الكريمين عذرا، وأعد بألا أطيل حتى أترك لهما المنبر فسيحا وطويلا إن شاء الله!
وإذا كان الكتاب دائما يعرَف من العنوان، وكان للعنوان فى مناهج الدرس الحديث مكان معتمد فإنني أدخل من العنوان، وأراها تلك الكلمات كلمات متلألئة توزن بالذهب، وليست مجرد عنوان يتوسل به إلى ما بين دفتي الكتاب. وأول ما في هذه الكلمات كلمة (رسالة) وهي تضعنا على الفور في هذا الجو المقدس، وكل أنبياء الله وكل الرسل إنما هم أصحاب هذه الكلمة (رسالة)، وما توحيه من أن الرسول أمين ومؤتَمَن، وله في هذه الحياة هدف يتجاوز شخصه ويتجاوز فكره إلى الآخرين فما في أيدينا رسالة، ليست بحثا، ليست كتابا، ليست صفحات تقدم إنما هي رسالة وعلى كل من يتقبلها أن يتقبلها بهذه الروح. ورسالات السماوات جاءت دائما على هذا النمط ، وعلى هذا النسق، أنها رسالة وأن الذين يحملونها رسل، وكانت هذه الكلمة موجودة في اللغة العربية قبل أن تصبح كلمة اصطلاحية بزمن طويل.
ثم إنها رسالة (في الطريق)، والطريق دائما هو طريق إما الهداية أو الضلال، نحن دائما على طريق، ومن لم يسعده الحظ بأنه على طريق فإنما يعيش حياته هائما كالأنعام السائمة.
والطريق دائما هو طريق العارفين، والمعرفة هي أول ما يُطلب من صاحب الرسالة وصاحب العقيدة ، فهذه رسالة، وهذه في الطريق، وهذه في الطريق الموجَّّّه إلى المعرفة، إلي ثقافتنا، والتثقيف كلمة شريفة عزيزة عُنِيَ بها الأستاذ شاكر في حياته عناية كبرى، ومحَّّصها، وعاد إليها فكأنه بالفعل يقدم ثقافة. ونحن نعلم أنه حين نسج هذه الملحمة العظيمة على قصيدة "الشماخ"- إنما كانت قوس "الشماخ" قطعة من الطبيعة جَلاها وثقَّفها، فكأن الثقافة في الشعر، في المعرفة، وفي العلم، وفي الشريعة، معنًى لم يفارق الأستاذ لحظة واحدة في حياته، فنحن نجدها في نهاية الأمر متلألئة مضافة إلى ضمير الجماعة، هذه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، نحن أمة، نحن جماعة، نحن نستمع ككتلة عظيمة واعية طموحة عطشى إلى المعرفة، وإلى الثقافة.
فهذه هي المعاني التي تحملها كلمات العنوان- لي على الأقل- كلما عُدْتُ إليها أتأملها في ضوء ما عرفته من الحُمَيّا العظيمة التي عاش بها الأستاذ، ولها، يتأمل أحوال هذه الأمة المعرفية، ويقلبها، ويتحمس لها، ويعاني من أجلها، ويفتح بيته لطالب المعرفة، ويزيدهم بها علما... وهكذا كانت حياته ملخصة وجامعة لهذه الكلمات الخمسة الموحية (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا). ما هذا الجو شبه الصوفي الذي يضعنا فيه هذا العنوان!
هذه هي النقطة الأولى أو المقدمة الأولى التي أريد أن أتقدم بها إليكم. وقد أحسن الدكتور صقر صُنعا إذ قدم لنا محاور الرسالة؛ فوفَّّّرعليَّّ أن أتحدث إليكم فى فحوى الرسالة، إنما أتحدث في طريقة إيصال هذا الفحوى إلى القارئ، وكيف استوت نفقا جميلا حتى أصبحت هذا الفكر الجميل. هذه المحاور وهذه المعانى التي لخصها الدكتور صقر من الممكن أن نجدها في كتب كثيرة بأقلام كثيرين، ونتعلم منها، ونستفيد، ولكنها إذ طُرحت في هذه الرسالة طُرحت على نحو يجعلها شبيهة بالدنيا، يجعلها شبيهة بالعمل الفني المعماري الجميل، كيف تبدأ، وكيف تتطورالأفكار، روكيف تتفرع، وكيف تنمو، وكيف تصل إلى مداها في جو عربي أصيل سدًى ولحمةً، بلاغةً ومعرفةً- حتي تَصيرَ طريقةُ الكتابة أمرا مقصودا لذاته لا يمكن أن يتكرر مهما وضعنا هذه المحاور على أي لسان آخر، ومن أي ذهن آخر، وفي أية مناسبة أخرى، سنجد أن الأسلوب الفريد للأستاذ محمود شاكر- رحمه الله!- يتلألأ في السطور، وما بين السطور وكأنها ملحمة فيها الكر والفر، وفيها البرهنة والاسشهاد، وفيها المرجعية، وفيها المناقشة، وفيها الثوابت، و فيها المتغيِّرات، وفيها النفس الطويل المُرْخَم المريح الجميل الذي يَحْسَبُهًُ الْجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما استطرادا، وفيها هذه الفروسية التي نفتقدها الآن، وفيها هذه المائية التي لا تتوفر لكثير من الكُتّاب، إننا نعاني من اليبوسة و الجفاف، والكساد، وفقدان الروح، وفقدان رحمة القلب في الكتابة، وفقدان النَّّّفَس الرحيم، وفقدان العقل المتفتق... وكل هذه أشياء نستشعرها في كل كلمة وكل فكرة نجد البلاغة العربية التي تعيد لنا أساليب الأقدمين دون أن تفرغها، ونجد النبرات، ونجد المعنى الكائن في الفاصلة وفي علامة الاستفهام، وفي القوسين، وفي التشبيه الجميل، وفي الإشارات والمَرْجِعِيّات الحيَّّّّّّة. كل هذا يشكل سدى ولحمة (رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا)، حتى إننا لنخرج في نهاية المطاف ونحن حيارى: هذا الكلام الذي قد نكون قد قرأناه كحقائق مسلَّمٍ بها قبل ذلك، كيف أنه يَرِدُ إلينا على نحو جديد رشيد كأننا لم نسمع به من قبل، لا يوجد في هذا الكتاب شيء إلا وهو مُوَثَّّّّقٌ، تاريخٌ مسلَّّّمٌ به، لكن انظر كيف وضعه الأستاذ في هذا الإطار المعرفي النابض بالحيوية فكأنك تقرأ قصيدة جميلة، كأننا نقرأ ملحمة جميلة ، كأننا نعيش مرة أخرى في ضوء (القوس العذراء) أو في ضوء (برنامج طبقات فحول الشعراء) أو في ضوء (المتنبي)، يتجلى الأستاذ واحدة واحدة، فكره واحد، وروحه واحدة، ولسانه واحد، لم تبدِّّّ له الأيام ولا الليالى ولا المحن.
لا يُغَيِّّّّّّّّّرُهُ صَباحٌ عَنِ الْخُلُقِ الْجَميلِ وَلا مَساء!
هل تحققت نبوءة الأستاذ؟
الذي يطالع الصحف اليومية ولا يُقِرُّّّّّّّّّّّّّّّّّّ بأن نبوءة الأستاذ قد تحققت وبحذافيرها إنما يتنكر لعينيه وأذنيه، ما هذا الذى نعانيه من أمور الهيمنة بقوة السلاح وبفقدان العمق تحت مسميات تفرض علينا دون أن نشارك فيها بأدنى قدر من الاشتراك، ومع ذلك نجد من أبناء جلدتنا من يُزيِّّّّّّّّّّّّن لنا هذا المستقبل ويغرينا بأن علينا أن نعيشه، ونحن لا نعلم من أين أتى، من الذي فرضه علينا،و قال لنا إن هذا هو شكل الحياة المستقبلة ونحن لم نشارك فيه بحرف واحد، والذنب ليس دائما ذنب الآخر، الآخر يريد مصلحته وأنا على استعداد لِتَقَبُّّّّّّّّّّّّّّّّّلِ وجهة نظره في أنه يريد أن يسود، سواء أكانت هذه السيادة مشروعة أو غير مشروعة، الآخر يريد أن يسود، لا تلمه، ولكن انظر إلى حالنا نحن! هذا الذي بثه الأستاذ شاكر في الرسالة بثا مُرًّّّّّّّّّّّّّّّّا أليما واضحا جميلا. هل يعذر الناس في تقبل الهزيمة نفسيا وروحيا وفكريا وماديا، ويلقون بالعبء على الآخر؟ هذا أعجب ما في الرسالة، وأوضح ما في الرسالة، وأنا أعتقد أنها غضب على النفس يتزيى في بعض الأحيان بزي الغضب على الآخر. وقد تلبثني هذا في حياتي لدرجة أنني دائما أقول لطلابي ممن يغضبون على أساتذتهم أقول: نعم نعم، أنا ما جئت إلا لأُجَهِّل الناس وأعذب الطلاب، ما الذي فعله الطلاب ليقاوموني، ويعلموا أنفسهم؟ لقد استجابوا لضغوطي، وأوصلوني إلى تجهيلهم.
وإذن فأين يَكْمُن الذنب! قس الأمر على الشعوب وقد تسلَّحت أوربة وبيتتْ بليل وعلى مدى طويل، وجاءت بشيء ظاهره الرحمة أو الخداع، وباطنه المصلحة الخاصة. ما الذى فعلناه نحن لنقاوم- وأول سلاح المقاومة هو المعرفة- ما الذي فعلناه؟ دمَّرنا خيوط المعرفة، ووقفنا نلوم الآخر.
وأشهد أن هذه نبرة ترتفع باستمرار، ويقال لنا إن الفساد موجود في كل مكان وليس ببعيد ما قيل لنا من أن الحرب على اللغة العربية حرب خارجية ، وحرب داخلية، وحرب صحفية، وحرب صليبية، وحرب ...، وحرب ... كل هذا قد يكون صحيحا، ولكن ما الذى فعلناه نحن لنقاوم هذه الحرب الشرسة لخدمة اللغة العربية، لا شيء، وكل واحد منا يحاول أن ينجو من السفينة الغارقة و يُنْجي أولاده ويعلمهم تعليم أجنبي وما أبرئ نفسي، لكأن الأستاذ شاكر يتحدث اليوم!
هل ما نشهده صراع ثقافات أو حوار ثقافات ؟
أظن أن هذا الموضوع ينشأ بشكل طبيعي من (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، أن تحاور لا بد أن يتوفر لك الاستواء في المكانة وفي المنبر، المحاورة لا تكون إلا بين نِدَّّين، مرحبا بالمحاورة، إن الثقافة العربية ثقافة متينة مبنية بناء متينا- ودعك مما فعله بها أبناؤها في العصر الحديث- وهي جديرة بأن تُحاوَر، فأنا لا أجد أبدا أي غضاضة أن أناقش، وأن أتحدث، وأن أشارك، وأن أتعاون، تحت مسمّى حوار الثقافات، لكن حوار الثقافات ما هو إلا شعار مرفوع، والحقيقة أن الموجود هو صراع الثقافات، وأكثر من هذا، المفروض هيمنة الثقافة الواحدة على بقية الثقافات، إن لم تكن بتسريب ما يسمى بالمنهج- كما أشار الأستاذ- وجهود المستشرقين - فإنها بالحديد والنار، وليهلِك إذن مَن هلَك عن بيِّّّّّّّّّّّّنة، ويحيا من حَيَّّ عن بينة، والرحمة والغفران لمحمود شاكر!
الأستاذ الدكتورمحمد جمال صقر:
كذلك يا أستاذنا، كلامك هذا ينبغي أن يُكتَب بالتبر لا بالحبر،هذا كلام مهم جدا من أهم ما سمعناه لأستاذنا، هذه مصارحات تأتي في وقتها، عسى أن ننتفع كما قال الأستاذ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
فَإِنْ كُنْتُ مَأْكولًا...!
وأُحب أن أستمع كذلك إلى شهادة أستاذنا الدكتورعبد المنعم تليمة، واستنباطاته وتعليقاته، وهو مَنْ هو، وعلاقته معلومة، وخبرته مطلوبة، ونحن جميعا الآن في حضرته نتمنى أن نصغي إليه، تفضل يادكتور.
الأستاذ الدكتورعبد المنعم تليمة:
الأخوات والإخوة، كان شيخنا محمود شاكر إماما من أئمة هذه الأمة في عصرها الحديث، و كان رائدا مكاسرا من رواد نهضتها الراهنة المتعثرة.
شكرا للدكتور صقر الذي وقع بالفعل على المحاور الأساسية في هذه الرسالة الخالدة الباقية التي نشرها الأستاذ في كُتيِّّّّّّّّّّّّّب منذ سنوات طويلة، ثم أضاف إليها إضافات مضبوطة ووضعها في صدر هذه الطبعة من كتاب (المتنبي) فيما يقرب من مائة وخمسين صفحة، وهذا عمل قائم بنفسه، الرسالة عمل قائم بنفسه.
وسبقنا الأستاذ الجليل الدكتور الربيعي لشكر الأستاذة الكريمة أم فهر على وجودها بيننا، وأُضيف إلى شكره شكرا خاصا للزميلتين الكريمتين الأستاذه الدكتورة "زينب صالح" أستاذ علم اللغة، والأستاذة الدكتورة "ثريا الحسيني" أستاذ علم النقد الأدبي، وبعد،
فسأقف عند ثلاثة أمور أساسية يقرب منها الراصد والقارئ المدقق والمحقق لهذه الرسالة:
الأمر الأول، مفهوم التراث.. مفهوم الثقافة، لو سألنا واحدا من الجيل المبكر، الجيل الأول للنهضة العربية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين- ما التراث يا أستاذنا؟ لَرَدَّّّّّّ علينا بأن التراث هو التراث الديني، تراثنا الفقهي الشرعي وتفاسير القرآن الكريم وعلوم الحديث... وما إلي ذلك، و لو رُحنا إلى جيل تلا مباشرة، وسألنا واحدا من جيل العقاد وطه حسين والحكيم... ومن إليهم من هذا الجيل التالي: ما التراث يا أستاذنا؟ لَثَبَّّتَ عيناه على التراث الأدبي، ووقف طويلا عند أصحاب المعلقات ما قبل الإسلام، ثم الثلاثة الكبار في القرن الأول الهجري الأخطل وجرير والفرزدق، ثم الثلاثة الكبار في القرن الثالث الهجري البحتري وأبو تمام وابن الرومي، ثم وقف في القرن الرابع عند المتنبي وحده، وفي القرن الخامس عند أبي العلاء وحده، وعرف عباس العقاد بابن الرومي، وعرف المازني ببشار... وهكذا. ولو سألنا جيلا ثالثا: ما التراث؟ لثبت عيناه على التراث الفلسفي ، نسأل زكي نجيب محمود: ما التراث يا أستاذنا؟ فيقول: فلاسفة الإسلام ، الكندي والفارابي والغزالي وابن سينا وابن رشد.
ولو سألنا شيخنا الراحل الجليل محمود شاكر: ما التراث يامولانا؟ لوجدنا أنه يَضُمُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ العناصر الثلاثة التي سبقت، ثم يضم إليها بدائع العلماء العرب في علوم الجبر والهندسة والطبيعة... إلى آخره. تفتحت عينا شيخنا الراحل على التراث بمفهوم يشمل كل ما سقط إلينا وفي واعيتنا وحافظتنا من الإبداع العربي، وهو عندما يقول ننتحدث عن ثقافتنا فإنها بهذاالمفهوم الكبير، هذا الأمر الأول أو الخلاصة الأولى.
الخلاصة الثانية عن ثقافتنا الجديدة في العصر الحديث، الثقافة العربية في العصر الحديث في عصر ما نسميه النهضة، القرنين التاسع عشر والعشرين، القرنين الماضيين هو رائد من روادها، والرائد لا يكذب أهله، النهضة لديه القديم متجددا، فلا نقف عند القديم إلا بموقف نقدي تقويمي، فهو لا يسلم بالقديم دون إعمال العقل في هذا القديم ، ولا يسلم بالقديم تسليما نقليا ، وإنما يعمل موازاة رشيدة بين النقل والعقل. فماذا عن ثقافتنا الحالية؟ يقول: لا تثريب على أحد أن يتصل بأي ثقافة أو نهضة ، ولكن إذا كانت النهضة هي التجديد فإن النهضة في نفس الوقت هي اليقظة ، وَلْيَكُنِ الناهض يَقِظًا في ما تصنعه دوائر سياسية طامعة، ولديها إرادة الهيمنة والمحاصرة والمصادرة ، فلتكن النهضة يقظة أي أن تأخذ وتعطي ، أن تحمي وتصون في نقس الوقت و كنا نجلس في مجلسه فيقول:نعم،تفضل،لا مانع أبدا أن تقول أنا و الآخر مقولة فاسدة، لماذا؟ لأن من دواعي الأشياء أن أكون في الآخر و الآخر فيَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ،و أن أكون مع الآخر والآخر معي،لكن كما يقول شعبنا ببساطة في العامية" حَرَّص منه ولا تخونش".
ماذا يقول عن الموقف التاريخي اليوم؟ يقال في علم البديع الموقف اليوم يعني الموقف التاريخي، الذي يرصد ويؤرخ يجد أن العسكريين العرب في العصر الحديث عجزوا عن تحقيق نصر ملموس، يجد أن الاقتصاديين العرب عجزوا عن إقامة السوق العربية المشتركة، يجد أن الساسة عجزوا عن إقامة الوحدة، لكنّ المثقفين من بين هذه الطوائف الطبيعية للأمة لم يعجزوا، وإنما تعثروا، وعُوِقّوا، الكادرالثقافي موجود، الأعضاء موجودة لكنها مشلولة مقيَّدة ومحاصرة، احتكرت الحكومات إدارة الكادر الثقافي،والثقافة لا تنتجها أجهزة الثقافة وإنما ينتجها المثقفون، والكتابة لا تنتجها المكاتب وإنما ينتجها الكتّاب، فأين هؤلاء المثقفون والكتاب ، إنهم محاصَرون، معوَّّقون، مصادَرون، ومَصارِعُ الطَّلائعِ العربيةِ في العصر الحديث في جملتها و في أغلبيتها من المثقفين، نادرا نجد خارج الدائرة الثقافية من أُعْدِمَ، أو فُصِلَ من عمله، أو هُجِّّّّّّّّّّّر، أو نُفي... إلى آخره ، كل هذه المصائب في ساحة الثقافة، هي بالفعل العين التي تكشف، وهي العقل الذي يقوِّّّّّّّّّّم، وهي اليد التي تبطش.
وسأذكر لكم بسرعة موجزا، منذ ثلاثين عام، بالتحديد سنة 76 تَنادى المثقفون المصريون إلى تأسيس أول اتحاد للكتاب في مصر، و أجريت الاننتخابات في يناير سنة 76 ، دخلت إلى مقر لجان الانتخاب ، ولمحت في زاوية من الحديقة خمسة من روادنا الكبار: الشيخ محمود شاكر ويحيى حقي ونجيب محفوظ وحسين فوزي وتوفيق الحكيم ، تجرأت على أن أذهب إليهم ، وأحييهم ، فناداني الشيخ شاكر، قال: جئت لأنتخبك. فقلت: يا أستاذ! أنا لا أصدق، قال لي: الخلاف الفكري معك واسع جدا وشاسع، لكننا بصدد تأسيس نقابة لكل الكتّاب المصريين والمثقفين المصريين، للجميع بجميع أفكارهم وبكل تياراتهم ، وبكل مدارسهم ، هذا الأمر الجلل فيه شرطان يتفقان فيك أنت شاب نشط و هذا العمل يحتاج إلى نشط ، ثم الأمر الثاني أنك فعلا بيننا ترفع راية - وبصدق- الراية التوحيدية أو العمل مع الآخر مهما تكن الخلافات شاسعة بيننا، ولذلك أنا تحدثت مع توفيق بك ويحيى بك ونجيب بك أن نأتي حريصين على انتخابات أول مجلس لأول اتحاد للكتاب المصريين يكون اتحادا اتحاديا محاورا شابا يقظا مدافعا. فكان شيخنا مع العمل المحاور، العمل العقلي وضد احتكار السلطات بشأن الثقافة، لأن الثقافة للمثقفين والكتاب للكتاب وليس للأجهزة.
رحم الله شيخنا الجليل، علمنا الكثير ومضينا على دربه، ونرجو للجميع من الأجيال الجديدة أن تلمح ما هو مضيء في تراثنا الجديد والقديم. شكرا.
أستاذنا الدكتور محمود الربيعي، تفضل، لك كل الشكر، نحن نتمنى أن تكلمنا في هذا بما شئت من تعليقات واستنباطات واستطرادات تضيء لنا هذه الجوانب التي أثرتها بسماع نصوص، لم أستنبط منها، ولم أعلق عليها، تفضل.
الأستاذ الدكتور محمود الربيعي:
بسم الله الرحمن الرحيم، يرحم الله الأستاذ محمود محمد شاكر عاش عزيزا، ورام أمرا عظيما!
أبدأ، فأوجه تحية إلى السيدة الكريمة العظيمة "أم فهر" التي أعتبر وجودها بيننا اليوم شرفا عظيما لهذه الجلسة ، ولدار العلوم، وللجو الحميم الذي عشنا فيه نحن تلامذة الأستاذ ومحبّيه أجمل الأوقات في ظل كرمها السابغ الذي يشهد به كل من خطا بقدمه داخل هذا البيت الكريم.
وأشعر بالحرج الشديد؛ لأن الأخ العزيز الدكتور محمد صقر قدَّّّّّّّمني على الصديقين العزيزين الدكتور تليمة والأستاذ عبد الرحمن شاكر، فوضعني موضع الضيف، وكنت أحب أن أشعر أنني كلما دخلت دار العلوم دخلت بيتي، والإنسان لا يُقَدَّّمُ أولا في بيته. أما وقد أرادها كذلك، فأستميح أخوي الكريمين عذرا، وأعد بألا أطيل حتى أترك لهما المنبر فسيحا وطويلا إن شاء الله!
وإذا كان الكتاب دائما يعرَف من العنوان، وكان للعنوان فى مناهج الدرس الحديث مكان معتمد فإنني أدخل من العنوان، وأراها تلك الكلمات كلمات متلألئة توزن بالذهب، وليست مجرد عنوان يتوسل به إلى ما بين دفتي الكتاب. وأول ما في هذه الكلمات كلمة (رسالة) وهي تضعنا على الفور في هذا الجو المقدس، وكل أنبياء الله وكل الرسل إنما هم أصحاب هذه الكلمة (رسالة)، وما توحيه من أن الرسول أمين ومؤتَمَن، وله في هذه الحياة هدف يتجاوز شخصه ويتجاوز فكره إلى الآخرين فما في أيدينا رسالة، ليست بحثا، ليست كتابا، ليست صفحات تقدم إنما هي رسالة وعلى كل من يتقبلها أن يتقبلها بهذه الروح. ورسالات السماوات جاءت دائما على هذا النمط ، وعلى هذا النسق، أنها رسالة وأن الذين يحملونها رسل، وكانت هذه الكلمة موجودة في اللغة العربية قبل أن تصبح كلمة اصطلاحية بزمن طويل.
ثم إنها رسالة (في الطريق)، والطريق دائما هو طريق إما الهداية أو الضلال، نحن دائما على طريق، ومن لم يسعده الحظ بأنه على طريق فإنما يعيش حياته هائما كالأنعام السائمة.
والطريق دائما هو طريق العارفين، والمعرفة هي أول ما يُطلب من صاحب الرسالة وصاحب العقيدة ، فهذه رسالة، وهذه في الطريق، وهذه في الطريق الموجَّّّه إلى المعرفة، إلي ثقافتنا، والتثقيف كلمة شريفة عزيزة عُنِيَ بها الأستاذ شاكر في حياته عناية كبرى، ومحَّّصها، وعاد إليها فكأنه بالفعل يقدم ثقافة. ونحن نعلم أنه حين نسج هذه الملحمة العظيمة على قصيدة "الشماخ"- إنما كانت قوس "الشماخ" قطعة من الطبيعة جَلاها وثقَّفها، فكأن الثقافة في الشعر، في المعرفة، وفي العلم، وفي الشريعة، معنًى لم يفارق الأستاذ لحظة واحدة في حياته، فنحن نجدها في نهاية الأمر متلألئة مضافة إلى ضمير الجماعة، هذه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، نحن أمة، نحن جماعة، نحن نستمع ككتلة عظيمة واعية طموحة عطشى إلى المعرفة، وإلى الثقافة.
فهذه هي المعاني التي تحملها كلمات العنوان- لي على الأقل- كلما عُدْتُ إليها أتأملها في ضوء ما عرفته من الحُمَيّا العظيمة التي عاش بها الأستاذ، ولها، يتأمل أحوال هذه الأمة المعرفية، ويقلبها، ويتحمس لها، ويعاني من أجلها، ويفتح بيته لطالب المعرفة، ويزيدهم بها علما... وهكذا كانت حياته ملخصة وجامعة لهذه الكلمات الخمسة الموحية (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا). ما هذا الجو شبه الصوفي الذي يضعنا فيه هذا العنوان!
هذه هي النقطة الأولى أو المقدمة الأولى التي أريد أن أتقدم بها إليكم. وقد أحسن الدكتور صقر صُنعا إذ قدم لنا محاور الرسالة؛ فوفَّّّرعليَّّ أن أتحدث إليكم فى فحوى الرسالة، إنما أتحدث في طريقة إيصال هذا الفحوى إلى القارئ، وكيف استوت نفقا جميلا حتى أصبحت هذا الفكر الجميل. هذه المحاور وهذه المعانى التي لخصها الدكتور صقر من الممكن أن نجدها في كتب كثيرة بأقلام كثيرين، ونتعلم منها، ونستفيد، ولكنها إذ طُرحت في هذه الرسالة طُرحت على نحو يجعلها شبيهة بالدنيا، يجعلها شبيهة بالعمل الفني المعماري الجميل، كيف تبدأ، وكيف تتطورالأفكار، روكيف تتفرع، وكيف تنمو، وكيف تصل إلى مداها في جو عربي أصيل سدًى ولحمةً، بلاغةً ومعرفةً- حتي تَصيرَ طريقةُ الكتابة أمرا مقصودا لذاته لا يمكن أن يتكرر مهما وضعنا هذه المحاور على أي لسان آخر، ومن أي ذهن آخر، وفي أية مناسبة أخرى، سنجد أن الأسلوب الفريد للأستاذ محمود شاكر- رحمه الله!- يتلألأ في السطور، وما بين السطور وكأنها ملحمة فيها الكر والفر، وفيها البرهنة والاسشهاد، وفيها المرجعية، وفيها المناقشة، وفيها الثوابت، و فيها المتغيِّرات، وفيها النفس الطويل المُرْخَم المريح الجميل الذي يَحْسَبُهًُ الْجاهِلُ ما لَمْ يَعْلَما استطرادا، وفيها هذه الفروسية التي نفتقدها الآن، وفيها هذه المائية التي لا تتوفر لكثير من الكُتّاب، إننا نعاني من اليبوسة و الجفاف، والكساد، وفقدان الروح، وفقدان رحمة القلب في الكتابة، وفقدان النَّّّفَس الرحيم، وفقدان العقل المتفتق... وكل هذه أشياء نستشعرها في كل كلمة وكل فكرة نجد البلاغة العربية التي تعيد لنا أساليب الأقدمين دون أن تفرغها، ونجد النبرات، ونجد المعنى الكائن في الفاصلة وفي علامة الاستفهام، وفي القوسين، وفي التشبيه الجميل، وفي الإشارات والمَرْجِعِيّات الحيَّّّّّّة. كل هذا يشكل سدى ولحمة (رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا)، حتى إننا لنخرج في نهاية المطاف ونحن حيارى: هذا الكلام الذي قد نكون قد قرأناه كحقائق مسلَّمٍ بها قبل ذلك، كيف أنه يَرِدُ إلينا على نحو جديد رشيد كأننا لم نسمع به من قبل، لا يوجد في هذا الكتاب شيء إلا وهو مُوَثَّّّّقٌ، تاريخٌ مسلَّّّمٌ به، لكن انظر كيف وضعه الأستاذ في هذا الإطار المعرفي النابض بالحيوية فكأنك تقرأ قصيدة جميلة، كأننا نقرأ ملحمة جميلة ، كأننا نعيش مرة أخرى في ضوء (القوس العذراء) أو في ضوء (برنامج طبقات فحول الشعراء) أو في ضوء (المتنبي)، يتجلى الأستاذ واحدة واحدة، فكره واحد، وروحه واحدة، ولسانه واحد، لم تبدِّّّ له الأيام ولا الليالى ولا المحن.
لا يُغَيِّّّّّّّّّرُهُ صَباحٌ عَنِ الْخُلُقِ الْجَميلِ وَلا مَساء!
هل تحققت نبوءة الأستاذ؟
الذي يطالع الصحف اليومية ولا يُقِرُّّّّّّّّّّّّّّّّّّ بأن نبوءة الأستاذ قد تحققت وبحذافيرها إنما يتنكر لعينيه وأذنيه، ما هذا الذى نعانيه من أمور الهيمنة بقوة السلاح وبفقدان العمق تحت مسميات تفرض علينا دون أن نشارك فيها بأدنى قدر من الاشتراك، ومع ذلك نجد من أبناء جلدتنا من يُزيِّّّّّّّّّّّّن لنا هذا المستقبل ويغرينا بأن علينا أن نعيشه، ونحن لا نعلم من أين أتى، من الذي فرضه علينا،و قال لنا إن هذا هو شكل الحياة المستقبلة ونحن لم نشارك فيه بحرف واحد، والذنب ليس دائما ذنب الآخر، الآخر يريد مصلحته وأنا على استعداد لِتَقَبُّّّّّّّّّّّّّّّّّلِ وجهة نظره في أنه يريد أن يسود، سواء أكانت هذه السيادة مشروعة أو غير مشروعة، الآخر يريد أن يسود، لا تلمه، ولكن انظر إلى حالنا نحن! هذا الذي بثه الأستاذ شاكر في الرسالة بثا مُرًّّّّّّّّّّّّّّّّا أليما واضحا جميلا. هل يعذر الناس في تقبل الهزيمة نفسيا وروحيا وفكريا وماديا، ويلقون بالعبء على الآخر؟ هذا أعجب ما في الرسالة، وأوضح ما في الرسالة، وأنا أعتقد أنها غضب على النفس يتزيى في بعض الأحيان بزي الغضب على الآخر. وقد تلبثني هذا في حياتي لدرجة أنني دائما أقول لطلابي ممن يغضبون على أساتذتهم أقول: نعم نعم، أنا ما جئت إلا لأُجَهِّل الناس وأعذب الطلاب، ما الذي فعله الطلاب ليقاوموني، ويعلموا أنفسهم؟ لقد استجابوا لضغوطي، وأوصلوني إلى تجهيلهم.
وإذن فأين يَكْمُن الذنب! قس الأمر على الشعوب وقد تسلَّحت أوربة وبيتتْ بليل وعلى مدى طويل، وجاءت بشيء ظاهره الرحمة أو الخداع، وباطنه المصلحة الخاصة. ما الذى فعلناه نحن لنقاوم- وأول سلاح المقاومة هو المعرفة- ما الذي فعلناه؟ دمَّرنا خيوط المعرفة، ووقفنا نلوم الآخر.
وأشهد أن هذه نبرة ترتفع باستمرار، ويقال لنا إن الفساد موجود في كل مكان وليس ببعيد ما قيل لنا من أن الحرب على اللغة العربية حرب خارجية ، وحرب داخلية، وحرب صحفية، وحرب صليبية، وحرب ...، وحرب ... كل هذا قد يكون صحيحا، ولكن ما الذى فعلناه نحن لنقاوم هذه الحرب الشرسة لخدمة اللغة العربية، لا شيء، وكل واحد منا يحاول أن ينجو من السفينة الغارقة و يُنْجي أولاده ويعلمهم تعليم أجنبي وما أبرئ نفسي، لكأن الأستاذ شاكر يتحدث اليوم!
هل ما نشهده صراع ثقافات أو حوار ثقافات ؟
أظن أن هذا الموضوع ينشأ بشكل طبيعي من (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، أن تحاور لا بد أن يتوفر لك الاستواء في المكانة وفي المنبر، المحاورة لا تكون إلا بين نِدَّّين، مرحبا بالمحاورة، إن الثقافة العربية ثقافة متينة مبنية بناء متينا- ودعك مما فعله بها أبناؤها في العصر الحديث- وهي جديرة بأن تُحاوَر، فأنا لا أجد أبدا أي غضاضة أن أناقش، وأن أتحدث، وأن أشارك، وأن أتعاون، تحت مسمّى حوار الثقافات، لكن حوار الثقافات ما هو إلا شعار مرفوع، والحقيقة أن الموجود هو صراع الثقافات، وأكثر من هذا، المفروض هيمنة الثقافة الواحدة على بقية الثقافات، إن لم تكن بتسريب ما يسمى بالمنهج- كما أشار الأستاذ- وجهود المستشرقين - فإنها بالحديد والنار، وليهلِك إذن مَن هلَك عن بيِّّّّّّّّّّّّنة، ويحيا من حَيَّّ عن بينة، والرحمة والغفران لمحمود شاكر!
الأستاذ الدكتورمحمد جمال صقر:
كذلك يا أستاذنا، كلامك هذا ينبغي أن يُكتَب بالتبر لا بالحبر،هذا كلام مهم جدا من أهم ما سمعناه لأستاذنا، هذه مصارحات تأتي في وقتها، عسى أن ننتفع كما قال الأستاذ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
فَإِنْ كُنْتُ مَأْكولًا...!
وأُحب أن أستمع كذلك إلى شهادة أستاذنا الدكتورعبد المنعم تليمة، واستنباطاته وتعليقاته، وهو مَنْ هو، وعلاقته معلومة، وخبرته مطلوبة، ونحن جميعا الآن في حضرته نتمنى أن نصغي إليه، تفضل يادكتور.
الأستاذ الدكتورعبد المنعم تليمة:
الأخوات والإخوة، كان شيخنا محمود شاكر إماما من أئمة هذه الأمة في عصرها الحديث، و كان رائدا مكاسرا من رواد نهضتها الراهنة المتعثرة.
شكرا للدكتور صقر الذي وقع بالفعل على المحاور الأساسية في هذه الرسالة الخالدة الباقية التي نشرها الأستاذ في كُتيِّّّّّّّّّّّّّب منذ سنوات طويلة، ثم أضاف إليها إضافات مضبوطة ووضعها في صدر هذه الطبعة من كتاب (المتنبي) فيما يقرب من مائة وخمسين صفحة، وهذا عمل قائم بنفسه، الرسالة عمل قائم بنفسه.
وسبقنا الأستاذ الجليل الدكتور الربيعي لشكر الأستاذة الكريمة أم فهر على وجودها بيننا، وأُضيف إلى شكره شكرا خاصا للزميلتين الكريمتين الأستاذه الدكتورة "زينب صالح" أستاذ علم اللغة، والأستاذة الدكتورة "ثريا الحسيني" أستاذ علم النقد الأدبي، وبعد،
فسأقف عند ثلاثة أمور أساسية يقرب منها الراصد والقارئ المدقق والمحقق لهذه الرسالة:
الأمر الأول، مفهوم التراث.. مفهوم الثقافة، لو سألنا واحدا من الجيل المبكر، الجيل الأول للنهضة العربية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين- ما التراث يا أستاذنا؟ لَرَدَّّّّّّ علينا بأن التراث هو التراث الديني، تراثنا الفقهي الشرعي وتفاسير القرآن الكريم وعلوم الحديث... وما إلي ذلك، و لو رُحنا إلى جيل تلا مباشرة، وسألنا واحدا من جيل العقاد وطه حسين والحكيم... ومن إليهم من هذا الجيل التالي: ما التراث يا أستاذنا؟ لَثَبَّّتَ عيناه على التراث الأدبي، ووقف طويلا عند أصحاب المعلقات ما قبل الإسلام، ثم الثلاثة الكبار في القرن الأول الهجري الأخطل وجرير والفرزدق، ثم الثلاثة الكبار في القرن الثالث الهجري البحتري وأبو تمام وابن الرومي، ثم وقف في القرن الرابع عند المتنبي وحده، وفي القرن الخامس عند أبي العلاء وحده، وعرف عباس العقاد بابن الرومي، وعرف المازني ببشار... وهكذا. ولو سألنا جيلا ثالثا: ما التراث؟ لثبت عيناه على التراث الفلسفي ، نسأل زكي نجيب محمود: ما التراث يا أستاذنا؟ فيقول: فلاسفة الإسلام ، الكندي والفارابي والغزالي وابن سينا وابن رشد.
ولو سألنا شيخنا الراحل الجليل محمود شاكر: ما التراث يامولانا؟ لوجدنا أنه يَضُمُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ العناصر الثلاثة التي سبقت، ثم يضم إليها بدائع العلماء العرب في علوم الجبر والهندسة والطبيعة... إلى آخره. تفتحت عينا شيخنا الراحل على التراث بمفهوم يشمل كل ما سقط إلينا وفي واعيتنا وحافظتنا من الإبداع العربي، وهو عندما يقول ننتحدث عن ثقافتنا فإنها بهذاالمفهوم الكبير، هذا الأمر الأول أو الخلاصة الأولى.
الخلاصة الثانية عن ثقافتنا الجديدة في العصر الحديث، الثقافة العربية في العصر الحديث في عصر ما نسميه النهضة، القرنين التاسع عشر والعشرين، القرنين الماضيين هو رائد من روادها، والرائد لا يكذب أهله، النهضة لديه القديم متجددا، فلا نقف عند القديم إلا بموقف نقدي تقويمي، فهو لا يسلم بالقديم دون إعمال العقل في هذا القديم ، ولا يسلم بالقديم تسليما نقليا ، وإنما يعمل موازاة رشيدة بين النقل والعقل. فماذا عن ثقافتنا الحالية؟ يقول: لا تثريب على أحد أن يتصل بأي ثقافة أو نهضة ، ولكن إذا كانت النهضة هي التجديد فإن النهضة في نفس الوقت هي اليقظة ، وَلْيَكُنِ الناهض يَقِظًا في ما تصنعه دوائر سياسية طامعة، ولديها إرادة الهيمنة والمحاصرة والمصادرة ، فلتكن النهضة يقظة أي أن تأخذ وتعطي ، أن تحمي وتصون في نقس الوقت و كنا نجلس في مجلسه فيقول:نعم،تفضل،لا مانع أبدا أن تقول أنا و الآخر مقولة فاسدة، لماذا؟ لأن من دواعي الأشياء أن أكون في الآخر و الآخر فيَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ،و أن أكون مع الآخر والآخر معي،لكن كما يقول شعبنا ببساطة في العامية" حَرَّص منه ولا تخونش".
ماذا يقول عن الموقف التاريخي اليوم؟ يقال في علم البديع الموقف اليوم يعني الموقف التاريخي، الذي يرصد ويؤرخ يجد أن العسكريين العرب في العصر الحديث عجزوا عن تحقيق نصر ملموس، يجد أن الاقتصاديين العرب عجزوا عن إقامة السوق العربية المشتركة، يجد أن الساسة عجزوا عن إقامة الوحدة، لكنّ المثقفين من بين هذه الطوائف الطبيعية للأمة لم يعجزوا، وإنما تعثروا، وعُوِقّوا، الكادرالثقافي موجود، الأعضاء موجودة لكنها مشلولة مقيَّدة ومحاصرة، احتكرت الحكومات إدارة الكادر الثقافي،والثقافة لا تنتجها أجهزة الثقافة وإنما ينتجها المثقفون، والكتابة لا تنتجها المكاتب وإنما ينتجها الكتّاب، فأين هؤلاء المثقفون والكتاب ، إنهم محاصَرون، معوَّّقون، مصادَرون، ومَصارِعُ الطَّلائعِ العربيةِ في العصر الحديث في جملتها و في أغلبيتها من المثقفين، نادرا نجد خارج الدائرة الثقافية من أُعْدِمَ، أو فُصِلَ من عمله، أو هُجِّّّّّّّّّّّر، أو نُفي... إلى آخره ، كل هذه المصائب في ساحة الثقافة، هي بالفعل العين التي تكشف، وهي العقل الذي يقوِّّّّّّّّّّم، وهي اليد التي تبطش.
وسأذكر لكم بسرعة موجزا، منذ ثلاثين عام، بالتحديد سنة 76 تَنادى المثقفون المصريون إلى تأسيس أول اتحاد للكتاب في مصر، و أجريت الاننتخابات في يناير سنة 76 ، دخلت إلى مقر لجان الانتخاب ، ولمحت في زاوية من الحديقة خمسة من روادنا الكبار: الشيخ محمود شاكر ويحيى حقي ونجيب محفوظ وحسين فوزي وتوفيق الحكيم ، تجرأت على أن أذهب إليهم ، وأحييهم ، فناداني الشيخ شاكر، قال: جئت لأنتخبك. فقلت: يا أستاذ! أنا لا أصدق، قال لي: الخلاف الفكري معك واسع جدا وشاسع، لكننا بصدد تأسيس نقابة لكل الكتّاب المصريين والمثقفين المصريين، للجميع بجميع أفكارهم وبكل تياراتهم ، وبكل مدارسهم ، هذا الأمر الجلل فيه شرطان يتفقان فيك أنت شاب نشط و هذا العمل يحتاج إلى نشط ، ثم الأمر الثاني أنك فعلا بيننا ترفع راية - وبصدق- الراية التوحيدية أو العمل مع الآخر مهما تكن الخلافات شاسعة بيننا، ولذلك أنا تحدثت مع توفيق بك ويحيى بك ونجيب بك أن نأتي حريصين على انتخابات أول مجلس لأول اتحاد للكتاب المصريين يكون اتحادا اتحاديا محاورا شابا يقظا مدافعا. فكان شيخنا مع العمل المحاور، العمل العقلي وضد احتكار السلطات بشأن الثقافة، لأن الثقافة للمثقفين والكتاب للكتاب وليس للأجهزة.
رحم الله شيخنا الجليل، علمنا الكثير ومضينا على دربه، ونرجو للجميع من الأجيال الجديدة أن تلمح ما هو مضيء في تراثنا الجديد والقديم. شكرا.