المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِنْ حِوَارَاتِ الْمَجَلَّاتِ الْعِلْمِيَّةِ=2


أ.د. محمد جمال صقر
11-04-2012, 09:37 AM
سعادة أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم،
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
بسم الله -سبحانه، وتعالى!- وبحمده،
وصلاة على رسوله وسلاما،
ورضوانا على صحابته وتابعيهم، حتى نلقاهم!
أما بعد؛
فيطيب لي قبل أن أخط أي خط، أن أشكر لكم تفضلكم بنقد بحثي "خصائص التفكير العروضي اللغوي بين نظم المنثور ونثر المنظوم"، النقد البناء الحريص على تسديدي فيه وفيما بعده من أبحاث. ولكم عليَّ أن أنشر كلمتكم هذه على طلاب العلم، مثالا للحوارات العلمية الفعالة النافعة. بارك الله فيكم، وأحسن إليكم، ونفع بكم، وأطال في النعمة بقاءكم.
ولا أرتاب في أنكم ستنزلونني منزلة الابن الذي عمل من وراء أبيه عملا استنكر عليه وجوهًا منه، فلما أفضى إليه بمراده أثبت تقديره بما يستحقه. ولسوف أقتطع من تعليقاتكم ما يعبر عنها، لأوردها مُتَفَيِّئًا من ظلال أبوَّتكم وحنوِّكم، ما يُؤَمِّنُني على توضيح مواقفي منها.
ولكن ينبغي لي أولا أن أبتهج بما حظي من بحثي المتواضع بثنائكم الكريم، دلالةً على حسن تأتيكم إلى النقد البناء:
1 "أهمية موضوع البحث": وأرجو أن يكون الداعي إلى هذا الوجه من الثناء، وعي الباحث لمجال عمله، وتقديره لمجال نشره.
2 "دقة الأساليب الإحصائية": وأرجو أن يكون الداعي إلى هذا الوجه من الثناء، خبرة حَدْس الباحث؛ فإن الإحصاء غير العَدِّ، يعتمد على حدس الخبير بالعناصر الدالة المؤثرة في بناء النص وحركته.
3 "تحصيل نتائج عدة": وأرجو أن يكون الداعي إلى هذا الوجه من الثناء، سلامة منطق الباحث الذي استخلص من المقدمات الواضحة نتائجها المقبولة.
4 "سلامة اللغة": وأرجو أن يكون الداعي إلى هذا الوجه من الثناء، سلامة تفكير الباحث؛ فإنه إذا كان التفكير والتعبير ملتبسين التباس الشيء الواحد، كما علمنا علماء اللغة النفسيون وعلماء النفس اللغويون، فإن سلامة اللغة علامة سلامة التفكير، وهو أقصى ما يُطْمَح إليه.
5 "الالتزام بالشروط العامة للنشر في المجلة": وأرجو أن يكون الداعي إلى هذا الوجه من الثناء، تواضع الباحث للعلم والعلماء، ولا سيما في زمان انبسط فيه للجهل والجهلاء جاهٌ وسلطان.
قال أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم: "عنوان البحث يفترض وجود خَصائِص للتَّفْكيرِ الْعَروضيِّ اللُّغَويِّ وكأن هذين النظامين(العروضي واللغوي) شيء واحد". ولا أنكر أن العروض واللغة نظامان لا نظام واحد، ولكن التفكير الإبداعي الشعري يتداخل فيه النظامان تداخلا شديدا؛ فيؤثر كل في الآخر ويتأثر به، فيولدان معا، ويثبتان معا، أو يتغيران معا، من غير إنكار أن أول حركة من حركات وجودهما المزدوج، عروضية دائما -ولهذا أُقَدِّمُ العروض على غيره في العنونة دائما- ثم يكون الاصطراع الفني المعروف، على قانون اكتمال البناء الشعري بالاستقامة والانحراف جميعا معا. ولقد صار ذلك التداخل العروضي اللغوي من مسلمات هذا الشأن في العربية (موسيقى الشعر العربي: مشروع دراسة علمية للدكتور شكري عياد، والجملة في الشعر العربي للدكتور محمد حماسة عبد اللطيف، وغيرهما)، وغير العربية (الشاعر والشكل لجدسون جيروم، والنص والخطاب والإجراء، لدي بو جراند، وغيرهما). بل قد نبهتم أنتم على ذلك بقولكم: "يقوم الإيقاع على اطراد القيم الزمانية، وينبثق النظام الإيقاعي لأي لغة من اللغات من خصائصها أي: من بنيتها الصوتية والصرفية، لذلك لا وجود للنظام العروضي بصورة مستقلة".
ذكر أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم، أن البحث ضعيف من حيث خلوه من إجراءات الدراسة. ولقد رصدتُ لها مبحث "تنميط خصاص التفكير العروضي اللغوي"، الذي نبه عموما على ما سيجري عليه العمل، مما يُدَلُّ خصوصا عليه في كل موضع على حدة، لتتجمع أطرافه في الخاتمة، ولكنني تَأَتَّيْتُ لذلك بمبحث "نظم الكلام ونثره"، ثم مبحث "مظان انكشاف خصائص التفكير العروضي اللغوي"، ثم مبحث "نماذج نظم المنثور ونثر المنظوم"، ثم مبحث "تعليقات على النماذج المختارة".
قال أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم: "يحدد نطاق بحثه بالنوعين الثالث والرابع، لكنه لم ينتبه إلى أن هذا التحديد خاص بالفن الشفهي الذي وصفه بالطبيعية، وهذا بدوره يعني وجود خصائص مشتركة شفهية بين نظم المنثور ونثر المنظوم، لكن الباحث ركز على الفروقات ولم ينجح في ذلك، وأغفل الخصائص المشتركة". ولا ريب في أهمية دراسة اختلاف الفنون الشفاهية والكتابية، ولا في كثرة جهود العلماء لتحريرها، منذ فندريس في "اللغة" إلى والتر أونج في "الشفاهية والكتابية" ومازن الوعر في "لسانيات تطبيقية" ومحمد العبد في "اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة". ولكنَّ "الطَّبِيعِيَّة" المرادة في ذلك التصنيف الواقع في أوائل مباحث البحث، هي كما شرحتُها صراحة في موضعها، على النحو الآتي ولا سيما المخطوط تحته:
"النَّظْم في العربية الجَمْع، والنَّثْر الفَرْق. والجمع والفرق حالان طبيعيتان تتنازعان الأشياء، فتنقسم عليهما؛ فإما مجموعة وإما مفروقة، وكذلك الكلام الفني، ولكنَّ مِعْيارَ تَقْسيمِه العَروضُ؛ فالكلام الفني المنظوم كأنه دُرٌّ مجموع في عِقْدٍ سِلْكُه العَروض، والكلام الفني المنثور كأنه دُرٌّ مفروق بلا عِقْدٍ ولا سِلْكٍ. ولقد أفضى طول تنافس هاتين الحالين في تنازع الكلام، إلى تأثير كلٍّ منهما في الأخرى، حتى تَحَوَّلَتْ إليها عَفْوًا أو قَصْدًا؛ فتَنَوَّع الكلام من حيث نظمه ونثره، على ستة أنواع:
1 مَنْظومٌ طَبيعيٌّ، نشأ بوُجود العروض.
2 مَنْثورٌ طَبيعيٌّ، نشأ بفُقود العروض.
3 نَظْمُ مَنْثورٍ طَبيعيٌّ، نشأ بإيجاد العروض المَفْقود، عَفْوًا.
4 نَثْرُ مَنْظومٍ طَبيعيٌّ، نشأ بإِفْقاد العروض المَوْجود، عَفْوًا.
5 نَظْمُ مَنْثورٍ صِناعيٌّ، نشأ بإيجاد العروض المَفْقود، قَصْدًا.
6 نَثْرُ مَنْظومٍ صِناعيٌّ، نشأ بإِفْقاد العروض المَوْجود، قَصْدًا.
أما النوعان الأولان فإن الكلام يَتَوَلَّدُ بينهما بوُجود العروض أو فُقوده: تَحْديدًا، وتَرْتيبًا، وتَهْذيبًا؛ فإذا تشارك العروض واللغة، في اختيار عناصر نص المنظوم وإبدال بعضها من بعض وُصولًا إلى تَحْديد العنصر المناسب، وفي تقديم بعضها وتأخير بعضها وُصولًا إلى تَرْتيب الوضع المناسب، وفي إضافة بعضها وحذف بعضها وُصولًا إلى تَهْذيب المقدار المناسب- فإن اللغة تنفرد بنفسها في تَحْديد عناصر نص المنثور، وفي تَرْتيبها، وفي تَهْذيبها.
وأما النوع الثالث، فإن كلام النوع الثاني، يَتَحَوَّل إليه عَفْوًا، بإيجاد العروض: تَحْديدًا كذلك، وتَرْتيبًا، وتَهْذيبًا؛ فإن النّاظم المُثَقَّف، يكون في شأن قريب من شأن ذلك المنثور الطبيعي، فيخطر له من ذخيرته الثقافية؛ فيستحسن أن يستفيد منه في نَظْمه الطبيعي، فيَنْتَظِم فيه انْتِظامًا طبيعيا.
وأما النوع الرابع، فإن كلام النوع الأول، يَتَحَوَّل إليه عَفْوًا، بإفقاد العروض: تَحْديدًا كذلك، وتَرْتيبًا، وتَهْذيبًا؛ فإن النّاثر المُثَقَّف، يكون في شأن قريب من شأن ذلك المنظوم الطبيعي، فيخطر له من ذخيرته الثقافية؛ فيستحسن أن يستفيد منه في نَثْرِه الطبيعي، فيَنْتَثِر فيه انْتِثارًا طبيعيا.
وأما النوع الخامس، فإن كلام النوع الثاني، يُحَوَّل إليه قَصْدًا، بإيجاد العروض: تَحْديدًا كذلك، وتَرْتيبًا، وتَهْذيبًا؛ فإن النّاظم المُتَكَلِّف، لا يكون في شأن غير شأن ذلك المنثور الطبيعي، بل ينقطع لنَظْمه نَظْمًا صناعيا.
وأما النوع السادس، فإن كلام النوع الأول، يُحَوَّل إليه قَصْدًا، بإفقاد العروض: تَحْديدًا كذلك، وتَرْتيبًا، وتَهْذيبًا؛ فإن النّاثر المُتَكَلِّف، لا يكون في شأن غير شأن ذلك المنظوم الطبيعي، بل ينقطع لنَثْره نَثْرًا صناعيا".
فمن المعروف من تعليم التعبير العربي، أو من التنافس في التعبير العربي- أن يُحْمَلَ المتعلمون أو المتنافسون، على نثر بعض الشعر أو نظم بعض النثر؛ فهذا عمل مصطنع، ولا نتائج مأمونة ولا مقبولة تنتظر من التطبيق على الأعمال المصطنعة؛ فلهذا كان عليَّ أن أضاعف جهدي حتى أعثر على أعمال طبيعية، أي أعمال منثورة خطر في أثنائها لأصحابها شعرٌ ملائم فنثروه في صُلْبها إكمالا لأعمالهم في نفسها، وأعمال منظومة خطر في أثنائها لأصحابها نثرٌ ملائم فنظموه في صُلْبها إكمالا لأعمالهم في نفسها كذلك؛ ومن ثم لا ورود هنا أَصْلًا لمسألة الشفاهية والكتابية على جلالها.
قال أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم: "لم ينجح الباحث في تحديد السمات الأسلوبية لكل من نظم المنثور ونثر المنظوم من حيث أوجه الشبه وأوجه الاختلاف، وهذا يرجع إلى غياب الأساس المنهجي". ومسألة أوجه التشابه وأوجه الاختلاف مستوفاة تماما؛ فقد اشتمل كل نمط من أنماط خصائص التفكير التي انتبهتُ إليها، على أمثلة من نظم المنثور ومن نثر المنظوم جميعا معا، تعبيرا عن التشابه في أثناء الاختلاف؛ فلا ريب في أن متلقي هذا البحث سيتوقع أن تخالف أنماط نظم المنثور أنماط نثر المنظوم بناء على مألوف اختلاف النثر والشعر على وجه العموم -وهذا في نفسه صحيح- حتى إذا ما اطلع على هذا البحث فاجَأَهُ اشتمال النمط الواحد على نماذج من هذا ونماذج من ذاك، وعرف معنى هذه الوحدة في أثناء ذلك التنوع، كما يقول الأسلوبيون.
قال أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم: "ما قدمه لا يعدو أن يكون إعرابا لنماذج منتقاة وغير كافية لا تتجاوز عشرة نماذج مزدوجة من الفنين". وإنه لتشريف عظيم أن تحصروا تحليلي النحوي في "الإعراب"؛ فلقد علمتموني -أيها الأساتذة الكبار- أن الإعراب هو كشاف الأوضاع التأليفية. وما أَنْفَعَ أن أشير هنا إلى كتاب الدكتور عبد الكريم حسن، الأصيل الجليل المدهش، "لغة الشعر في زهرة الكيمياء، بين تحولات المعنى ومعنى التحولات"، من منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ببيروت! لقد وجدته يحلل نص "زهرة الكيمياء"، تحليلا إعرابيا مُثَلَّثًا: إعرابيا نحويا، وإعرابيا بلاغيا، وإعرابيا نقديا- أفضى به إلى التمكن من حقيقة بعض الظواهر الفنية؛ فازددت تقديرا له وحرصت فيما أتأمل من ظواهر فنية لغوية، على تأصيل عملي هذا التأصيل. ولقد فَتَّشْتُ مصادر البحث المعروف اشتمالها على أمثلة هذه الظاهرة بمظهريها، حتى عثرت من نظم المنثور الطبيعي، على تسعة وعشرين نموذجا مزدوجا، كل نموذج طرفان: نصُّ منثورٍ سابقٌ ونصُّ نظمٍ لاحقٌ- ولنثر المنظوم الطبيعي، على ثمانية عشر نموذجا مزدوجا، كل نموذج طرفان كذلك: نصُّ منظومٍ سابقٌ ونصُّ نثرٍ لاحقٌ. ثم رَدَّدْتُ بينها النظر، حريصا على صفة الطبيعيَّة السائغة، وشَرْطِ المادَّتَيْنِ المُتَوازِنَتَيْنِ، حتى صَفَتْ لي عشرة نماذج مزدوجة (عشرون نصا)، وهو مقدار كاف جدا في مقام التأمل.
ذكر أستاذي الكريم الفاضل المُحَكَّم، أن البحث ضعيف من حيث خلوه من نتائج الدراسة ومناقشاتها. ولقد توزعت نتائج العمل على مباحثه، ثم تجمعت في هذا الجزء الآتي من خاتمته:
"ولقد أفضى البحث إلى تَنْميطِ أربعة أنماط:
النَّمَطُ الْأَوَّلُ سابِقيٌّ، يَنْتَظِمُ الْمَنْثورُ فيهِ وَيَنْتَثِرُ الْمَنْظومُ، فإذا في النص اللاحق عبارةٌ سابِقَةٌ، مُضافَةٌ كأنها العنوان الذي يَدَّعي به الأديبُ العملَ لنفسه من قبل أن يشرع فيه! تَخَرَّجَ فيه نموذجان: واحد من نظم المنثور، أَدَّتْ فيه السابقةُ وظيفةَ التَّأْسيس؛ فعَبَّرَتْ عن معنى ليس من معاني النص السابق، وأَسَّسَتْ لها- وواحد من نثر المنظوم، أَدَّتْ فيه وظيفةَ التَّمْهيد؛ فعَبَّرَتْ عن معنى من معاني النص السابق، ومَهَّدَتْ لها.
النَّمَطُ الثّانِي عارِضيٌّ، يَنْتَظِمُ الْمَنْثورُ فيهِ وَيَنْتَثِرُ الْمَنْظومُ، فإذا النص اللاحق كلُّه عارِضَةٌ، كأنها صورةٌ صَوَّرَ بها الأديب النص، وصَوَّرَ نفسه في ظلاله! تَخَرَّجَتْ فيه ثلاثة نماذج: اثنان من نظم المنثور، أَدَّتْ فيهما العارضةُ وظيفةَ التَّقْريب؛ فصَوَّرت النص السابق، ولكنها تَصَرَّفَتْ فيه- وواحد من نثر المنظوم، أَدَّتْ فيه وظيفةَ التَّوْثيق؛ فصَوَّرَت النص السابق من غير أن تَتَصَرَّف فيه.
النَّمَطُ الثّالِثُ لاحِقيٌّ، يَنْتَظِمُ الْمَنْثورُ فيهِ وَيَنْتَثِرُ الْمَنْظومُ، فإذا في النص اللاحق عبارةٌ لاحِقَةٌ، مضافةٌ كأنها التَّوْقيع الذي يَدَّعي به الأديبُ العملَ لنفسه من بعد أن يفرغ منه! تَخَرَّجَتْ فيه ثلاثة نماذج: واحد من نظم المنثور، أَدَّتْ فيه اللاحقة وظيفةَ التَّعْليل؛ فعَبَّرَتْ عن معنى ليس من معاني النص السابق، ولكنه منها بمنزلة العِلَّة- واثنان من نثر المنظوم، أَدَّتْ في أحدهما وظيفةَ التَّوْكيد؛ فعَبَّرَتْ عن معنى من معاني النص السابق، وأَكَّدَتْهُ- وأَدَّتْ في الآخر وظيفةَ التَّكْميل؛ فعَبَّرَتْ عن معنى ليس من معاني النص السابق ، وكَمَّلَتْها.
النَّمَطُ الرّابِعُ حاشَويٌّ، يَنْتَظِمُ الْمَنْثورُ فيهِ وَيَنْتَثِرُ الْمَنْظومُ، فإذا في النص اللاحق عبارةٌ حاشِيَةٌ، مضافةٌ كأنها الغذاء يُرَبّي به الأديبُ العملَ في أثنائه من غير أن يُنْتَبَهَ إليه! تَخَرَّجَ فيه نموذجان: واحد من نظم المنثور، أَدَّتْ فيه الحاشية وظيفةَ التَّعْليل؛ فعَبَّرَتْ عن معنى ليس من معاني النص السابق، ولكنه منها بمنزلة العِلَّة- وواحد من نثر المنظوم أَدَّتْ فيه وظيفةَ التَّوْكيد؛ فعَبَّرَتْ عن معنى من معاني النص السابق، وأَكَّدَتْه.
وإذا كانت السابقةُ أَعْجَلَ إلى سَمْعِ المُتَلَقّي لأنها فاتِحَةُ الْعَمَلِ، والعارضةُ أَذْهَبَ من ضَبْطِه لأنها ناقِلَةُ الْعَمَلِ، واللاحقةُ أَبْقى في حِفْظه لأنها خاتِمَةُ الْعَمَلِ، والحاشيةُ أَخْفى عن نَظَرِه لأنها باطِنَةُ الْعَمَلِ- كان في النمط الأول السابقيِّ مَعْنًى من تَقْديرِ النَّفْس (اصْطِناعِ كُلِّ عَمَلٍ يُنَوِّهُ بمَكانَةِ اللّاحِقِ مَعَ مَكانَةِ السّابِقِ)، وكان في النمط الثاني العارضيِّ مَعْنًى من تَنْكيرِ النَّفْس (اصْطِناعِ كُلِّ عَمَلٍ يُفْني مَكانَةَ اللّاحِقِ في مَكانَةِ السّابِقِ)، وكان في النمط الثالث اللاحقيِّ مَعْنًى من تَكْبيرِ النَّفْس (اصْطِناعِ كُلِّ عَمَلٍ يُقَدِّمُ مَكانَةَ اللّاحِقِ عَلى مَكانَةِ السّابِقِ)، وكان في النمط الرابع الحاشويِّ مَعْنًى من تَصْغيرِ النَّفْس (اصْطِناعِ كُلِّ عَمَلٍ يُؤَخِّرُ مَكانَةَ اللّاحِقِ عَنْ مَكانَةِ السّابِقِ)!
وإذا كان النمطان الثاني العارضيُّ والثالث اللاحقيُّ، أَحْفَلَ بالنماذج من غيرهما، وكان أكثرُ حَفْلِ النمط العارضيِّ إنما هو بنماذج نَظْمِ المنثور، وأكثرُ حَفْلِ النمط اللاحقيِّ إنما هو بنماذج نَثْرِ المنظوم- كان تَنْكيرُ النَّفْس أَغْلَبَ على التَّفْكير العَروضيِّ اللُّغَويِّ عند نَظْم المنثور، وتَكْبيرُها أَغْلَبَ عليه عند نَثْرِ المنظوم؛ فدَلَّتْ حالُ ناظم المنثور على اطْمِئْنانه إلى رَواجِ عَمَلِه، ودَلَّتْ حالُ ناثر المنظوم على خَشْيَتِه من كَسادِ عَمَلِه"!
ولا يخفى أنني لم أقتصر على الوصف الأسلوبي المبني على طول التأمل، بل اجتهدت في استبطان عمل كل من ناظم المنثور وناثر المنظوم، من خلال استيعاب كل نص على حدة، ثم مع غيره من النصوص المشابهة، قياسا إلى غيرها من النصوص المخالفة.
أدام الله علينا رضاكم، وجمعنا بكم أبدا على خير!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!