أ.د. محمد جمال صقر
11-02-2012, 01:55 PM
الشُّعَراءُ وَالنَّحْويّونَ
للدكتور محمد جمال صقر
الخلاف بين الشعراء والنحويين (علماء النحو) قديم مستمر : يُخَطِّئُ النحويون أقوال الشعراء ، ويُسَفِّهُ الشعراء أحلام النحويين ، والغاوون مذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء !
ولا يعرف الشوق إلا من يكابده !
وقد كابدت بحياتي طلب الشعر والنحو ، وطلب علمي الشعر والنحو ؛ فلا أحكم هنا إلا بما عانيت ، في مسألة مطروحة دائما وكأن طرحها فرض كفاية على مثقفي كل زمان ومكان ؛ وهل أشرف مما نقوم جميعا فيه الآن من زمان ومكان !
ولقد خطرت لي في هذه المسألة ، أفكار أربع ، يمكنني بها أنا وأنتم أن نتجاذب أطرافها ؛ عسى أن نركن من فهمها إلى ركن وثيق :
• الشِّعْرُ وَالنَّحْوُ :
- حقيقةُ وجود كل منهما في الكلام ، وما يجتمعان عليه ، وما يفترقان فيه .
• عِلْمُ الشِّعْرِ وَعِلْمُ النَّحْوِ :
- منهجُ البحث عن حقيقة كل منهما ، المفضي إلى نظريات ضابطة .
• الشّاعِرُ وَالْفَصيحُ :
- حقيقةُ وجود كل منهما في المتكلمين ، وما يجتمعان عليه ، وما يفترقان فيه .
• عالِمُ الشِّعْرِ وَعالِمُ النَّحْوِ :
- حقيقةُ وجود كل منهما في الباحثين ، وما يجتمعان عليه ، وما يفترقان فيه .
إننا إذا تأملنا كل فكرة من هذه الأفكار حق تأملها ، واتفقنا في نقدها على قول فصل - وضعنا علاقةَ بَيْنِ الشعراء والنحويين (علماء النحو) ، في موضعها الصحيح ؛ فعَرَفَ كلٌّ حَدَّه ، فَوَقَفَ عِنْدَه !
***
1
حدثنا أبو تميم عبد الحميد بسيوني وكان مستشار جابر الصباح أمير الكويت الأسبق ، أنه شهد مجلس أستاذنا محمود محمد شاكر ، وقد أقبل محمود حسن إسماعيل - وكلهم معاصرون ماتوا في أثناء هذا القرن الهجري الخامس عشر ؛ رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ، ولم يَفْتنّا بعدهم ، ولم يحرمنا أجرهم ! - ينشد من شعره المجلسَ الجليل ، وفيه الحسّاني حسن عبد الله - عفا الله عنه ! - يَتَسَقَّطُ له ، حتى لَقَطَ شيئا صاح به عليه ؛ فغضب محمود حسن إسماعيل .
قال أبو تميم : فلما كان المجلس التالي ، بَدَرَ إسماعيلُ بقصيدته من الشعر الحر " الوَهَجُ وَالدّيدانُ " ، يقول :
" تَفْعيلَتانْ
ثَلاثُ تَفْعيلاتْ
وَسَبْعُ تَفْعيلاتْ
وَأَحْرُفٌ تُعانِقُ الْأَلْحانَ بِالْأَحْضانِ وَالرّاحاتْ
تُدَفِّقُ النّورَ عَلى حَفائِرِ الْأَمْواتْ
شَلّالَ موسيقا بِلا قَواعِدٍ مَرْسومَةِ الرَّنّاتْ
مَعْصومَةِ الْإيقاعِ دونَ حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ
يَعُدُّها مِنْ قَبْلِ أَنْ تَجيءَ بِالْأَسْبابِ وَالْأَوْتادِ وَالشَّطْراتْ
تَشُقُّ بابَ الرّوحِ لا تَسْتَأْذِنُ الْإِصْغاءَ وَالْإِنْصاتْ
وَلَيْسَ في إِعْصارِها سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ
وَلا فُضولُ الْمَوْتِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْحَياةَ عَنْ تَوَهُّجِ السّاحاتْ
وَلا فُضولُ اللَّيْلِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْفَجْرَ لِماذا تَنْسَخُ الرُّفاتْ
ضَجَّ الْبِلى مِنْ صَيْحَةِ الْإِشْراقِ في تَشَبُّثِ الْمَواتْ
وَانْتَفَضَتْ هَياكِلٌ مَرْصوفَةُ الطُّقوسِ مِنْ تَناسُقِ الْأَشْتاتْ
وَكُلُّ ما فيها قَرابينُ تُقَدِّسُ الرِّمامَ في كُلِّ حَصادٍ ماتْ
مَصْلوبَةُ الْجُمودِ وَالرُّكودِ وَالْهُمودِ وَالسُّباتْ
عَلى مَطايا زَمَنٍ مُهَرَّأِ الْأَكْفاتْ
تَحَرَّكَتْ في غَبَشِ الْكُهوفْ
جَنائِزًا في لَحْدِها تَطوفْ
مَشْلولَةَ الْمَسيرِ وَالْحِراكِ وَالْوُقوفْ
كَأَنَّها لِتُرَّهاتِ أَمْسِها رُفوفْ
أَوْ أَنَّها لِكُلِّ نورٍ شَعَّ في زَمانِها حُتوفْ
تُريدُ شَلَّ الْوَهَجِ الْعَصوفْ
بِأَعْيُنٍ ضِياؤُها مَكْفوفْ
وَأَلْسُنٍ نِداؤُها مَعْقوفْ
تَهاتَرَتْ مَخْدورَةً مِنْ سَمْتَةِ الْعُكوفْ
وَراعَها تَمَزُّقُ السُّجوفْ
وَخَيْبَةُ التَّكْرارِ وَالدُّوارِ في الْقيعانْ
فَأَنْشَبَتْ هُذاءَها في الْقَشِّ وَالْعيدانْ
وَالْحَبُّ عَنْ عَمائِها مُغَلَّفٌ نَشْوانْ
وَوَعْيُها مِنْ غَشْيَةٍ غَفْلانْ
وَطَرْفُها مِنْ عَشْيَةٍ ظَمْآنْ
لِكُلِّ ما لَمْ يَبْقَ فيهِ قَبَسٌ لِخُطْوَةِ الْإِنْسانْ
سُبْحانَ رَبِّ النّورِ مِنْ تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مَنْ أَيْقَظَ الدّيدانْ
أَنْغامُ هذا الطَّيْرِ ما لَقَّنَها بُسْتانْ
وَلا حَداها حارِسٌ يَقْظانْ
وَلا بِغَيْرِ ما تَجيشُ نارُها تَحَرَّكَتْ بَنانْ
مِنْ ذاتِها وَوَحْيِها رَحيقُها الصَّدْيانْ
الرّافِضُ الْإيماءَ لِلْوَراءِ يَمْتَصُّ خُطا الرُّكْبانْ
الرّافِضُ الْقِياسَ في الصَّدى وَفي الْمَدى وَفي اللِّسانْ
وَفي هَوى التَّنْغيمِ وَالتَّفْخيمِ وَالتَّرْنيمِ وَالْإِرْنانْ
تَدَفَّقَتْ لا تَعْرِفُ التَّطْريزَ في تَوَهُّجِ الْأَلْحانْ
وَلا خِداعَ السَّمْعِ في تَبَرُّجِ الْحُروفِ لِلْآذانْ
وَلا لِخَطْوِ اللَّحْنِ قَبْلَ سَكْبِهِ مِنْ نايِها ميزانْ
أَسْكَرَها خالِقُها قَبْلَ انْبِثاقِ اللَّحْنِ بِالْأَوْزانْ
تَحَرَّرَتْ فَما بِها لِلْقالَبِ الْمَصْبوبِ قَبْلَ كَأْسِها إِذْعانْ
زَخارِفٌ مَطارِفٌ مَتاحِفٌ لِقِشْرَةِ الْأَكْوانْ
قَواقِعٌ بَراقِعٌ بَدائِعٌ زَيّافَةُ الْأَلْوانْ
جَلَّ عَزيفُ النّايِ أَنْ يَقودَهُ إِنْسانْ
وَجَلَّ روحُ الْفَنِّ عَنْ تَناسُخِ الْأَبْدانْ
فَالشِّعْرُ شَيْءٌ فَوْقَ ما يَصْطَرِعُ الْجيلانْ
روحٌ تَرُجُّ الرّوحَ كَالْإِعْصارِ في الْبُسْتانْ
بِزَفِّها وَحَرْفِها وَنورِها الْمُمَوْسَقِ النَّشْوانْ
وَخَمْرِها الْمَعْصورَةِ الرَّحيقِ مِنْ تَهادُلِ الْأَزْمانْ
لِكُلِّ جيلٍ كَأْسُه لا تَفْرِضُوا الدِّنانْ
مَلَّ النَّدامى حَوْلَكُمْ عِبادَةَ الْأَكْفانْ
فَجَدِّدوا أَرْواحَكُمْ لا تَظْلِمُوا الْميزانْ
فَالشِّعْرُ لَحْنٌ مِنْ يَدِ الرَّحْمنْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مُلْهِي النُّسورِ عَنْ خُطَا الدّيدانْ " . (ديوانه)
ومن تأمل هذه التعبيرات حق تأملها : " حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ " ، " سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ " ، " فُضولُ الْمَوْتِ " ، " فُضولُ اللَّيْلِ " ، " تَشَبُّثُ الْمَواتْ " ، " تَناسُقِ الْأَشْتاتْ " ، " تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ " ، " تَناسُخِ الْأَبْدانْ " ، " عِبادَةَ الْأَكْفانْ " ، " خُطا الدّيدانْ " - رأى كيف عَرّاهُ للملأ ، ثم سَلَحَ عليه ! بل كيف زَلْزَلَه ، وأَضَلَّه عن نفسه ، ثم تركه في بَيْداء ! فأَيَّةُ مَذَمَّةٍ لم يَصُبَّها عليه ! وأَيَّةُ مَحْمَدَةٍ لم يَسْلُبْها منه !
فتُرى كيف اختلفا اختلافا شديدا وكان ينبغي أن يأتلفا ، حتى إذا أخطأ إسماعيل خَطَأً انْتَهَزَه الحَسّانيُّ نُهْزَةً باردةً ؟ وماذا كان ذلك الخطأ ولا مَصْلَحَةَ في التَّشْنيعِ به ، حتى أَكْمَدَه عليه هذا الكَمَدَ ، واستعداه هذه العَداوة ؟
قال المظفر العلوي المتوفى سنة 656 الهجرية : " يَنْبَغي لِلشّاعِرِ أَلّا يُعادِيَ أَهْلَ الْعِلْمِ ، وَلا يَتَّخِذَهُمْ خُصومًا ؛ فَإِنَّهُمْ قادِرونَ عَلى أَنْ يَجْعَلوا إِحْسانَه إِساءَةً ، وَبَلاغَتَه عيًّا ، وَفَصاحَتَه حَصَرًا ، وَيُحيلوا مَعْناهُ ، وَيَنْتَقِضوا ما بَناهُ ! فَكَمْ مِنْ أَديبٍ أَسْقَطَ أَهْلُ الْعِلْمِ حُكْمَ أَدَبِه ، وَأَخْمَلوا مِنْ ذِكْرِه ما تَنَبَّلَ بِه ! وَلَوْ عَدَدْناهُمْ لَأَفْرَدْنا لَهُمْ كِتابًا ! وَلِلّهِ عَمّارٌ الْكَلْبيُّ حَيْثُ يَقولُ :
ماذا لَقيتُ مِنَ الْمُسْتَعْرِبينَ وَمِنْ قِياسِ نَحْوِهِم هذَا الَّذِي ابْتَدَعوا
إِنْ قُلْتُ قافِيَةً بِكْرًا يَكونُ بها بَيْتٌ خِلافَ الَّذي قاسوهُ أَوْ ذَرَعوا
قالوا لَحَنْتَ وَهذا لَيْسَ مُنتَصِبًا وَذاكَ خَفْضٌ وَهذا لَيْسَ يَرْتَفِع
وَحَرَّضوا بَيْنَ عَبْدِ اللّهِ مِنْ حُمُقٍ وَبَيْنَ زَيْدٍ فَطالَ الضَّرْبُ وَالْوَجَعُ
كَمْ بيْنَ قَوْمٍ قَدِ احْتالوا لِمَنْطقِهِمْ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَلى إِعْرابِهِمْ طُبِعوا
ما كُلُّ قَوْلِيَ مَشْروحًا لَكُمْ فَخُذوا ما تَعْرِفونَ وَما لَمْ تَعْرِفوا فَدَعوا
لِأَنَّ أَرْضِيَ أَرْضٌ لا تُشَبُّ بِها نارُ الْمَجوسِ وَلا تُبْنى بِهَا الْبِيَع
وَلَعَلَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَأْتونَ إِلَى الْمَعانِي الْمُسْتَحيلَةِ وَالْأَلْفاظِ الْمُخْتلَّةِ ، فَيُقَوِّمونَ أَوَدَها بِعِلَلِهِمْ ، وَيُصْلِحونَ فاسِدَها بِمَعْرِفَتِهِمْ ؛ وَمَنْ هذِه سَبيلُه فَما يَحْسُنُ أَنْ يُغْضَبَ وَلا يُقْشَبَ ؛ فَرُبَّ داهِيَةٍ وَقَعَ عَلى مَنْ هُوَ أَدْهى مِنْهُ " . (نضرة الإغريض)
ولو قد حضر المظفر العلوي مجلس أستاذنا ذاك ، لعرف كيف يَقْدِرُ الشعراء من النَّحْويّين (علماء النحو) على أكثر من ذلك ، ولَعَطَفَهُمْ عليهم بإغرائهم بخِدْمَتِهِمْ لهم كما فعل أخيرًا ببعض كلامه ، لا بتَهْديدِهم وهم المُمْتَلِئون بأنفسهم ، بأن يَهْتِكَ النَّحْويّونَ أستارَهم ظُلْمًا وعُدْوانًا ويَفْضَحوا أسرارَهم بَغْيًا وبُهْتانًا ! ثم العجبُ له يستشهد بشعر عمارٍ ينعى فيه على النَّحْويّينَ (علماء النحو) تَعْنيتَهم له ، من غير استكانة لهم ولا إقرار بسلطانهم ! أم تُراه يُخَوِّفُ الشعراء بالكَمَدِ الذي وَجَدَه عَمّارٌ ، من حيث كان السعيدَ منهم من وُعِظَ بأخي صَنْعَتِه - حتى يُقْرّوا ويَسْتَكينوا !
لقد كان ينبغي للمظفر العلوي ، أن يشتغل بجوامع ما بين طائفتي الشعراء والنَّحْويّينَ (علماء النحو) تَرْغيبًا ومُؤالَفَةً وإِصْلاحًا ، أكثرَ منِ اشتغاله بفوارق ما بينهما تَرْهيبًا ومُخالَفَةً وإِفْسادًا !
للدكتور محمد جمال صقر
الخلاف بين الشعراء والنحويين (علماء النحو) قديم مستمر : يُخَطِّئُ النحويون أقوال الشعراء ، ويُسَفِّهُ الشعراء أحلام النحويين ، والغاوون مذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء !
ولا يعرف الشوق إلا من يكابده !
وقد كابدت بحياتي طلب الشعر والنحو ، وطلب علمي الشعر والنحو ؛ فلا أحكم هنا إلا بما عانيت ، في مسألة مطروحة دائما وكأن طرحها فرض كفاية على مثقفي كل زمان ومكان ؛ وهل أشرف مما نقوم جميعا فيه الآن من زمان ومكان !
ولقد خطرت لي في هذه المسألة ، أفكار أربع ، يمكنني بها أنا وأنتم أن نتجاذب أطرافها ؛ عسى أن نركن من فهمها إلى ركن وثيق :
• الشِّعْرُ وَالنَّحْوُ :
- حقيقةُ وجود كل منهما في الكلام ، وما يجتمعان عليه ، وما يفترقان فيه .
• عِلْمُ الشِّعْرِ وَعِلْمُ النَّحْوِ :
- منهجُ البحث عن حقيقة كل منهما ، المفضي إلى نظريات ضابطة .
• الشّاعِرُ وَالْفَصيحُ :
- حقيقةُ وجود كل منهما في المتكلمين ، وما يجتمعان عليه ، وما يفترقان فيه .
• عالِمُ الشِّعْرِ وَعالِمُ النَّحْوِ :
- حقيقةُ وجود كل منهما في الباحثين ، وما يجتمعان عليه ، وما يفترقان فيه .
إننا إذا تأملنا كل فكرة من هذه الأفكار حق تأملها ، واتفقنا في نقدها على قول فصل - وضعنا علاقةَ بَيْنِ الشعراء والنحويين (علماء النحو) ، في موضعها الصحيح ؛ فعَرَفَ كلٌّ حَدَّه ، فَوَقَفَ عِنْدَه !
***
1
حدثنا أبو تميم عبد الحميد بسيوني وكان مستشار جابر الصباح أمير الكويت الأسبق ، أنه شهد مجلس أستاذنا محمود محمد شاكر ، وقد أقبل محمود حسن إسماعيل - وكلهم معاصرون ماتوا في أثناء هذا القرن الهجري الخامس عشر ؛ رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ، ولم يَفْتنّا بعدهم ، ولم يحرمنا أجرهم ! - ينشد من شعره المجلسَ الجليل ، وفيه الحسّاني حسن عبد الله - عفا الله عنه ! - يَتَسَقَّطُ له ، حتى لَقَطَ شيئا صاح به عليه ؛ فغضب محمود حسن إسماعيل .
قال أبو تميم : فلما كان المجلس التالي ، بَدَرَ إسماعيلُ بقصيدته من الشعر الحر " الوَهَجُ وَالدّيدانُ " ، يقول :
" تَفْعيلَتانْ
ثَلاثُ تَفْعيلاتْ
وَسَبْعُ تَفْعيلاتْ
وَأَحْرُفٌ تُعانِقُ الْأَلْحانَ بِالْأَحْضانِ وَالرّاحاتْ
تُدَفِّقُ النّورَ عَلى حَفائِرِ الْأَمْواتْ
شَلّالَ موسيقا بِلا قَواعِدٍ مَرْسومَةِ الرَّنّاتْ
مَعْصومَةِ الْإيقاعِ دونَ حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ
يَعُدُّها مِنْ قَبْلِ أَنْ تَجيءَ بِالْأَسْبابِ وَالْأَوْتادِ وَالشَّطْراتْ
تَشُقُّ بابَ الرّوحِ لا تَسْتَأْذِنُ الْإِصْغاءَ وَالْإِنْصاتْ
وَلَيْسَ في إِعْصارِها سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ
وَلا فُضولُ الْمَوْتِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْحَياةَ عَنْ تَوَهُّجِ السّاحاتْ
وَلا فُضولُ اللَّيْلِ وَهْوَ يَسْأَلُ الْفَجْرَ لِماذا تَنْسَخُ الرُّفاتْ
ضَجَّ الْبِلى مِنْ صَيْحَةِ الْإِشْراقِ في تَشَبُّثِ الْمَواتْ
وَانْتَفَضَتْ هَياكِلٌ مَرْصوفَةُ الطُّقوسِ مِنْ تَناسُقِ الْأَشْتاتْ
وَكُلُّ ما فيها قَرابينُ تُقَدِّسُ الرِّمامَ في كُلِّ حَصادٍ ماتْ
مَصْلوبَةُ الْجُمودِ وَالرُّكودِ وَالْهُمودِ وَالسُّباتْ
عَلى مَطايا زَمَنٍ مُهَرَّأِ الْأَكْفاتْ
تَحَرَّكَتْ في غَبَشِ الْكُهوفْ
جَنائِزًا في لَحْدِها تَطوفْ
مَشْلولَةَ الْمَسيرِ وَالْحِراكِ وَالْوُقوفْ
كَأَنَّها لِتُرَّهاتِ أَمْسِها رُفوفْ
أَوْ أَنَّها لِكُلِّ نورٍ شَعَّ في زَمانِها حُتوفْ
تُريدُ شَلَّ الْوَهَجِ الْعَصوفْ
بِأَعْيُنٍ ضِياؤُها مَكْفوفْ
وَأَلْسُنٍ نِداؤُها مَعْقوفْ
تَهاتَرَتْ مَخْدورَةً مِنْ سَمْتَةِ الْعُكوفْ
وَراعَها تَمَزُّقُ السُّجوفْ
وَخَيْبَةُ التَّكْرارِ وَالدُّوارِ في الْقيعانْ
فَأَنْشَبَتْ هُذاءَها في الْقَشِّ وَالْعيدانْ
وَالْحَبُّ عَنْ عَمائِها مُغَلَّفٌ نَشْوانْ
وَوَعْيُها مِنْ غَشْيَةٍ غَفْلانْ
وَطَرْفُها مِنْ عَشْيَةٍ ظَمْآنْ
لِكُلِّ ما لَمْ يَبْقَ فيهِ قَبَسٌ لِخُطْوَةِ الْإِنْسانْ
سُبْحانَ رَبِّ النّورِ مِنْ تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مَنْ أَيْقَظَ الدّيدانْ
أَنْغامُ هذا الطَّيْرِ ما لَقَّنَها بُسْتانْ
وَلا حَداها حارِسٌ يَقْظانْ
وَلا بِغَيْرِ ما تَجيشُ نارُها تَحَرَّكَتْ بَنانْ
مِنْ ذاتِها وَوَحْيِها رَحيقُها الصَّدْيانْ
الرّافِضُ الْإيماءَ لِلْوَراءِ يَمْتَصُّ خُطا الرُّكْبانْ
الرّافِضُ الْقِياسَ في الصَّدى وَفي الْمَدى وَفي اللِّسانْ
وَفي هَوى التَّنْغيمِ وَالتَّفْخيمِ وَالتَّرْنيمِ وَالْإِرْنانْ
تَدَفَّقَتْ لا تَعْرِفُ التَّطْريزَ في تَوَهُّجِ الْأَلْحانْ
وَلا خِداعَ السَّمْعِ في تَبَرُّجِ الْحُروفِ لِلْآذانْ
وَلا لِخَطْوِ اللَّحْنِ قَبْلَ سَكْبِهِ مِنْ نايِها ميزانْ
أَسْكَرَها خالِقُها قَبْلَ انْبِثاقِ اللَّحْنِ بِالْأَوْزانْ
تَحَرَّرَتْ فَما بِها لِلْقالَبِ الْمَصْبوبِ قَبْلَ كَأْسِها إِذْعانْ
زَخارِفٌ مَطارِفٌ مَتاحِفٌ لِقِشْرَةِ الْأَكْوانْ
قَواقِعٌ بَراقِعٌ بَدائِعٌ زَيّافَةُ الْأَلْوانْ
جَلَّ عَزيفُ النّايِ أَنْ يَقودَهُ إِنْسانْ
وَجَلَّ روحُ الْفَنِّ عَنْ تَناسُخِ الْأَبْدانْ
فَالشِّعْرُ شَيْءٌ فَوْقَ ما يَصْطَرِعُ الْجيلانْ
روحٌ تَرُجُّ الرّوحَ كَالْإِعْصارِ في الْبُسْتانْ
بِزَفِّها وَحَرْفِها وَنورِها الْمُمَوْسَقِ النَّشْوانْ
وَخَمْرِها الْمَعْصورَةِ الرَّحيقِ مِنْ تَهادُلِ الْأَزْمانْ
لِكُلِّ جيلٍ كَأْسُه لا تَفْرِضُوا الدِّنانْ
مَلَّ النَّدامى حَوْلَكُمْ عِبادَةَ الْأَكْفانْ
فَجَدِّدوا أَرْواحَكُمْ لا تَظْلِمُوا الْميزانْ
فَالشِّعْرُ لَحْنٌ مِنْ يَدِ الرَّحْمنْ
سُبْحانَهُ سُبْحانْ
مُلْهِي النُّسورِ عَنْ خُطَا الدّيدانْ " . (ديوانه)
ومن تأمل هذه التعبيرات حق تأملها : " حاسِبٍ مُزَيَّفِ الْميقاتْ " ، " سَبّابَةٌ تُعَذِّبُ الْهالاتْ " ، " فُضولُ الْمَوْتِ " ، " فُضولُ اللَّيْلِ " ، " تَشَبُّثُ الْمَواتْ " ، " تَناسُقِ الْأَشْتاتْ " ، " تَحَرُّكِ الْأَكْفانْ " ، " تَناسُخِ الْأَبْدانْ " ، " عِبادَةَ الْأَكْفانْ " ، " خُطا الدّيدانْ " - رأى كيف عَرّاهُ للملأ ، ثم سَلَحَ عليه ! بل كيف زَلْزَلَه ، وأَضَلَّه عن نفسه ، ثم تركه في بَيْداء ! فأَيَّةُ مَذَمَّةٍ لم يَصُبَّها عليه ! وأَيَّةُ مَحْمَدَةٍ لم يَسْلُبْها منه !
فتُرى كيف اختلفا اختلافا شديدا وكان ينبغي أن يأتلفا ، حتى إذا أخطأ إسماعيل خَطَأً انْتَهَزَه الحَسّانيُّ نُهْزَةً باردةً ؟ وماذا كان ذلك الخطأ ولا مَصْلَحَةَ في التَّشْنيعِ به ، حتى أَكْمَدَه عليه هذا الكَمَدَ ، واستعداه هذه العَداوة ؟
قال المظفر العلوي المتوفى سنة 656 الهجرية : " يَنْبَغي لِلشّاعِرِ أَلّا يُعادِيَ أَهْلَ الْعِلْمِ ، وَلا يَتَّخِذَهُمْ خُصومًا ؛ فَإِنَّهُمْ قادِرونَ عَلى أَنْ يَجْعَلوا إِحْسانَه إِساءَةً ، وَبَلاغَتَه عيًّا ، وَفَصاحَتَه حَصَرًا ، وَيُحيلوا مَعْناهُ ، وَيَنْتَقِضوا ما بَناهُ ! فَكَمْ مِنْ أَديبٍ أَسْقَطَ أَهْلُ الْعِلْمِ حُكْمَ أَدَبِه ، وَأَخْمَلوا مِنْ ذِكْرِه ما تَنَبَّلَ بِه ! وَلَوْ عَدَدْناهُمْ لَأَفْرَدْنا لَهُمْ كِتابًا ! وَلِلّهِ عَمّارٌ الْكَلْبيُّ حَيْثُ يَقولُ :
ماذا لَقيتُ مِنَ الْمُسْتَعْرِبينَ وَمِنْ قِياسِ نَحْوِهِم هذَا الَّذِي ابْتَدَعوا
إِنْ قُلْتُ قافِيَةً بِكْرًا يَكونُ بها بَيْتٌ خِلافَ الَّذي قاسوهُ أَوْ ذَرَعوا
قالوا لَحَنْتَ وَهذا لَيْسَ مُنتَصِبًا وَذاكَ خَفْضٌ وَهذا لَيْسَ يَرْتَفِع
وَحَرَّضوا بَيْنَ عَبْدِ اللّهِ مِنْ حُمُقٍ وَبَيْنَ زَيْدٍ فَطالَ الضَّرْبُ وَالْوَجَعُ
كَمْ بيْنَ قَوْمٍ قَدِ احْتالوا لِمَنْطقِهِمْ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَلى إِعْرابِهِمْ طُبِعوا
ما كُلُّ قَوْلِيَ مَشْروحًا لَكُمْ فَخُذوا ما تَعْرِفونَ وَما لَمْ تَعْرِفوا فَدَعوا
لِأَنَّ أَرْضِيَ أَرْضٌ لا تُشَبُّ بِها نارُ الْمَجوسِ وَلا تُبْنى بِهَا الْبِيَع
وَلَعَلَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَأْتونَ إِلَى الْمَعانِي الْمُسْتَحيلَةِ وَالْأَلْفاظِ الْمُخْتلَّةِ ، فَيُقَوِّمونَ أَوَدَها بِعِلَلِهِمْ ، وَيُصْلِحونَ فاسِدَها بِمَعْرِفَتِهِمْ ؛ وَمَنْ هذِه سَبيلُه فَما يَحْسُنُ أَنْ يُغْضَبَ وَلا يُقْشَبَ ؛ فَرُبَّ داهِيَةٍ وَقَعَ عَلى مَنْ هُوَ أَدْهى مِنْهُ " . (نضرة الإغريض)
ولو قد حضر المظفر العلوي مجلس أستاذنا ذاك ، لعرف كيف يَقْدِرُ الشعراء من النَّحْويّين (علماء النحو) على أكثر من ذلك ، ولَعَطَفَهُمْ عليهم بإغرائهم بخِدْمَتِهِمْ لهم كما فعل أخيرًا ببعض كلامه ، لا بتَهْديدِهم وهم المُمْتَلِئون بأنفسهم ، بأن يَهْتِكَ النَّحْويّونَ أستارَهم ظُلْمًا وعُدْوانًا ويَفْضَحوا أسرارَهم بَغْيًا وبُهْتانًا ! ثم العجبُ له يستشهد بشعر عمارٍ ينعى فيه على النَّحْويّينَ (علماء النحو) تَعْنيتَهم له ، من غير استكانة لهم ولا إقرار بسلطانهم ! أم تُراه يُخَوِّفُ الشعراء بالكَمَدِ الذي وَجَدَه عَمّارٌ ، من حيث كان السعيدَ منهم من وُعِظَ بأخي صَنْعَتِه - حتى يُقْرّوا ويَسْتَكينوا !
لقد كان ينبغي للمظفر العلوي ، أن يشتغل بجوامع ما بين طائفتي الشعراء والنَّحْويّينَ (علماء النحو) تَرْغيبًا ومُؤالَفَةً وإِصْلاحًا ، أكثرَ منِ اشتغاله بفوارق ما بينهما تَرْهيبًا ومُخالَفَةً وإِفْسادًا !