أ.د. محمد جمال صقر
11-02-2012, 01:49 PM
ما أحسن ما أحاط حياته العلمية بحياطة القرآن الكريم ؛ فحصل في سنة 1962م على الماجستير برسالة في " الأصوات في قراءة أبي عمرو بن العلاء " ، نشرها فيما بعد بعنوان " أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي " ، وحصل في سنة 1965م على الدكتوراه برسالة في " دراسة صوتية في القراءات الشاذة " ، نشرها فيما بعد على كتابين بعنواني " تاريخ القرآن " و" القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث " ... حتى أتاه في سنة 2010م اليقين وهو منقطع لتفسير القرآن الكريم !
وفيما بين هذين الحدين كانت له أبحاث مختلفة مؤتلفة مقالات وكتب ، منها : المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي . في علم اللغة العام . في التطور اللغوي . العربية لغة العلوم والتقنية . دراسات لغوية . عربية القرآن . المنهج اللغوي في كتاب سيبويه . دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس باستخدام الكُمْتور . الألفاظ الأجنبية في اللهجة الكويتية . نظرة في اللهجات والقراءات في السودان . المستقبل الحضاري للغة العربية . القومية ضرورة عربية . الإنسان المسلم . أبي آدم : قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة . السنة والشيعة أمة واحدة . بل كانت له تحقيقات تراثية وتقريبات ؛ منها تحقيق لطائف الإشارات لفنون القراءات للقسطلاني ، وتقريب إحياء علوم الدين للغزالي والرسالة للشافعي .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
كيف حملته نفسه على تعلم الفرنسية حتى انضم وحده إلى معهد تعليمها ، وكيف بالغ في طلبها فوق ما طلبها زملاؤه المنقطعون لها ، وكيف صبر على ذلك واستسهل المصاعب ! ما أَطْرَبَه حين حدثنا أنه خرج مرة إلى ذلك المعهد ، فإذا السماءُ مَطَرٌ والأرضُ طينٌ ؛ فلم يبال بالمضي في سبيله بنعليه القديمتين النافرتين ، حتى أَثْقَلَتْ قَذائفُهما الطينيَّةُ جِلْبابَه ، وكادت تقلبه رأسا لعقب ! ثم كيف أتقن الفرنسية فوق ما يطمح الطامحون ، حتى حكى لنا أستاذنا الدكتور رجاء عبد المنعم جبر أنهما زارا فرنسا معا - ربما كانت المرة الأولى - فأقبل أستاذنا يكلم الفرنسيين بما استغربوا ؛ حتى قال له أستاذنا الدكتور رجاء : تكلم العامة بالفرنسية الفصحى ، وتنتظر أن يفهموك ، أو كما قال !
ولقد كانت عينه كلما قرأ بالفرنسية ، على ما يفيد أمته العربية الإسلامية ، في تحريك واقعها ، واستشراف مستقبلها ؛ فهو يترجم أعمالا لغربيين عن الثقافة العربية الإسلامية ، يريد بها أن نَرى أنفسنا في عيون الآخرين - كما في ترجمته لروجيه جارودي ( فلسطين أرض الرسالات الإلهية ) ، وهنري فليش ( التفكير الصوتي عند العرب ، العربية الفصحى ) - ويترجم أعمالا لمسلمين عرب وغير عرب ، عن الثقافة العربية الإسلامية ، يريد بها أن نَرى كيف نُري الآخرين أنفسنا - كما في ترجمته لعبد الله دراز ( دستور الأخلاق في القرآن الكريم ) ومالك بن بني ( الظاهرة القرآنية ، شروط النهضة ، وجهة العالم الإسلامي ، الفكرة الأفريقية الآسيوية ، مشكلة الثقافة ) ، وكما في مراجعته وتقديمه لترجمة ظفر الإسلام خان لكتابه أبيه وحيد الدين خان ( الإسلام يتحدى ) ، وما أَطْرَبَه حين لاحظ تلاقي عمل وحيد الدين خان وعمل مالك بن نبي ( الظاهرة القرآنية ) ، على منهج واحد ؛ فقال : " ذلك أن خطوات هذا المنهج بنفس الترتيب تكاد تكون طبق الأصل من كتاب أخرجته من قبل مترجما عن الفرنسية ، هو كتاب " الظاهرة القرآنية " (...) وهي ملاحظة غريبة في المنهج لا تنصرف إلى مادة الكتابين (...) وتفسير هذا التوافق ينحصر في توارد الأفكار على مشكلة واحدة " ، وهي بهجة من اطمأن قلبه إلى وحدة منطلقه وغايته . ويترجم أعمالا لغربيين في الثقافة الغربية ، يريد بها أن نَرى نحن الآخرين أنفسهم - كما في ترجمته لبرتيل مالمبرج ( علم الأصوات ) - ولا يخلي أيا من ترجماته تلك ، من مقدمات وتعليقات ، يضبط فيها أمرها ، بحيث يستقيم استيعابها ، وتكتمل منفعتها .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
لقد ألقى بين عينيه حَديثَيْ رسول الله - صلى لله عليه ، وسلم ! - " خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَه " ، و" مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَه أَلْجَمَهُ اللّهُ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ " ، ثم أقبل يعلم تلامذته ، بحرا زَخّارًا فَيّاضًا سَمْحًا جَوادًا مَكينًا وَدودًا . وأنعم عليه الكريم - سبحانه ، وتعالى ! - بما ينعم به على أساتذة الجامعة ، من نعمة سابغة لا يعرف قدرها كثير منهم ، هي طلاب الماجستير والدكتوراه ، الذين يستطيعون أن يؤسسوا لأستاذهم أساس مدرسة يمضون به فيها إلى آماد لا يصل إليها وحده ؛ فعرف نعمته - سبحانه ، وتعالى ! - وشكرها ؛ فقسم في جسوم تلامذته جسمه ، ووزع في عقولهم هَمَّه !
لقد وجه رسائل بعضهم إلى القرآن الكريم ، مثل : الرسم المصحفي : دراسة لغوية تاريخية ، لغانم قدوري الحمد . اختلاف المصاحف : دراسة لغوية تاريخية ، لعبد اللطيف السعيد يوسف الخميس . قراءة المدينة في القرن الأول الهجري : دراسة صوتية تاريخية ، لأحمد مصطفى أحمد أبو الخير . دراسة لغوية إحصائية لأنماط الجملة البسيطة في القرآن الكريم ، لمحمد رضا كاظم الطريحي .
ووجه رسائل بعضهم إلى ما بين القرآن الكريم والتوراة ، مثل : أبنية المصادر في اللغتين العربية والعبرية واستعمالاتها في القرآن الكريم والتوراة ، لصلاح الدين صالح حسنين . دراسة مقارنة لأساليب الاستفهام في العربية والعبرية في ضوء ما ورد في القرآن والتوراة ، لعبد الله علي مصطفى . داود وسليمان في العهد القديم وفي القرآن الكريم : دراسة لغوية تاريخية مقارنة ، لأحمد عيسى الأحمد .
ووجه رسائل بعضهم إلى مادة اللغة العربية غير القرآن الكريم ، مثل : اللغة العربية بين المذكر والمؤنث ، لإبراهيم عبد المجيد ضوة . لغة أبي العلاء في رسالة الغفران ، لفاطمة الحبابي . خواص لغة الطب عند الرازي كما تبدو في كتاب الحاوي ، لمحمد يوسف حبلص . الألفاظ العلمية عند جابر بن حيان الكوفي : دراسة لغوية ومعجم ، لفائق خلف سلمان . دراسة لغوية لصور التماسك في لغتي الجاحظ والزيات ، ثم دراسة صوتية للأخطاء النطقية وأسبابها لدى طلبة دار العلوم واختيار التدريبات العملية المناسبة للعلاج ، وكلتاهما لمصطفى صلاح قطب . الربط بين التراكيب في اللغة العربية المعاصرة ، لمحمد حسن عبد العزيز . الألفاظ الدالة على الكلام في اللغة العربية المعاصرة : دراسة دلالية تأصيلية ، ثم أفعال الحركة في العربية المعاصرة : دراسة دلالية تركيبية ، وكلتاهما لمحمد إمام داود .
ووجه رسائل بعضهم إلى تاريخ اللغة العربية ، مثل : العربية في العصر المملوكي : دراسة لغوية ، لهويدي شعبان هويدي . اللغة العربية في عصر الحروب الصليبية كما تمثلها كتب التاريخ : دراسة لغوية تاريخية ، للبدراوي زهران .
ووجه رسائل بعضهم إلى ما بين اللغة العربية واللغة العبرية ، مثل : الإسرائيليات في تفسير الطبري : دراسة في اللغة والمصادر العبرية ، لآمال محمد ربيع . الشعر الديني العبري كما تمثله مزامير العهد القديم وعلاقته بالأدب العربي : دراسة لغوية مقارنة ، لأحمد عيسى الأحمد . أبنية الجموع في اللغة العربية : دراسة مقارنة باللغات السامية ، لأحمد شوقي النجار .
ووجه رسائل بعضهم إلى علماء اللغة العربية ، مثل : ابن حزم لغويا ، ليعقوب يوسف الفلاحي . ابن الطيب الفاسي وأثره في المعجم العربي مع تحقيق كتابه شرح كفاية المتحفظ ، لعلي حسين البواب . كتاب مختصر القاموس المحيط لعلي بن أحمد الهيتي : تحقيق ودراسة ، لأحمد مفرح السيد . التفكير اللغوي عند العرب قبل سيبويه ، ثم النقد المعاصر للنحو العربي : دراسة لغوية ، وكلتاهما لفتحي محمد جمعة . الفكر اللغوي بين سيبويه وابن جني : دراسة تأصيلية نقدية ، لأشرف مصطفى رضوان . الدرس الصوتي عند موفق الدين بن يعيش في ضوء علم اللغة الحديث ، لمنى إبراهيم صادق . جهود البلاغيين العرب في مجال الأصوات والدلالة في ضوء علم اللغة الحديث ، لإبراهيم الدسوقي عبد العزيز. وحدة التحليل الصرفي بين القدماء والمحدثين ، لمحمد أحمد حماد . اتجاهات التحليل الفونولوجي في المدارس اللغوية المعاصرة مع محاولة تطبيقية على اللغة العربية ، لأحمد عزت البيلي .
بل وجه رسائل بعضهم إلى بعض اللهجات العربية ، مثل : الخواص التركيبية للهجة طرابلس الغرب ليبيا ، لعبد الله عبد الحميد سويد . دراسة صوتية صرفية للهجة مدينة نابلس الفلسطينية ، لمحمد جواد النوري . دراسة صوتية في لهجة قبيلة الشايقية ، لبكري حاج أمين . الأصوات والأبنية في لهجة قبيلة العبابدة بمحافظة البحر الأحمر : دراسة في ضوء المنهج الوصفي ، لخالد حسن أبو غالية .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
أذكر أنني أرسلت إليه من مَكْمَني بغرفة عمليات لواء المشاة الميكانيكي 120 من الفرقة الثانية بالجيش الميداني الثاني ، أوائل سنة 1988م ، أُعَبِّرُ له عن شوقي إلى محاضراته التي كان يُطَوِّفُ بنا فيها على معالم خبرته ، يُعَرِّفُها لنا ، وينقلها إلينا ، قائلا : " ترحل بنا من علم الأصوات إلى علم الطائرات ... " ، وكلاما كثيرا كهذا ، لا يعجب كثيرا من الطلاب الذين يرون خروج المحاضر عن حدود الكتاب المقرر ، تَحْريفًا للكَلِم " مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه " ، حتى نابَذَهم التهمةَ بعضُ أساتذتنا ، فسمّاهم " الكِتابيّينَ " ، وتلا عليهم : " يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ " !
لقد كانت محاضرته جرعة ثقافية كاملة مركبة ، أفكارا وتجارب ورحلات وكتبا ورجالا ومواقف ... ، لا يفضل عنصر من عناصرِ مُرَكَّبِها عنصرا ؛ فمن المعروف من طبائع الأشياء بالضرورة ، أن لعناصر المركبات وجودا في مركباتها غير وجودها على انفرادها ؛ لهذا كان لكلامه في أيٍّ من تلك العناصر ، مذاق خاص عميق جليل مهيب . لقد كانت محاضرته صورة من شخصيته هو نفسه ، وكان ملء الصورة ، ملء السمع والبصر !
حاولت مرة أن أسجل محاضرته تسجيلا صوتيا - ولم يكن تسجيل المحاضرات شائعا كاليوم مألوفا مطلوبا ، ولا حاولت أن أسجل لأحد غيره - فأبى ! ربما أرادني أن أتقن الإنصات في الوقت ، أو أن أتقن إيجاز الكتابة في أثناء الإنصات على طريقة ذوي المهارات المركبة ؛ وكان ذلك التسجيل الصوتي شعار الطلاب الكسالى !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
ما أظرفه خطيبا - وإنما ظَرْفُ هذه الأمة في لسانها - حاضر البديهة ، لا تفلته النكتة ، ولا تعجزه الملحة ، حاد الصوت عميق نبوعه سليم مخارجه منغوم صفاته ، قصير الجمل ، عربي اللغة ، واضح الأفكار مرتبها متدفقها ، قرآني الأسلوب ، نبوي الأناة ! وما أطربه حين حدثنا أن عجوزا عجمية - ربما كانت من المستعربين حديثا - استوقفته مرة لتعبر له عن راحتها لخطابته الواضحة !
لولا خطابته بمسجد عمرو بن العاص بالقاهرة ( أقدم مساجد أفريقيا ) ، خطبة الجمعة ، ومجلسه بعدها ، وكلمته بين التراويح في ليالي رمضان التي كان يؤم المسجد فيها مئات الآلاف - لذهب نصف ما انبعث للمسجد من صيت ! خطيب موهوب واع مجدد لا يشغل الناس بما لا يفيدهم عما يتعلق به وجودهم ولا يجمد لهم فيما بعد الاستراحة على ما كان قبلها فيُمِلّهم ، حَيَويّ المنهج غير منقطع إلى القديم ولا منقطع عنه بل مازج مزجا عجيبا بين القديم والحديث والطموح إلى المستقبل ! لن أجد مثل بركة مجلسه ذلك المهيب بالمسجد بعد الجمعة ، وقد حَضَرَه رَجُلٌ ليُسْلِم على يديه ، فقال له : اغتسلت ؟ قال : نعم . قال : هيا اشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ! فشهد الرجل ، فكَبَّر الحاضرون ، فكفكف من صخب تكبيرهم قائلا : ما لكم ! ما لكم ! الله أكبر دائما !
وما أصدق العامة في التعبير عن نعمة الله - سبحانه ، وتعالى !- به عليهم ! ذَهَبْتُ أوائلَ تسعينيّات القرن الميلادي العشرين ، أعزي أستاذنا الدكتور سعد مصلوح عن وفاة زوجته ، فإذا وفد المعزين كامل العَدَد ، فيه الكبار والصغار ، الأساتذة والطلاب ، وإذا سرادق العزاء كامل العُدَد ، فيه الخشب والقماش والمصابيح والمكبرات ، وفيه قارئ القرآن ، وفيه واعظ المُعَزّين ! قرأ القارئ شيئا من كتاب الله ، ثم قام الواعظ ، فإذا هو من جهلة الوعاظ وسخفائهم ، يهذي بكلام لا يقبله لا عقلاء ولا مجانين ، ولا مؤمنون ولا جاحدون ، وبجانبي أستاذنا الدكتور محمد عبد المجيد الطويل يَرُدُّ سَخافاته واحدة واحدة لا يسمعه غيري ولا يعلم إلا الله كيف كَظَمْتُ ضَحِكي ! وأمامي أستاذنا الدكتور إسماعيل سالم ينصح له أن يكتفي ! فلم ينتصح ، بل أفرط ، فوقف له الدكتور إسماعيل ، ونهره ، فارتدع : وأستغفر الله لي ولكم ، والسلام عليكم ! ولَمّا يستوفِ العزاءُ مَوْعِظَتَه ؛ فاستوى في مكانه فجأة أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين ، فتَدَفَّقَ ارتجالا بسَلْسبيل فُتوحاته ، فسالَتْ بتَخاريف ذلك الواعظ المُسْتَأْجَرِ ، حتى جاء شيخ هرم لا أعرفه إلى أستاذنا الدكتور سعد مصلوح يهنئه : الله ، يا دكتور سعد ! أرأيت كم يُحِبُّها رَبُّنا ! أرأيت كيف يَسَّرَ للوَعْظِ في عزائها الدكتور عبد الصبور شاهين !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
ما أَبَرَّ إشارته إلى فضل أبويه عليه ، في إهداء كتابه " أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي " ، قائلا : " إلى والديَّ في برزخهما بعدما غَرَسا فيَّ حياتهما ، غَمَرَهما الله بالرحمة والرضوان ؛ " كما رَبَّياني صَغيرًا " ! عبد الصبور " . ولقد يكفي في الدلالة على بِرِّ ما بين الوالدين وابنهما ، حفظُه القرآن الكريم وهو دون العاشرة ؛ فإنه تاج كرامتهما في الآخرة ، وتاج رقي درجته في الدنيا والآخرة . ولولا كرامة والدي حافظ القرآن ، لم يكن سبيل إلى مكافأة فضلهما ، إلا بأن ينجب مثلما أنجبا ، ويُفْضِل على أبنائه مثلما أَفْضَلا ، لتستمر سبيل ذلك حتى يرث الله - سبحانه ، وتعالى ! - الأرض ومن عليها . ولقد فهم أستاذنا ذلك ، وسعى في سبيله ، حتى قال في إهداء كتابه " العربية لغة العلوم والتقنية " : " إلى أولادي : محمد عمرو ، وهشام ، ومروان ، وأميرة ، ولبنى - آملا أن تكونوا بسبب من العلم النافع ، وداعيا أن تكون ثمرته فيكم نعمة العلم بالله ، وشرف العمل الذي ينفع الناس - دعوة كانت من جدكم لأبيكم في قبلة الأزهر الشريف ، ثم ها أنتم أولاء أورثتموها ؛ الحمد لله ! عبد الصبور " . فسبيل العلم النافع الممهدة ، متصلة من والد أستاذنا إلى أبنائه ، محروسة باليقين والإخلاص والإتقان والثبات والرضا .
وكما أَيَّدَتْ والدَه فيما سبق والدتُه ، أَيَّدَتْهُ زَوْجَتُه ؛ فلم يكن لينسى فضلها عليه ، بل تَحَبَّبَ إليها في إهداء كتابه " القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث " ، قائلا : " إلى زوجتي ، وفاء بحقها ، وعرفانا بفضلها ، وإني لأحس في أعماقي أن ما منحتنيه من عون ورعاية ، هو مثال تأتسي به بنات حواء ، من رافقت منهن أحدا من العلماء أو الباحثين " . ولم يكن الودود - سبحانه ، وتعالى ! - ليخيب مسعاهما ، بل أنبت لهما أبناءهما نباتا حسنا ، وجعلهما بهجتهما الدائمة ، وعونهما الحاضر ، حتى لَيَعْتَمِدُ على بعضهم ، في بعض أعماله الخاصة ، قائلا في أوائل ترجمته لكتاب " علم الأصوات " ، لبرتيل مالمبرج : " يسجل المُعَرِّبُ الوالِدُ شكره خالصا لابنته الآنسة أميرة الطالبة بكلية الطب جامعة القاهرة ، على إنجازها الممتاز لما حفل به الكتاب من رسوم إيضاحية " ، غير مستغن عن أن يعيد ذلك في أواخرها ، قائلا في إطار مزخرف : " أنجزت هذه الرسوم والأشكال الإيضاحية ، الآنسة أميرة عبد الصبور شاهين ، وأضافت إليها رسما إيضاحيا للأذن وأجزائها السمعية ، هو الذي يجده القارئ ملونا على غلاف الكتاب ، كما يجده ملحقا بدراسة الأذن ص40-41 ، دون أن يأخذ رقما مسلسلا بين رسوم الكتاب " !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ ، وَلَمْ يَحْرِمْنا أَجْرَه ، وَلَمْ يَفْتِنّا بَعْدَه !
آمين !
وفيما بين هذين الحدين كانت له أبحاث مختلفة مؤتلفة مقالات وكتب ، منها : المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي . في علم اللغة العام . في التطور اللغوي . العربية لغة العلوم والتقنية . دراسات لغوية . عربية القرآن . المنهج اللغوي في كتاب سيبويه . دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس باستخدام الكُمْتور . الألفاظ الأجنبية في اللهجة الكويتية . نظرة في اللهجات والقراءات في السودان . المستقبل الحضاري للغة العربية . القومية ضرورة عربية . الإنسان المسلم . أبي آدم : قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة . السنة والشيعة أمة واحدة . بل كانت له تحقيقات تراثية وتقريبات ؛ منها تحقيق لطائف الإشارات لفنون القراءات للقسطلاني ، وتقريب إحياء علوم الدين للغزالي والرسالة للشافعي .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
كيف حملته نفسه على تعلم الفرنسية حتى انضم وحده إلى معهد تعليمها ، وكيف بالغ في طلبها فوق ما طلبها زملاؤه المنقطعون لها ، وكيف صبر على ذلك واستسهل المصاعب ! ما أَطْرَبَه حين حدثنا أنه خرج مرة إلى ذلك المعهد ، فإذا السماءُ مَطَرٌ والأرضُ طينٌ ؛ فلم يبال بالمضي في سبيله بنعليه القديمتين النافرتين ، حتى أَثْقَلَتْ قَذائفُهما الطينيَّةُ جِلْبابَه ، وكادت تقلبه رأسا لعقب ! ثم كيف أتقن الفرنسية فوق ما يطمح الطامحون ، حتى حكى لنا أستاذنا الدكتور رجاء عبد المنعم جبر أنهما زارا فرنسا معا - ربما كانت المرة الأولى - فأقبل أستاذنا يكلم الفرنسيين بما استغربوا ؛ حتى قال له أستاذنا الدكتور رجاء : تكلم العامة بالفرنسية الفصحى ، وتنتظر أن يفهموك ، أو كما قال !
ولقد كانت عينه كلما قرأ بالفرنسية ، على ما يفيد أمته العربية الإسلامية ، في تحريك واقعها ، واستشراف مستقبلها ؛ فهو يترجم أعمالا لغربيين عن الثقافة العربية الإسلامية ، يريد بها أن نَرى أنفسنا في عيون الآخرين - كما في ترجمته لروجيه جارودي ( فلسطين أرض الرسالات الإلهية ) ، وهنري فليش ( التفكير الصوتي عند العرب ، العربية الفصحى ) - ويترجم أعمالا لمسلمين عرب وغير عرب ، عن الثقافة العربية الإسلامية ، يريد بها أن نَرى كيف نُري الآخرين أنفسنا - كما في ترجمته لعبد الله دراز ( دستور الأخلاق في القرآن الكريم ) ومالك بن بني ( الظاهرة القرآنية ، شروط النهضة ، وجهة العالم الإسلامي ، الفكرة الأفريقية الآسيوية ، مشكلة الثقافة ) ، وكما في مراجعته وتقديمه لترجمة ظفر الإسلام خان لكتابه أبيه وحيد الدين خان ( الإسلام يتحدى ) ، وما أَطْرَبَه حين لاحظ تلاقي عمل وحيد الدين خان وعمل مالك بن نبي ( الظاهرة القرآنية ) ، على منهج واحد ؛ فقال : " ذلك أن خطوات هذا المنهج بنفس الترتيب تكاد تكون طبق الأصل من كتاب أخرجته من قبل مترجما عن الفرنسية ، هو كتاب " الظاهرة القرآنية " (...) وهي ملاحظة غريبة في المنهج لا تنصرف إلى مادة الكتابين (...) وتفسير هذا التوافق ينحصر في توارد الأفكار على مشكلة واحدة " ، وهي بهجة من اطمأن قلبه إلى وحدة منطلقه وغايته . ويترجم أعمالا لغربيين في الثقافة الغربية ، يريد بها أن نَرى نحن الآخرين أنفسهم - كما في ترجمته لبرتيل مالمبرج ( علم الأصوات ) - ولا يخلي أيا من ترجماته تلك ، من مقدمات وتعليقات ، يضبط فيها أمرها ، بحيث يستقيم استيعابها ، وتكتمل منفعتها .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
لقد ألقى بين عينيه حَديثَيْ رسول الله - صلى لله عليه ، وسلم ! - " خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَه " ، و" مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَه أَلْجَمَهُ اللّهُ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ " ، ثم أقبل يعلم تلامذته ، بحرا زَخّارًا فَيّاضًا سَمْحًا جَوادًا مَكينًا وَدودًا . وأنعم عليه الكريم - سبحانه ، وتعالى ! - بما ينعم به على أساتذة الجامعة ، من نعمة سابغة لا يعرف قدرها كثير منهم ، هي طلاب الماجستير والدكتوراه ، الذين يستطيعون أن يؤسسوا لأستاذهم أساس مدرسة يمضون به فيها إلى آماد لا يصل إليها وحده ؛ فعرف نعمته - سبحانه ، وتعالى ! - وشكرها ؛ فقسم في جسوم تلامذته جسمه ، ووزع في عقولهم هَمَّه !
لقد وجه رسائل بعضهم إلى القرآن الكريم ، مثل : الرسم المصحفي : دراسة لغوية تاريخية ، لغانم قدوري الحمد . اختلاف المصاحف : دراسة لغوية تاريخية ، لعبد اللطيف السعيد يوسف الخميس . قراءة المدينة في القرن الأول الهجري : دراسة صوتية تاريخية ، لأحمد مصطفى أحمد أبو الخير . دراسة لغوية إحصائية لأنماط الجملة البسيطة في القرآن الكريم ، لمحمد رضا كاظم الطريحي .
ووجه رسائل بعضهم إلى ما بين القرآن الكريم والتوراة ، مثل : أبنية المصادر في اللغتين العربية والعبرية واستعمالاتها في القرآن الكريم والتوراة ، لصلاح الدين صالح حسنين . دراسة مقارنة لأساليب الاستفهام في العربية والعبرية في ضوء ما ورد في القرآن والتوراة ، لعبد الله علي مصطفى . داود وسليمان في العهد القديم وفي القرآن الكريم : دراسة لغوية تاريخية مقارنة ، لأحمد عيسى الأحمد .
ووجه رسائل بعضهم إلى مادة اللغة العربية غير القرآن الكريم ، مثل : اللغة العربية بين المذكر والمؤنث ، لإبراهيم عبد المجيد ضوة . لغة أبي العلاء في رسالة الغفران ، لفاطمة الحبابي . خواص لغة الطب عند الرازي كما تبدو في كتاب الحاوي ، لمحمد يوسف حبلص . الألفاظ العلمية عند جابر بن حيان الكوفي : دراسة لغوية ومعجم ، لفائق خلف سلمان . دراسة لغوية لصور التماسك في لغتي الجاحظ والزيات ، ثم دراسة صوتية للأخطاء النطقية وأسبابها لدى طلبة دار العلوم واختيار التدريبات العملية المناسبة للعلاج ، وكلتاهما لمصطفى صلاح قطب . الربط بين التراكيب في اللغة العربية المعاصرة ، لمحمد حسن عبد العزيز . الألفاظ الدالة على الكلام في اللغة العربية المعاصرة : دراسة دلالية تأصيلية ، ثم أفعال الحركة في العربية المعاصرة : دراسة دلالية تركيبية ، وكلتاهما لمحمد إمام داود .
ووجه رسائل بعضهم إلى تاريخ اللغة العربية ، مثل : العربية في العصر المملوكي : دراسة لغوية ، لهويدي شعبان هويدي . اللغة العربية في عصر الحروب الصليبية كما تمثلها كتب التاريخ : دراسة لغوية تاريخية ، للبدراوي زهران .
ووجه رسائل بعضهم إلى ما بين اللغة العربية واللغة العبرية ، مثل : الإسرائيليات في تفسير الطبري : دراسة في اللغة والمصادر العبرية ، لآمال محمد ربيع . الشعر الديني العبري كما تمثله مزامير العهد القديم وعلاقته بالأدب العربي : دراسة لغوية مقارنة ، لأحمد عيسى الأحمد . أبنية الجموع في اللغة العربية : دراسة مقارنة باللغات السامية ، لأحمد شوقي النجار .
ووجه رسائل بعضهم إلى علماء اللغة العربية ، مثل : ابن حزم لغويا ، ليعقوب يوسف الفلاحي . ابن الطيب الفاسي وأثره في المعجم العربي مع تحقيق كتابه شرح كفاية المتحفظ ، لعلي حسين البواب . كتاب مختصر القاموس المحيط لعلي بن أحمد الهيتي : تحقيق ودراسة ، لأحمد مفرح السيد . التفكير اللغوي عند العرب قبل سيبويه ، ثم النقد المعاصر للنحو العربي : دراسة لغوية ، وكلتاهما لفتحي محمد جمعة . الفكر اللغوي بين سيبويه وابن جني : دراسة تأصيلية نقدية ، لأشرف مصطفى رضوان . الدرس الصوتي عند موفق الدين بن يعيش في ضوء علم اللغة الحديث ، لمنى إبراهيم صادق . جهود البلاغيين العرب في مجال الأصوات والدلالة في ضوء علم اللغة الحديث ، لإبراهيم الدسوقي عبد العزيز. وحدة التحليل الصرفي بين القدماء والمحدثين ، لمحمد أحمد حماد . اتجاهات التحليل الفونولوجي في المدارس اللغوية المعاصرة مع محاولة تطبيقية على اللغة العربية ، لأحمد عزت البيلي .
بل وجه رسائل بعضهم إلى بعض اللهجات العربية ، مثل : الخواص التركيبية للهجة طرابلس الغرب ليبيا ، لعبد الله عبد الحميد سويد . دراسة صوتية صرفية للهجة مدينة نابلس الفلسطينية ، لمحمد جواد النوري . دراسة صوتية في لهجة قبيلة الشايقية ، لبكري حاج أمين . الأصوات والأبنية في لهجة قبيلة العبابدة بمحافظة البحر الأحمر : دراسة في ضوء المنهج الوصفي ، لخالد حسن أبو غالية .
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
أذكر أنني أرسلت إليه من مَكْمَني بغرفة عمليات لواء المشاة الميكانيكي 120 من الفرقة الثانية بالجيش الميداني الثاني ، أوائل سنة 1988م ، أُعَبِّرُ له عن شوقي إلى محاضراته التي كان يُطَوِّفُ بنا فيها على معالم خبرته ، يُعَرِّفُها لنا ، وينقلها إلينا ، قائلا : " ترحل بنا من علم الأصوات إلى علم الطائرات ... " ، وكلاما كثيرا كهذا ، لا يعجب كثيرا من الطلاب الذين يرون خروج المحاضر عن حدود الكتاب المقرر ، تَحْريفًا للكَلِم " مِنْ بَعْدِ مَواضِعِه " ، حتى نابَذَهم التهمةَ بعضُ أساتذتنا ، فسمّاهم " الكِتابيّينَ " ، وتلا عليهم : " يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ " !
لقد كانت محاضرته جرعة ثقافية كاملة مركبة ، أفكارا وتجارب ورحلات وكتبا ورجالا ومواقف ... ، لا يفضل عنصر من عناصرِ مُرَكَّبِها عنصرا ؛ فمن المعروف من طبائع الأشياء بالضرورة ، أن لعناصر المركبات وجودا في مركباتها غير وجودها على انفرادها ؛ لهذا كان لكلامه في أيٍّ من تلك العناصر ، مذاق خاص عميق جليل مهيب . لقد كانت محاضرته صورة من شخصيته هو نفسه ، وكان ملء الصورة ، ملء السمع والبصر !
حاولت مرة أن أسجل محاضرته تسجيلا صوتيا - ولم يكن تسجيل المحاضرات شائعا كاليوم مألوفا مطلوبا ، ولا حاولت أن أسجل لأحد غيره - فأبى ! ربما أرادني أن أتقن الإنصات في الوقت ، أو أن أتقن إيجاز الكتابة في أثناء الإنصات على طريقة ذوي المهارات المركبة ؛ وكان ذلك التسجيل الصوتي شعار الطلاب الكسالى !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
ما أظرفه خطيبا - وإنما ظَرْفُ هذه الأمة في لسانها - حاضر البديهة ، لا تفلته النكتة ، ولا تعجزه الملحة ، حاد الصوت عميق نبوعه سليم مخارجه منغوم صفاته ، قصير الجمل ، عربي اللغة ، واضح الأفكار مرتبها متدفقها ، قرآني الأسلوب ، نبوي الأناة ! وما أطربه حين حدثنا أن عجوزا عجمية - ربما كانت من المستعربين حديثا - استوقفته مرة لتعبر له عن راحتها لخطابته الواضحة !
لولا خطابته بمسجد عمرو بن العاص بالقاهرة ( أقدم مساجد أفريقيا ) ، خطبة الجمعة ، ومجلسه بعدها ، وكلمته بين التراويح في ليالي رمضان التي كان يؤم المسجد فيها مئات الآلاف - لذهب نصف ما انبعث للمسجد من صيت ! خطيب موهوب واع مجدد لا يشغل الناس بما لا يفيدهم عما يتعلق به وجودهم ولا يجمد لهم فيما بعد الاستراحة على ما كان قبلها فيُمِلّهم ، حَيَويّ المنهج غير منقطع إلى القديم ولا منقطع عنه بل مازج مزجا عجيبا بين القديم والحديث والطموح إلى المستقبل ! لن أجد مثل بركة مجلسه ذلك المهيب بالمسجد بعد الجمعة ، وقد حَضَرَه رَجُلٌ ليُسْلِم على يديه ، فقال له : اغتسلت ؟ قال : نعم . قال : هيا اشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ! فشهد الرجل ، فكَبَّر الحاضرون ، فكفكف من صخب تكبيرهم قائلا : ما لكم ! ما لكم ! الله أكبر دائما !
وما أصدق العامة في التعبير عن نعمة الله - سبحانه ، وتعالى !- به عليهم ! ذَهَبْتُ أوائلَ تسعينيّات القرن الميلادي العشرين ، أعزي أستاذنا الدكتور سعد مصلوح عن وفاة زوجته ، فإذا وفد المعزين كامل العَدَد ، فيه الكبار والصغار ، الأساتذة والطلاب ، وإذا سرادق العزاء كامل العُدَد ، فيه الخشب والقماش والمصابيح والمكبرات ، وفيه قارئ القرآن ، وفيه واعظ المُعَزّين ! قرأ القارئ شيئا من كتاب الله ، ثم قام الواعظ ، فإذا هو من جهلة الوعاظ وسخفائهم ، يهذي بكلام لا يقبله لا عقلاء ولا مجانين ، ولا مؤمنون ولا جاحدون ، وبجانبي أستاذنا الدكتور محمد عبد المجيد الطويل يَرُدُّ سَخافاته واحدة واحدة لا يسمعه غيري ولا يعلم إلا الله كيف كَظَمْتُ ضَحِكي ! وأمامي أستاذنا الدكتور إسماعيل سالم ينصح له أن يكتفي ! فلم ينتصح ، بل أفرط ، فوقف له الدكتور إسماعيل ، ونهره ، فارتدع : وأستغفر الله لي ولكم ، والسلام عليكم ! ولَمّا يستوفِ العزاءُ مَوْعِظَتَه ؛ فاستوى في مكانه فجأة أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين ، فتَدَفَّقَ ارتجالا بسَلْسبيل فُتوحاته ، فسالَتْ بتَخاريف ذلك الواعظ المُسْتَأْجَرِ ، حتى جاء شيخ هرم لا أعرفه إلى أستاذنا الدكتور سعد مصلوح يهنئه : الله ، يا دكتور سعد ! أرأيت كم يُحِبُّها رَبُّنا ! أرأيت كيف يَسَّرَ للوَعْظِ في عزائها الدكتور عبد الصبور شاهين !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
ما أَبَرَّ إشارته إلى فضل أبويه عليه ، في إهداء كتابه " أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي " ، قائلا : " إلى والديَّ في برزخهما بعدما غَرَسا فيَّ حياتهما ، غَمَرَهما الله بالرحمة والرضوان ؛ " كما رَبَّياني صَغيرًا " ! عبد الصبور " . ولقد يكفي في الدلالة على بِرِّ ما بين الوالدين وابنهما ، حفظُه القرآن الكريم وهو دون العاشرة ؛ فإنه تاج كرامتهما في الآخرة ، وتاج رقي درجته في الدنيا والآخرة . ولولا كرامة والدي حافظ القرآن ، لم يكن سبيل إلى مكافأة فضلهما ، إلا بأن ينجب مثلما أنجبا ، ويُفْضِل على أبنائه مثلما أَفْضَلا ، لتستمر سبيل ذلك حتى يرث الله - سبحانه ، وتعالى ! - الأرض ومن عليها . ولقد فهم أستاذنا ذلك ، وسعى في سبيله ، حتى قال في إهداء كتابه " العربية لغة العلوم والتقنية " : " إلى أولادي : محمد عمرو ، وهشام ، ومروان ، وأميرة ، ولبنى - آملا أن تكونوا بسبب من العلم النافع ، وداعيا أن تكون ثمرته فيكم نعمة العلم بالله ، وشرف العمل الذي ينفع الناس - دعوة كانت من جدكم لأبيكم في قبلة الأزهر الشريف ، ثم ها أنتم أولاء أورثتموها ؛ الحمد لله ! عبد الصبور " . فسبيل العلم النافع الممهدة ، متصلة من والد أستاذنا إلى أبنائه ، محروسة باليقين والإخلاص والإتقان والثبات والرضا .
وكما أَيَّدَتْ والدَه فيما سبق والدتُه ، أَيَّدَتْهُ زَوْجَتُه ؛ فلم يكن لينسى فضلها عليه ، بل تَحَبَّبَ إليها في إهداء كتابه " القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث " ، قائلا : " إلى زوجتي ، وفاء بحقها ، وعرفانا بفضلها ، وإني لأحس في أعماقي أن ما منحتنيه من عون ورعاية ، هو مثال تأتسي به بنات حواء ، من رافقت منهن أحدا من العلماء أو الباحثين " . ولم يكن الودود - سبحانه ، وتعالى ! - ليخيب مسعاهما ، بل أنبت لهما أبناءهما نباتا حسنا ، وجعلهما بهجتهما الدائمة ، وعونهما الحاضر ، حتى لَيَعْتَمِدُ على بعضهم ، في بعض أعماله الخاصة ، قائلا في أوائل ترجمته لكتاب " علم الأصوات " ، لبرتيل مالمبرج : " يسجل المُعَرِّبُ الوالِدُ شكره خالصا لابنته الآنسة أميرة الطالبة بكلية الطب جامعة القاهرة ، على إنجازها الممتاز لما حفل به الكتاب من رسوم إيضاحية " ، غير مستغن عن أن يعيد ذلك في أواخرها ، قائلا في إطار مزخرف : " أنجزت هذه الرسوم والأشكال الإيضاحية ، الآنسة أميرة عبد الصبور شاهين ، وأضافت إليها رسما إيضاحيا للأذن وأجزائها السمعية ، هو الذي يجده القارئ ملونا على غلاف الكتاب ، كما يجده ملحقا بدراسة الأذن ص40-41 ، دون أن يأخذ رقما مسلسلا بين رسوم الكتاب " !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ ، وَلَمْ يَحْرِمْنا أَجْرَه ، وَلَمْ يَفْتِنّا بَعْدَه !
آمين !