المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين الرافعي وشاكر= 6


أ.د. محمد جمال صقر
10-31-2012, 08:16 PM
فُصولُ الْأَحْداثِ
حُضورُ الْأَعْلامِ
[7] أدار الرافعي أحداث نصه على ثمانية عشر علما من أعلام العقيدة والسلطان والزهد والعز والعلم والذل 40 . وأدار شاكر أحداث نصه على سبعة عشر علما من أعلام العقيدة والزهد والسلطان والحرية والغزل والفتوة والعدل والهمة والعز 41 .
وإذا كان تعريفُ بعض النحويين للعَلَمِ بأنه " ما وُضِعَ لِشَيْءٍ بِعَيْنِه غَيْرَ مُتَناوِلٍ غَيْرَه بِوَضْعٍ واحِدٍ " 42 ، واضحَ العلاقة بمعنى " العَلامَة " المعجمي الوارد فيه - فمكانة العلم في نصي الرافعي وشاكر ، أعلق بمعنييه هذين المعجميين 43 :
1 " شيء يُنْصَب فـي الفَلَوات تهتدي به الضالَّة " .
2 " الراية التـي تـجتمع إِلـيها الـجُنْد " .
فلم يرد الرافعي وشاكر حين أدارا على تلك الأعلام أحداث نصيهما ، إلا أن ينصبا منارات على طرق المتلقين المسافرين ، ورايات أمام جيوش المتلقين المجاهدين ، ينتبهون بها ، ويقيسون أنفسهم إليها ، حتى يعيشوا هذه الحياة الواحدة ، كِرامًا عِزازًا .
إننا إذا تأملنا بنيان الثقافة العربية الإسلامية - ومثلها سائر الثقافات - وجدنا العَقيدَة قلبه - فهي التي تحرك الإنسان العربي المسلم إلى علومه ومعارفه وخبراته وأفعاله وأقواله وإقراراته - ثم وجدنا السُّلْطان مظهر تلك العَقيدَة ؛ فكل عقيدة لا سلطان لها على معتقديها وهم من الأوهام ، حتى شاعت في الثقافة العربية الإسلامية عبارة " إِنَّ اللّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ " ، ثم وجدنا الزُّهْد منهج الثقافة العربية الإسلامية في الجمع بين العَقيدَة والسُّلْطان ، حتى شاعت عبارة السؤال والجواب " قيلَ : مَنِ الْمُلوكُ ؟ قالَ : الزُّهّادُ " .
ولقد اجتمع كاتبانا على ضرورة تثقيف المتلقين ؛ فتحريا استعمال أعلام العقيدة والسلطان والزهد ، تحريا واحدا ؛ فكانت عند كل منهما 75% ! وهو تطابق عجيب ، لا يكون إلا عن مدرسة واحدة ، فيها الإستاذ والتلميذ !
ولكن في خلال ذلك كانت أعلام العقيدة عند الرافعي 25% ، وأعلام السلطان 25% ، وأعلام الزهد 24% - على حين صارت أعلام العقيدة عند شاكر 42% ، وأعلام السلطان 13% ، وأعلام الزهد 19% ؛ فعلى حين تطابقت عند الرافعي أولا منزلتا أعلام العقيدة والسلطان ، فَتَلَتْها قريبا منزلة أعلام الزهد - ظهرت عند شاكر أولا منزلة أعلام العقيدة ، ثم تلتها بعيدا منزلة أعلام الزهد ، فتلتها منزلة أعلام السلطان .
ربما كانت في ذلك دلالة على تطور رأي التلميذ قليلا بعد اختبار رأي الأستاذ في مدرسة الحياة التي أمامه ؛ فلقد كانت مجموعة مقالات الرافعي " وحي القلم " ، في العقد التالي لسقوط الخلافة ، وفيه بقي الناس متعلقين برجوعها ، حتى عقدوا الآمال على من لا يستحق ، من مثل كمال أتاتورك ؛ فربما كان ذلك وراء تطابق منزلتي العقيدة والسلطان عند الرافعي ، حتى إذا ما جاء شاكر بعد ذلك ، وانكشف خداع أتاتورك الذي لم ينج منه كثير من العلماء الكبار ، حتى الشيخ محمد وكيل الأزهر ، أبو شاكر - لم يستثره ما استثار أستاذه ، وارتاح إلى تصحيح العقيدة ، وإلى منهج الجمع بين العقيدة والسلطان من قَبْلِ تولي السلطة .
وكذلك كانت أعلام العقيدة عند الرافعي ، اسما واحدا ، وأعلام السلطان أربعة أسماء ، وأعلام الزهد خمسة أسماء - على حين صارت أعلام العقيدة عند شاكر خمسة أسماء ، وأعلام السلطان اسمين اثنين ، وأعلام الزهد اسمين اثنين .
ربما كان أحد الأسماء أكثر استعمالا أو أغلب ، ولكن لا ريب في أن إكثار الأسماء من سياسة الدعوة والحرص على المعنى ؛ فلذا كانت أعلام العقيدة عند شاكر أكثر من أعلام غيرها ؛ فربما احتاج الناس إلى قرآن يمشي على الأرض فكان رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - وكان صحابته - رضي الله عنهم ! - على حين لم ينتبه الرافعي لذلك المعنى السياسي الدعوي .
ولكن في خلال ذلك غلبت أفكار الزهد ( العفة والجلد والصبر ) على رسالتي النصين ، بعد ما طار في أرجائهما نفس كريم من أخلاق الزاهدين العالية ، فكان الرافعي أحفى في الأعلام بذلك من شاكر ؛ إذ أدار أحداث نصه على خمسة من أعلام الزهاد ، ولم يدرها شاكر إلا على علمين اثنين فقط .
صَوْتا الْكاتِبَيْنِ
[8] إذا كان نص الرافعي موعظة قصصية نسبها إلى أبي علي ، ونص شاكر رسالة قصصية نسبها إلى أبي الخطاب ، وقمتُ في مقام المطلع على موعظة الواعظ ورسالة المرسل كلتيهما ، رأيتُ نص شاكر أكثر ملاءمة لطبيعة الرسالة من ملاءمة نص الرافعي لطبيعة الموعظة .
لقد كان شاكر كأنه وقع على كتاب " مذكرات عمر بن أبي ربيعة " حقا ؛ فأسرع ينقل منه دون أن يضيف إليه إلا عبارة " قال عمر بن أبي ربيعة " التي صَدَّرَ بها الرسالة - على حين خلط الرافعي طبيعة نصه بطبيعة نص شاكر ؛ فتكلم هو من دون أن يشبه عمر بن أبي ربيعة اشتراكًا ولا استماعًا ، حتى استولى على الفصلين الأول والثالث كليهما وعلى نصف الفصل الرابع ، فإذا أراد أن يُنْطِقَ الواعظ عاد بجملة " قال أبو علي " ، وإذا استطال كلام الواعظ نفسه زاد فعل القول الماضي " قال " على مثل ما نجد في مجلسيات الأصفهاني بـ" الأغاني " مثلا ؛ فبـ" قال " هذا ، كان القدماء ينبهون المتلقين على استمرار كلام الراوي .
لقد كتب الرافعي نصوص هذا الأسلوب التي منها نصنا ، في عقده السادس الأخير ( 1930 - 1937م ) 44 ، وكان في شيخوخته ، وكتب شاكر نصوص الأسلوب نفسه التي منها نصنا ، في عقده الرابع ( 1939 - 1949 ) 45 ، وكان في شبابه ؛ فكأنما أراد شاكر أن يكفكف من شأو نفسه ، ويُخْرِجَها من البَيْنِ ؛ فقد ظهر الرافعي بصوته العالي ، مظهر مُعَلِّمِ المتلقين الذي يشرح لهم رأيه هو ومذهبه ، وكأنه صوت الحقيقة المطلقة ، قد حضرت تشهد !
ثم لا ريب في ملاءمة شاكر لتيار الواقعية الغالب على عصره آنذاك ، بتحري إخراج القصة من الحياة كما تكون فيها ، ثم على طريقة المذكرات التي لا ينقضي عجبي من قبول شاكر أن يستعملها في تتويج أعماله ، وليست مما رأيناه يحبه ، ولو عُرِضَتْ عليه في أواخر عمره لجعلها من رقاعات المتأخرين !
تَفْصيلُ الْفُصولِ
[9] أفرد الكاتبان عدد فصول النصين ( سبعة فصول ) ، وكأنما حَرَصا على منهج التَّدْوير الجدير بشدة التأثير ؛ فمهما تَشَعَّبت أفكار رسالة النص ؛ وَتَفَصَّلَتْ بها الفصول ، تَلاقَتْ في فصل يغلق دائرتها ويحكم رسالتها ، يختلف المتلقون في تعيينه ، ولكن يغلب أن يكون الأخير .
اتفق الكاتبان على أن يَتَأَتَّيا إلى المتلقين ، بمفهوم الموت في الثقافة العربية الإسلامية ؛ فمنذ أوصى سيدنا أبو بكر ، سيدنا خالد بن الوليد - رضي الله عنهما ! - حين بعثه إلى المرتدين ، وصيته الجليلة الخالدة : " احْرِصْ عَلى الْمَوْتِ توهَبْ لَكَ الْحَياةُ " ، فَعَمِلَ بها ، حتى قال في موته مقالته الجليلة الخالدة : " لَقَدْ لَقيتُ كَذا وَكَذا زَحْفًا ، وَما في جَسَدي مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلّا وَفيهِ ضَرْبَةٌ أَوْ طَعْنَةٌ أَوْ رَمْيَةٌ ، وَها أَنَا ذا أَموتُ حَتْفَ أَنْفي كَما يَموتُ الْعَيْرُ ؛ فَلا نامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَناءِ " - جرى مجراه القائد العربي المسلم ، حتى كان يفتح عقول الملوك قبل فتح بلادهم ، بمقالته الجليلة الخالدة : " جِئْتُكُمْ بِجُنْدٍ يُحِبّونَ الْمَوْتَ كَما تُحِبّونَ أَنْتُمُ الْحَياةَ " !
لقد تَلَبَّسَتِ الكاتبين حالُ القائد العربي المسلم ، نَفْسُها ؛ فأقبلا يحيطان نصيهما بدائرة من الموت محكمة :
أما الرافعي فقد عَرَّضَ بَطَلَه للافتراس في الفصل الأخير ، ولم يُفْتَرَسْ ، ولكنه أفاض في مقام موته في الفصل الأول ؛ فجعل الفصل الأول نتيجة الفصل الأخير ؛ فلو لم يفهم البطل حقيقة حياته ما فهم الناس حقيقة موته ، ولبقي متلقو النص ينتظرون أن تؤديهم القصة إلى موته ! ولقد اتفقت بين الفصلين الأول والأخير ، عبارتا الكاتب عن دهشة الناس من حياة البطل ومن وفاته جميعا ؛ فإذا تأملنا قوله من الفصل الأخير :
" جَعَلَ كُلٌّ مِنّا يَظُنُّ ظَنًّا في تَفْكيرِه : فَمِنْ قائِلٍ (...) وَقائِلٍ (...) وَثالِثٍ يَقولُ (...) وَزَعَمَ جَماعَةٌ (...) " .
وقوله من الفصل الأول :
" كانَ يَوْمُه (...) : ما بَقِيَ أَحَدٌ إِلّا اقْتَنَعَ أَنَّه في شَهَواتِ الْحَياةِ وَأَباطيلِها كَالْأَعْمى في سوءِ تَمْييزِه بَيْنَ لَوْنِ التُّرابِ وَلَوْنِ الدَّقيقِ " .
رأينا الشهود فيهما يفكرون في كل وجه إلا الحقيقة . وربما كان من ملاءمة كل عبارة لفصلها ، أن تكون عبارة الفصل الأول ، من تفصيل إجمال ما قبلها ، وعبارة الفصل الأخير ، من إجمال تفصيل ما بعدها ؛ فقد كان فصل القصة الأخير مبتدأ حياة البطل الحقيقية ، وفصلها الأول منتهاها !
وأما شاكر فقد بدأ نصه بمصيبة موت ابن البطل ، ثم لم يطلعه عليها إلا في الفصل الأخير ؛ فكان مثل الرافعي في جعل الأول للمتلقين خاتمة الأخير . ولقد اتفقت كذلك بين الفصلين الأول والأخير ، عبارتا الكاتب عن أثر مصيبة الموت ؛ فإذا تأملنا قوله عن عمر بن أبي ربيعة ، في الفصل الأخير :
" قَدْ غَلَبَتْني عَيْناي بِالْبُكاءِ " .
وقوله عنه في الفصل الأول :
" كَأَنَّما فارَقَتْني الرّوحُ " .
رأيناه في الفصلين وهو من الشهود ، مفعولا به ، مغلوبا على أمره : تغلبه عيناه أخيرا ، وتغلبه روحه أولا ! وربما كان من ملاءمة كل عبارة لفصلها ، أن يكون فاعل عبارة الفصل الأول باطنيا " الروح " ، وفاعل عبارة الفصل الأخير ظاهريا " عيناي " ؛ فقد كانت الوطأة في الفصل الأول على عمر بن أبي ربيعة الراوية نفسه ، وفي الفصل الأخير على غيره !
تَرْتيبُ الْفُصولِ
[10] ومن باب الحرص على منهج التدوير السابق ، أن جعل الرافعي في فصل " تعريض البطل للافتراس " ، أفدح الأحداث ( الحَدَثان ) ، وأشدها تأثيرا في المتلقين ، ثم جعله سابعا خاتمة الفصول وأكبرها ، وصعد إليه بها قليلا قليلا :
الفصل الأول 124 كلمة كتابية
الفصل الثاني 76 كلمة كتابية 306
الفصل الثالث 230 كلمة كتابية
الفصل الرابع 194 كلمة كتابية 442
الفصل الخامس 248 كلمة كتابية
الفصل السادس 498 كلمة كتابية
الفصل السابع 521 كلمة كتابية
فإن بدت أطوالها مضطربة ، ففي كون ثالثها بمنزلة التعليق على ثانيها ، ورابعها بمنزلة المقدمة لخامسها ، ما يوضح تصاعدها .
وجعل شاكر في فصل " قطع رجل البطل " ، أفدح الأحداث ( الحَدَثان ) كذلك ، وأشدها تأثيرا في المتلقين ، ثم جعله رابعا واسطة الفصول السبعة وأكبرها ، من قبله ثلاثة ومن بعده ثلاثة ، وصعد إليه بما قبله ، ثم صعد مرة أخرى بما بعده إلى حدث آخر على جهة مضاعفة المصائب :
الفصل الأول 149 كلمة كتابية
الفصل الثاني 304 كلمة كتابية
الفصل الثالث 396 كلمة كتابية
الفصل الرابع 408 كلمة كتابية
الفصل الخامس 148 كلمة كتابية
الفصل السادس 209 كلمة كتابية
الفصل السابع 266 كلمة كتابية
من دون أن يكون الفصل الأخير ( فصل الحدث الزائد ) ، أطول من الفصل الرابع ( فصل الحَدَثان ) ، على رغم ما فيه من مضاعفة المصائب ؛ فإن مصيبة الموت أزلية أبدية . ثم إن المتلقين كانوا قد عرفوا مصيبة الموت في الفصل الرابع ( فصل الحَدَثان ) ؛ فكان فيه المرادُ كلُّه ، ولكن الكاتب تحرك على طبيعته ؛ فصعد إلى مجتمع المصائب عند البطل ، مثلما صعد له عند المتلقين .
نَسْجُ النَّصَّيْنِ
[11] كان فصل الرافعي الأول نظرة خارجية كلية ، ربط فيها المنتهى بالمبتدأ ، لم يجد من شخوص قصته من ينظر هذه النظرة ، فنظرها لهم ، قائلا :
" جَلَسَ أَبو عَليٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرّوذَباديُّ الْبَغْداديُّ في مَجْلِسِ وَعْظِه بِمِصْرَ بَعْدَ وَفاةِ شَيْخِه أَبي الْحَسَنِ بُنانٍ الْحَمَّالِ الزّاهِدِ الْواسِطيِّ شَيْخِ الدِّيارِ الْمِصْريَّةِ " .
ثم كان فصل شاكر الأول كلمة داخلية مجملة ، أنطق بها أحد شخوص قصته ، قائلا :
" ... فَبادَرْتُ أَعْدو يَكادُ يَنْشَقُّ عَلَيَّ جِلْدي مِنْ شِدَّةِ الْعَدْوِ " .
جملة أول فصل الرافعي الأول ، فعلية ماضوية هادئة مطمئنة ، مُفَصَّل نَسَبُ فاعلها تَفْصيلَ كُتُبِ الأنساب ، محتاج قارئها إلى تمهل كثير ، نبه بها المتلقي على معنى المدرسة السابق ذكره . وجملة أول فصل شاكر الأول ، محذوفة في جمل كثيرة سَتُشْرَحُ في الفصل الثاني ، مَدْلولٌ عليها بفاء عطف الجملة الثانية الفعلية الماضوية الثائرة القلقة ، ألقى بحذفها المتلقي في مجرى الأحداث .
وإن في هذا وذاك ، لعلامة أولية مهمة ، على مَنْهَجَيْ نَسْجِ النَّصَّيْنِ :
1 الِاسْتِبْطانُ الْمِثاليُّ الصّوفيُّ : منهج من الإمعان في تتبع دقائق الصفات الكامنة في العناصر القصصية ، يتحرك حركة عمودية من أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى ، دَوالَيْك .
2 الِاسْتِبْطانُ الْواقِعيُّ الْفَنّيُّ : منهج من الإمعان في تتبع دقائق الصفات الظاهرة على العناصر القصصية ، يتحرك حركة أفقية من وراء إلى أمام ، ومن أمام إلى وراء ، دَوالَيْك .
فعل حين يَسْلُكُ الرافعي المنهج الأول ؛ فيطول الجمل ، ويثقلها ، ويقللها ، ويشغلها بِتَحْليلِ الأشخاص والأحداث - يَسْلُكُ شاكر المنهج الأخير ؛ فيقصر الجمل ، ويخففها ، ويكثرها ، ويشغلها بتحريك الأشخاص والأحداث .