أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 10:05 AM
اَلْهَلْهَلَةُ جَزالَةٌ أَوْ رَكاكَةٌ
[6] اختارَ أبو تمّامٍ لمهلهلٍ في " باب المَراثي " من " ديوان الحَماسة " ، قولَه في أخيه :
" نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بَعْدَكَ أوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ ياكُلَيْبُ المَجْلِسُ
وَتَكَلَّموا في أَمْرِ كُلِّ عَظيمَةٍ لَوْ كُنْتَ شاهِدَهُمْ بِها لَمْ يَنْبِسوا
وَإِذا تَشاءُ رَأَيْتَ وَجْهًا واضِحًا وَذِراعَ باكِيَةٍ عَلَيْها بُرْنُسُ
تبْكي عَليْكَ وَلَسْتَ لائِمَ حُرَّةٍ تَأْسى عَليْكَ بِعَبْرَةٍ وتَنَفَّسُ " 20
وهي قطعة باقية من قصيدة غير التي أَكْبَرَها الأصمعي فيما سبق ، آثَرَها أبو تمام ، واقتصر عليها طلال حرب 21 ، وعَثَرَ لها أنطوان القوّال ، بزيادة هذين البيتين بعد الثاني ، في " مَجالسِ ثَعْلَبٍ " :
" أَبَني رَبيعَةَ مَنْ يَقومُ مَقامَهُ أَمْ مَنْ يَرُدُّ عَلى الضَّريكِ وَيَحْبِسُ
وَتَلََهَّفَ الصُّعْلوكُ بَعْدَكَ أُمَّهُ لَمّا اسْتَعالَ وَقالَ أَنّى الْمَجْلِسُ " 22
وما ديوانُ الحماسةِ إلا مختاراتُ أبي تمام من الشعر العربي القديم ، التي انتدَبَ أبو علي المرزوقيُّ إلى شرحها ، فاقتضتْه أن يُنبه من يشرحها له ، على العمود الذي به نَهَضَ ذلك الشعرُ من سائر الكلام واختيرت تلك المختاراتُ من سائر القصائد ، كالعمود الذي به تنهض الخيمة من سائر الأرض وتُؤْثَرُ من سائر المنازل ؛ فكانت " جَزالَةُ اللّفْظِ " شطرَ الباب الثاني من سبعة أبواب هي ذلك العمود 23 .
ولم يختصَّ المرزوقيُّ بذكر " جَزالَةِ اللَّفْظِ " ؛ فقد ذكرها قبله الجاحظ 24 ، وثعلب 25 ، و الأصفهاني 26 ، والآمدي 27 ، والمعتزلي 28 ، والعسكري 29 ، وغيرهم ، ولكنه اختص بإيرادها على النحو السابق ، في أبواب عمود الشعر العربي القديم .
[7] والإِجْزالُ في لغتنا عَكْسُ الإِرْكاكِ 30 الذي هو" إرقاقُ التسخيف " الذي هو أحد دَلالَتَيِ " الهَلْهَلَةِ " كما سبق : " رَكَّ الشيء أيْ رَقَّ وضَعُفَ ، ومنه قولهم : اقطعْهُ مِن حيثُ رَكَّ ، والعامة تقول : من حيث رَقَّ ، وثوبٌ ركيكُ النَّسْج " 31 ، ولولا قرابة " رَقَّ " من " رَكَّ " وَزْنًا ومَعْنًى ، والقاف من الكاف ، مخرجًا وصفة ، ما التبس الفعلان ، وهو ما يوحي بأن المعنى فيهما من جنس واحد ؛ فمن ثم يكون الإجزال هو" إرقاقَ التخفيف " الذي هو دَلالةُ الهلهلة الأخرى ، لا " الإِغْلاظَ " الذي هو عكسُ " الإِرْقاقِ " ؛ إذ هذا من القَدْح ، وذاك من المَدْح ، وقديما قال الجاحظ فَفَصَل :" منَ الكلامِ الجَزْلُ والسَّخيفُ " 32 .
من ثم تقع هلهلة مهلهل لشعره عند خصومه وأصحابه ، التي جنى عليه وحده فيها ، لَقَبُه الذي اختص به من سائر الشعراء 33 - بين الإجزال والإركاك اللذين وقع بينهما عمل سائر الشعراء القدماء ؛ فمن قدح فيه بها فقد عدَّها من الإركاك ، ومن مدحه بها فقد عدَّها من الإجزال .
[8] وعلى رغم ذلك الإيراد الطريف ، ترك المرزوقي شرح " جزالة اللفظ " – ومثلها سائر أبواب العمود – إلى إيجاز قول فيما رآه عيار الباب ( معياره ) : " عيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال ؛ فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم . وهذا في مفرداته وجملته مراعى ، لأن اللفظة تستكرم بانفرادها ، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينا " 34 ؛ فأضاف ما يحتاج إلى شرح آخر !
ولولا انصراف كلام الجرجاني إلى نقد مقالة المُعْتَزِليِّ وأستاذه أبي هاشم الجُبّائيِّ ، لجاز أن يكون أراد المرزوقيَّ بقوله : " لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه ، ويكلم به بعضهم بعضا ، من غير أن يعرفوا له معنى ، ويقفوا منه على غرض صحيح ، ويكون عندهم ، إن يسألوا عنه ، بيان وتفسير – إلا ( علم الفصاحة ) ؛ فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء وعبارات ، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا ، أو يستطيعوا – إن يسألوا عنها – أن يذكروا لها تفسيرا يصح . فمن أقرب ذلك ، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام : ( إن ذلك يكون بجزالة اللفظ ) ... ثم لا تجدهم يفسرون الجزالة بشيء " 35 .
[9] لا مُشاحّة لدى الجرجاني في استعمال المحدثين لجزالة اللفظ ، مصطلحِ القدماء - وأولى منه ألا مشاحة لديه في استعمال الجزالة اصطلاحا ، جنسا لمَزيّة اللفظ 36 - ولكن المشاحة الشديدة لديه في ألا يتحمل المحدثون تكاليف استعمال مصطلح القدماء ، الثلاثة :
1 عِلْمَ معناهُ أي حقيقتِهِ التي يُسْأَلُ عنها " بما ؟ " ،
2 وعِلْمَ غَرَضِهِ أي عِلَّةِ حقيقته التي يسأل عنها " بلِمَ ؟ " ،
3 وعِلْمَ تَفْسيرِهِ أي تمثيلِ حقيقته الذي يسأل عنه " بكَيْفَ ؟ " .
أي في أن يجهلوا أَمْرَ تلك المَزيَّةِ :
أَمْــــرُ الْجَــــــزالَـةِ
علم معناها ( ما هي ؟ ) علم غرضها ( لم هي ؟ ) علم تفسيرها ( كيف هي ؟ )
وإلا وجب ألا يستعملوا مصطلحها ؛ فقد صار أحدَ الرموز إلى حياتنا الثقافية السابقة ، التي يؤدي فقهها إلى فقه مسيرتنا الثقافية إلى المستقبل 37 .
[10] لا ريب في حَداثَةِ القديم في زمانه ، وقَدامَةِ الحديث بعد زمانه . ولكن لا ريب أيضا ، في انضباط كل منهما بالآخر ؛ فعلماء القرنين الهجريين الرابع والخامس جميعا - ومنهم المعتزلي والمرزوقي كلاهما - قدماء لدينا أبناء القرنين الهجريين الرابع عشر والخامس عشر ، محدثون لدى الجرجاني ابن القرن الهجري الخامس ، وعلماء القرون الهجرية الأول والثاني والثالث ، قدماء لدى الجرجاني بعيدو القدم لدينا ، وعلماء القرنين الهجريين الرابع عشر والخامس عشر ، محدثون لدينا غائبون لدى الجرجاني .
من ثم ينبغي لنا في أمر الجزالة والركاكة :
أولا : أن نبحثه عند القدماء لدى الجرجاني البعيدي القدم لدينا ، ولاسيما ما استوعبه هو عنهم .
ثانيا : أن نبحثه عند من استوعبه من المحدثين لديه القدماء لدينا والمحدثين لدينا الغائبين لديه جميعا معا .
ثالثا : أن نبحثه عند من لم يستوعبه من المحدثين لديه القدماء لدينا والمحدثين لدينا الغائبين لديه جميعا معا .
حتى إذا ما انجلى أمرهما انجلى أمر الهلهلة .
[6] اختارَ أبو تمّامٍ لمهلهلٍ في " باب المَراثي " من " ديوان الحَماسة " ، قولَه في أخيه :
" نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بَعْدَكَ أوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ ياكُلَيْبُ المَجْلِسُ
وَتَكَلَّموا في أَمْرِ كُلِّ عَظيمَةٍ لَوْ كُنْتَ شاهِدَهُمْ بِها لَمْ يَنْبِسوا
وَإِذا تَشاءُ رَأَيْتَ وَجْهًا واضِحًا وَذِراعَ باكِيَةٍ عَلَيْها بُرْنُسُ
تبْكي عَليْكَ وَلَسْتَ لائِمَ حُرَّةٍ تَأْسى عَليْكَ بِعَبْرَةٍ وتَنَفَّسُ " 20
وهي قطعة باقية من قصيدة غير التي أَكْبَرَها الأصمعي فيما سبق ، آثَرَها أبو تمام ، واقتصر عليها طلال حرب 21 ، وعَثَرَ لها أنطوان القوّال ، بزيادة هذين البيتين بعد الثاني ، في " مَجالسِ ثَعْلَبٍ " :
" أَبَني رَبيعَةَ مَنْ يَقومُ مَقامَهُ أَمْ مَنْ يَرُدُّ عَلى الضَّريكِ وَيَحْبِسُ
وَتَلََهَّفَ الصُّعْلوكُ بَعْدَكَ أُمَّهُ لَمّا اسْتَعالَ وَقالَ أَنّى الْمَجْلِسُ " 22
وما ديوانُ الحماسةِ إلا مختاراتُ أبي تمام من الشعر العربي القديم ، التي انتدَبَ أبو علي المرزوقيُّ إلى شرحها ، فاقتضتْه أن يُنبه من يشرحها له ، على العمود الذي به نَهَضَ ذلك الشعرُ من سائر الكلام واختيرت تلك المختاراتُ من سائر القصائد ، كالعمود الذي به تنهض الخيمة من سائر الأرض وتُؤْثَرُ من سائر المنازل ؛ فكانت " جَزالَةُ اللّفْظِ " شطرَ الباب الثاني من سبعة أبواب هي ذلك العمود 23 .
ولم يختصَّ المرزوقيُّ بذكر " جَزالَةِ اللَّفْظِ " ؛ فقد ذكرها قبله الجاحظ 24 ، وثعلب 25 ، و الأصفهاني 26 ، والآمدي 27 ، والمعتزلي 28 ، والعسكري 29 ، وغيرهم ، ولكنه اختص بإيرادها على النحو السابق ، في أبواب عمود الشعر العربي القديم .
[7] والإِجْزالُ في لغتنا عَكْسُ الإِرْكاكِ 30 الذي هو" إرقاقُ التسخيف " الذي هو أحد دَلالَتَيِ " الهَلْهَلَةِ " كما سبق : " رَكَّ الشيء أيْ رَقَّ وضَعُفَ ، ومنه قولهم : اقطعْهُ مِن حيثُ رَكَّ ، والعامة تقول : من حيث رَقَّ ، وثوبٌ ركيكُ النَّسْج " 31 ، ولولا قرابة " رَقَّ " من " رَكَّ " وَزْنًا ومَعْنًى ، والقاف من الكاف ، مخرجًا وصفة ، ما التبس الفعلان ، وهو ما يوحي بأن المعنى فيهما من جنس واحد ؛ فمن ثم يكون الإجزال هو" إرقاقَ التخفيف " الذي هو دَلالةُ الهلهلة الأخرى ، لا " الإِغْلاظَ " الذي هو عكسُ " الإِرْقاقِ " ؛ إذ هذا من القَدْح ، وذاك من المَدْح ، وقديما قال الجاحظ فَفَصَل :" منَ الكلامِ الجَزْلُ والسَّخيفُ " 32 .
من ثم تقع هلهلة مهلهل لشعره عند خصومه وأصحابه ، التي جنى عليه وحده فيها ، لَقَبُه الذي اختص به من سائر الشعراء 33 - بين الإجزال والإركاك اللذين وقع بينهما عمل سائر الشعراء القدماء ؛ فمن قدح فيه بها فقد عدَّها من الإركاك ، ومن مدحه بها فقد عدَّها من الإجزال .
[8] وعلى رغم ذلك الإيراد الطريف ، ترك المرزوقي شرح " جزالة اللفظ " – ومثلها سائر أبواب العمود – إلى إيجاز قول فيما رآه عيار الباب ( معياره ) : " عيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال ؛ فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم . وهذا في مفرداته وجملته مراعى ، لأن اللفظة تستكرم بانفرادها ، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينا " 34 ؛ فأضاف ما يحتاج إلى شرح آخر !
ولولا انصراف كلام الجرجاني إلى نقد مقالة المُعْتَزِليِّ وأستاذه أبي هاشم الجُبّائيِّ ، لجاز أن يكون أراد المرزوقيَّ بقوله : " لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه ، ويكلم به بعضهم بعضا ، من غير أن يعرفوا له معنى ، ويقفوا منه على غرض صحيح ، ويكون عندهم ، إن يسألوا عنه ، بيان وتفسير – إلا ( علم الفصاحة ) ؛ فإنك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء وعبارات ، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا ، أو يستطيعوا – إن يسألوا عنها – أن يذكروا لها تفسيرا يصح . فمن أقرب ذلك ، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزية كلام على كلام : ( إن ذلك يكون بجزالة اللفظ ) ... ثم لا تجدهم يفسرون الجزالة بشيء " 35 .
[9] لا مُشاحّة لدى الجرجاني في استعمال المحدثين لجزالة اللفظ ، مصطلحِ القدماء - وأولى منه ألا مشاحة لديه في استعمال الجزالة اصطلاحا ، جنسا لمَزيّة اللفظ 36 - ولكن المشاحة الشديدة لديه في ألا يتحمل المحدثون تكاليف استعمال مصطلح القدماء ، الثلاثة :
1 عِلْمَ معناهُ أي حقيقتِهِ التي يُسْأَلُ عنها " بما ؟ " ،
2 وعِلْمَ غَرَضِهِ أي عِلَّةِ حقيقته التي يسأل عنها " بلِمَ ؟ " ،
3 وعِلْمَ تَفْسيرِهِ أي تمثيلِ حقيقته الذي يسأل عنه " بكَيْفَ ؟ " .
أي في أن يجهلوا أَمْرَ تلك المَزيَّةِ :
أَمْــــرُ الْجَــــــزالَـةِ
علم معناها ( ما هي ؟ ) علم غرضها ( لم هي ؟ ) علم تفسيرها ( كيف هي ؟ )
وإلا وجب ألا يستعملوا مصطلحها ؛ فقد صار أحدَ الرموز إلى حياتنا الثقافية السابقة ، التي يؤدي فقهها إلى فقه مسيرتنا الثقافية إلى المستقبل 37 .
[10] لا ريب في حَداثَةِ القديم في زمانه ، وقَدامَةِ الحديث بعد زمانه . ولكن لا ريب أيضا ، في انضباط كل منهما بالآخر ؛ فعلماء القرنين الهجريين الرابع والخامس جميعا - ومنهم المعتزلي والمرزوقي كلاهما - قدماء لدينا أبناء القرنين الهجريين الرابع عشر والخامس عشر ، محدثون لدى الجرجاني ابن القرن الهجري الخامس ، وعلماء القرون الهجرية الأول والثاني والثالث ، قدماء لدى الجرجاني بعيدو القدم لدينا ، وعلماء القرنين الهجريين الرابع عشر والخامس عشر ، محدثون لدينا غائبون لدى الجرجاني .
من ثم ينبغي لنا في أمر الجزالة والركاكة :
أولا : أن نبحثه عند القدماء لدى الجرجاني البعيدي القدم لدينا ، ولاسيما ما استوعبه هو عنهم .
ثانيا : أن نبحثه عند من استوعبه من المحدثين لديه القدماء لدينا والمحدثين لدينا الغائبين لديه جميعا معا .
ثالثا : أن نبحثه عند من لم يستوعبه من المحدثين لديه القدماء لدينا والمحدثين لدينا الغائبين لديه جميعا معا .
حتى إذا ما انجلى أمرهما انجلى أمر الهلهلة .