أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 09:59 AM
الرِّسالَةُ وَالْأُسْلوبُ
[34] إنَّ من التَّوارُدِ المُهْمَل صدور طبعتي الكتابين المعتمدتين هنا عفوا لا قصدا ، عن مكان واحد ( بيروت ) ، في زمان واحد تقريبا ( 2 ، 1983م ) ، غير أنه لا يخلو من أن يدل على طلب القارئ العربي لهما جميعا !
لقد كانت رسالة نص طه حسين تَصْبير البلد، ورسالة نص الرافعي تصبير الفقير . أما صبر البلد المرجو في الأول ، فعلى ظلم حكامه الجادين واللاهين جميعا ؛ فعما قريب ينتصف منهم، وأما صبر الفقير المرجو في الآخر ، فعلى قيد الفقر؛ إذ هو مقام من محاسن الفضائل فيه وقاؤه من نقائص الأغنياء المهلكة .
لقد كان طه حسين ناصحا واقعيّا ثائرا ، والرافعي ناصحا مثاليّا هادئا . أما ناصحيّتهما فواضحة من رسالتي نصيهما المذكورتين آنفا ؛ فثم أزمة يطلع عليها كل منهما ، ويلتمس للمأزوم فيها سبيل النجاة منها ، ولئن تخير الأول من البلد فردا ، لقد أراد الآخر بالفرد جنسا . وأما واقعية طه حسين دون الرافعي ، فمن ملاحظته البلد حوله مكانا وناسا ، والتماسه بما تؤدّيه الملاحظة ، دليل ما يريد 93 . وأما مثالية الرافعي دون طه حسين، فمـن تأملـه سـر الخُلُق في نفس الجنس ، والتماسه بما يؤديه تخيّله، دليل ما يريد 94 . ولقد يكون من جرائر مثاليته تعلقه بالصورة المركبة المتداخلة الأجزاء ، التي تتجلى في جملة نصه السابعة الأخيرة – على حين كان من جرائر واقعية طه حسين تعلقه بالصورة المركبة المتجاورة الأجزاء ، التي تتجلى في جملة نصه التاسعة . فإذا جاز أن نذكر من أسرار هذه الصورة ، عمى طه حسين الذي كان يحمله على المتابعة والمعاقبة ، وكأن الأحداث تتخاطف سمعه ؛ فهو في ملأٍ من أذنه 95 – جاز أن نذكر من أسرار تلك الصورة، صمم الرافعي الذي كان يحمله على التوليد والتشقيق، وكأن المشاهد تتخاطف بصره؛ فهو في ملأٍ من عينه 96 .
اعْتِذارٌ عَنِ اعْتِمادِ الْإِحْصاءِ
[35] أغبط علماءنا القدماء على ما رزقوا من اليقين ( أن أيقنوا بجدوى النظر في الكلام العربي ) ، خائفا شكي، والإخلاص ( أن أخلصوا للحق نظرهم في الكلام العربي ) خائفا ريائي ، والانقطاع ( أن انقطعوا خلال نظرهم في الكلام العربي ، مما سواه ) خائفا شغلي ، والدُّؤوب ( أن دأبوا على النظر في الكلام العربي حتى تظهر الجدوى ) خائفا فتوري ، وهي أحوال مختلفة مؤتلفة ، لو بقيت لأمثالي من الباحثين ، لأغنتنا عن التمهيد لنظرنا في الكلام العربي دائما طمأنة لأنفسنا ولغيرنا ، بمثل تلك المقدمة المجدولة من إحصاء العناصر الدالة السابقة في الفقرة الثالثة والثلاثين ؛ إذ ليس كمكافحة النص استبطانا واستيعابا .
نَقْدُ جِهَتَيِ الْخِطابِ الْمُسْتَوْلي عَلَى النَّصَّيْنِ
[36] إذا تأملنا " يا سيدي " ثانية جمل طه حسين ، و" أيها الفقير " ثالثة جمل الرافعي ، معا وكلتاهما نداء ، اطلعنا على فرق ما بين جهتي الخطاب المستولي على نص كل منهما الذي بينه الجدولان الأول والثاني .
" يا سيدي " من لوازم الحديث اليومي العادي ، يتبادلها المتلاقون في البيوت والشوارع والأندية ، كل يحمِّلُها ما شاء من مشاعره رضا أو سخطا وإقرار أو إنكارا .
و" أيها الفقير " ليست من ذلك الباب ، بل تكاد لا يقولها إلا شخص بعينه لشخص بعينه ، ويكاد لا يحمّلُها إلا الأسف .
كأنما اشتاق طه حسين إلى خلاط من يسمعهم ولا يراهم ، ولا يخلو " انظر " قبل تلك الجملة وبعدها ، من دلالةٍ – على حين أقبل الرافعي على نفسه دون غيره ممن لا يسمعهم ولا ينتبه لهم ، حتى ليبدو هو الفقير المذكور .
جهة الخطاب المستولي على نص طه حسين إذن ، حقيقية ، لا يَحْتَجُّ لها أنه كان يخاطب عامله الكاتب عنه 97 ، بل ما في نصه من علامات شوقه إلى مجتمع الناس أن يحضروا إليه لما امتنع عليه أن يحضر إليهم : ( انظر، يمين ، خذ ، انظر ، شمال ، أمامك ، هذا ... ) . وجهة الخطاب المستولي على نص الرافعي إذن ، مجازية ، من باب التجريد المحض 98 ، لا لأنه ليس ثَمَّ مدعوٌّ للإقبال 99 ، بل لما في نصه من علامات شغله بنفسه يصفها من داخل ، كي يصدق الوصف من قبل أن يصدقه غيره ، ( تبتئس ، تريد ، تختص ، تركتما ، ائتمنك ، أشرف بك ، رأيت كيف وكيف وكيف ...).
بَيْنَ فِعْلِ الْأَمْرِ الطَّحْسَنيِّ وَالْفِعْلِ الْماضِي الرّافِعيِّ
[37] بنظرة أخرى إلى الجدولين الأول والثاني ، يتبين اختصاص نص طه حسين بفعل الأمر دون نص الرافعي ، واختصاص نص الرافعي بالفعل الماضي دون نص طه حسين ، وذلك أثر طبيعي ؛ فالماضي مختبرٌ حكيمٌ لا يكتم الحق ، إذا أنصف خُلُقا لم يَقَعْ للإمكان أبدعُ منه ، يشتغل به المثاليون الهادئون المعتزلون الراضون ، ومن هؤلاء جميعا الرافعيُّ في نصه المختار – والحاضر وما تعلق به من المستقبل جَلَبةٌ وصَخَبٌ ، لا ينتصف فيه إلا الجسور ، يشتغل به الواقعيون الثائرون المتحرّقون الساخطون ، ومن هؤلاء جميعا طه حسين في نصه المختار .
اخْتِلافُ عَلاقاتِ الْكَلِمِ وَالْجُمَلِ بَيْنَ النَّصَّيْنِ
[38] كلم نص طه حسين و كلم نص الرافعي – وإن زادت هذه قليلا – اللواتي بينها الجدولان الثالث والرابع ، متقاربات عددا . وعلى رغم هذا اجتمعت كلم نص الرافعي في سبع علاقات تامات ( جمل ) ، بمتوسط ( 21.85 ) كلمة في الجملة الواحدة ، على حين اجتمعت كلم نص طه حسين في ثلاث عشرة ، بمتوسط ( 11.07 ) كلمة في الجملة الواحدة . واجتمعت بالمتوسط في العلاقة الناقصة الواحدة داخل الجملة ( التأسيس أو التكميل ) ، ( 2.93 ) من كلم جملة طه حسين ، و( 3.64 ) من كلم جملة الرافعي . فإذا قسمنا متوسط نصيب العلاقة التامة على متوسط نصيب العلاقة الناقصة ، حصلنا في نص طه حسين على ( 3.77 ) ، وفي نص الرافعي على ( 6 ) ، وهو بيِّنٌ في أن علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة ، التي هي عمل النحو الذي هو نظام أطوار اللغة والتفكير – أكثر تعقداً في نص الرافعين منها في نص طه حسين ، وكأنه ما توجّس منه ستتكيفتيش في الفكرة الثامنة الأخيرة التي استنبطتها عنه في الفقرة الثالثة !
إذا تأملنا رسم البيان السابق في الفقرة الثالثة والثلاثين ، تبيّنا كيف تتنامى درجات تعقيد علاقات الكلم (المعاني) المجتمعة في نص الرافعي ، صاعدة إلى غاية الرسالة المرادة – على حين تضطرب قرينتها في نص طه حسين صعودا وهبوطا ، حتى إنها لتعود إلى قريب جدّاً مما كانت عليه .
وإذا تأملنا علاقات الجمل التي بينها الجدولان السادس والسابع ، تبينا غلبة العطف على نص طه حسين ، وغلبة الاستئناف على نص الرافعي ، واختصاص نص طه حسين بالاعتراض دون نص الرافعي .
ما من إشكال لديّ في اختلاف عمل النحو بين طه حسين والرافعي ، في شيء مما في هذه الفقرة إلا اختصاص نص طه حسين بالاعتراض علاقة جمل، دون نص الرافعي ؛ فظاهره نقيض سواه من الظواهر السابقة !
أنْ يختلف عمل النحو بين مستعمله الهادئ ومستعمله الثائر ، فيحزم أولهما في حُزْمة العلاقة من الكلم أكثر مما يحزم الآخر ، ويتأنّق دون الآخر بتدريج ذلك ، ويخالف بين جملِهِ خبراً وإنشاءً فيستأنفها على حين يؤالف الآخرُ فيعطف – هذا كله مفهوم معروف غير منكر ، جار على سنة اختلاف الأناة – وهي طبيعة الهادئ – والعجلة ، وهي طبيعة الثائر 100 . أما أن يختص نص الثائر المتعجل بالاعتراض علاقة جمل ، وهي ينبغي أن تكون من سمات نص الهادئ المتأني – فمشكل محتاج إلى تأمل .
كل ما بين قوسين في نص طه حسين ، اعتراض ؛ فيكون ثَمَّ أربعة اعتراضات . أما أولها فجملة " يا سيدي " الآنفة الذكر في الفقرة السادسة والثلاثين ، التي يخرجها كونها من لوازم الحديث اليومي العادي ، من الإشكال . وأما الاعتراضان الثاني والثالث، فمن آثار تكميل المتعجل كلامه ؛ إذ تخطر له مكمّلات فيضيفها فتتعلق بأجزاء متقدمة من كلامه فتفضي إلى اعتراض المتأخر ، هكذا : كانت جملة "يلهو بمنافعه أصحاب اللهو " ، معطوفة على " يعدو على حقوقه أصحاب الجد " ، وجملة " يحتمل لهو هؤلاء " ، معطوفة على " يحتمل عدوان أولئك " ، فلما خطر لهذا الثائر المتعجل تكميل ما تقدم بتقييد مطلقه فعلق " بيعدو " هذه الحال " وهو يحتمل عدوان أولئك ... " ، وعلق " بيحتمل " هذه الأحوال " محزونا ... " – صارت الجملتان العاشرة والحادية عشرة معترضتين لأجزاء الجملة التاسعة . وأما الاعتراض الرابع الأخير فمن آثار احتراس المتعجل من أن يساء فهمه ؛ إذ هو لم يبنه من أوله بحديث يمنع سوء الفهم. لقد كان ماضيا إلى عطف " بأن صرح الجور مندك " ، على "بأن الحق منتصر " ، فخطر له ما في بقاء الباطل من تثبيط وتيئيس ، فقال : " مهما يتصل سلطان الباطل " ، ثم ارتاح إلى ما فعل فكرره أخيرا ، فصارت الجملة الثانية عشرة معترضة لأجزاء الجملة التاسعة ، والجملة الثالثة عشرة مستأنفة بعد الجملة التاسعة .
في هذا من إيضاح الإشكال بلاغ ، وفيه بيان طرفٍ من المتابعة والمعاقبة اللتين سبق في الفقرة الرابعة والثلاثين ذكر اتصاف نص طه حسين بهما ، على حين اتصف نص الرافعي بالتوليد والتشقيق . ولكنه بيان غير كاف ؛ إذ انحصر في علاقة ناقصة واقتصر على أحد الموازَنين .
تَحْليلُ عَلاقاتِ أَبْرَزِ جُمَلِ النَّصَّيْنِ :
[39] في الجملة التاسعة من نص طه حسين كما سبق في الفقرة الرابعة والثلاثين ، تتجلى المتابعة والمعاقبة المفضيتان إلى الصورة المركبة المتجاورة الأجزاء ، وفي الجملة السابعة من نص الرافعي يتجلى التوليد والتشقيق المفضيان إلى الصورة المركبة المتداخلة الأجزاء . وفي الجدول الخامس حللت كلاًّ منهما إلى كلمها وعلاقاتها ؛ فاتضح لي أن إحدى عشرة علاقة من سبع عشرة ( مجموع علاقات جملة الرافعي ) أي 64.70% ، زادت حزم كلمها على قريناتها ، وأن ثلاث علاقات من ست عشرة ( مجموع علاقات جملة طه حسين ) أي 18.75% فقط ، زادت حزم كلمها على قريناتها ، وهو بيّنٌ في أن ارتفاع درجة تعقد علاقات الجملة ، ينهض عند الرافعي من كل جهة من جهاتها قصدا ، وينهض عند طه حسين من بعض جهاتها عفوا .
ولا ريب في أن موازنة نهضة الارتفاع في جملة طه حسين أي العلاقات ( 11، 12، 13 ) ، بمثال من نهضات الارتفاع في جملة الرافعي كما في العلاقات ( 7، 8، 9 ) – مما يقتضيه البيان 101 :
مصادر العلاقة الأولى من هذين المثالين ، ثلاثة في الأول وخمسة في الآخر ، ومصادر العلاقة الثانية أربعة في الأول وسبعة في الآخر ، ومصادر العلاقة الثالثة أربعة في الأول وخمسة في الآخر . وليس بعد هذا التدسُّس إلى مُضْمَن طوايا علاقة الكلمات ( المعاني ) المجتمعة التي هي عمل النحو الذي هو نظام أطوار اللغة والتفكير، من زيادة بيان لمستزيد .
إن الأناة التي مكنت الرافعي من أن يتنقل بين جهات جملته المختلفة يشقق لها العلاقات الكثيرة المختلفة المتراكبة طبقا عن طبق التي يحزم بها الكلم الكثيرة المختلفة المتدابرة يمينا وشمالا – لمفتقرة في استيعابها إلى أناة مثلها بل أطول منها ؛ إذ قد عمل الرافعي على يقين مما يؤمّ ، على حين يعمل المتلقي عنه على شك مما رأى الرافعي أمَّه .
أما العجلة التي أفضت بطه حسين إلى أن يكتفي من ذلك بأقله ، فمكتفية في استيعابها بعجلة مثلها بل أقل منها ؛ إذ قد عمل طه حسين مأزوما بمنازعة الخواطر، على حين يعمل المتلقي عنه وادعا غير مأزوم .
طَوْرُ الثَّوْرَةِ وَالْعَجَلَةِ ، وَطَوْرُ الْهَدْأَةِ وَالْأَناةِ
[40] لقد جرى في نصي طه حسين والرافعي على رغم اختلافهما ثورة وهدأة وعجلة وأناة ، عمل النحو العربي نفسه ، فإذا ثبت أن أحدهما عربي اللغة والتفكير لم ينخلع قط من عروبتهما بل هو فيهما على النهج القديم كما سبق في الفقرتين الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين ، ثبت أن الآخر مثله ، وإذا ثبت أن أحدهما ناجح باق ، ثبت أن الآخر مثله ، وأن ليس ثم – إن تمسكنا بالاختلاف – غير طورٍ من اللغة والتفكير بعد طورٍ أو معه ، يحفظ عروبتهما نظامهما الباقي ( النحو العربي ) . قال طه حسين : " يغلو قوم منا في إيثار القديم فيضيقون وفي الحياة سعة . ويغلو قوم منا في إيثار الجديد فيرتفعون عما ألف الناس. ومع ذلك فالقصد أساس الخير في كل شيء . لسنا أبناء القرن الخامس للهجرة ، ولسنا أبناء القرن السادس عشر للهجرة ، وإنما نحن أبناء القرن الرابع عشر للهجرة . بيننا وبين الماضي أسباب متصلة ، وبيننا وبين المستقبل أسباب ستتصل" 102 ، وما هذه الأسباب إلا النظام ( النحو العربي ) الذي ينتظم ماضي اللغة والتفكير العربيين وحاضرهما ومستقبلهما جميعا معا في عقد الفكر العربي .
[34] إنَّ من التَّوارُدِ المُهْمَل صدور طبعتي الكتابين المعتمدتين هنا عفوا لا قصدا ، عن مكان واحد ( بيروت ) ، في زمان واحد تقريبا ( 2 ، 1983م ) ، غير أنه لا يخلو من أن يدل على طلب القارئ العربي لهما جميعا !
لقد كانت رسالة نص طه حسين تَصْبير البلد، ورسالة نص الرافعي تصبير الفقير . أما صبر البلد المرجو في الأول ، فعلى ظلم حكامه الجادين واللاهين جميعا ؛ فعما قريب ينتصف منهم، وأما صبر الفقير المرجو في الآخر ، فعلى قيد الفقر؛ إذ هو مقام من محاسن الفضائل فيه وقاؤه من نقائص الأغنياء المهلكة .
لقد كان طه حسين ناصحا واقعيّا ثائرا ، والرافعي ناصحا مثاليّا هادئا . أما ناصحيّتهما فواضحة من رسالتي نصيهما المذكورتين آنفا ؛ فثم أزمة يطلع عليها كل منهما ، ويلتمس للمأزوم فيها سبيل النجاة منها ، ولئن تخير الأول من البلد فردا ، لقد أراد الآخر بالفرد جنسا . وأما واقعية طه حسين دون الرافعي ، فمن ملاحظته البلد حوله مكانا وناسا ، والتماسه بما تؤدّيه الملاحظة ، دليل ما يريد 93 . وأما مثالية الرافعي دون طه حسين، فمـن تأملـه سـر الخُلُق في نفس الجنس ، والتماسه بما يؤديه تخيّله، دليل ما يريد 94 . ولقد يكون من جرائر مثاليته تعلقه بالصورة المركبة المتداخلة الأجزاء ، التي تتجلى في جملة نصه السابعة الأخيرة – على حين كان من جرائر واقعية طه حسين تعلقه بالصورة المركبة المتجاورة الأجزاء ، التي تتجلى في جملة نصه التاسعة . فإذا جاز أن نذكر من أسرار هذه الصورة ، عمى طه حسين الذي كان يحمله على المتابعة والمعاقبة ، وكأن الأحداث تتخاطف سمعه ؛ فهو في ملأٍ من أذنه 95 – جاز أن نذكر من أسرار تلك الصورة، صمم الرافعي الذي كان يحمله على التوليد والتشقيق، وكأن المشاهد تتخاطف بصره؛ فهو في ملأٍ من عينه 96 .
اعْتِذارٌ عَنِ اعْتِمادِ الْإِحْصاءِ
[35] أغبط علماءنا القدماء على ما رزقوا من اليقين ( أن أيقنوا بجدوى النظر في الكلام العربي ) ، خائفا شكي، والإخلاص ( أن أخلصوا للحق نظرهم في الكلام العربي ) خائفا ريائي ، والانقطاع ( أن انقطعوا خلال نظرهم في الكلام العربي ، مما سواه ) خائفا شغلي ، والدُّؤوب ( أن دأبوا على النظر في الكلام العربي حتى تظهر الجدوى ) خائفا فتوري ، وهي أحوال مختلفة مؤتلفة ، لو بقيت لأمثالي من الباحثين ، لأغنتنا عن التمهيد لنظرنا في الكلام العربي دائما طمأنة لأنفسنا ولغيرنا ، بمثل تلك المقدمة المجدولة من إحصاء العناصر الدالة السابقة في الفقرة الثالثة والثلاثين ؛ إذ ليس كمكافحة النص استبطانا واستيعابا .
نَقْدُ جِهَتَيِ الْخِطابِ الْمُسْتَوْلي عَلَى النَّصَّيْنِ
[36] إذا تأملنا " يا سيدي " ثانية جمل طه حسين ، و" أيها الفقير " ثالثة جمل الرافعي ، معا وكلتاهما نداء ، اطلعنا على فرق ما بين جهتي الخطاب المستولي على نص كل منهما الذي بينه الجدولان الأول والثاني .
" يا سيدي " من لوازم الحديث اليومي العادي ، يتبادلها المتلاقون في البيوت والشوارع والأندية ، كل يحمِّلُها ما شاء من مشاعره رضا أو سخطا وإقرار أو إنكارا .
و" أيها الفقير " ليست من ذلك الباب ، بل تكاد لا يقولها إلا شخص بعينه لشخص بعينه ، ويكاد لا يحمّلُها إلا الأسف .
كأنما اشتاق طه حسين إلى خلاط من يسمعهم ولا يراهم ، ولا يخلو " انظر " قبل تلك الجملة وبعدها ، من دلالةٍ – على حين أقبل الرافعي على نفسه دون غيره ممن لا يسمعهم ولا ينتبه لهم ، حتى ليبدو هو الفقير المذكور .
جهة الخطاب المستولي على نص طه حسين إذن ، حقيقية ، لا يَحْتَجُّ لها أنه كان يخاطب عامله الكاتب عنه 97 ، بل ما في نصه من علامات شوقه إلى مجتمع الناس أن يحضروا إليه لما امتنع عليه أن يحضر إليهم : ( انظر، يمين ، خذ ، انظر ، شمال ، أمامك ، هذا ... ) . وجهة الخطاب المستولي على نص الرافعي إذن ، مجازية ، من باب التجريد المحض 98 ، لا لأنه ليس ثَمَّ مدعوٌّ للإقبال 99 ، بل لما في نصه من علامات شغله بنفسه يصفها من داخل ، كي يصدق الوصف من قبل أن يصدقه غيره ، ( تبتئس ، تريد ، تختص ، تركتما ، ائتمنك ، أشرف بك ، رأيت كيف وكيف وكيف ...).
بَيْنَ فِعْلِ الْأَمْرِ الطَّحْسَنيِّ وَالْفِعْلِ الْماضِي الرّافِعيِّ
[37] بنظرة أخرى إلى الجدولين الأول والثاني ، يتبين اختصاص نص طه حسين بفعل الأمر دون نص الرافعي ، واختصاص نص الرافعي بالفعل الماضي دون نص طه حسين ، وذلك أثر طبيعي ؛ فالماضي مختبرٌ حكيمٌ لا يكتم الحق ، إذا أنصف خُلُقا لم يَقَعْ للإمكان أبدعُ منه ، يشتغل به المثاليون الهادئون المعتزلون الراضون ، ومن هؤلاء جميعا الرافعيُّ في نصه المختار – والحاضر وما تعلق به من المستقبل جَلَبةٌ وصَخَبٌ ، لا ينتصف فيه إلا الجسور ، يشتغل به الواقعيون الثائرون المتحرّقون الساخطون ، ومن هؤلاء جميعا طه حسين في نصه المختار .
اخْتِلافُ عَلاقاتِ الْكَلِمِ وَالْجُمَلِ بَيْنَ النَّصَّيْنِ
[38] كلم نص طه حسين و كلم نص الرافعي – وإن زادت هذه قليلا – اللواتي بينها الجدولان الثالث والرابع ، متقاربات عددا . وعلى رغم هذا اجتمعت كلم نص الرافعي في سبع علاقات تامات ( جمل ) ، بمتوسط ( 21.85 ) كلمة في الجملة الواحدة ، على حين اجتمعت كلم نص طه حسين في ثلاث عشرة ، بمتوسط ( 11.07 ) كلمة في الجملة الواحدة . واجتمعت بالمتوسط في العلاقة الناقصة الواحدة داخل الجملة ( التأسيس أو التكميل ) ، ( 2.93 ) من كلم جملة طه حسين ، و( 3.64 ) من كلم جملة الرافعي . فإذا قسمنا متوسط نصيب العلاقة التامة على متوسط نصيب العلاقة الناقصة ، حصلنا في نص طه حسين على ( 3.77 ) ، وفي نص الرافعي على ( 6 ) ، وهو بيِّنٌ في أن علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة ، التي هي عمل النحو الذي هو نظام أطوار اللغة والتفكير – أكثر تعقداً في نص الرافعين منها في نص طه حسين ، وكأنه ما توجّس منه ستتكيفتيش في الفكرة الثامنة الأخيرة التي استنبطتها عنه في الفقرة الثالثة !
إذا تأملنا رسم البيان السابق في الفقرة الثالثة والثلاثين ، تبيّنا كيف تتنامى درجات تعقيد علاقات الكلم (المعاني) المجتمعة في نص الرافعي ، صاعدة إلى غاية الرسالة المرادة – على حين تضطرب قرينتها في نص طه حسين صعودا وهبوطا ، حتى إنها لتعود إلى قريب جدّاً مما كانت عليه .
وإذا تأملنا علاقات الجمل التي بينها الجدولان السادس والسابع ، تبينا غلبة العطف على نص طه حسين ، وغلبة الاستئناف على نص الرافعي ، واختصاص نص طه حسين بالاعتراض دون نص الرافعي .
ما من إشكال لديّ في اختلاف عمل النحو بين طه حسين والرافعي ، في شيء مما في هذه الفقرة إلا اختصاص نص طه حسين بالاعتراض علاقة جمل، دون نص الرافعي ؛ فظاهره نقيض سواه من الظواهر السابقة !
أنْ يختلف عمل النحو بين مستعمله الهادئ ومستعمله الثائر ، فيحزم أولهما في حُزْمة العلاقة من الكلم أكثر مما يحزم الآخر ، ويتأنّق دون الآخر بتدريج ذلك ، ويخالف بين جملِهِ خبراً وإنشاءً فيستأنفها على حين يؤالف الآخرُ فيعطف – هذا كله مفهوم معروف غير منكر ، جار على سنة اختلاف الأناة – وهي طبيعة الهادئ – والعجلة ، وهي طبيعة الثائر 100 . أما أن يختص نص الثائر المتعجل بالاعتراض علاقة جمل ، وهي ينبغي أن تكون من سمات نص الهادئ المتأني – فمشكل محتاج إلى تأمل .
كل ما بين قوسين في نص طه حسين ، اعتراض ؛ فيكون ثَمَّ أربعة اعتراضات . أما أولها فجملة " يا سيدي " الآنفة الذكر في الفقرة السادسة والثلاثين ، التي يخرجها كونها من لوازم الحديث اليومي العادي ، من الإشكال . وأما الاعتراضان الثاني والثالث، فمن آثار تكميل المتعجل كلامه ؛ إذ تخطر له مكمّلات فيضيفها فتتعلق بأجزاء متقدمة من كلامه فتفضي إلى اعتراض المتأخر ، هكذا : كانت جملة "يلهو بمنافعه أصحاب اللهو " ، معطوفة على " يعدو على حقوقه أصحاب الجد " ، وجملة " يحتمل لهو هؤلاء " ، معطوفة على " يحتمل عدوان أولئك " ، فلما خطر لهذا الثائر المتعجل تكميل ما تقدم بتقييد مطلقه فعلق " بيعدو " هذه الحال " وهو يحتمل عدوان أولئك ... " ، وعلق " بيحتمل " هذه الأحوال " محزونا ... " – صارت الجملتان العاشرة والحادية عشرة معترضتين لأجزاء الجملة التاسعة . وأما الاعتراض الرابع الأخير فمن آثار احتراس المتعجل من أن يساء فهمه ؛ إذ هو لم يبنه من أوله بحديث يمنع سوء الفهم. لقد كان ماضيا إلى عطف " بأن صرح الجور مندك " ، على "بأن الحق منتصر " ، فخطر له ما في بقاء الباطل من تثبيط وتيئيس ، فقال : " مهما يتصل سلطان الباطل " ، ثم ارتاح إلى ما فعل فكرره أخيرا ، فصارت الجملة الثانية عشرة معترضة لأجزاء الجملة التاسعة ، والجملة الثالثة عشرة مستأنفة بعد الجملة التاسعة .
في هذا من إيضاح الإشكال بلاغ ، وفيه بيان طرفٍ من المتابعة والمعاقبة اللتين سبق في الفقرة الرابعة والثلاثين ذكر اتصاف نص طه حسين بهما ، على حين اتصف نص الرافعي بالتوليد والتشقيق . ولكنه بيان غير كاف ؛ إذ انحصر في علاقة ناقصة واقتصر على أحد الموازَنين .
تَحْليلُ عَلاقاتِ أَبْرَزِ جُمَلِ النَّصَّيْنِ :
[39] في الجملة التاسعة من نص طه حسين كما سبق في الفقرة الرابعة والثلاثين ، تتجلى المتابعة والمعاقبة المفضيتان إلى الصورة المركبة المتجاورة الأجزاء ، وفي الجملة السابعة من نص الرافعي يتجلى التوليد والتشقيق المفضيان إلى الصورة المركبة المتداخلة الأجزاء . وفي الجدول الخامس حللت كلاًّ منهما إلى كلمها وعلاقاتها ؛ فاتضح لي أن إحدى عشرة علاقة من سبع عشرة ( مجموع علاقات جملة الرافعي ) أي 64.70% ، زادت حزم كلمها على قريناتها ، وأن ثلاث علاقات من ست عشرة ( مجموع علاقات جملة طه حسين ) أي 18.75% فقط ، زادت حزم كلمها على قريناتها ، وهو بيّنٌ في أن ارتفاع درجة تعقد علاقات الجملة ، ينهض عند الرافعي من كل جهة من جهاتها قصدا ، وينهض عند طه حسين من بعض جهاتها عفوا .
ولا ريب في أن موازنة نهضة الارتفاع في جملة طه حسين أي العلاقات ( 11، 12، 13 ) ، بمثال من نهضات الارتفاع في جملة الرافعي كما في العلاقات ( 7، 8، 9 ) – مما يقتضيه البيان 101 :
مصادر العلاقة الأولى من هذين المثالين ، ثلاثة في الأول وخمسة في الآخر ، ومصادر العلاقة الثانية أربعة في الأول وسبعة في الآخر ، ومصادر العلاقة الثالثة أربعة في الأول وخمسة في الآخر . وليس بعد هذا التدسُّس إلى مُضْمَن طوايا علاقة الكلمات ( المعاني ) المجتمعة التي هي عمل النحو الذي هو نظام أطوار اللغة والتفكير، من زيادة بيان لمستزيد .
إن الأناة التي مكنت الرافعي من أن يتنقل بين جهات جملته المختلفة يشقق لها العلاقات الكثيرة المختلفة المتراكبة طبقا عن طبق التي يحزم بها الكلم الكثيرة المختلفة المتدابرة يمينا وشمالا – لمفتقرة في استيعابها إلى أناة مثلها بل أطول منها ؛ إذ قد عمل الرافعي على يقين مما يؤمّ ، على حين يعمل المتلقي عنه على شك مما رأى الرافعي أمَّه .
أما العجلة التي أفضت بطه حسين إلى أن يكتفي من ذلك بأقله ، فمكتفية في استيعابها بعجلة مثلها بل أقل منها ؛ إذ قد عمل طه حسين مأزوما بمنازعة الخواطر، على حين يعمل المتلقي عنه وادعا غير مأزوم .
طَوْرُ الثَّوْرَةِ وَالْعَجَلَةِ ، وَطَوْرُ الْهَدْأَةِ وَالْأَناةِ
[40] لقد جرى في نصي طه حسين والرافعي على رغم اختلافهما ثورة وهدأة وعجلة وأناة ، عمل النحو العربي نفسه ، فإذا ثبت أن أحدهما عربي اللغة والتفكير لم ينخلع قط من عروبتهما بل هو فيهما على النهج القديم كما سبق في الفقرتين الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين ، ثبت أن الآخر مثله ، وإذا ثبت أن أحدهما ناجح باق ، ثبت أن الآخر مثله ، وأن ليس ثم – إن تمسكنا بالاختلاف – غير طورٍ من اللغة والتفكير بعد طورٍ أو معه ، يحفظ عروبتهما نظامهما الباقي ( النحو العربي ) . قال طه حسين : " يغلو قوم منا في إيثار القديم فيضيقون وفي الحياة سعة . ويغلو قوم منا في إيثار الجديد فيرتفعون عما ألف الناس. ومع ذلك فالقصد أساس الخير في كل شيء . لسنا أبناء القرن الخامس للهجرة ، ولسنا أبناء القرن السادس عشر للهجرة ، وإنما نحن أبناء القرن الرابع عشر للهجرة . بيننا وبين الماضي أسباب متصلة ، وبيننا وبين المستقبل أسباب ستتصل" 102 ، وما هذه الأسباب إلا النظام ( النحو العربي ) الذي ينتظم ماضي اللغة والتفكير العربيين وحاضرهما ومستقبلهما جميعا معا في عقد الفكر العربي .