أ.د. محمد جمال صقر
11-04-2012, 10:28 AM
ذهبت أخرج من الجامع ، فوجدت الطالبات يصلين بركنهن على يمين الخارج ، في جلابيب صلاتهن البيضاء الربانية ، وربما دخلت المتبرجة هي وزميلها ، يتكلمان ، فتميل يسارا ، ويذهب أماما !
فلما خرجت وجدت بعض الأساتذة الأندونيسيين وأستاذا كويتيا بمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ، من جامعة الكويت ( الدكتور إبراهيم محمد ) ، فجاذبتهم الكلام فيما اضطرني إلى الانسلال من جلسات المؤتمر إلى السوق وحدي ، ثم فيما عجبت له من اضطراب نظام المؤتمر : برنامجه الذي خلا أمسِ مني ، وكتابه الذي خلا اليومَ من بحثي :
- لكنهم وعدوا أن يخرجوا بقية الأبحاث في كتاب ملحق .
- أسافر عنهم غدا ، فليبحثوا عمن يشتريه !
ذهبت عنهم إلى غرفتي ، ثم تخففت مما حملت ، ثم نزلت إلى المطعم ؛ فقد استهلكني المشي . فوجدت الدكتور عارف كرخي أبو خضيري والدكتور قرني عبد الحليم ، فدعوتهما أن نأكل معا ، فأصبنا من خبز الجمبري والأرز واللحم والسلطة ومياه العلب ذوات المِشَفّات ، ثم قعدنا عن جلسات المؤتمر زهدا فيها بعدما رأينا من اضطراب نظامها !
انضم إلينا بعد قليل الدكتور حسن عبد المقصود ، ثم الدكتور كمال عبد العزيز ، ثم الدكتور عرسان الرافيني ، ثم خضنا في كل علم وفن ، ثقيل وخفيف ؛ حتى هجم علينا من الأندونيسيين وشباب الأساتذة العرب ، بعقب المؤتمر ، مَنْ صَخِبَ في المطعم بما سموه حفل سمر ، بين عزف وغناء وإنشاد ، وبرع الخليجيون مرة أخرى في الإنشاد ، واستولوا على إقبال الأندونيسيين – ولكنني خرجت من هذا اللقاء ، بمعرفة الدكتور عارف .
رجل عالم فنان صعيدي ، لا تدل ملامحه الصعيدية القاسية ، على خصاله الفنية الرقيقة ، وحواره العلمي اللطيف !
ثم جاءنا أندي هادي ومحمد فؤاد ، وجمعتنا جميعا الصور التذكارية :
- أندي ، هذا محمد فؤاد ، أرجو ألا يتأخر عن السابعة من صباح غد !
- تأمل ؛ قد كتبت تفاصيل مواعيدكم أنتم والأساتذة جميعا !
- أكرمك الله !
- وهذان نوح وعارف ، طالبان بالفرقة الثالثة من تخصص اللغة العربية ، سيكونان عندك في السابعة .
- ومحمد فؤاد ؟
- لديه عمل يمنعه !
ثم ذهب بهما ، وطال مجلسنا ؛ حتى شهد الجالسون أنه أفضل أعمال هذا المؤتمر ! ولكنه انتهى ، وودع كل منا الآخر ، وافترقنا ، وفي طريقي من المطعم وجدت مجلسا آخر للدكتور محمد حُوَّر أستاذ النقد بجامعة اليرموك ، والدكتور زياد الزعبي ، والدكتور عرسان الفيلاني ، والدكتور فائز القرعان ، وربما كان معهم الدكتور عباس عبد الحليم . تمنيت أن أجالسهم حتى مطلع الفجر ؛ فَلا يزال بي إلى إخواني العرب والمسلمين جميعا ، ولا سيما العلماء والفنانون – شوق وحنين لا يفتران ، ولكنني خشيت أن أَثْقُلَ عليهم !
صعدت آسفا إلى غرفتي ، وجهزت حقيبتي ، وضبطت محمولي ، وتناومت حتى صلاة الفجر ، ثم تناومت حتى السادسة والربع ؛ فإذا الباب يطرق ، فأفتح ؛ فإذا نوح وعارف - خافا ألا أكون تجهزت - فنخرج معا ، فأمر على المطعم ، محتاجا ، زاهدا في الإفطار الأندونيسي ، إلى حيث سيارة زميل لهما ثالث ، من طلاب اللغة العربية كذلك .
انطلقنا ننهب الطريق الذي ستره عني الليل من تلكوم إلى متجر باندونج الكبير ، والدنيا كلها باكرة يقظة نشطة ، فكنت أصور كل طريفة أندونيسية لم أصورها من قبل ، ولا رأيتها ، من مثل غلبة الدراجات البخارية على وسائل الانتقال في الشوارع ، ومن مثل الدراجات الهوائية ذات الأرائك الأمامية المستعرضة ، ومن مثل أسواق باندونج الداخلية الممتلئة خضراوات وفواكه ومستلزمات أندونيسية ، وصورت مناظر بعض الشوارع الطويلة المحفوفة بالأشجار الملتقية الأعالي كمثل ما كانت عليه شوارع القاهرة الفاخرة " ثم زالت وتلك عقبى التعدي " :
- أليس اليوم السبت إجازة في باندونج ؟
- بلى .
- فلم كل هذه الجموع ؟
- يذهبون إلى التسوق .
- وهل نمر بمتاجر كبيرة ؟
- متجر باندونج الكبير نفسه ، مُتَسَوَّقٌ كبير جدا ، يذهب الناس إليه !
- وهل أستطيع أن أشتري منه ؟
- تفتح محاله في التاسعة !
- أين ترى ذلك المبنى الذي التقى فيه سوكارنو ونهرو وجمال عبد الناصر سنة 1955م ، لتأسيس جبهة عدم الانحياز ؟
- لقد مررت معنا عليه منذ قليل ، وتركناه الآن خلفنا !
- أظن أنه مزار سياحي ، ليتنا وجدنا وقتا لزيارته ، ولسوف يزوره المشاركون بالمؤتمر اليوم ، ولم يمنعني غير سفري !
- نحن نسميه جدون ساتي !
- وما معناه بالعربية ؟
- لا مقابل له في العربية !
- بل معناه اللحم المشوي على الـ...
- على المشكاك ، نسمي هذه الحديدة المشكاك ، فهو لحم المشاكيك !
- نعم لحم المشاكيك !
وصلنا قبيل السابعة والنصف ، فوجدنا الحافلة توشك أن تتحرك – ولا ريب في أنها حافلة السابعة ، تَأَخَّرَتْ ؛ فأدركناها ؛ وقد كنا عَجِلْنا لحافلة الثامنة - فقطعوا لي تذكرتي على حساب لجنة المؤتمر كما اتفقنا ، ونبهوني على بوابة السفر إلى سنغافورة ( d2 ) ، بأندونيسية تمنيت أن أحفظها ، وأراد السائق التحرك ، فودعتهم ، وقفزت إليه .
جهزت نفسي لرحلة طويلة أطول مما كانت ليلا ، أي ذات أربع ساعات أو أكثر ؛ فاشتغلت في طريق الحافلة بتأمل طبيعة البلد ، وتصوير أهم مناظرها ، فلم أجد أهم من مزارعها المستمرة على الجبال والسهول ؛ فإذا كانت الجبال كانت أشجار الشاي المتشابكة ، وإذا كانت السهول كانت حقول الأرز المنبسطة ، وربما اصطفت على الحواف ، أو استقلت بأنفسها أشجار السَّرْو المُتَكَبِّرة - ولا أهم من قراها المختبئة في أحضان مزارعها ، ببيوتها المثلثة الأسقف المزدوجة الطوابق المختلفة باختلاف أحوال أصحابها سعة وضيقا - ولا أهم من بحيراتها المسكونة بمزارع السمك ذوات الجدران من فِلَقِ أعواد الغاب ( القصب الأجوف ) . وكلما اندهشت بمنظر من تلك ، جاءني أشد منه إدهاشا ؛ حتى خرجنا من الريف إلى الحضر ، فإذا أبنية شاهقة ، وطرق نظيفة منظمة ؛ حتى بلغنا مطار جاكرتا .
مررنا على رصيف البوابات الطويل اللطيف ، قد ازدحمت عليه جماعات الناس جماعة جماعة ، كل جماعة على بوابة سفرها ؛ فكنت أتأمل الأسر الأندونيسية كيف تبدو ، مُتَحَفِّظَةَ المظهر ، أو مُتَحَرِّرَتَه ، أو مختلطة المظهر بتحفظ الكبار وتحرر الصغار ، وكلهن أسر مسلمة ؛ حتى جاءت بوابتي ؛ فنبهني السائق ومساعده ، ونزلت ، وتحيرت قليلا ، ثم دخلت مستدلا بـ"d2 " .
وصلت بُعَيْدَ العاشرة ، وموعدي الثانية عشرة ، فلم أشأ أن أحرج نفسي بالدخول مع الداخلين إلى الباحات الداخلية ، فجلت ذهابا وإيابا ، أتفقد المكان الذي لم أره في وصولي ، وربما لا أراه بعد اليوم ، وأتفقد الناس ، وما الأماكن إلا الناس !
هذه طائفة من الفتيات والسيدات ، تلبس الملابس البيضاء الإسلامية ، كأنهن الملائكة ، فقدرت أنهن في سبيل الاعتمار ، وهذه سيدة متبرجة تَشْتَفُّ المياه بالمِشَفَّةِ ، حتى إذا ما انتهت قامت إلى السلة فألقت زجاجتها ، وهذا مطعم :
- ( ... أريد أن أفطر ... ) !
أدخل ، وآخذ علبة بيبسي ، وكيس بسكويت ، وأدفع ثمانية عشر ألف روبية ! وهذا بنك :
- ( ... معي قرابة مئة وسبعين ألف روبية ونيفٍ ، أريد أن أغيرها إلى دولارات ... ) !
- معك ثلاثة آلاف روبية أخرى ؟
- لا .
فيرد علي البَنْكيُّ السبعين ألفًا ونيفا ، ولا يأخذ غير مئة الألف ، ليعطيني عشر دولارات ، وخمسين روبية تقريبا !
وهذه فتاة محجبة تقف على محل هدايا ، فأقبل عليها ، أتفقد ما عندها ، وأساومها ، ناسيا حدود ما معي ، فتسألني بالإنجليزية :
- لمن تريد ؟
- لابنتي .
- كم عمرها ؟
- خمس عشرة .
- تأمل هذا العقد بمئتي ألف ، وهذا السوار بمئة وخمسين ، وهذا بمئة ، وذاك ، وذلك ... !
- عذرا عذرا !
أذهب عنها أجول ؛ حتى تكتمل الاثنتا عشرة ، فأدخل أفتش عن الطيران السنغافوري ، فأنتبه إلى شاب صغير يفتش قبلي ، فأتتبعه ، فيهجم على مكتب فارغ ، ويعرض أوراقه في لمح البصر ، ويمضي ، فإذا المكتب لرجال الأعمال ، فأتركه إلى مكتب فارغ بجواره ، فإذا هو لهم كذلك ، وأُنَبَّه على طابور الدهماء ، فأنضم إليهم !
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام . معك حقائب للوزن ؟
- لا .
- هذه بطاقة " جاكرتا سنغافورة " ، وهذه بطاقة " سنغافورة القاهرة " .
- جميل .
- أريد منك مئة ألف روبية .
- لماذا ؟
فترطن لي بما لا أفهم ، فأشير لها إلى أن ليس معي ما يكملها ، فهل أذهب لتغيير الدولارات إلى روبيات ، فتوافقني ، وتمسك عندها بطاقتي الطائرتين ، فأذهب ، فآخذ بعشر الدولارات ، أقل مما بذلت فيها الروبيات ، ثم أعود لأكمل للمضيفة مئة الألف ، ثم أهم بالمضي ، فترى حقيبة اليد :
- ينبغي لك أن تترك هذه الحقيبة !
- ولم لا أحملها ؛ ألا ترين كم هي خفيفة !
- ينبغي ألا تزيد على عشرة كيلوات .
- أظنها كذلك .
نزنها معا ، فتكون أربعة عشر كيلو ، فأتركها لها مستريحا منها ، ثم أسألها عن جهة انتظار الطائرة ، لأمضي إليها ، وأمر في الطريق بسوق مطار جاكرتا الحرة ، لأجد محال هدايا خشبية وشبه خشبية ، لم أر مثلها من قبل ، فأدخل أبهاها ، أفتش عن هدايا بستة وستين ألف روبية وخمسمئة ، فأعثر على عقد خشبي بخمسة وعشرين ألفا ، وسوار خشبي ملائم للعقد بخمسة عشر ألفا ، وسوار خشبي منفرد بخمسة عشر ألفا ، وسوار بلاستيكي منفرد بعشرة آلاف ؛ فيتم الحساب خمسة وستين ألف روبية ، لتبقى ورقة بألف وقطعة بخمسمئة ، فأعطي الورقة عاملا يتكلم العربية ، نبهني على الصلاة ، ودلني على المصلى – فجمعت العصر إلى الظهر قصرا - وأستبقي القطعة لمجمع عملاتي !
جميل مُنْتَظَرُ طائرة " جاكرتا سنغافورة " ، من حوله الجدران الزجاجية المطلعة على المطار من أمام ، المحفوفة بالخضرة من يمين وشمال ، المشغولة بالمضيفات ذوات الأزياء الخاصة !
دخلنا إلى الطائرة ، فكان مكاني بين غَريبَيْنِ ، سلمت فلم يردا ، وبقيا غَريبَيْنِ ، فقعدت ، وانعكس ما سلف بطائرة " سنغافورة جاكرتا " ، ولكنني الآن في رائعة النهار ، أرى كل شيء واضحا جدا من بدء لمختتم ، أتشوف إلى سنغافورة لأتأمل خصائصها من فوق لتحت ، ومن خارج لداخل ؛ حتى ظهرت المراعي الخضراء الطويلة العريضة المقسمة تقسيما ملتويا دقيقا ، المحفوفة بالبحيرات ، المشقوقة بالبحيرات ، المختلطة بالبحيرات ، المشغولة البحيرات بمزارع السمك ، والسفن ، والحيتان أو الدلافين ، ثم ظهر سيدي المطار ، في حاشيته من أشجار السَّرْو المُتَكِّبرة ، بمسارات طائراته المُخَيَّرة بين الطرق المُسَفْلَتة ، والجزائر المخضرة ، ثم حطت الطائرة ، ودخلنا إلى جناح الوصول ، الطاغي الجمال ، الباغي المعارض .
الوقت هذه المرة قصير جدا بين الوصول والرحيل ، فأسرعت أفتش عن كاميرا ألكترونية ، هدية زوجتي ، أعرف أنها تسرها ، فعثرت عليها بمئتين وثلاثة وعشرين دولارا وثلاثين سنتا ، فأقبلت أسأل عن بنك المكان ، فدُلِلْتُ عليه ، فسألت البَنْكيَّة أن تعطيني مبلغ الدولارات المطلوب للكاميرا ، بما يعادلها من العملة المصرية ، فقالت :
- لا ، لا ، لا نتعامل إلا بأميركي الولايات المتحدة أو السنغافوري !
أسرعت إلى القائم على الكاميرا ، أشكو له ، فقال :
- استعمل الفيزا ، أو اسحب بالكارت !
- لا أملك لا هذا ولا ذاك ، إلا النقود المصرية !
فلم يملك إلا أن يأسى لحالي !
ارتحت باليأس ، فأسرعت إلى حيث طائرتي ، فاختلفت علي الجهات ، فجعلت أختصرها بالأرضين المتحركة ، غير مرتاح إلى المناظر الباهرة ؛ حتى بلغت المكان المذكور على بطاقة الطائرة ، فوجدته مغلقا !
سألت بعض العمال ، فدلوني على أن في الأمر تغييرا ، وأنني يمكنني أن أتأكد من اللائحة الألكترونية المضيئة ، فعرفت منها صحة كلامهم ، وكان المكان الجديد بجوار القديم ، فمررت إليه ، فانتبهت من المكان القديم ، إلى عامل يكنس زجاجا مكسورا ، فعرفت سبب تغييره ، ثم رأيت الزحام والطابور الطويل ، فعرفت أنها طائرة القاهرة ، فوقفت في آخر الطابور ، والناس من حوله يائسون ، قاعدون على أرائك الانتظار .
رميت بصري إلى أول الطابور ، فإذا الموظفون بعد جهاز الحقائب ، يفتشون الناس رجالا ونساء ، فعرفت سبب الزحام ، فلما كنت في مكانهم ولم أُفَتَّش ، حَرَصْتُ عَجَبًا أَنْ أُصَوِّرَ نَموذجًا من تفتيش كلا الجنسين !
لم يبق وقت ؛ فكان كل من يفرغ من عبث المفتشين والمفتشات ، يمضي إلى الطائرة . أخذت مكاني بجوار شاب مصري ، كأنه لا يحب الغرباء ، ولا يحبونه ، بيني وبينه مقعد فارغ يزيدنا غربة ، وأخرجت كتاب " التفكير فريضة إسلامية " ، للعقاد ، الذي كنت أقرؤه في مكتبتي بروضة مصر العتيقة قبل سفري ، فجاءتني في خلال ذلك المضيفة السنغافورية ، ترطن بالإنجليزية ؛ حتى فهمت أنها تتوسل إليَّ أن أنتقل إلى مكان شخص آخر ، ليأخذ مكاني هو وشخص آخر معه لم يتح لهما القعود معا ، فسألتها عن تطرف المقعد الذي ستأخذني إليه ، ففهمت ، وأكدت لي أنه كما أريد !
لم أكن أدري أنه ستكون لي بذلك يد عليها طولى طول الرحلة ؛ تكثر أولا من شكري عليها ، ثم تكثر دائما من الحفاوة بي فيما تقدمه الطائرة من خدمات ! ولم أتحرج من هذه الحفاوة ، بل استعملتها في بعض المطالب ، فلم تتأخر ، إلا مرة واحدة ، ربما شَغَلَتْها فيها عني شواغل أخرى !
أقبلت أنظر في كتاب العقاد ، فوجدته يخوض في جمع فلاسفة المسلمين بين العقل والإيمان ، فبخلت به ، وتركته لسيد المقام ، من بعد أن وزعت علينا المضيفة السماعات الضرورية !
لم أكن أدري أن من الأفلام المحفوظة بذاكرة تلفازي ، أفلاما عربية ، فتشاغلت بفيلم أميركي خفيف ؛ حتى لمحت طفلة مصرية شيطانة تتابع فيلما عربيا ، فرجعت أقلب الأفلام حتى عثرت على الفيلم الذي كانت تراه ، مكتوبا اسمه بالحروف اللاتينية ، وكان فيلما خفيفا ، فلما فرغت منه قدرت أن ثمت غيره ، فأصبت ، وكان فيلما ثقيلا ، ولم أكن رأيت أيا منهما من قبل ، ثم فتشت عن غيرهما فعثرت على فيلم أميركي ثقيل غير مترجم ، فتابعته ؛ حتى وصل بي إلى مطار القاهرة !
كنت أتقلب يمينا ويسارا ، فوقا وتحتا ، لا أنام ولا أرتاح ، واستسهلت الحركة بتطرف مقعدي ، ولا سيما إلى الوضوء لصلاتي المغرب والعشاء ، على حين أَحْرَجَ جاريَّ الزوجين السنغافوريين مَوْضِعا مَقْعَدَيْهِما ، ولكنني كنت دائما أزيل عنهما الحرج ، وأتلطف إليهما ، وأسألهما دائما عن رغبتهما في الخروج ؛ حتى علقا عليَّ أملهما في حل مشكلة حقائبهما ، وهما المنتقلان بعد يومين في القاهرة إلى إصطمبول !
فلما خرجت وجدت بعض الأساتذة الأندونيسيين وأستاذا كويتيا بمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ، من جامعة الكويت ( الدكتور إبراهيم محمد ) ، فجاذبتهم الكلام فيما اضطرني إلى الانسلال من جلسات المؤتمر إلى السوق وحدي ، ثم فيما عجبت له من اضطراب نظام المؤتمر : برنامجه الذي خلا أمسِ مني ، وكتابه الذي خلا اليومَ من بحثي :
- لكنهم وعدوا أن يخرجوا بقية الأبحاث في كتاب ملحق .
- أسافر عنهم غدا ، فليبحثوا عمن يشتريه !
ذهبت عنهم إلى غرفتي ، ثم تخففت مما حملت ، ثم نزلت إلى المطعم ؛ فقد استهلكني المشي . فوجدت الدكتور عارف كرخي أبو خضيري والدكتور قرني عبد الحليم ، فدعوتهما أن نأكل معا ، فأصبنا من خبز الجمبري والأرز واللحم والسلطة ومياه العلب ذوات المِشَفّات ، ثم قعدنا عن جلسات المؤتمر زهدا فيها بعدما رأينا من اضطراب نظامها !
انضم إلينا بعد قليل الدكتور حسن عبد المقصود ، ثم الدكتور كمال عبد العزيز ، ثم الدكتور عرسان الرافيني ، ثم خضنا في كل علم وفن ، ثقيل وخفيف ؛ حتى هجم علينا من الأندونيسيين وشباب الأساتذة العرب ، بعقب المؤتمر ، مَنْ صَخِبَ في المطعم بما سموه حفل سمر ، بين عزف وغناء وإنشاد ، وبرع الخليجيون مرة أخرى في الإنشاد ، واستولوا على إقبال الأندونيسيين – ولكنني خرجت من هذا اللقاء ، بمعرفة الدكتور عارف .
رجل عالم فنان صعيدي ، لا تدل ملامحه الصعيدية القاسية ، على خصاله الفنية الرقيقة ، وحواره العلمي اللطيف !
ثم جاءنا أندي هادي ومحمد فؤاد ، وجمعتنا جميعا الصور التذكارية :
- أندي ، هذا محمد فؤاد ، أرجو ألا يتأخر عن السابعة من صباح غد !
- تأمل ؛ قد كتبت تفاصيل مواعيدكم أنتم والأساتذة جميعا !
- أكرمك الله !
- وهذان نوح وعارف ، طالبان بالفرقة الثالثة من تخصص اللغة العربية ، سيكونان عندك في السابعة .
- ومحمد فؤاد ؟
- لديه عمل يمنعه !
ثم ذهب بهما ، وطال مجلسنا ؛ حتى شهد الجالسون أنه أفضل أعمال هذا المؤتمر ! ولكنه انتهى ، وودع كل منا الآخر ، وافترقنا ، وفي طريقي من المطعم وجدت مجلسا آخر للدكتور محمد حُوَّر أستاذ النقد بجامعة اليرموك ، والدكتور زياد الزعبي ، والدكتور عرسان الفيلاني ، والدكتور فائز القرعان ، وربما كان معهم الدكتور عباس عبد الحليم . تمنيت أن أجالسهم حتى مطلع الفجر ؛ فَلا يزال بي إلى إخواني العرب والمسلمين جميعا ، ولا سيما العلماء والفنانون – شوق وحنين لا يفتران ، ولكنني خشيت أن أَثْقُلَ عليهم !
صعدت آسفا إلى غرفتي ، وجهزت حقيبتي ، وضبطت محمولي ، وتناومت حتى صلاة الفجر ، ثم تناومت حتى السادسة والربع ؛ فإذا الباب يطرق ، فأفتح ؛ فإذا نوح وعارف - خافا ألا أكون تجهزت - فنخرج معا ، فأمر على المطعم ، محتاجا ، زاهدا في الإفطار الأندونيسي ، إلى حيث سيارة زميل لهما ثالث ، من طلاب اللغة العربية كذلك .
انطلقنا ننهب الطريق الذي ستره عني الليل من تلكوم إلى متجر باندونج الكبير ، والدنيا كلها باكرة يقظة نشطة ، فكنت أصور كل طريفة أندونيسية لم أصورها من قبل ، ولا رأيتها ، من مثل غلبة الدراجات البخارية على وسائل الانتقال في الشوارع ، ومن مثل الدراجات الهوائية ذات الأرائك الأمامية المستعرضة ، ومن مثل أسواق باندونج الداخلية الممتلئة خضراوات وفواكه ومستلزمات أندونيسية ، وصورت مناظر بعض الشوارع الطويلة المحفوفة بالأشجار الملتقية الأعالي كمثل ما كانت عليه شوارع القاهرة الفاخرة " ثم زالت وتلك عقبى التعدي " :
- أليس اليوم السبت إجازة في باندونج ؟
- بلى .
- فلم كل هذه الجموع ؟
- يذهبون إلى التسوق .
- وهل نمر بمتاجر كبيرة ؟
- متجر باندونج الكبير نفسه ، مُتَسَوَّقٌ كبير جدا ، يذهب الناس إليه !
- وهل أستطيع أن أشتري منه ؟
- تفتح محاله في التاسعة !
- أين ترى ذلك المبنى الذي التقى فيه سوكارنو ونهرو وجمال عبد الناصر سنة 1955م ، لتأسيس جبهة عدم الانحياز ؟
- لقد مررت معنا عليه منذ قليل ، وتركناه الآن خلفنا !
- أظن أنه مزار سياحي ، ليتنا وجدنا وقتا لزيارته ، ولسوف يزوره المشاركون بالمؤتمر اليوم ، ولم يمنعني غير سفري !
- نحن نسميه جدون ساتي !
- وما معناه بالعربية ؟
- لا مقابل له في العربية !
- بل معناه اللحم المشوي على الـ...
- على المشكاك ، نسمي هذه الحديدة المشكاك ، فهو لحم المشاكيك !
- نعم لحم المشاكيك !
وصلنا قبيل السابعة والنصف ، فوجدنا الحافلة توشك أن تتحرك – ولا ريب في أنها حافلة السابعة ، تَأَخَّرَتْ ؛ فأدركناها ؛ وقد كنا عَجِلْنا لحافلة الثامنة - فقطعوا لي تذكرتي على حساب لجنة المؤتمر كما اتفقنا ، ونبهوني على بوابة السفر إلى سنغافورة ( d2 ) ، بأندونيسية تمنيت أن أحفظها ، وأراد السائق التحرك ، فودعتهم ، وقفزت إليه .
جهزت نفسي لرحلة طويلة أطول مما كانت ليلا ، أي ذات أربع ساعات أو أكثر ؛ فاشتغلت في طريق الحافلة بتأمل طبيعة البلد ، وتصوير أهم مناظرها ، فلم أجد أهم من مزارعها المستمرة على الجبال والسهول ؛ فإذا كانت الجبال كانت أشجار الشاي المتشابكة ، وإذا كانت السهول كانت حقول الأرز المنبسطة ، وربما اصطفت على الحواف ، أو استقلت بأنفسها أشجار السَّرْو المُتَكَبِّرة - ولا أهم من قراها المختبئة في أحضان مزارعها ، ببيوتها المثلثة الأسقف المزدوجة الطوابق المختلفة باختلاف أحوال أصحابها سعة وضيقا - ولا أهم من بحيراتها المسكونة بمزارع السمك ذوات الجدران من فِلَقِ أعواد الغاب ( القصب الأجوف ) . وكلما اندهشت بمنظر من تلك ، جاءني أشد منه إدهاشا ؛ حتى خرجنا من الريف إلى الحضر ، فإذا أبنية شاهقة ، وطرق نظيفة منظمة ؛ حتى بلغنا مطار جاكرتا .
مررنا على رصيف البوابات الطويل اللطيف ، قد ازدحمت عليه جماعات الناس جماعة جماعة ، كل جماعة على بوابة سفرها ؛ فكنت أتأمل الأسر الأندونيسية كيف تبدو ، مُتَحَفِّظَةَ المظهر ، أو مُتَحَرِّرَتَه ، أو مختلطة المظهر بتحفظ الكبار وتحرر الصغار ، وكلهن أسر مسلمة ؛ حتى جاءت بوابتي ؛ فنبهني السائق ومساعده ، ونزلت ، وتحيرت قليلا ، ثم دخلت مستدلا بـ"d2 " .
وصلت بُعَيْدَ العاشرة ، وموعدي الثانية عشرة ، فلم أشأ أن أحرج نفسي بالدخول مع الداخلين إلى الباحات الداخلية ، فجلت ذهابا وإيابا ، أتفقد المكان الذي لم أره في وصولي ، وربما لا أراه بعد اليوم ، وأتفقد الناس ، وما الأماكن إلا الناس !
هذه طائفة من الفتيات والسيدات ، تلبس الملابس البيضاء الإسلامية ، كأنهن الملائكة ، فقدرت أنهن في سبيل الاعتمار ، وهذه سيدة متبرجة تَشْتَفُّ المياه بالمِشَفَّةِ ، حتى إذا ما انتهت قامت إلى السلة فألقت زجاجتها ، وهذا مطعم :
- ( ... أريد أن أفطر ... ) !
أدخل ، وآخذ علبة بيبسي ، وكيس بسكويت ، وأدفع ثمانية عشر ألف روبية ! وهذا بنك :
- ( ... معي قرابة مئة وسبعين ألف روبية ونيفٍ ، أريد أن أغيرها إلى دولارات ... ) !
- معك ثلاثة آلاف روبية أخرى ؟
- لا .
فيرد علي البَنْكيُّ السبعين ألفًا ونيفا ، ولا يأخذ غير مئة الألف ، ليعطيني عشر دولارات ، وخمسين روبية تقريبا !
وهذه فتاة محجبة تقف على محل هدايا ، فأقبل عليها ، أتفقد ما عندها ، وأساومها ، ناسيا حدود ما معي ، فتسألني بالإنجليزية :
- لمن تريد ؟
- لابنتي .
- كم عمرها ؟
- خمس عشرة .
- تأمل هذا العقد بمئتي ألف ، وهذا السوار بمئة وخمسين ، وهذا بمئة ، وذاك ، وذلك ... !
- عذرا عذرا !
أذهب عنها أجول ؛ حتى تكتمل الاثنتا عشرة ، فأدخل أفتش عن الطيران السنغافوري ، فأنتبه إلى شاب صغير يفتش قبلي ، فأتتبعه ، فيهجم على مكتب فارغ ، ويعرض أوراقه في لمح البصر ، ويمضي ، فإذا المكتب لرجال الأعمال ، فأتركه إلى مكتب فارغ بجواره ، فإذا هو لهم كذلك ، وأُنَبَّه على طابور الدهماء ، فأنضم إليهم !
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام . معك حقائب للوزن ؟
- لا .
- هذه بطاقة " جاكرتا سنغافورة " ، وهذه بطاقة " سنغافورة القاهرة " .
- جميل .
- أريد منك مئة ألف روبية .
- لماذا ؟
فترطن لي بما لا أفهم ، فأشير لها إلى أن ليس معي ما يكملها ، فهل أذهب لتغيير الدولارات إلى روبيات ، فتوافقني ، وتمسك عندها بطاقتي الطائرتين ، فأذهب ، فآخذ بعشر الدولارات ، أقل مما بذلت فيها الروبيات ، ثم أعود لأكمل للمضيفة مئة الألف ، ثم أهم بالمضي ، فترى حقيبة اليد :
- ينبغي لك أن تترك هذه الحقيبة !
- ولم لا أحملها ؛ ألا ترين كم هي خفيفة !
- ينبغي ألا تزيد على عشرة كيلوات .
- أظنها كذلك .
نزنها معا ، فتكون أربعة عشر كيلو ، فأتركها لها مستريحا منها ، ثم أسألها عن جهة انتظار الطائرة ، لأمضي إليها ، وأمر في الطريق بسوق مطار جاكرتا الحرة ، لأجد محال هدايا خشبية وشبه خشبية ، لم أر مثلها من قبل ، فأدخل أبهاها ، أفتش عن هدايا بستة وستين ألف روبية وخمسمئة ، فأعثر على عقد خشبي بخمسة وعشرين ألفا ، وسوار خشبي ملائم للعقد بخمسة عشر ألفا ، وسوار خشبي منفرد بخمسة عشر ألفا ، وسوار بلاستيكي منفرد بعشرة آلاف ؛ فيتم الحساب خمسة وستين ألف روبية ، لتبقى ورقة بألف وقطعة بخمسمئة ، فأعطي الورقة عاملا يتكلم العربية ، نبهني على الصلاة ، ودلني على المصلى – فجمعت العصر إلى الظهر قصرا - وأستبقي القطعة لمجمع عملاتي !
جميل مُنْتَظَرُ طائرة " جاكرتا سنغافورة " ، من حوله الجدران الزجاجية المطلعة على المطار من أمام ، المحفوفة بالخضرة من يمين وشمال ، المشغولة بالمضيفات ذوات الأزياء الخاصة !
دخلنا إلى الطائرة ، فكان مكاني بين غَريبَيْنِ ، سلمت فلم يردا ، وبقيا غَريبَيْنِ ، فقعدت ، وانعكس ما سلف بطائرة " سنغافورة جاكرتا " ، ولكنني الآن في رائعة النهار ، أرى كل شيء واضحا جدا من بدء لمختتم ، أتشوف إلى سنغافورة لأتأمل خصائصها من فوق لتحت ، ومن خارج لداخل ؛ حتى ظهرت المراعي الخضراء الطويلة العريضة المقسمة تقسيما ملتويا دقيقا ، المحفوفة بالبحيرات ، المشقوقة بالبحيرات ، المختلطة بالبحيرات ، المشغولة البحيرات بمزارع السمك ، والسفن ، والحيتان أو الدلافين ، ثم ظهر سيدي المطار ، في حاشيته من أشجار السَّرْو المُتَكِّبرة ، بمسارات طائراته المُخَيَّرة بين الطرق المُسَفْلَتة ، والجزائر المخضرة ، ثم حطت الطائرة ، ودخلنا إلى جناح الوصول ، الطاغي الجمال ، الباغي المعارض .
الوقت هذه المرة قصير جدا بين الوصول والرحيل ، فأسرعت أفتش عن كاميرا ألكترونية ، هدية زوجتي ، أعرف أنها تسرها ، فعثرت عليها بمئتين وثلاثة وعشرين دولارا وثلاثين سنتا ، فأقبلت أسأل عن بنك المكان ، فدُلِلْتُ عليه ، فسألت البَنْكيَّة أن تعطيني مبلغ الدولارات المطلوب للكاميرا ، بما يعادلها من العملة المصرية ، فقالت :
- لا ، لا ، لا نتعامل إلا بأميركي الولايات المتحدة أو السنغافوري !
أسرعت إلى القائم على الكاميرا ، أشكو له ، فقال :
- استعمل الفيزا ، أو اسحب بالكارت !
- لا أملك لا هذا ولا ذاك ، إلا النقود المصرية !
فلم يملك إلا أن يأسى لحالي !
ارتحت باليأس ، فأسرعت إلى حيث طائرتي ، فاختلفت علي الجهات ، فجعلت أختصرها بالأرضين المتحركة ، غير مرتاح إلى المناظر الباهرة ؛ حتى بلغت المكان المذكور على بطاقة الطائرة ، فوجدته مغلقا !
سألت بعض العمال ، فدلوني على أن في الأمر تغييرا ، وأنني يمكنني أن أتأكد من اللائحة الألكترونية المضيئة ، فعرفت منها صحة كلامهم ، وكان المكان الجديد بجوار القديم ، فمررت إليه ، فانتبهت من المكان القديم ، إلى عامل يكنس زجاجا مكسورا ، فعرفت سبب تغييره ، ثم رأيت الزحام والطابور الطويل ، فعرفت أنها طائرة القاهرة ، فوقفت في آخر الطابور ، والناس من حوله يائسون ، قاعدون على أرائك الانتظار .
رميت بصري إلى أول الطابور ، فإذا الموظفون بعد جهاز الحقائب ، يفتشون الناس رجالا ونساء ، فعرفت سبب الزحام ، فلما كنت في مكانهم ولم أُفَتَّش ، حَرَصْتُ عَجَبًا أَنْ أُصَوِّرَ نَموذجًا من تفتيش كلا الجنسين !
لم يبق وقت ؛ فكان كل من يفرغ من عبث المفتشين والمفتشات ، يمضي إلى الطائرة . أخذت مكاني بجوار شاب مصري ، كأنه لا يحب الغرباء ، ولا يحبونه ، بيني وبينه مقعد فارغ يزيدنا غربة ، وأخرجت كتاب " التفكير فريضة إسلامية " ، للعقاد ، الذي كنت أقرؤه في مكتبتي بروضة مصر العتيقة قبل سفري ، فجاءتني في خلال ذلك المضيفة السنغافورية ، ترطن بالإنجليزية ؛ حتى فهمت أنها تتوسل إليَّ أن أنتقل إلى مكان شخص آخر ، ليأخذ مكاني هو وشخص آخر معه لم يتح لهما القعود معا ، فسألتها عن تطرف المقعد الذي ستأخذني إليه ، ففهمت ، وأكدت لي أنه كما أريد !
لم أكن أدري أنه ستكون لي بذلك يد عليها طولى طول الرحلة ؛ تكثر أولا من شكري عليها ، ثم تكثر دائما من الحفاوة بي فيما تقدمه الطائرة من خدمات ! ولم أتحرج من هذه الحفاوة ، بل استعملتها في بعض المطالب ، فلم تتأخر ، إلا مرة واحدة ، ربما شَغَلَتْها فيها عني شواغل أخرى !
أقبلت أنظر في كتاب العقاد ، فوجدته يخوض في جمع فلاسفة المسلمين بين العقل والإيمان ، فبخلت به ، وتركته لسيد المقام ، من بعد أن وزعت علينا المضيفة السماعات الضرورية !
لم أكن أدري أن من الأفلام المحفوظة بذاكرة تلفازي ، أفلاما عربية ، فتشاغلت بفيلم أميركي خفيف ؛ حتى لمحت طفلة مصرية شيطانة تتابع فيلما عربيا ، فرجعت أقلب الأفلام حتى عثرت على الفيلم الذي كانت تراه ، مكتوبا اسمه بالحروف اللاتينية ، وكان فيلما خفيفا ، فلما فرغت منه قدرت أن ثمت غيره ، فأصبت ، وكان فيلما ثقيلا ، ولم أكن رأيت أيا منهما من قبل ، ثم فتشت عن غيرهما فعثرت على فيلم أميركي ثقيل غير مترجم ، فتابعته ؛ حتى وصل بي إلى مطار القاهرة !
كنت أتقلب يمينا ويسارا ، فوقا وتحتا ، لا أنام ولا أرتاح ، واستسهلت الحركة بتطرف مقعدي ، ولا سيما إلى الوضوء لصلاتي المغرب والعشاء ، على حين أَحْرَجَ جاريَّ الزوجين السنغافوريين مَوْضِعا مَقْعَدَيْهِما ، ولكنني كنت دائما أزيل عنهما الحرج ، وأتلطف إليهما ، وأسألهما دائما عن رغبتهما في الخروج ؛ حتى علقا عليَّ أملهما في حل مشكلة حقائبهما ، وهما المنتقلان بعد يومين في القاهرة إلى إصطمبول !