المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حركة الأسماء العربية=2


أ.د. محمد جمال صقر
11-02-2012, 01:51 PM
4
ثم فتح صاحبُ الأَحَديَّة بابَ التَّعْليقات ، فكان كلُّ ضيف إذا بَدَأَ شَكَرَه ، وربما شَكَرَ المُحاضر ، وكنتُ كلما تكلم ضيف سألتُ عن اسمه صاحبَ الأَحَديَّة لأكرمه به ، فيَذْكُرُ ويَنْسى ، ثم لما أقبلتُ أعلق عليهم بأسمائهم ، وجدته يُصيبُ أيضا ويُخْطِئُ !
ولم أكن أظن أن يبادر إلى التعليق أكثر الضيوف ، فكنت أكتب أطراف أفكارهم على أَظْهُرِ ورقة مَثْنيَّةٍ كتبتُ على وجهها ما مَهَّدْتُ به ، فلما امتلأت أَظْهُرُها انتقلت إلى وجهها ، فخَلَّلْتُ ما فيه !
فرحتُ بكثرة التعليقات دليلَ نجاح ، وأثنيتُ على أصحابها باستفادتي منها ، وقَدَّرْتُهم بتَذَوُّقِ ما سَجَّلْتُ لهم ، وزيادة أَدِلَّته أو مظاهره . وأستحسن الآن أن أًلْحِقَ تعليقَ كل ضيف تعليقي عليه ، لكيلا تنقطع عَلاقَةُ أطرافِ الأفكار .
تكلم الدكتور منصور سائلا : هل تتغير أصداء الأسماء بتغير الأزمان ؟ وما مدى قبول التصريح بالأسماء المستقبحة ؟ فذَكَّرني عادة جدتي - رحمها الله ! - أن تَمْنَعَني مِنْ ذِكْرِ بِنْتِ عِرْسٍ ، إلا بالأميرة ، وكأنَّ بِنْتَ عِرْسٍ تفرح بتَأْميرها ، فتَعِفُّ عن طيورها ، أو كأنني إذا سَمَّيْتُها حَضَرَتْ فافترست طيورها . وذَكَّرَني عادةَ المصريين أن يَتَجَنَّبوا تسمية مرض السرطان ، وكأنه إذا سَمَّوْهُ أصابهم !
ثم تكلم الدكتور عبد الباسط بدر مُنَبِّهًا على تطور دلالة الأسماء الحضارية ، الواضح في قوائم أسماء الطلاب والطالبات على توالي السنوات - ومشيرا إلى عادة العرب القديمة تسمية أبنائِهم الأسماءَ القبيحة وعبيدِهم الأسماءَ الحسنة ، وجاعلا تطور التسمية من مقاييس الغزو الحضاري ؛ فأعجبني أن نقيس بتطور التسمية درجة الغزو الحضاري ، وذكرت كيف ظهر في أسماء بناتنا إِبّان رئاسة رونالد ريجان الرئيس الأميركي الأسبق ، اسم " نانسي " زوجته !
وعَلَّقَ صاحب الأَحَديَّة أن العرب القدماء كانوا يسمون أبناءهم لأعدائهم وعبيدهم لأنفسهم ، مُنَبِّهًا على أن من معالم التواصل الحضاري اجتماع الأمم على بعض الأسماء كـ" سَمير " ؛ فذكرت أن من العار أن صار بعض آبائنا يتعمدون إخفاء أبنائهم في غيرهم ، بمثل " آدم " ، و" مريم " ، و" يوسف " ، من الأسماء المشتركة ، على جلالها !
ثم تكلم الدكتور عبد الله مؤكدا كلام صاحب الأَحَديَّة ، ومشيرا إلى أثر الأحوال السياسية في حركة التسمية في العقود الأخيرة ، ومُنَبِّهًا على ما يجده الآن من عودة واضحة إلى الأسماء العربية الأصيلة ، ومُتَمَسِّكًا بأثر مِهَن العائلات في تسمية أبنائهم ( النَّجّار ، الحَدّاد ، الصّائِغ ) ، ومُسْتَطْرِفًا من معالم حَجْب التسمية عند البدو ، أنهم يتشاءمون عند العَدِّ مِنْ رَقْم سَبْعَة ، فيسقطونه خشيةَ ما فيه مِنْ إيحاءٍ بدعائهم المشهور : اللهْ يِِسْبَعْك ؛ فخطر لي أن يكون دُعاءً بسَطْوَة السَّبُع ، فخالفني إلى أنه دعاء بإصابة السَّبْع الموبِقات ( المُهْلِكات ) !
ثم تكلم الدكتور راضي مؤكدا كلام الدكتور عبد الباسط ، ومستطردا إلى عجائب أسماء البدو ، وتسمية بعضهم ابنته " جَزْمَة " ، من الجَزْم أي القَطْع ، ولم يخطر له قَطُّ تَلاقي النّيَّة القاطعة والنَّعْل المقطوعة ! - ومُذَكِّرًا بتغيير رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - الأسماء القبيحة إلا ما أَبى أصحابُها ؛ فأشرتُ إلى باب تغيير الأسماء القبيحة من صحيح البخاري .
ثم تكلم الدكتور ياسر نور رادًّا مشكلة تسمية الأسماء العربية ، إلى مشكلة اللغة العربية على وجه العموم ، ومستحضرا كلام ابن خلدون في وَلَعِ المغلوب بتقليد الغالب ؛ فأثنيت له على توحيد الظاهرة الباطنة وراء المظاهر المختلفة .
ثم تكلم الدكتور أحمد الزعبي مشيرا إلى طريقة الماليزيّين الغريبة في تسمية أبنائهم ، بفتح المُصْحَف عَفْوًا ، واختيار ما تقع عليه عَيْنُ المُسَمّي ، حتى سَمَّوْا أحد ذكورهم مرة " ناقَةَ اللّهِ وَسُقْياها " - وذاكرا كيف وَلِعَ الناس بتركيب الأسماء مضافةً إلى " الدّين " ، إعجابا بنور الدين زنكي ؛ فحكيت له في مثل ذلك عن الدكتور علي جمعة مفتي مصر ، أن عَيْنَ مُسَمّي بِنْتِه ذلك ، وَقَعَتْ مَرَّةً على " الزّانِيَةُ وَالزّاني " ، فسماها " الزّانِيَة " ، ثم نَبَّهْتُ على أنني سمعت ذلك منه قبل تَولّيه منصب الإفتاء !
ثم تكلم الدكتور حامد الخطيب مُنَبِّهًا على أثر تعميم التناول في شدة اختلاف التعليقات ، ومتمنيا لو خَلَصَتِ الكلمة للبحث اللغوي ؛ فاستنكرت عليه أن يَسُدَّ عليَّ باب تلك الفوائد المختلفة المؤتلفة ، وتَمَنَّيْتُ أن لو كان أفادني بتعليق جُغْرافيٍّ - ولكنه بَخِلَ علي - وبَيَّنْتُ أن أفضل المحاضرات أكثرها إثارة للأسئلة !
ثم تكلم الدكتور مختار الفيجاري ، على أثر تنبيه الدكتور الخطيب ، مُسْتَغْرِبًا محاولة تقعيد علاقة الأسماء بالمسميات ، وهي علاقة اعتباطية مستحيلة التقعيد ؛ فلم أنكر النظرية العلمية ، ولكنني لم أر لاستغرابه موضعا ؛ فأنا أتأمل مرحلة من الفعل اللغوي بعد التي يشير إليها ، وأنسب إليها ظاهرة التسمية ، وأدعو إلى تَوْجيهها .
ثم تكلم الدكتور محمد الصفراني ، مؤكدا كلام الدكتور مختار ، ومضيفا اقتراح المنهج الثقافي لدراسة الأسماء من غير تمسك بعلاقة الدال بالمدلول ؛ فتلاعبت له قليلا بنسبة هذا المنهج الغَذّاميَّة ، ولكنني استحسنت المصطلح جدا ، إذا اتجه الوجهة الصحيحة .
ثم تكلم الأستاذ محمود العربي مندهشا بالمحاضرة التي أوحت " حَرَكَةُ " في عنوانها ، بأنها في تصريف الأسماء ، فإذا هي في فلسفة التسمية ! فأثنيت على إحساسه الصادق ، وفهمه الدقيق .
ثم تكلم الدكتور أحمد الخراط مُنَبِّهًا على أن التَّسْمِيَة بَحْرٌ لا ساحل له ، تزدحم فيه الروافد ، وتختلف ، وتختلط - ومشيرا إلى أن عجائبها لا تنقضي ولا تختفي ، بل يعانيها كلَّ يوم مِمّا يُسْتَفْتى فيه ، حتى لقد وجد النزاعات تَشْتَجِرُ بين الأهلين تَعَصُّبًا لاسم على اسم - ومستطردا إلى خبر والي المدينة الذي أعجبه اسم زَيْد ، فسماه أبناءه الثلاثة ، ثم مَيَّزَ بعضهم من بعض بعلامات الإعراب رَفْعًا وجَرًّا ونَصْبًا ؛ فواحد " زَيْدٌ " ، وواحد " زَيْدٍ " ، وواحِدٌ " زَيْدًا " ! - وداعيا إلى التواصي بالتأني في التسمية ؛ فجعلتُ دعوته بمنزلة استخلاص خُلاصة كلمتي .
ثم تكلم الأستاذ زَبْن - هكذا ذكره لي بالباء صاحب الأَحَديَّة ، وفي الحديث المرفوع عن أبي هريرة " إِنَّ اللّهَ يُبْغِضُ الْمُؤْمِنَ الَّذي لا زَبْنَ لَه " ، أي لا شِدَّةَ في الحق ، وأصل الزَّبْن الدَّفْع ، وقد سَمَّوْا زَبّانَ ، فأما زَبْنٌ فطريف - مؤكدا أثر البيئة في التسمية ، ومستدركا أن لدينا قاعدة نرجع في التسمية إليها ، وسنة نبوية نسير عليها - ومتمثلا بشكوى الأب المشهورة عقوق ابنه ، إلى سيدنا عمر - رضي الله عنه ! - التي دَحَضها الابن بأشياء عَقَّه بها أبوه فعَقَّه ، منها قُبْحُ الاسْمِ ؛ فذَكَرْتُ ما في الموطأ برواية يحيى الليثي ، من شواهد إلهام سيدنا عمر ، أَنَّه قالَ لِرَجُلٍ : مَا اسْمُكَ ؟ فَقالَ : جَمْرَةُ ، فَقالَ : ابْنُ مَنْ ؟ فَقالَ : ابْنُ شِهابٍ ، قالَ : مِمَّنْ ؟ قالَ : مِنَ الْحُرَقَةِ ، قالَ : أَيْنَ مَسْكَنُكَ ؟ قالَ : بِحَرَّةِ النّارِ ، قالَ : بِأَيِّها ؟ قالَ : بِذاتِ لَظى ، قالَ عُمَرُ : أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقوا ؛ فَكانَ كَما قالَ !
وقد كنت أنشدت الضيوف هذا البيت منسوبا إلى المتنبي ، وفي نفسي ظَنُّ أَنْ يكون لأبي نواس :
أَلا فَاسْقِني خَمْرًا وَقُلْ لي هِيَ الْخَمْر وَلا تَسْقِني سِرًّا إِذا أَمْكَنَ الْجَهْر
أستشهد به لتَلَذُّذ الشاعر باسم الخمر كما يَتَلَذَّذُ بجسمها ، فنسبوه إلى أبي نواس ، وأنكر عليَّ الدكتور عبد الباسط بدر بأنه إنما أراد المجاهرة !
تَمَنَّيْتُ أن لو كنت عَجَّبْتُهُمْ قليلا من عنايتهم الواضحة بخَمْريّات أبي نواس - وهذه الرائية من أبشعها مُجونًا - وأن لو أَضَفْتُ إلى البيت بيته الآخر :
أَثْنِ عَلَى الْخَمْرِ بِآلائِها وَسَمِّها أَحْسَنَ أَسْمائِها
إذًا لَقَوِيَ الرأيُ الذي رأيتُه ، ولكنني اكتفيت عندئذ بأننا يجوز لنا أن نخلع البيت من قصيدته ، لنفهمه كما نشاء !
5
ثم ختم المجلسَ صاحبُ الأَحَديَّة ، واعتذر عن تأجيل اللقاء القادم إلى شوال ، ودعانا إلى مجلس العشاء ، وطلب نسخة كلمتي لنشرها .
غسلنا أيدينا ، ودخلنا إلى غرفة مُجَهَّزة ، وُضِعَتْ على أرضها صِحافُ الطعام ، لكل أربعة صَحْفَةٌ ، في كل منها مقدار كبير من الأرز الأسيوي على رأسه مقدارٌ مناسب من اللحم العربي ، ومن حولها أطباق الفاكهة ، لكلٍّ من الأربعة طَبَقٌ فيه موز ومشمش وبرتقال . كان معي على صَحفتي الدكتور مختار والدكتور ياسر وزميل لنا سعودي من أصل شامي لا يكاد يتكلم . أَثَرْتُ الدكتور مختارًا إلى ما جادلني فيه ، ولم نتفق على شيء ، وتكلم السعودي هذه المرة ، فأوحى إليَّ باستنكار رأيي في اسمي !
هكذا إذن !
لقد تتابع الضيوف إلى مجلس الطعام من غير أن يحاول أحدٌ منهم السلام عليَّ إلا الدكتور الخطيب وإلا الأستاذ خالد الطويل الصحفي بجريدة الوطن الذي أراد بياناتي ؛ فظننتُ ذلك من استغراب الوافد الجديد ، فإذا هو من استنكار رأيه المُشْتَطِّ في اسمه الكريم ، ولقد علم الله مني غير ذلك !
اتهمت نفسي ، فلم أرتح ليلتي حتى كتبت لصاحب الأَحَديَّة قبل الفجر هذه الرسالة الجَوّاليّة ( المَحْموليّة ، النَّقّاليّة ، الخَلَويّة ، المُبَيْليّة ) :
سعادة العميد
سلام الله عليكم
وشكر الله لكم
وجعله الله في موازين حسناتكم
كان كل شيء طيبا إلا اضطراب تعبيري عن مشاعر الأب عند تسمية ابنه لقد أردت أنه إذا سئل ماذا كنت تحب أن يكون اسمك لو لم يكن كما هو لقال تعصبا لا أحب إلا ما سمانيه أبي ولكنه يعبر بتسميته ابنه أحيانا عن رغبة دفينة في أن لو كان تسمى هو اسم ابنه ولكنني عبرت بما يوحي بكراهة اسم محمد - معاذ الله - فلزم الاعتذار وإن لم يعتب علي أحد
محمد ج صقر