أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 09:57 AM
الْمَسْألةُ الثّالِثَةُ : نِظامُ الْأَطْوارِ
عَلاقَةُ الْكَلِمِ ( الْمَعانِي ) الْمُجْتَمِعَةِ أَهَمُّ مِنْها
[23] عمر ، علي ، خالد ، الشمس ، القمر ، الأرض ، كلم منفردات متواليات ، وهي كذلك معانٍ منفردات متواليات ، كل كلمة منفردة منها معنى منفرد ، متى خطرت خطر ، ومتى خطر خطرت ، وما خطور كل كلمة منها أو كل معنى إلا بمنزلة ضرب واحد في واحد أو قسمته عليه ، لا زيادة ثم معتبرة .
أما إذا كانت تلك الكلم ( المعاني) أنفسها ، هكذا : عَليٌّ وَخالِدٌ حَوْلَ عُمَرَ وَالْقَمَرُ وَالْأَرْضُ حَوْلَ الشَّمْسِ – فهي كلام مركّب مترابط ، وفكرتان متشابهتان مجتمعتان . تدل الأولى على علاقة جماعة من الناس ، وتدل الأخرى على علاقة جماعة من الجماد . إنه إذا كانت العلاقة في الأولى علامة سعي الناس إلى الائتلاف وحرصهم عليه ، كانت العلاقة في الأخرى علامة ائتلاف الجماد على سنة عليا ، ثم كان التقاء العلامتين كلتيهما آية الخضوع العظمى لتقدير خالق واحد بديع عظيم ، لم يملك لها ليفي شتراوس إلا أن يقول : " حين ننظر إلى جميع المنجزات الفكرية للإنسان بقدر ما دونت عبر العالم كله ، نجد أن القاسم المشترك بينها هو دائما إدخال نظام من نمط ما . وإذا كان هذا يمثل حاجة أساسية للنظام في العقل الإنساني ، وما دام العقل الإنساني ، بعد كل حساب ، ليس سوى جزء من الكون ، فإن الحاجة ربما كانت موجودة لأن ثمة نظاما ما في الكون ولأن الكون ليس في حالة من الفوضى " 48 .
ونحن إذا تأملنا على التاريخ أعمال كبار المفكرين علماء وفنانين ، لم نجد قيمتها في ذخائرهم المحتشدة فيها من الكلم ( المعاني ) المنفردة ، بل فيما يختارونه لها ويختارونها له من علاقات تُظهرها وكأن لم تسمع من قبل 49 .
ولأمر ما قال أبو نواس لمسلم بن الوليد ، الفاخر في قوله :
" رَأْي المُهَلَّبِ أَوْ بَأْس الأَيازيدِ "
- بأنه لم يسبقه إلى جمع ( يزيد ) أحد - : " مِنْ ها هنا وَهِمْتَ " 50 .
وللأمر نفسه قال بايي أنكلان الكاتب الأسباني : " يا لشقاء الشاعر الذي لم يجرؤ يوما على أن يجمع بين كلمتين لم تلتقيا من قبل على الإطلاق " 51 .
علاقة الكَلِمِ ( المعاني ) المجتمعة ، أهمُّ من الكلم ( المعاني ) المنفردات أنفسها ؛ ففضلاً عن أنها التي تقدم الفكرة " دلالة علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة " ، لا المعنى المنفرد ، فتظهر الكلمة أحيانا وكأن لم تسمع من قبل – تَسْتَقِلُّ وحْدَها بتوليد ما لا يحصى من الأفكار 52 .
وبالقياس تكون علاقةُ جُمَلِ الفِقْرَةِ المجتمعة ، أهمَّ من الجمل المنفردات ، وعلاقةُ فِقَرِ النَّصِّ المجتمعة ، أهمَّ من الفِقَرِ المنفردات ، وعلاقةُ نُصوصِ الكِتابِ المجتمعة ، أهمَّ من النصوص المنفردات ؛ فإن المتأمل يطيل النظر حتى تنكشف له رسالة الكتاب المستولية على نصوصه ؛ فتنكشف بانكشافها قضايا النصوص ، ثم أفكار الفقر ، ثم فُكَيـْرات الجمل ؛ فتكون لمعاني الكلم عندئذ قيمة .
عَلاقَةُ الْكَلِمِ ( الْمَعانِي ) الْمُجْتَمِعَةِ عَمَلُ النَّحْوِ
[24] ما علاقة الكلم (المعاني) المجتمعة، بعضها ببعض إلا عمل النَّحْو، وما تعليق مستعملها لها بعضها ببعض إلا إعمال هذا النحو 53 ، وما الانطلاق منها إلى علاقة الجمل في الفقرة والفقر في النص والنصوص في الكتاب ، إلا انطلاق من نحو الجملة القديم الدارج لدينا الآن – وعليه مآخذ تنفي عنه صفة الوفاء – إلى نحو النص الحديث المتمَنّى لنا 54 .
" وَجْهُ النَّحْوِ الْفَلْسَفيِّ الْمُجْدي "
[25] لما كان نظام اللغة مقتصرا عند دو سوسير عالم اللغة الغربي ، على الأصوات والكلمات فقط أو مع عدد ضئيل من العبارات الثابتة والنماذج العامة ، لم يكن لتكوين الجملة لديه علاقة بنظام اللغة ، بل بالكلام المنطوق ؛ ومن ثم كان خارج إطار علم اللغة الحقيقي لأنه عندئذ نمط من الإبداع اللغوي الحر الذي لا تعوقه قواعد اللغة إلا ما اختص بصياغة الكلمات ونماذج الأصوات ؛ ثُمَّ من ثَمَّ لم تكن للنحو أهمية كبيرة 55 .
ولما لم يكف في فهم طبيعة الفكر البشري أن تفسر ظواهره على منهج الديكارتيين ، بردها إلى مبدأ حيوي يدعى العقل لم تكشف خصائصه بعد على نحو متماسك وشامل – انطلق تشومسكي عالم اللغة الأمريكي ، من حصر ديكارت نفسه إنسانية الإنسان بمقدرته من خلال اللغة على التحليل والتوليد 56 ، إلى التفتيش في تلك المقدرة عن نماذج تتيح له وضع نظام من القواعد يسمح بتوليد الجمل الممكنة في اللغة كُلِّها، يشتمل على عناصر ثلاثة هي : المكوّن التركيبي والمكوّن الصوتي والمكوّن الدلالي ( نظريته النحو التوليدي ) لا ينحصر في حدود لغة ما وإن اعتمد عليها ، بل يشمل اللغات الطبيعية كلها فيضطلع بدراسة الشروط الواجبة فيها ؛ فصارهمه "تأصيل النحو في أعمق أعماق التربة العقلية المشتركة للغة البشرية ، على أساس أن العقل عنده فطري ، وأن اللغة بنحوها المنطقي متأصلة في الحياة الذهنية التي يوجهها العقل " 57 .
لقد استحسن منهج وصف ظواهر اللغة والنشاط العقلي بأعلى درجات الدقة الممكنة ومحاولة تجريد بناء نظري يفسر تلك الظواهر ويكشف مبادئ انتظامها وعملها ولا يربط التراكيب والأعمال العقلية المفترضة بأية آليات فسيولوجية ، ولا يفسر الوظيفة العقلية من خلال أسباب فيزياوية ، فراجَعَ نظريةَ النحو الفلسفي أو الكلي التي نشأت في القرن السابع عشر ، منطلقا من الاعتذار بجواز الذهاب إلى أبعد مما يمكن تخيله في سبيل تفسير الملاحظ ، ومن التشبه بنيوتن في محاولته فهم طبيعة حركة الكواكب ، إلى المنافحة عن النظرية المهجورة بأنها ليست نمطا من النحو المعياري الذي تجاوزته الدراسة اللغوية ، بل من التفسير العقلي أي تفسير حقائق الاستعمال على أساس فروض متعلقة بطبيعة اللغة وطبيعة الفكر البشري 58 .
إنه لحلم بعيد بُعْدَ أولية الإنسان في هذه الحياة ، ما يطمح إليه تشومسكي من "النحو الكلي" الذي يبعث للعالم أصول لغة واحدة وتفكير واحد ، كان حافز الدكتور مازن الوعر إلى إقناع أساتذته ومنهم تشومسكي نفسه ، بجعل رسالته للدكتوراه في دراسة التراكيب الأساسية في اللغة العربية ، مستخدما المنهج الذي وضعه العرب القدماء ، مقترنا بالمنهج الدلالي التصنيفي الذي وضعه عالم الدلاليات الأمريكي ولتركوك وبالمنهج التوليدي التحويلي الذي وضعه تشومسكي وقد تلمذ لهما ، من أجل وصف التراكيب العربية وشرحها نحويّا ودلاليّا ، حتى " يمكن للنظرية اللسانية الحديثة أن تستفيد من المواد اللسانية المقدمة في هذه الدراسة " 59 – فحظي بإعجاب تشومسكي وتصريحه المكتوب في غرة العمل، بما فيه من إضافة إلى النظرية الغربية !
لقد اشتد انشعاب الناس إلى أمم مختلفة اللغات والتفاكير ، تسهر أنحاؤها ( أنظمتها ) على رعاية اختلافها ، بحيث لا يستبعد المتأمل أن لا يكون ذلك الحلم الأخّاذ ، إلا كابوس "العولمة " قد استغشت به ثياب " النحو العالمي " ، تدعو الناس إلى أن يعتقدوا الحضارة الغربية وينتموا إليها دون حضارتهم ؛ إذ لا حياة إلا باعتناق مبادئها ، ولا سيادة إلا باعتماد طرائقها ، كما سبق في الفقرة الثانية عشرة ، وهم لا يريدون إلا أن يستوعبوا الحضارة الغربية كما استوعبهم الغرب ، لا أن يكونوه ، كما لم يكنهم . ولن يكونوه ، لو أرادوا ، بل سيكونون له ، كما كان كثير من العالم الذي اغتصبه وأجبره على حضارته ، فصار حظائر لمخلفاته 60 .
ولن يفوت المتأمل أن يستظهر من تصريح تشومسكي نفسه المكتوب في غرة عمل الدكتور مازن الوعر الآنف ذكره ، أن الأصول المحلوم باكتشافها ، هي للغة وتفكير غربيّين، كما أراد ستتكيفيتش فيما استنبطته عنه من أفكارفي الفقرة الثالثة !
ولكن ينبغي ألا يفوته أنه تتجلى في خلال ذلك علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة ، بعضها ببعض ، التي هي أهم منها هي نفسها ، والتي هي عمل النحو - عملا لغويا تفكيريا ؛ فيتجلى النحو نظاما لأطوار اللغة والتفكير جميعا معا أي السلك الذي ينتظمها لتكون على التاريخ عقدا متآخذ الحبّات لولاه لانفرطت لغاتٍ وتفاكير شتى ، ليكون هو ذلك الموضوع الأجدر بالدراسة من موضوعات تاريخ اللغة العربية ، الذي نبهتْ عليه الفقرة السابعة عشرة ، بَلْهَ أن يكون وجه النحو الفلسفي المجدي .
نَقْدُ الدُّكْتورِ تَمّامْ حَسّانْ لِعَمَلِ الدُّكْتورِ عُثْمانْ أَمينْ
[26] في خلال حديثه عن كون الإسناد في اللغة العربية قرينة معنوية مقالية من قرائن التعليق ، تؤازر غيرها من القرائن المقالية ( المعنوية واللفظية ) ، ومن القرائن الحالية ( المقامية ) – وهذه كلها قرائن التعليق – ومن القرائن العقلية ( العهدية الذهنية والمنطقية ) ، ومن القرائن المادية ( مخلفات المجرم في مكان الجريمة وما أشبه ) ، وأنه بهذا التآزر والتضافر نفهم معنى النص الدلالي – ذكر الدكتور تمام حسان أن الإسناد في اللغات الغربية مفتقر إلى وساطة نوع من القرائن اللفظية يسمى الأفعال المساعدة ، فليس هو فيها قرنية كما في العربية . ثم أشار إلى محاولة الفيلسوف الدكتور عثمان أمين في كتيب له ، تفضيل اللغة العربية بهذا على لغات أخرى غيرها ، ثم أعرض عن هذا الضرب من البحث ، لأنه مما وراء منهج اللغة الذي يعتني به الفلاسفة – إن جاز أن يعتني به أحد – لا اللغويون . وصرح بأنه يعتني من هذه المسألة مثلاً ، بكون الإسناد " قرينة معنوية لتمييز المسند إليه من المسند في الجملة ، في ظل ظاهرة كبرى تحكم استخدام القرائن جميعا ، هي ظاهرة " تضافر القرائن " 61 ، وهي نظريته المهمة التي قدمها بهذا الكتاب، وانطلقت منها واعتمدت عليها دراسات كثيرة .
دَلالَةُ عَمَلِ الدُّكْتورِ عُثْمانْ أَمينْ
[27] إننا إذا نظرنا في كتيب الدكتور عثمان أمين، المقصود بعينه على صغره ( فلسفة اللغة العربية )، وجدناه منذورا في ستينيات القرن العشرين ، للنزعة القومية العربية وتنبيه المخدوعين بدعوى قصور اللغة العربية – مبنيّا على عشرة فصول : الأول : تمهيد في اللغة والأمة ، والثاني : خصائص اللغة العربية ، والثالث: حضور جواني ، والرابع : الصدارة للمعنى ، والخامس : الإعراب مطلب العقل ، والسادس: ظلال وألوان ، والسابع : الحركة والقوة ، والثامن ، اعتراض ورد ، والتاسع : مصير اللغة العربية ، والعاشر : اللغة العربية والمثالية الفلسفية - مختوماً بقوله : " إن عزة الإسلام في المحافظة على عزة العروبة ، وعزة العروبة في المحافظة على الميزات الفريدة التي تميزت بها اللغة العربية : إنها لغة مثالية ، ذات فلسفة واضحة ، فلسفة " جوّانية " موحدة، تربط القول بالفكر، وتوحد بين النظر والعمل " 62 .
إنه يبين اعتماد الفكر العربي على امتزاج اللغة والتفكير العربيين ، وصدوره عنه ، بحيث إذا فسد هذا الامتزاج واستعجم ، فسد ذلك الفكر واستعجم ، ولما كانت حياتنا بحياة هذا الفكر ، كانت بحياة ذلك الامتزاج كذلك . وهي قضية أُهْملت كما اتضح من عمل الدكتور تمام حسان ، في سبعينيات القرن العشرين ، لخفوت النزعة القومية، ولسيطرة المنهج الوصفي ، فلما تلعّبت بنا الآن أصابع العولمة ، وسيطرت نظرية النحو التوليدي الساعي إلى النحو الفلسفي ، عادت جَذَعة جديرةً بالتأمّل .
النَّحْوُ الْعَرَبيُّ نِظامُ أَطْوارِ اللُّغَةِ وَالتَّفْكيرِ الْعَرَبيَّيْنِ
[28] لقد كان ستتكيفيتش كما يتضح مما استنبطت عنه من أفكار في الفقرة الثالثة ، واعيا كيف يميّز النحو اللغة والتفكير ، حتى ليُعدّ نحوهما جميعا 63 . ونحن إذا استعملنا دلالة عكس الكلام تبيّنا أنه يشير إلى بقاء اللغة والتفكير عربيين ما بقي لأطوارهما النحو العربي نظاما ، وأن ليس لعجمة الكلمات ( المعاني ) المفردة ، أو عروبتها في هذا الشأن ، من أثر . وهو قد قال في موضع آخر من كتابه نفسه : " إن اللغة العربية ليست مختلفة عن الإنجليزية مثلا لأن كلمة (يكتب) تتضمن السابقة ( ياء المضارعة ) وأن الكلمة الإنجليزية Writes لا تتضمنها . إن المنطق الدلالي والصرفي واحد في الكلمتين ، لقد عبّر المتكلم عن أبسط فكرة عملية للحدث في الحالين ... إن الاعتبارات المعجمية والصرفية ليست بعائق يحول دون التماثل المنطقي للغات ، أما النحو فإنه – كما يبدو في المقابلة بين الجملتين البسيطتين السابقتين What does he do? وماذا يفعل؟ يضع هذا التماثل في خطر. إن النحو – الذي هو بناء لمنطق لغوي متكامل ومركب يختلف اختلافا شديدا من لغة إلى لغة أخرى . لكن النحو – في التحليل النهائي – يعد انعكاسا لأنماط فكرية تطورت من اكتشافات فكرية إلى عادات فكرية ، ومن ثم إلى قوانين فكرية ، ونحن عادةً نتعامل مع قواعد الفكر . إن اكتشافاتنا الفردية لأفكار جديدة نادرا ما يسمح بتطورها إلى عادات فكرية شائعة ولهذا تتلاشى ، لأنها عوارض زائلة دون أن تشكل قواعد جديدة " 64 .
لكأنّه نظر في مثل هذه الجملة ( الراديو والتلفزيون والسينما كرنفال إنترناشيونال ) ، وكل كلمة منها أعجمية صيغة ومعنى ، فرأى كيف تضافرت بينها سائر قرائن التعليق ( النحو ) العربيّ فاستعربتْ ، فلمْ يلق بالا لصيغ الكلمات ومعانيها المنفردات ، قائلا : هذه طيور عالمية مهاجرة ، فحيثما أقامَتْ وعَشَّشَتِ انْتَسَبَتْ !
ظاهِرَةُ تَعْريبِ التَّعْبيرِ
[29] نحوُ اللغةِ والتفكيرِ العربيُّ باقٍ من قديم إذن نظاما لأطوارهما ، يحفظ عليها عروبتها ، على رغم ما استعجم أو يستعجم من صيغ الكلم ومعانيها المنفردات 65 . ولكن بين هذه المنزلة ومنزلة الكلمات ( المعاني ) المجتمعة بعلاقة تامة ، منزلة التعبير " الوحدة المعنوية الدنيا التي يحتضنها تركيب ما في الكلام ولا تحدّها بنية خاصة ، ونهتدي إليها بتقطيع الكلام بمراعاة تمام المعنى " 66 ، المكوّن الجُمْلي عند اللغويين النفسيين ، الذي تنحلّ إليه الجملة خلال الفهم ثم تنعقد به 67 .
لقد كثر في هذه المنزلة حديثا ما أخذته العربية من غيرها ، حتى لقد ذكره الدكتور وافي ضمن أهم عوامل تطويرها في العصر الحاضر ، قائلا في المرتبة الخامسة : " اقتباس كثير من أخيلة هذه اللغات وتشبيهاتها وحكمها وأمثالها ... وما إلى ذلك " 68 ، فتناوله بعض الباحثين على أنه من " التداخل الأسلوبي " ، ناقدا نفور من سمّاهم " الصفويين " – نسبة عجيبة إلى الصفاء اللغوي ! – منه ، وممثلا بما دخل العربية منه على رغم أنفهم ، من الفرنسية ، مثل قول الفرنسيين : " ذر الرماد في العيون " ، ومنبّها على طبيعيّته بين اللغات المتلاقحة، وعلى جدواه على لغتنا المفتقرة إليه شغلا لفراغها ، وداعيا ضرورةً إلى دراسته دراسة معجمية اجتماعية تفسر الحضارات بالمصطلحات ( الكلمات ) وبالتراكيب ( التعابير ) التي تنشئها أو تستعيرها 69 .
إن تسمية هذه الظاهرة ( تداخلا ) ، غير سديدة ؛ إذ تداخل الأساليب أن تتسرب من كلّ منها إلى الآخر ملامح ، وهو التلاقح الآنف الذكر ، والمراد هنا دخول ملامح من طرف إلى آخر دون عكس ، وهو لا يخرج عن التعريب ، وقد عرض الباحث نفسه لدعوة المجمع إلى " تعريب الأساليب " أي التعابير 70 . ولا ريب في أنفة بعض أدبائنا على الزمان من تعريب التعبير تمسكا " بنقاء الديباجة " ، واجتهادهم – إن اضطروا – أن يَحُلّوه ويعقدوا عقدا عربيّا بحتا . هذا شأنهم المبني على اعتقادهم أن وقوع الكلمة أو التعبير المعربين في لغتهم ، كوقوع قطرة الليمون في زِقّ العسل المصفى ، شرٌّ مستطير . والحق ألا أثر لذلك ما بقي كالخرق المرفوء ، كِسرةً تهضمها معدة النحو العربي ، فأما أن تتتايع التعابير المعربة آخذا بعضها بحجز بعض كرقع الثوب السبعين الحافظية التي لا باقية معها لحقيقة الثوب – فلا تلاقح ولا استعارة ، بل فناء وعدم . وفيما استنبطته عن ستتكيفيتش في الفكرة السادسة من الفقرة الثالثة ، ما يؤكد هذا الرأي .
أما مقدرة مثل هذه الكلمات والتعابير المسلوكة في نظام أطوار اللغة والتفكير الذي أنشأها أو الذي استعارها ، متى انتزعناها منه فدرسناها دراسة معجمية اجتماعية – على أن تفسر الحضارات – ولا ريب في أن المراد تفسير ضعف الحضارة العربية وقوة الحضارة الغربية ! – فبعيدة التخيل ؛ إذ القريبة المتحققة مقدرة نظام أطوار اللغة والتفكير نفسه على ذلك . ولكن تلك الأولى مفيدة في الاطلاع على طرف من سيرة تلاقح الحضارات وأثر بعضها في بعض .
تَمَسُّكُ دُعاةِ التَّطْويرِ بِنِظامِ أَطْوارِ اللُّغَةِ وَالتَّفْكيرِ الْعَرَبيَّيْنِ
[30] تطور الثقافة حياة ، وجمودها موت ، والفنانون ولاسيما الأدباء ، أكثر الناس وعيا لذلك ؛ ومن ثم يدعون كل حين إلى اطراح نظام أطوار اللغة والتفكير ، حتى إذا ما تحركت الثقافة وتطورت على ما يرغبون ، دعوا إلى التمسك بالنظام نفسه ، وعيا منهم لوظيفته الآنفة البيان .
هذا أدونيس الصاخب الثورة على نظام أطوار اللغة والتفكير العربيين في " زمن الشعر " 71 ، يعود في " النص القرآني " ، إلى ما صخب به ، ليعدّله ذاكرا أنه قاله في سياق آخر ، داعياً إلى التمسك بما ثار عليه ؛ ففيه لا في القدامة ولا في الحداثة ، يكمن الإبداع ، شارحاً كيف يأبى هذا النظام " زراعة أعضاء غريبة " 72 ، قاصدا فيما فهمت ، شَوْبه بغيره ، على جهة الكذب اللغوي الذي قال فيه الدكتور شكري عياد : " إنما تفسد اللغة وتنحط المقدرة اللغوية عندما يتعود الناس الكذب في استعمال اللغة . فكما أن الحياة الاجتماعية لا تستقيم إذا كان الكذب هو قاعدة التعامل ، فكذلك الحياة اللغوية – وهي أداتها الأولى – تضطرب وتفسد حين يتعمد الناس تحريف الكلم عن مواضعه " 73 .
أما غير الفنانين من دعاة التطوير ، فمطمئنون إلى بقاء عروبة الثقافة ، ببقاء نظام أطوار اللغة والتفكير العربي ، فضلًا عما يختص به العرب من ظروف أخرى 74 .
عَلاقَةُ الْكَلِمِ ( الْمَعانِي ) الْمُجْتَمِعَةِ أَهَمُّ مِنْها
[23] عمر ، علي ، خالد ، الشمس ، القمر ، الأرض ، كلم منفردات متواليات ، وهي كذلك معانٍ منفردات متواليات ، كل كلمة منفردة منها معنى منفرد ، متى خطرت خطر ، ومتى خطر خطرت ، وما خطور كل كلمة منها أو كل معنى إلا بمنزلة ضرب واحد في واحد أو قسمته عليه ، لا زيادة ثم معتبرة .
أما إذا كانت تلك الكلم ( المعاني) أنفسها ، هكذا : عَليٌّ وَخالِدٌ حَوْلَ عُمَرَ وَالْقَمَرُ وَالْأَرْضُ حَوْلَ الشَّمْسِ – فهي كلام مركّب مترابط ، وفكرتان متشابهتان مجتمعتان . تدل الأولى على علاقة جماعة من الناس ، وتدل الأخرى على علاقة جماعة من الجماد . إنه إذا كانت العلاقة في الأولى علامة سعي الناس إلى الائتلاف وحرصهم عليه ، كانت العلاقة في الأخرى علامة ائتلاف الجماد على سنة عليا ، ثم كان التقاء العلامتين كلتيهما آية الخضوع العظمى لتقدير خالق واحد بديع عظيم ، لم يملك لها ليفي شتراوس إلا أن يقول : " حين ننظر إلى جميع المنجزات الفكرية للإنسان بقدر ما دونت عبر العالم كله ، نجد أن القاسم المشترك بينها هو دائما إدخال نظام من نمط ما . وإذا كان هذا يمثل حاجة أساسية للنظام في العقل الإنساني ، وما دام العقل الإنساني ، بعد كل حساب ، ليس سوى جزء من الكون ، فإن الحاجة ربما كانت موجودة لأن ثمة نظاما ما في الكون ولأن الكون ليس في حالة من الفوضى " 48 .
ونحن إذا تأملنا على التاريخ أعمال كبار المفكرين علماء وفنانين ، لم نجد قيمتها في ذخائرهم المحتشدة فيها من الكلم ( المعاني ) المنفردة ، بل فيما يختارونه لها ويختارونها له من علاقات تُظهرها وكأن لم تسمع من قبل 49 .
ولأمر ما قال أبو نواس لمسلم بن الوليد ، الفاخر في قوله :
" رَأْي المُهَلَّبِ أَوْ بَأْس الأَيازيدِ "
- بأنه لم يسبقه إلى جمع ( يزيد ) أحد - : " مِنْ ها هنا وَهِمْتَ " 50 .
وللأمر نفسه قال بايي أنكلان الكاتب الأسباني : " يا لشقاء الشاعر الذي لم يجرؤ يوما على أن يجمع بين كلمتين لم تلتقيا من قبل على الإطلاق " 51 .
علاقة الكَلِمِ ( المعاني ) المجتمعة ، أهمُّ من الكلم ( المعاني ) المنفردات أنفسها ؛ ففضلاً عن أنها التي تقدم الفكرة " دلالة علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة " ، لا المعنى المنفرد ، فتظهر الكلمة أحيانا وكأن لم تسمع من قبل – تَسْتَقِلُّ وحْدَها بتوليد ما لا يحصى من الأفكار 52 .
وبالقياس تكون علاقةُ جُمَلِ الفِقْرَةِ المجتمعة ، أهمَّ من الجمل المنفردات ، وعلاقةُ فِقَرِ النَّصِّ المجتمعة ، أهمَّ من الفِقَرِ المنفردات ، وعلاقةُ نُصوصِ الكِتابِ المجتمعة ، أهمَّ من النصوص المنفردات ؛ فإن المتأمل يطيل النظر حتى تنكشف له رسالة الكتاب المستولية على نصوصه ؛ فتنكشف بانكشافها قضايا النصوص ، ثم أفكار الفقر ، ثم فُكَيـْرات الجمل ؛ فتكون لمعاني الكلم عندئذ قيمة .
عَلاقَةُ الْكَلِمِ ( الْمَعانِي ) الْمُجْتَمِعَةِ عَمَلُ النَّحْوِ
[24] ما علاقة الكلم (المعاني) المجتمعة، بعضها ببعض إلا عمل النَّحْو، وما تعليق مستعملها لها بعضها ببعض إلا إعمال هذا النحو 53 ، وما الانطلاق منها إلى علاقة الجمل في الفقرة والفقر في النص والنصوص في الكتاب ، إلا انطلاق من نحو الجملة القديم الدارج لدينا الآن – وعليه مآخذ تنفي عنه صفة الوفاء – إلى نحو النص الحديث المتمَنّى لنا 54 .
" وَجْهُ النَّحْوِ الْفَلْسَفيِّ الْمُجْدي "
[25] لما كان نظام اللغة مقتصرا عند دو سوسير عالم اللغة الغربي ، على الأصوات والكلمات فقط أو مع عدد ضئيل من العبارات الثابتة والنماذج العامة ، لم يكن لتكوين الجملة لديه علاقة بنظام اللغة ، بل بالكلام المنطوق ؛ ومن ثم كان خارج إطار علم اللغة الحقيقي لأنه عندئذ نمط من الإبداع اللغوي الحر الذي لا تعوقه قواعد اللغة إلا ما اختص بصياغة الكلمات ونماذج الأصوات ؛ ثُمَّ من ثَمَّ لم تكن للنحو أهمية كبيرة 55 .
ولما لم يكف في فهم طبيعة الفكر البشري أن تفسر ظواهره على منهج الديكارتيين ، بردها إلى مبدأ حيوي يدعى العقل لم تكشف خصائصه بعد على نحو متماسك وشامل – انطلق تشومسكي عالم اللغة الأمريكي ، من حصر ديكارت نفسه إنسانية الإنسان بمقدرته من خلال اللغة على التحليل والتوليد 56 ، إلى التفتيش في تلك المقدرة عن نماذج تتيح له وضع نظام من القواعد يسمح بتوليد الجمل الممكنة في اللغة كُلِّها، يشتمل على عناصر ثلاثة هي : المكوّن التركيبي والمكوّن الصوتي والمكوّن الدلالي ( نظريته النحو التوليدي ) لا ينحصر في حدود لغة ما وإن اعتمد عليها ، بل يشمل اللغات الطبيعية كلها فيضطلع بدراسة الشروط الواجبة فيها ؛ فصارهمه "تأصيل النحو في أعمق أعماق التربة العقلية المشتركة للغة البشرية ، على أساس أن العقل عنده فطري ، وأن اللغة بنحوها المنطقي متأصلة في الحياة الذهنية التي يوجهها العقل " 57 .
لقد استحسن منهج وصف ظواهر اللغة والنشاط العقلي بأعلى درجات الدقة الممكنة ومحاولة تجريد بناء نظري يفسر تلك الظواهر ويكشف مبادئ انتظامها وعملها ولا يربط التراكيب والأعمال العقلية المفترضة بأية آليات فسيولوجية ، ولا يفسر الوظيفة العقلية من خلال أسباب فيزياوية ، فراجَعَ نظريةَ النحو الفلسفي أو الكلي التي نشأت في القرن السابع عشر ، منطلقا من الاعتذار بجواز الذهاب إلى أبعد مما يمكن تخيله في سبيل تفسير الملاحظ ، ومن التشبه بنيوتن في محاولته فهم طبيعة حركة الكواكب ، إلى المنافحة عن النظرية المهجورة بأنها ليست نمطا من النحو المعياري الذي تجاوزته الدراسة اللغوية ، بل من التفسير العقلي أي تفسير حقائق الاستعمال على أساس فروض متعلقة بطبيعة اللغة وطبيعة الفكر البشري 58 .
إنه لحلم بعيد بُعْدَ أولية الإنسان في هذه الحياة ، ما يطمح إليه تشومسكي من "النحو الكلي" الذي يبعث للعالم أصول لغة واحدة وتفكير واحد ، كان حافز الدكتور مازن الوعر إلى إقناع أساتذته ومنهم تشومسكي نفسه ، بجعل رسالته للدكتوراه في دراسة التراكيب الأساسية في اللغة العربية ، مستخدما المنهج الذي وضعه العرب القدماء ، مقترنا بالمنهج الدلالي التصنيفي الذي وضعه عالم الدلاليات الأمريكي ولتركوك وبالمنهج التوليدي التحويلي الذي وضعه تشومسكي وقد تلمذ لهما ، من أجل وصف التراكيب العربية وشرحها نحويّا ودلاليّا ، حتى " يمكن للنظرية اللسانية الحديثة أن تستفيد من المواد اللسانية المقدمة في هذه الدراسة " 59 – فحظي بإعجاب تشومسكي وتصريحه المكتوب في غرة العمل، بما فيه من إضافة إلى النظرية الغربية !
لقد اشتد انشعاب الناس إلى أمم مختلفة اللغات والتفاكير ، تسهر أنحاؤها ( أنظمتها ) على رعاية اختلافها ، بحيث لا يستبعد المتأمل أن لا يكون ذلك الحلم الأخّاذ ، إلا كابوس "العولمة " قد استغشت به ثياب " النحو العالمي " ، تدعو الناس إلى أن يعتقدوا الحضارة الغربية وينتموا إليها دون حضارتهم ؛ إذ لا حياة إلا باعتناق مبادئها ، ولا سيادة إلا باعتماد طرائقها ، كما سبق في الفقرة الثانية عشرة ، وهم لا يريدون إلا أن يستوعبوا الحضارة الغربية كما استوعبهم الغرب ، لا أن يكونوه ، كما لم يكنهم . ولن يكونوه ، لو أرادوا ، بل سيكونون له ، كما كان كثير من العالم الذي اغتصبه وأجبره على حضارته ، فصار حظائر لمخلفاته 60 .
ولن يفوت المتأمل أن يستظهر من تصريح تشومسكي نفسه المكتوب في غرة عمل الدكتور مازن الوعر الآنف ذكره ، أن الأصول المحلوم باكتشافها ، هي للغة وتفكير غربيّين، كما أراد ستتكيفيتش فيما استنبطته عنه من أفكارفي الفقرة الثالثة !
ولكن ينبغي ألا يفوته أنه تتجلى في خلال ذلك علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة ، بعضها ببعض ، التي هي أهم منها هي نفسها ، والتي هي عمل النحو - عملا لغويا تفكيريا ؛ فيتجلى النحو نظاما لأطوار اللغة والتفكير جميعا معا أي السلك الذي ينتظمها لتكون على التاريخ عقدا متآخذ الحبّات لولاه لانفرطت لغاتٍ وتفاكير شتى ، ليكون هو ذلك الموضوع الأجدر بالدراسة من موضوعات تاريخ اللغة العربية ، الذي نبهتْ عليه الفقرة السابعة عشرة ، بَلْهَ أن يكون وجه النحو الفلسفي المجدي .
نَقْدُ الدُّكْتورِ تَمّامْ حَسّانْ لِعَمَلِ الدُّكْتورِ عُثْمانْ أَمينْ
[26] في خلال حديثه عن كون الإسناد في اللغة العربية قرينة معنوية مقالية من قرائن التعليق ، تؤازر غيرها من القرائن المقالية ( المعنوية واللفظية ) ، ومن القرائن الحالية ( المقامية ) – وهذه كلها قرائن التعليق – ومن القرائن العقلية ( العهدية الذهنية والمنطقية ) ، ومن القرائن المادية ( مخلفات المجرم في مكان الجريمة وما أشبه ) ، وأنه بهذا التآزر والتضافر نفهم معنى النص الدلالي – ذكر الدكتور تمام حسان أن الإسناد في اللغات الغربية مفتقر إلى وساطة نوع من القرائن اللفظية يسمى الأفعال المساعدة ، فليس هو فيها قرنية كما في العربية . ثم أشار إلى محاولة الفيلسوف الدكتور عثمان أمين في كتيب له ، تفضيل اللغة العربية بهذا على لغات أخرى غيرها ، ثم أعرض عن هذا الضرب من البحث ، لأنه مما وراء منهج اللغة الذي يعتني به الفلاسفة – إن جاز أن يعتني به أحد – لا اللغويون . وصرح بأنه يعتني من هذه المسألة مثلاً ، بكون الإسناد " قرينة معنوية لتمييز المسند إليه من المسند في الجملة ، في ظل ظاهرة كبرى تحكم استخدام القرائن جميعا ، هي ظاهرة " تضافر القرائن " 61 ، وهي نظريته المهمة التي قدمها بهذا الكتاب، وانطلقت منها واعتمدت عليها دراسات كثيرة .
دَلالَةُ عَمَلِ الدُّكْتورِ عُثْمانْ أَمينْ
[27] إننا إذا نظرنا في كتيب الدكتور عثمان أمين، المقصود بعينه على صغره ( فلسفة اللغة العربية )، وجدناه منذورا في ستينيات القرن العشرين ، للنزعة القومية العربية وتنبيه المخدوعين بدعوى قصور اللغة العربية – مبنيّا على عشرة فصول : الأول : تمهيد في اللغة والأمة ، والثاني : خصائص اللغة العربية ، والثالث: حضور جواني ، والرابع : الصدارة للمعنى ، والخامس : الإعراب مطلب العقل ، والسادس: ظلال وألوان ، والسابع : الحركة والقوة ، والثامن ، اعتراض ورد ، والتاسع : مصير اللغة العربية ، والعاشر : اللغة العربية والمثالية الفلسفية - مختوماً بقوله : " إن عزة الإسلام في المحافظة على عزة العروبة ، وعزة العروبة في المحافظة على الميزات الفريدة التي تميزت بها اللغة العربية : إنها لغة مثالية ، ذات فلسفة واضحة ، فلسفة " جوّانية " موحدة، تربط القول بالفكر، وتوحد بين النظر والعمل " 62 .
إنه يبين اعتماد الفكر العربي على امتزاج اللغة والتفكير العربيين ، وصدوره عنه ، بحيث إذا فسد هذا الامتزاج واستعجم ، فسد ذلك الفكر واستعجم ، ولما كانت حياتنا بحياة هذا الفكر ، كانت بحياة ذلك الامتزاج كذلك . وهي قضية أُهْملت كما اتضح من عمل الدكتور تمام حسان ، في سبعينيات القرن العشرين ، لخفوت النزعة القومية، ولسيطرة المنهج الوصفي ، فلما تلعّبت بنا الآن أصابع العولمة ، وسيطرت نظرية النحو التوليدي الساعي إلى النحو الفلسفي ، عادت جَذَعة جديرةً بالتأمّل .
النَّحْوُ الْعَرَبيُّ نِظامُ أَطْوارِ اللُّغَةِ وَالتَّفْكيرِ الْعَرَبيَّيْنِ
[28] لقد كان ستتكيفيتش كما يتضح مما استنبطت عنه من أفكار في الفقرة الثالثة ، واعيا كيف يميّز النحو اللغة والتفكير ، حتى ليُعدّ نحوهما جميعا 63 . ونحن إذا استعملنا دلالة عكس الكلام تبيّنا أنه يشير إلى بقاء اللغة والتفكير عربيين ما بقي لأطوارهما النحو العربي نظاما ، وأن ليس لعجمة الكلمات ( المعاني ) المفردة ، أو عروبتها في هذا الشأن ، من أثر . وهو قد قال في موضع آخر من كتابه نفسه : " إن اللغة العربية ليست مختلفة عن الإنجليزية مثلا لأن كلمة (يكتب) تتضمن السابقة ( ياء المضارعة ) وأن الكلمة الإنجليزية Writes لا تتضمنها . إن المنطق الدلالي والصرفي واحد في الكلمتين ، لقد عبّر المتكلم عن أبسط فكرة عملية للحدث في الحالين ... إن الاعتبارات المعجمية والصرفية ليست بعائق يحول دون التماثل المنطقي للغات ، أما النحو فإنه – كما يبدو في المقابلة بين الجملتين البسيطتين السابقتين What does he do? وماذا يفعل؟ يضع هذا التماثل في خطر. إن النحو – الذي هو بناء لمنطق لغوي متكامل ومركب يختلف اختلافا شديدا من لغة إلى لغة أخرى . لكن النحو – في التحليل النهائي – يعد انعكاسا لأنماط فكرية تطورت من اكتشافات فكرية إلى عادات فكرية ، ومن ثم إلى قوانين فكرية ، ونحن عادةً نتعامل مع قواعد الفكر . إن اكتشافاتنا الفردية لأفكار جديدة نادرا ما يسمح بتطورها إلى عادات فكرية شائعة ولهذا تتلاشى ، لأنها عوارض زائلة دون أن تشكل قواعد جديدة " 64 .
لكأنّه نظر في مثل هذه الجملة ( الراديو والتلفزيون والسينما كرنفال إنترناشيونال ) ، وكل كلمة منها أعجمية صيغة ومعنى ، فرأى كيف تضافرت بينها سائر قرائن التعليق ( النحو ) العربيّ فاستعربتْ ، فلمْ يلق بالا لصيغ الكلمات ومعانيها المنفردات ، قائلا : هذه طيور عالمية مهاجرة ، فحيثما أقامَتْ وعَشَّشَتِ انْتَسَبَتْ !
ظاهِرَةُ تَعْريبِ التَّعْبيرِ
[29] نحوُ اللغةِ والتفكيرِ العربيُّ باقٍ من قديم إذن نظاما لأطوارهما ، يحفظ عليها عروبتها ، على رغم ما استعجم أو يستعجم من صيغ الكلم ومعانيها المنفردات 65 . ولكن بين هذه المنزلة ومنزلة الكلمات ( المعاني ) المجتمعة بعلاقة تامة ، منزلة التعبير " الوحدة المعنوية الدنيا التي يحتضنها تركيب ما في الكلام ولا تحدّها بنية خاصة ، ونهتدي إليها بتقطيع الكلام بمراعاة تمام المعنى " 66 ، المكوّن الجُمْلي عند اللغويين النفسيين ، الذي تنحلّ إليه الجملة خلال الفهم ثم تنعقد به 67 .
لقد كثر في هذه المنزلة حديثا ما أخذته العربية من غيرها ، حتى لقد ذكره الدكتور وافي ضمن أهم عوامل تطويرها في العصر الحاضر ، قائلا في المرتبة الخامسة : " اقتباس كثير من أخيلة هذه اللغات وتشبيهاتها وحكمها وأمثالها ... وما إلى ذلك " 68 ، فتناوله بعض الباحثين على أنه من " التداخل الأسلوبي " ، ناقدا نفور من سمّاهم " الصفويين " – نسبة عجيبة إلى الصفاء اللغوي ! – منه ، وممثلا بما دخل العربية منه على رغم أنفهم ، من الفرنسية ، مثل قول الفرنسيين : " ذر الرماد في العيون " ، ومنبّها على طبيعيّته بين اللغات المتلاقحة، وعلى جدواه على لغتنا المفتقرة إليه شغلا لفراغها ، وداعيا ضرورةً إلى دراسته دراسة معجمية اجتماعية تفسر الحضارات بالمصطلحات ( الكلمات ) وبالتراكيب ( التعابير ) التي تنشئها أو تستعيرها 69 .
إن تسمية هذه الظاهرة ( تداخلا ) ، غير سديدة ؛ إذ تداخل الأساليب أن تتسرب من كلّ منها إلى الآخر ملامح ، وهو التلاقح الآنف الذكر ، والمراد هنا دخول ملامح من طرف إلى آخر دون عكس ، وهو لا يخرج عن التعريب ، وقد عرض الباحث نفسه لدعوة المجمع إلى " تعريب الأساليب " أي التعابير 70 . ولا ريب في أنفة بعض أدبائنا على الزمان من تعريب التعبير تمسكا " بنقاء الديباجة " ، واجتهادهم – إن اضطروا – أن يَحُلّوه ويعقدوا عقدا عربيّا بحتا . هذا شأنهم المبني على اعتقادهم أن وقوع الكلمة أو التعبير المعربين في لغتهم ، كوقوع قطرة الليمون في زِقّ العسل المصفى ، شرٌّ مستطير . والحق ألا أثر لذلك ما بقي كالخرق المرفوء ، كِسرةً تهضمها معدة النحو العربي ، فأما أن تتتايع التعابير المعربة آخذا بعضها بحجز بعض كرقع الثوب السبعين الحافظية التي لا باقية معها لحقيقة الثوب – فلا تلاقح ولا استعارة ، بل فناء وعدم . وفيما استنبطته عن ستتكيفيتش في الفكرة السادسة من الفقرة الثالثة ، ما يؤكد هذا الرأي .
أما مقدرة مثل هذه الكلمات والتعابير المسلوكة في نظام أطوار اللغة والتفكير الذي أنشأها أو الذي استعارها ، متى انتزعناها منه فدرسناها دراسة معجمية اجتماعية – على أن تفسر الحضارات – ولا ريب في أن المراد تفسير ضعف الحضارة العربية وقوة الحضارة الغربية ! – فبعيدة التخيل ؛ إذ القريبة المتحققة مقدرة نظام أطوار اللغة والتفكير نفسه على ذلك . ولكن تلك الأولى مفيدة في الاطلاع على طرف من سيرة تلاقح الحضارات وأثر بعضها في بعض .
تَمَسُّكُ دُعاةِ التَّطْويرِ بِنِظامِ أَطْوارِ اللُّغَةِ وَالتَّفْكيرِ الْعَرَبيَّيْنِ
[30] تطور الثقافة حياة ، وجمودها موت ، والفنانون ولاسيما الأدباء ، أكثر الناس وعيا لذلك ؛ ومن ثم يدعون كل حين إلى اطراح نظام أطوار اللغة والتفكير ، حتى إذا ما تحركت الثقافة وتطورت على ما يرغبون ، دعوا إلى التمسك بالنظام نفسه ، وعيا منهم لوظيفته الآنفة البيان .
هذا أدونيس الصاخب الثورة على نظام أطوار اللغة والتفكير العربيين في " زمن الشعر " 71 ، يعود في " النص القرآني " ، إلى ما صخب به ، ليعدّله ذاكرا أنه قاله في سياق آخر ، داعياً إلى التمسك بما ثار عليه ؛ ففيه لا في القدامة ولا في الحداثة ، يكمن الإبداع ، شارحاً كيف يأبى هذا النظام " زراعة أعضاء غريبة " 72 ، قاصدا فيما فهمت ، شَوْبه بغيره ، على جهة الكذب اللغوي الذي قال فيه الدكتور شكري عياد : " إنما تفسد اللغة وتنحط المقدرة اللغوية عندما يتعود الناس الكذب في استعمال اللغة . فكما أن الحياة الاجتماعية لا تستقيم إذا كان الكذب هو قاعدة التعامل ، فكذلك الحياة اللغوية – وهي أداتها الأولى – تضطرب وتفسد حين يتعمد الناس تحريف الكلم عن مواضعه " 73 .
أما غير الفنانين من دعاة التطوير ، فمطمئنون إلى بقاء عروبة الثقافة ، ببقاء نظام أطوار اللغة والتفكير العربي ، فضلًا عما يختص به العرب من ظروف أخرى 74 .