أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 10:06 AM
الْجَزالَةُ وَالرَّكاكَةُ عِنْدَ الْقُدَماءِ
[11] مر في نقد الجرجاني لاستعمال المحدثين لمصطلح القدماء ، من دون أن يتحملوا تكاليفه ، أن " جزالة اللفظ " عنده ، من " علم الفصاحة " ، وهو قد كان قال هذه الكلمة العامة التي أراد بها أن يفرغ من أصلٍ عنده : " ليس لنا – إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة – مع معاني الكلم المفردة شغل ، ولا هي منا بسبيل ، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب " 38 ؛ فقد كان يرى علوم البلاغة علما واحدا ، وإن كان واضع نظريتي علمي المعاني والبيان 39 .
إن الجزالة والركاكة عند الجرجاني إذن ، من صفات النَّظْم الذي هو " أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه ( علم النَّحْوِ ) ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نُهِجَتْ ؛ فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرسوم التي رسمت ؛ فلا تخل بشيء منها " 40 ، وما الجزالة والركاكة إلا نمطان من صواب النظم ومن خطئه اللذين أشار إليهما بقوله : " لست بواجد شيئا يرجع صوابه – إن كان صوابا – وخطؤه – إن كان خطأ – إلى ( النظم ) ، ويدخل تحت هذا الاسم ، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ، ووضع في حقه ، أو عومل بخلاف هذه المعاملة ، فأزيل عن موضعه ، واستعمل في غير ما ينبغي له " 41 ، وليست الجزالة والركاكة نمطين من صواب الإعراب ومن خطئه اللذين أشار إليهما بقوله : " لسنا في ذكر تقويم اللسان والتحرز من اللحن وزيغ الإعراب ؛ فنعتد بمثل هذا الصواب . وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة ، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم ؛ فليس درك الصواب دركا حتى يشرف موضعه ، ويصعب الوصول إليه ، وكذلك لا يكون ترك الخطأ تركا حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر ، وفضل روية ، وقوة ذهن ، وشدة تيقظ " 42 .
وإن في استعماله مصطلحَ " الكلام " الخاصَّ ، بدلا من مصطلحِ " اللفظ " العامِّ الواقع في كلام المرزوقي وغيره ، لحرصًا على بيان انصراف صفات النظم ومنها الجزالة والركاكة ، إلى الكَلِم المجتمعة لا المنفردات ، ودرءًا لشبهة انفصال اللفظ من المعنى 43 ، ولا سيما أنني عثرت بمن وصف المعنى بالجزالة وبالركاكة ، كما وصف اللفظ 44 .
[12] نفى الجرجاني في أول كتابه أن يُكتفى في الفصاحة بأنها " خُصوصيّةٌ في النظم " 45 ؛ فدل على أنها - ومنها لديه الجزالة والركاكة - هي تلك .
إن الجزالة ، في أصل لغتنا ، القوة ، والجزل القوي ، وإن الركاكة الضعف ، والركيك الضعيف . وصفت العربُ بذلك العقلَ والرأيَ والجسمَ والكلامَ 46 ، بل وقع في نصوص من كلامها بحيث احتمل أن يكون وصفا لها كلها جميعا معا : " في حديث موعظة النساء : قالت امرأة منهن جَزْلَةٌ أي تامة الخَلق . قال : ويجوز أن تكون ذات كلام جَزْلٍ أي قوي شديد " 47 ، وفي أخبار وفود عبد الله بن أبي معقل على مصعب بن الزبير ، أن مصعبا لم يؤمِّره على غزوة زَرَنْجَ ( قصبة سجستان ) ، حتى " أعجَبَه قولُه وجزالتُه " 48 ، وليس يمتنع بل يحسن أن يكون أراد قوة عقله ورأيه وجسمه وكلامه جميعا معا ؛ فيكون خروجها كلها لديهم من أصل واحد .
من ثم تكون جزالةُ الكلام عند الجرجاني ، قوةَ نظمه ، وركاكتُه ضعفَه ، ثم هما حين تصيبان الكلام تصيبان عقل المتكلم ورأيه وجسمه جميعا معا ، ولكنَّ لهذا حديثا آخر .
ولقد فَصَّلَ الجرجاني أمر النظم عقب تعريفه السابق له ، بذكره أعمال الناظم قائلا : " لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه ، غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه ؛ فينظر في ( الخبر ) إلى الوجوه التي تراها في قولك : ( زيد منطلق ) ، و( زيد ينطلق )، و( ينطلق زيد ) ، و( منطلق زيد ) ، و( زيد منطلق ) ، و( المنطلق زيد ) ، و( زيد هو المنطلق ) ، و( زيد هو منطلق ) ، وفي ( الشرط والجزاء ) (...) ، وفي الحال (...) ، وينظر في ( الحروف ) (...) ، وينظر في ( الجمل ) (...) ، ويتصرف في ( التعريف ) ، و( التنكير ) ، و( التقديم ) ، و( التأخير ) ، في الكلام كله ، وفي ( الحذف ) ، و( التكرار ) ، و( الإضمار ) ، و( الإظهار ) ؛ فيصيب بكل من ذلك مكانه ، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له . هذا هو السبيل " 49 .
[13] إننا إذا اجتزأنا بالنظر فيما فصله ونقلناه من أعمال الناظم بباب ( الخبر ) ، وجدناها على أربعة أقسام متكاملة ، لا نستطيع أن نضبط زمان بدئه أيا منها ولا زمان ختمه ؛ إذ ربما تجمعت عليه هي كلها أو بعضها ، وربما تفرقت :
أولها الإبدال ؛ فليس إيثار الناظم في المسند أن يكون مفردا " منطلق " ، أو جملة " ينطلق ، هو ينطلق " ، ونكرة " منطلق " ، أو معرفة " المنطلق " - وفي الجملة أن تكون اسمية " زيد منطلق ، زيد ينطلق " ، أو فعلية " ينطلق زيد " ، إلا إبدال المناسب من غير المناسب .
وثانيها الترتيب ؛ فليس إيثار الناظم في المسند أن يتأخر عن المسند إليه " زيد منطلق ، زيد ينطلق " ، أو أن يتقدم عليه " منطلق زيد ، ينطلق زيد " ، إلا ترتيب موقع كل منهما المناسب ، من الآخر .
وثالثها الحذف ، وآخرها الإضافة ؛ فليس إيثار الناظم في المبتدأ والخبر المعرفتين ، أن يتصلا " زيد المنطلق " - وهو مفهوم من " المنطلق زيد " - أو أن ينفصلا " زيد هو المنطلق " ، إلا حذف الغير المناسب ، أو إضافة المناسب .
ولا يخفى التباس الإبدال بغيره من أقسام الأعمال ، في بعض ما فيها ؛ إذ كل تغيير على وجه العموم ، إبدال .
ثم إن في آخر نص الجرجاني السابق ، بيانا آخر ؛ فما إيثار التعريف أو التنكير والإضمار أو الإظهار ، إلا الإبدال ، ولا إيثار التقديم أو التأخير ، إلا الترتيب ، ولا إيثار التكرار من الحذف ، إلا الإضافة .
ولقد مضى يفسر أعمال الناظمين ، ويختبرها بموازنة كلامهم بعضه ببعض ، أو بتغيير نظم كلامهم ، وموازنة حاله الأخرى بحاله الأولى ، غير متحرج من كلام الله ؛ فله كان كتابه : " مما هو بتلك المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله - تعالى ! - : ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) ، وقوله - تعالى ! -: ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) ، وقوله – تعالى ! - : ( وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) ؛ فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غيرَ مبنيٍّ على الاسم ، فقيل : ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين ) ، و( اكتتبها فتملى عليه ) ، و( حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون ) ، لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى ، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها " 50 ، ولم يكن العمل الذي اختبره ، إلا الترتيب .
[14] وعلى ذلك نفسه يجري أمرُ الجزالة والركاكة ، وأعمال المُجْزِلِ ( صاحب الجزالة ) والمُرِكِّ ( صاحب الركاكة ) ؛ إذ يُبْدِلانِ الكَلِمَ للجملة ، والجُمَلَ للفِقْرَةِ ، والفِقَرَ للنَّصِّ ، والنُّصوصَ لِلْكِتابِ ، ويُرَتِّبانِها ، ويَحْذِفانِ منها ، ويُضيفانِ إليها - وهو مراد الجرجاني من قوله فيما سبق : " في الكلام كله " – حتى يستفرغا وُسْعهما ، وينفُضا أيديَهما من الكلام كلِّه ، فإن خرج قويَّ النظم ، كالحبل المشدود ، لا يتيح لمستوعبه أن يقول : لو كان كذا مكان كذا لكان أفضل ، كان جزلا ، وإن خرج ضعيف النظم ، كالحبل المُرْخى ، يتيح لمستوعبه أن يقول ذلك ، كان رَكيكا ، وإن غالى المجزل عاظَلَ أي أدخل الكلام بعضه في بعضه 51 ، والمُعاظَلَةُ ركاكة ، وإن غالى المرك خَلَّعَ أي فك بعضه من بعضه 52 ، والتَّخْليعُ ركاكة 53 ؛ فالمغالاةُ - مهما تكن - إفسادٌ ، وفيما يأتي في الفقرة الحادية والعشرين ، بيانٌ آخر .
وآية ذلك اختباره بما اختبر به الجرجاني أعمال الناظمين : موازنة نظمه بنظم كلام آخر مثله ، أو تغيير نظمه وموازنة حاله الأخرى بحاله الأولى ، والأوَّلُ أَوْلى وأَنْفَذُ اختبارا ؛ فلن يخلو الآخر من التكلف 54 .
ذلك أمر الجزالة والركاكة عند القدماء معنى وغرضا وتفسيرا ، كما أراد الجرجاني للمحدثين أن يعلموا : صفةٌ نحويةٌ تَسْتَبْهِمُ على من يستوضحها في غير نحو الكلام 55 ، تميز بها الشعر العربي القديم كما نبه المرزوقي فيما ذكره ولم يشرحه من أبواب عموده ، وما أشبه ذلك الشعر ، ولم يتميز بها سائر الكلام العربي ؛ " فمنَ الكَلامِ الجَزْلُ والسَّخيفُ ، والمَليحُ والحَسَنُ ، والقَبيحُ والسَّمْجُ ، والخَفيفُ والثَّقيلُ ، وكلُّهُ عَرَبيٌّ " 56 ؛ إذ من الكلام ما يخرجه الرَّيـْثُ والهَدْأَةُ والتَّهْذيبُ ، ككلام المكاتبة - وهي في شعراء العرب من قديم - ومنه ما تخرجه الْعَجَلَةُ والثَّوْرَةُ والإِهْمالُ ، ككلام المشافهة ، والجزالة أَعْلَقُ بالأوائل ، والركاكة أَعْلَقُ بالأواخر ، ولن يَتَساوى نظما الكلامَيْن ، ولا أعمالُ الناظمَيْن 57 .
[15] ولقد صارت منزلة الجزالة من الشعر العربي القديم ، وسيلة إلى تمييزه من غيره ، ومن المحمول عليه المنحول إليه . روى الأصفهاني عن ابن الكلبي عن بعض بني الحارث بن كعب ، خبرَ اجتماع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بأمية بن الأسكر وابنته في عكاظ قبيل الإسلام أو في أوله ، وفيه شعر ، ثم قال : " هذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي ، والتوليد فيه بين ، وشعره شعر ركيك غث لا يشبه أشعار القوم ، وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي " 58 ؛ فزيف الخبر بتزييف شعره بركاكته ، ونثره بتوليد أحداثه .
[11] مر في نقد الجرجاني لاستعمال المحدثين لمصطلح القدماء ، من دون أن يتحملوا تكاليفه ، أن " جزالة اللفظ " عنده ، من " علم الفصاحة " ، وهو قد كان قال هذه الكلمة العامة التي أراد بها أن يفرغ من أصلٍ عنده : " ليس لنا – إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة – مع معاني الكلم المفردة شغل ، ولا هي منا بسبيل ، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب " 38 ؛ فقد كان يرى علوم البلاغة علما واحدا ، وإن كان واضع نظريتي علمي المعاني والبيان 39 .
إن الجزالة والركاكة عند الجرجاني إذن ، من صفات النَّظْم الذي هو " أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه ( علم النَّحْوِ ) ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نُهِجَتْ ؛ فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرسوم التي رسمت ؛ فلا تخل بشيء منها " 40 ، وما الجزالة والركاكة إلا نمطان من صواب النظم ومن خطئه اللذين أشار إليهما بقوله : " لست بواجد شيئا يرجع صوابه – إن كان صوابا – وخطؤه – إن كان خطأ – إلى ( النظم ) ، ويدخل تحت هذا الاسم ، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ، ووضع في حقه ، أو عومل بخلاف هذه المعاملة ، فأزيل عن موضعه ، واستعمل في غير ما ينبغي له " 41 ، وليست الجزالة والركاكة نمطين من صواب الإعراب ومن خطئه اللذين أشار إليهما بقوله : " لسنا في ذكر تقويم اللسان والتحرز من اللحن وزيغ الإعراب ؛ فنعتد بمثل هذا الصواب . وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة ، ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم ؛ فليس درك الصواب دركا حتى يشرف موضعه ، ويصعب الوصول إليه ، وكذلك لا يكون ترك الخطأ تركا حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر ، وفضل روية ، وقوة ذهن ، وشدة تيقظ " 42 .
وإن في استعماله مصطلحَ " الكلام " الخاصَّ ، بدلا من مصطلحِ " اللفظ " العامِّ الواقع في كلام المرزوقي وغيره ، لحرصًا على بيان انصراف صفات النظم ومنها الجزالة والركاكة ، إلى الكَلِم المجتمعة لا المنفردات ، ودرءًا لشبهة انفصال اللفظ من المعنى 43 ، ولا سيما أنني عثرت بمن وصف المعنى بالجزالة وبالركاكة ، كما وصف اللفظ 44 .
[12] نفى الجرجاني في أول كتابه أن يُكتفى في الفصاحة بأنها " خُصوصيّةٌ في النظم " 45 ؛ فدل على أنها - ومنها لديه الجزالة والركاكة - هي تلك .
إن الجزالة ، في أصل لغتنا ، القوة ، والجزل القوي ، وإن الركاكة الضعف ، والركيك الضعيف . وصفت العربُ بذلك العقلَ والرأيَ والجسمَ والكلامَ 46 ، بل وقع في نصوص من كلامها بحيث احتمل أن يكون وصفا لها كلها جميعا معا : " في حديث موعظة النساء : قالت امرأة منهن جَزْلَةٌ أي تامة الخَلق . قال : ويجوز أن تكون ذات كلام جَزْلٍ أي قوي شديد " 47 ، وفي أخبار وفود عبد الله بن أبي معقل على مصعب بن الزبير ، أن مصعبا لم يؤمِّره على غزوة زَرَنْجَ ( قصبة سجستان ) ، حتى " أعجَبَه قولُه وجزالتُه " 48 ، وليس يمتنع بل يحسن أن يكون أراد قوة عقله ورأيه وجسمه وكلامه جميعا معا ؛ فيكون خروجها كلها لديهم من أصل واحد .
من ثم تكون جزالةُ الكلام عند الجرجاني ، قوةَ نظمه ، وركاكتُه ضعفَه ، ثم هما حين تصيبان الكلام تصيبان عقل المتكلم ورأيه وجسمه جميعا معا ، ولكنَّ لهذا حديثا آخر .
ولقد فَصَّلَ الجرجاني أمر النظم عقب تعريفه السابق له ، بذكره أعمال الناظم قائلا : " لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه ، غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه ؛ فينظر في ( الخبر ) إلى الوجوه التي تراها في قولك : ( زيد منطلق ) ، و( زيد ينطلق )، و( ينطلق زيد ) ، و( منطلق زيد ) ، و( زيد منطلق ) ، و( المنطلق زيد ) ، و( زيد هو المنطلق ) ، و( زيد هو منطلق ) ، وفي ( الشرط والجزاء ) (...) ، وفي الحال (...) ، وينظر في ( الحروف ) (...) ، وينظر في ( الجمل ) (...) ، ويتصرف في ( التعريف ) ، و( التنكير ) ، و( التقديم ) ، و( التأخير ) ، في الكلام كله ، وفي ( الحذف ) ، و( التكرار ) ، و( الإضمار ) ، و( الإظهار ) ؛ فيصيب بكل من ذلك مكانه ، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له . هذا هو السبيل " 49 .
[13] إننا إذا اجتزأنا بالنظر فيما فصله ونقلناه من أعمال الناظم بباب ( الخبر ) ، وجدناها على أربعة أقسام متكاملة ، لا نستطيع أن نضبط زمان بدئه أيا منها ولا زمان ختمه ؛ إذ ربما تجمعت عليه هي كلها أو بعضها ، وربما تفرقت :
أولها الإبدال ؛ فليس إيثار الناظم في المسند أن يكون مفردا " منطلق " ، أو جملة " ينطلق ، هو ينطلق " ، ونكرة " منطلق " ، أو معرفة " المنطلق " - وفي الجملة أن تكون اسمية " زيد منطلق ، زيد ينطلق " ، أو فعلية " ينطلق زيد " ، إلا إبدال المناسب من غير المناسب .
وثانيها الترتيب ؛ فليس إيثار الناظم في المسند أن يتأخر عن المسند إليه " زيد منطلق ، زيد ينطلق " ، أو أن يتقدم عليه " منطلق زيد ، ينطلق زيد " ، إلا ترتيب موقع كل منهما المناسب ، من الآخر .
وثالثها الحذف ، وآخرها الإضافة ؛ فليس إيثار الناظم في المبتدأ والخبر المعرفتين ، أن يتصلا " زيد المنطلق " - وهو مفهوم من " المنطلق زيد " - أو أن ينفصلا " زيد هو المنطلق " ، إلا حذف الغير المناسب ، أو إضافة المناسب .
ولا يخفى التباس الإبدال بغيره من أقسام الأعمال ، في بعض ما فيها ؛ إذ كل تغيير على وجه العموم ، إبدال .
ثم إن في آخر نص الجرجاني السابق ، بيانا آخر ؛ فما إيثار التعريف أو التنكير والإضمار أو الإظهار ، إلا الإبدال ، ولا إيثار التقديم أو التأخير ، إلا الترتيب ، ولا إيثار التكرار من الحذف ، إلا الإضافة .
ولقد مضى يفسر أعمال الناظمين ، ويختبرها بموازنة كلامهم بعضه ببعض ، أو بتغيير نظم كلامهم ، وموازنة حاله الأخرى بحاله الأولى ، غير متحرج من كلام الله ؛ فله كان كتابه : " مما هو بتلك المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله - تعالى ! - : ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) ، وقوله - تعالى ! -: ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) ، وقوله – تعالى ! - : ( وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) ؛ فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غيرَ مبنيٍّ على الاسم ، فقيل : ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين ) ، و( اكتتبها فتملى عليه ) ، و( حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون ) ، لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى ، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها " 50 ، ولم يكن العمل الذي اختبره ، إلا الترتيب .
[14] وعلى ذلك نفسه يجري أمرُ الجزالة والركاكة ، وأعمال المُجْزِلِ ( صاحب الجزالة ) والمُرِكِّ ( صاحب الركاكة ) ؛ إذ يُبْدِلانِ الكَلِمَ للجملة ، والجُمَلَ للفِقْرَةِ ، والفِقَرَ للنَّصِّ ، والنُّصوصَ لِلْكِتابِ ، ويُرَتِّبانِها ، ويَحْذِفانِ منها ، ويُضيفانِ إليها - وهو مراد الجرجاني من قوله فيما سبق : " في الكلام كله " – حتى يستفرغا وُسْعهما ، وينفُضا أيديَهما من الكلام كلِّه ، فإن خرج قويَّ النظم ، كالحبل المشدود ، لا يتيح لمستوعبه أن يقول : لو كان كذا مكان كذا لكان أفضل ، كان جزلا ، وإن خرج ضعيف النظم ، كالحبل المُرْخى ، يتيح لمستوعبه أن يقول ذلك ، كان رَكيكا ، وإن غالى المجزل عاظَلَ أي أدخل الكلام بعضه في بعضه 51 ، والمُعاظَلَةُ ركاكة ، وإن غالى المرك خَلَّعَ أي فك بعضه من بعضه 52 ، والتَّخْليعُ ركاكة 53 ؛ فالمغالاةُ - مهما تكن - إفسادٌ ، وفيما يأتي في الفقرة الحادية والعشرين ، بيانٌ آخر .
وآية ذلك اختباره بما اختبر به الجرجاني أعمال الناظمين : موازنة نظمه بنظم كلام آخر مثله ، أو تغيير نظمه وموازنة حاله الأخرى بحاله الأولى ، والأوَّلُ أَوْلى وأَنْفَذُ اختبارا ؛ فلن يخلو الآخر من التكلف 54 .
ذلك أمر الجزالة والركاكة عند القدماء معنى وغرضا وتفسيرا ، كما أراد الجرجاني للمحدثين أن يعلموا : صفةٌ نحويةٌ تَسْتَبْهِمُ على من يستوضحها في غير نحو الكلام 55 ، تميز بها الشعر العربي القديم كما نبه المرزوقي فيما ذكره ولم يشرحه من أبواب عموده ، وما أشبه ذلك الشعر ، ولم يتميز بها سائر الكلام العربي ؛ " فمنَ الكَلامِ الجَزْلُ والسَّخيفُ ، والمَليحُ والحَسَنُ ، والقَبيحُ والسَّمْجُ ، والخَفيفُ والثَّقيلُ ، وكلُّهُ عَرَبيٌّ " 56 ؛ إذ من الكلام ما يخرجه الرَّيـْثُ والهَدْأَةُ والتَّهْذيبُ ، ككلام المكاتبة - وهي في شعراء العرب من قديم - ومنه ما تخرجه الْعَجَلَةُ والثَّوْرَةُ والإِهْمالُ ، ككلام المشافهة ، والجزالة أَعْلَقُ بالأوائل ، والركاكة أَعْلَقُ بالأواخر ، ولن يَتَساوى نظما الكلامَيْن ، ولا أعمالُ الناظمَيْن 57 .
[15] ولقد صارت منزلة الجزالة من الشعر العربي القديم ، وسيلة إلى تمييزه من غيره ، ومن المحمول عليه المنحول إليه . روى الأصفهاني عن ابن الكلبي عن بعض بني الحارث بن كعب ، خبرَ اجتماع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بأمية بن الأسكر وابنته في عكاظ قبيل الإسلام أو في أوله ، وفيه شعر ، ثم قال : " هذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي ، والتوليد فيه بين ، وشعره شعر ركيك غث لا يشبه أشعار القوم ، وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي " 58 ؛ فزيف الخبر بتزييف شعره بركاكته ، ونثره بتوليد أحداثه .