أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 10:09 AM
[22] اَلدَّعْوى الثّالِثَةُ : أَنَّ التَّجْزيلَ حُكْمٌ انْطِباعيٌّّ ( ذَوْقيٌّّ ) .
في الباب الخامس من كتاب " الأسلوب " ، درس الأستاذ الشايب " صفات الأسلوب " التي كانت عنده ثلاثًا أُصولاً : الوضوح ، والقوة ، والجمال 102 ، لم تبعد عنها الجزالة ؛ فجاء كلامه قديم الباطن حديث الظاهر ؛ فأثار عليه نقادًا صدمتهم المفارقة العجيبة ؛ " فالأسلوب عنده – من حيث هو سمة للإبداع الأدبي – خاضع لرسوم البلاغة التقليدية إلى حد كبير ، بل إنه خاضع لهذه الرسوم خضوعا تاما رغم العبارات المتشحة بالعصرية التي عبرت عن ذلك ، أما من حيث هو مطلب للنقد الأدبي فلا مدرك له إلا الانفعال ولا سبيل إلى وصفه إلا هذه الكلمات الانطباعية الخالصة " 103 - ومنها الجزالة 104 - " وهي عبارات لا يمكن أن نخرج منها بتحديد واضح ملموس يؤكد مفهوم الرجل للأسلوب وخصائصه " 105 .
لقد أقبل أولئك النقاد على كتاب " الأسلوب " ، وقَدَّروا أن يُعَلِّقَهُمْ بِبِنى النِّظام المستولية على النصوص وملامح المُجاوزة الصادعة للنظام ، ناقدٌ مأخوذ بشروط منهج النقد الأدبي الحديث التي تؤصِّل لمقولات النقد في نظرية العلم ؛ فعثروا بأديب قَداميٍّ مُقَلِّدٍ يلوك مقولات بلاغية بالية ، مِنْ مِثْلِ " الجَزالَةِ " ، فرارا مما لا قدرة له على رؤيته ، كفرار سلفه بقوله : " إِنَّ مِنَ الْأَشْياءِ أَشْياءَ تُحيطُ بِها الْمَعْرِفَةُ ، وَلا تُؤَدّيها الصِّفَةُ " 106 أو بقوله : " ما يَخْتارُهُ النّاقِدُ الْحاذِقُ قَدْ يَتَّفِقُ فيهِ ما لَوْ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ اخْتِيارِهِ إِيّاهُ ، وَعَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَوابُ إِلّا أَنْ يَقولَ : هكَذا قَضيَّةُ طَبْعي " 107 ، واستطالةً بما لا يملك ، كاستطالة سَلَفِهِ بقوله :
" عَزَّ عِلْمُ الذَّوْقِ أَنْ يَعْرِفَهُ عالِمٌ جانبنا ما احْتَرَما " 108 !
– وإلا على نمط من تفسير نصوص الأدب ، من مثل " تَجْزيلِ الألفاظ " ، تتجلى فيه هذه الخصال المتعاقبات الحدوث :
1 أنه يخُصُّ صاحبَهُ ، ولا يُتَعَلَّمُ منه .
2 أنه يُتيح مخالفته على نحو واسع ، إلى ما ربما ناقضه .
3 أنه لا يمكن اختباره أصلا .
4 أنه لا يمكن تخطيئه هو أو غيره مما على نمطه .
ينبغي أن يُضاف – إمّا استقام لصاحبه - إلى نصوص الفن ، لا إلى أعمال العلم 109 !
وعلى رغم ما ذهب إليه باحثون في مسائل علم النفس ، من دقة أحكام المُهَيَّجين وجودة عمل عقول الواجدين ( الطِّراب ) 110 ، وفي نظرية الأدب ، من تكامل أحكام الذوق وأحكام الاستنتاج المعلل 111 ، وفي علم الأسلوب ، من دقة أحكام ذوق الخبير 112 - كفانا عبد القاهر الجرجاني فيما سبق مؤونة اقتصار بعض مُجَزِّلي الكلام على أحكام أذواقهم ؛ إذ كان وهو ابن القرن الهجري الخامس ، ممن يؤمنون برجوع تلك الأحكام إلى أوضاع نظم الكلام - فافتضحت لمُتَّهِمي التَّجْزيلِ بذلك ، حالٌ من عدم استيعاب مقالات البلاغيين السابقين ، كحال ابن الأثير الآنفة .
[23] اَلدَّعْوى الرّابِعَةُ : أَنَّ الْجَزالَةَ ضِدُّ الْحَداثَةِ .
إنما تَسَمّى قُدَماء العلماء والفنانين بقَدامتهم ، ومُحْدَثوهم بحَداثتهم ، ولكن لمّا كان بين المتعاصرين من هؤلاء أو أولئك على رَغْمِ تَعاصُرِهِمْ ، مَنْ يَحِنُّ إلى الماضي ويعمل له ، ومن يشتغل بالحاضر ويعمل له ، ومن يطمح إلى المستقبل ويعمل له - تَسَمّى أَوَّلُهُمْ قَداميًّا ، وثانيهم حَداثيًّا 113 ، وآخِرُهم مُسْتَقْبَليًّا 114 ، حتى إذا ما خَلَفَ عَصْرٌ عَصْرًا ، استمسك القداميُّ الآخِر بالقداميِّ والحداثيِّ الأوَّلَيْنِ سلفا له واطَّرح غيرهما ، واستمسك الحداثيُّ الآخِر بالمستقبلي الأول واطَّرح غيره ، وبقي المستقبلي الآخِر مُنْبَتًّا لا سلف له 115 .
ولم يعدم أمرُ الجزالة عند المحدثين المتعاصرين ، تلك الطوائفَ الثلاث ؛ فقد انتبهوا للعربية وقد اتسعت فيها بين اللغة واللهجة ، هُوَّةٌ من التطور ، خَيَّلَتْ لهم مُتَّسَعًا قادما في رحم الغيب 116 :
أما القداميون الذين قصروا الجزالة على القدماء 117 ؛ فأثاروا غيرهم إلى الحديث عن " فِتْنَةِ اللُّغَةِ النَّقيَّةِ " التي أحدثها الصراع الشعوبي والتناحر المذهبي كلاهما ، فحرمت العربية الصدق ، وعاقتها عن التطور ، وشغلت اللغويين عن مباحث مفيدة في دقة العبارات ، وفي اختلاف الصيغ المتشابهة الظاهر 118 ، وإلى الحديث عن عجز مقولات النحو القديمة - وما الجزالة فيما رأيت ، إلا إحداها - عن استيضاح النشاط اللغوي ، وأن " كل ما صنعه باحثٌ عظيم في القرن الخامس ( الجرجانيُّ ) ، هو أنه أخذ يطبق هذه النظرية أو يطبق المقولات النحوية المتعارفة ، تطبيقا ينم عن ذكاء " 119 ، وإلى الحديث عن الأعرابي صانع العالم ، ولغتِهِ " اللاتاريخيةِ " الحِسِّيَّةِ ، وهيمنة الذوق القديم على الذوق الحديث 120 ، وإلى الحديث عن مشكلة الفصاحة التي كان ينبغي أن تكون عونا على المشكلات اللغوية ، فجعلها " أهلُ الصَّفاءِ اللغويِّ " ، أهمَّها 121 ، وإلى الحديث عن وخامة عاقبة الجزالة ، فيما قصت فدوى طوقان من آثار الإجزال الذي حملها عليه أستاذُها وأخوها إبراهيمُ الشاعرُ الكبيرُ ، قائلةً : " لقد نما وتضخم اهتمامي بالتركيب القديم للعبارة الشعرية ، إلى حد كانت أفكاري ومشاعري تنصرف معه عن التجربة الحقيقية ، إلى الاهتمام بتركيب العبارات وانتقاء الكلمات ذات الطنين والدوي :
وَلي عِنْدَكُمْ قَلْبٌ غَريبٌ مُطَرَّحٌ لَدى بابِكُمْ ُيمسي وَيـُصْبِحُ في الْكَرْبِ
طَليحٌ إِذا اسْتَنْهَضْتُهُ كَيْ أُقيلَهُ تَحامَلَ ثُمَّ انْكَبَّ مِنْ أَلَــمِ الْحُبِّ
فَلا تَسْأَلوني عَنْ بُكائي فَإَِّنما بُكائِيَ يا أَحْبابَ قَلْبي عَلى قَلْبي
سَلامٌ عَلَيْهِ إِذْ َيموتُ صَبابَةً وَإِذْ أَنْتُمُ لاهونَ عَنْ قَلْبِيَ الصَّبِّ
(...) كل هذه كنت أحسها سَدًّا يقف دون الحركة والتدفق والانطلاق بعفوية وصدق خلال عملية النظم . كنت أحس التصنع يدب في ثنايا أشعاري ويلصق بها صفة الجفاف واليبوسة . ولم أكن أعرف كيف أبتعث في قصيدتي النُّسغ المفقود ، ولا من أين أستمده . كنت أنحت من صخر فعلا ، وكان هناك شيء يكبل الجيشان العاطفي في داخلي ، ويحول دون جريان التيار النفسي في قصيدتي بسهولة ويسر ، ولم أهتد إلى أصالتي إلا يوم هداني الدكتور مندور إلى أدب المهجر " 122 .
وأما الحداثيون الذين عافوا الجزالة واستمسكوا - أو كادوا - بالركاكة التي اتُّهموا بها وحُبسوا فيها 123 ؛ فأثاروا غيرهم إلى الحديث عما في مصطلح " الحداثة " من قبول لشيء من الضياع ، وما في مصطلح " القدامة " ، من مجاهدة لذلك الضياع 124 ، وإلى الحديث عما يجني به على الكلام ، اطِّراحُ الفصاحة ، من ضعف وفُسولة ، وأنه " صحيح أن ( الفصاحة ) وحدها لا تصنع فنا ، ولكن البعد عن الفصاحة - بدون صفة أخرى في الكلام - هو من الفن أبعد " 125 ، وإلى الحديث عما في استبدال فصاحةٍ حديثةٍ ، بفصاحةٍ قديمةٍ ، من فوضى إذا انفتح بابها لم يَقَرَّ للعربية قَرارٌ 126 ، وإلى الحديث عمَّن أخذ مادة شعره من معالم الحياة العادية المكررة المبتذلة ، ثم وصلها " باللغة التي كانت تصف بعر الآرام دون أن تفقد بهاءها وفخامتها " 127 ، وإلى الحديث عن وخامة عاقبة الركاكة ، فيما وجد الحساني حسن عبد الله ، في مثل قول نزار قباني :
" اَلْإسْمُ
جَميلَةُ بوحَيْرَدْ
رَقْمُ الزِّنْزانَةِ تِسْعونا
في السِّجْنِ الْحَرْبيِّ بِوَهْرانْ
وَالْعُمْرُ اثْنانِ وَعِشْرونا
عَيْنانِ كَـقِنْديلَيْ مَعْبَدْ
وَالشَّعْرُ الْعَرَبيُّ الْأَسْوَدْ
كَالصَّيْفِ كَشَلّالِ الْأَحْزانْ
إِبــْريقٌ لِلْماءِ وَسَجّانْ
وَيـَدٌ تَنْضَمُّ عَلى الْقُرْآنْ
وَامْرَأَةٌ في ضَوْءِ الصُّبْحِ
تَسْتَرْجِعُ في مِثْلِ الْبَوْحِ
آياتٍ مُحْزِنَةَ الْإِرْنانْ
مِنْ سورَةِ ( مَرْيَمَ ) وَ( الْفَتْحِ ) " .
من آثار لِلإِرْكاكِ : " منها التقرير غير المفيد ، ومنها ركاكة اللغة ، كاضطراره إلى قطع همزة الوصل في كلمة ( الإسم ) ، واستعمال الواو في قوله ( وامرأة في ضوء الصبح ) ، يريد أن يَشْدَهَنا هنا بغرابة المنظر كأنما نراه فجأة ، ناسيا أنه حدثنا من قبل عن أنثى اسمها جميلة لها عينان وشعر ويدان (...) ومنها كذب الشعور (...) ومنها رقاعة شائعة في الشعر الحر كله (...) أعني الفصل لغير ضرورة في كثير من الأحيان بين أجزاء لا تقبل الانفصال ، كالمبتدأ والخبر ، والفعل والفاعل ، والجار والمجرور ، والمضاف إليه ، ومثاله هنا وضعه كلمة ( الإسم ) في سطر و( جميلة ) في سطر " 128 .
وأما المستقبليون الذين رفضوا الجزالة والركاكة جميعا معا ، بدعوتهم إلى تفجير نظام اللغة والتفكير ، طامحين إلى ما لا يتأتى فيه لأحد تَجْزيلٌ ولا تَرْكيكٌ 129 ، فأثاروا غيرهم إلى الحديث عن علاقة الاستمساك بالأصول بالاستمساك بالحضارة ، وعن أن موقف الكاتب العربي المعاصر من اللغة ( الفصيحة ) جزء من الظاهرة الأسلوبية عنده ، وعن لزوم الإطار المرجعي 130 ، وإلى الحديث عن أن اطراح الفكر القديم بما فيه من آثار اللغة والتفكير القديمين ، ينقص من إنسانية الإنسان ويجدب من حياته ويطفئ من بصيرته 131 ، وإلى الحديث عن استيعاب نظام لغتنا وتفكيرنا العربي الخصب ، لتجارب أولئك المستقبليين التي ظُنَّتْ مارقةً منه 132 ، وإلى الحديث فيما تنشره الصحف دون رقابة ، عن اختراقٍ للقواعد اللغوية الأولية ، أقربَ إلى لعب الصبية ، منه إلى المقولة النظرية الحديثة 133 .
إنه لو صح اقتصار الركاكة على المحدثين دون القدماء ، لصح اقتصار الجزالة على القدماء دون المحدثين ؛ فلَمّا لم يصح ذاك ، كما سبق أن ذكرت عن الجاحظ في قوله : " منَ الكَلامِ الجَزْلُ والسَّخيفُ ، والمَليحُ والحَسَنُ ، والقَبيحُ والسَّمْجُ ، والخَفيفُ والثَّقيلُ ، وكلُّهُ عَرَبيٌّ " 134 - لم يصح هذا .
ثم لا حياة ولا بقاء لثقافة لم تَحْظَ مِنْ حَمَلَتِها بأولئك الثلاثة ( القداميين ، والحداثيين ، والمستقبليين ) جميعا معا ، على ألا يغفل بنوها عن تكاملهم ، وإن بدوا متناقضين ؛ فالحاضر ابن الماضي ، والمستقبل ابن الماضي والحاضر جميعا ، ثم هو أمل الحاضر ، كما كان الحاضر أمل الماضي - ولا عن السِّلْك الذي ينتظمهم في عقد ثقافة واحدة وإن بدوا مختلفين ؛ فلا انتسابَ لثقافة بحيث يقال : عربية أو عجمية ، حتى تسلم لها أصولُ نظام اللغة والتفكير ، مُسْتَمِرَّةً في الماضي والحاضر إلى المستقبل ، وما هذه الأصول إلا منهج أعمال ناظم الكلام ( إبدال الكلم للجملة والجمل للفقرة والفقر للنص والنصوص للكتاب ، وترتيبها ، والحذف منها ، والإضافة إليها ) التي يُجْزِلُها أو يُرِكُّها فيدل على مبلغ اجتهاده .
في الباب الخامس من كتاب " الأسلوب " ، درس الأستاذ الشايب " صفات الأسلوب " التي كانت عنده ثلاثًا أُصولاً : الوضوح ، والقوة ، والجمال 102 ، لم تبعد عنها الجزالة ؛ فجاء كلامه قديم الباطن حديث الظاهر ؛ فأثار عليه نقادًا صدمتهم المفارقة العجيبة ؛ " فالأسلوب عنده – من حيث هو سمة للإبداع الأدبي – خاضع لرسوم البلاغة التقليدية إلى حد كبير ، بل إنه خاضع لهذه الرسوم خضوعا تاما رغم العبارات المتشحة بالعصرية التي عبرت عن ذلك ، أما من حيث هو مطلب للنقد الأدبي فلا مدرك له إلا الانفعال ولا سبيل إلى وصفه إلا هذه الكلمات الانطباعية الخالصة " 103 - ومنها الجزالة 104 - " وهي عبارات لا يمكن أن نخرج منها بتحديد واضح ملموس يؤكد مفهوم الرجل للأسلوب وخصائصه " 105 .
لقد أقبل أولئك النقاد على كتاب " الأسلوب " ، وقَدَّروا أن يُعَلِّقَهُمْ بِبِنى النِّظام المستولية على النصوص وملامح المُجاوزة الصادعة للنظام ، ناقدٌ مأخوذ بشروط منهج النقد الأدبي الحديث التي تؤصِّل لمقولات النقد في نظرية العلم ؛ فعثروا بأديب قَداميٍّ مُقَلِّدٍ يلوك مقولات بلاغية بالية ، مِنْ مِثْلِ " الجَزالَةِ " ، فرارا مما لا قدرة له على رؤيته ، كفرار سلفه بقوله : " إِنَّ مِنَ الْأَشْياءِ أَشْياءَ تُحيطُ بِها الْمَعْرِفَةُ ، وَلا تُؤَدّيها الصِّفَةُ " 106 أو بقوله : " ما يَخْتارُهُ النّاقِدُ الْحاذِقُ قَدْ يَتَّفِقُ فيهِ ما لَوْ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ اخْتِيارِهِ إِيّاهُ ، وَعَنِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَوابُ إِلّا أَنْ يَقولَ : هكَذا قَضيَّةُ طَبْعي " 107 ، واستطالةً بما لا يملك ، كاستطالة سَلَفِهِ بقوله :
" عَزَّ عِلْمُ الذَّوْقِ أَنْ يَعْرِفَهُ عالِمٌ جانبنا ما احْتَرَما " 108 !
– وإلا على نمط من تفسير نصوص الأدب ، من مثل " تَجْزيلِ الألفاظ " ، تتجلى فيه هذه الخصال المتعاقبات الحدوث :
1 أنه يخُصُّ صاحبَهُ ، ولا يُتَعَلَّمُ منه .
2 أنه يُتيح مخالفته على نحو واسع ، إلى ما ربما ناقضه .
3 أنه لا يمكن اختباره أصلا .
4 أنه لا يمكن تخطيئه هو أو غيره مما على نمطه .
ينبغي أن يُضاف – إمّا استقام لصاحبه - إلى نصوص الفن ، لا إلى أعمال العلم 109 !
وعلى رغم ما ذهب إليه باحثون في مسائل علم النفس ، من دقة أحكام المُهَيَّجين وجودة عمل عقول الواجدين ( الطِّراب ) 110 ، وفي نظرية الأدب ، من تكامل أحكام الذوق وأحكام الاستنتاج المعلل 111 ، وفي علم الأسلوب ، من دقة أحكام ذوق الخبير 112 - كفانا عبد القاهر الجرجاني فيما سبق مؤونة اقتصار بعض مُجَزِّلي الكلام على أحكام أذواقهم ؛ إذ كان وهو ابن القرن الهجري الخامس ، ممن يؤمنون برجوع تلك الأحكام إلى أوضاع نظم الكلام - فافتضحت لمُتَّهِمي التَّجْزيلِ بذلك ، حالٌ من عدم استيعاب مقالات البلاغيين السابقين ، كحال ابن الأثير الآنفة .
[23] اَلدَّعْوى الرّابِعَةُ : أَنَّ الْجَزالَةَ ضِدُّ الْحَداثَةِ .
إنما تَسَمّى قُدَماء العلماء والفنانين بقَدامتهم ، ومُحْدَثوهم بحَداثتهم ، ولكن لمّا كان بين المتعاصرين من هؤلاء أو أولئك على رَغْمِ تَعاصُرِهِمْ ، مَنْ يَحِنُّ إلى الماضي ويعمل له ، ومن يشتغل بالحاضر ويعمل له ، ومن يطمح إلى المستقبل ويعمل له - تَسَمّى أَوَّلُهُمْ قَداميًّا ، وثانيهم حَداثيًّا 113 ، وآخِرُهم مُسْتَقْبَليًّا 114 ، حتى إذا ما خَلَفَ عَصْرٌ عَصْرًا ، استمسك القداميُّ الآخِر بالقداميِّ والحداثيِّ الأوَّلَيْنِ سلفا له واطَّرح غيرهما ، واستمسك الحداثيُّ الآخِر بالمستقبلي الأول واطَّرح غيره ، وبقي المستقبلي الآخِر مُنْبَتًّا لا سلف له 115 .
ولم يعدم أمرُ الجزالة عند المحدثين المتعاصرين ، تلك الطوائفَ الثلاث ؛ فقد انتبهوا للعربية وقد اتسعت فيها بين اللغة واللهجة ، هُوَّةٌ من التطور ، خَيَّلَتْ لهم مُتَّسَعًا قادما في رحم الغيب 116 :
أما القداميون الذين قصروا الجزالة على القدماء 117 ؛ فأثاروا غيرهم إلى الحديث عن " فِتْنَةِ اللُّغَةِ النَّقيَّةِ " التي أحدثها الصراع الشعوبي والتناحر المذهبي كلاهما ، فحرمت العربية الصدق ، وعاقتها عن التطور ، وشغلت اللغويين عن مباحث مفيدة في دقة العبارات ، وفي اختلاف الصيغ المتشابهة الظاهر 118 ، وإلى الحديث عن عجز مقولات النحو القديمة - وما الجزالة فيما رأيت ، إلا إحداها - عن استيضاح النشاط اللغوي ، وأن " كل ما صنعه باحثٌ عظيم في القرن الخامس ( الجرجانيُّ ) ، هو أنه أخذ يطبق هذه النظرية أو يطبق المقولات النحوية المتعارفة ، تطبيقا ينم عن ذكاء " 119 ، وإلى الحديث عن الأعرابي صانع العالم ، ولغتِهِ " اللاتاريخيةِ " الحِسِّيَّةِ ، وهيمنة الذوق القديم على الذوق الحديث 120 ، وإلى الحديث عن مشكلة الفصاحة التي كان ينبغي أن تكون عونا على المشكلات اللغوية ، فجعلها " أهلُ الصَّفاءِ اللغويِّ " ، أهمَّها 121 ، وإلى الحديث عن وخامة عاقبة الجزالة ، فيما قصت فدوى طوقان من آثار الإجزال الذي حملها عليه أستاذُها وأخوها إبراهيمُ الشاعرُ الكبيرُ ، قائلةً : " لقد نما وتضخم اهتمامي بالتركيب القديم للعبارة الشعرية ، إلى حد كانت أفكاري ومشاعري تنصرف معه عن التجربة الحقيقية ، إلى الاهتمام بتركيب العبارات وانتقاء الكلمات ذات الطنين والدوي :
وَلي عِنْدَكُمْ قَلْبٌ غَريبٌ مُطَرَّحٌ لَدى بابِكُمْ ُيمسي وَيـُصْبِحُ في الْكَرْبِ
طَليحٌ إِذا اسْتَنْهَضْتُهُ كَيْ أُقيلَهُ تَحامَلَ ثُمَّ انْكَبَّ مِنْ أَلَــمِ الْحُبِّ
فَلا تَسْأَلوني عَنْ بُكائي فَإَِّنما بُكائِيَ يا أَحْبابَ قَلْبي عَلى قَلْبي
سَلامٌ عَلَيْهِ إِذْ َيموتُ صَبابَةً وَإِذْ أَنْتُمُ لاهونَ عَنْ قَلْبِيَ الصَّبِّ
(...) كل هذه كنت أحسها سَدًّا يقف دون الحركة والتدفق والانطلاق بعفوية وصدق خلال عملية النظم . كنت أحس التصنع يدب في ثنايا أشعاري ويلصق بها صفة الجفاف واليبوسة . ولم أكن أعرف كيف أبتعث في قصيدتي النُّسغ المفقود ، ولا من أين أستمده . كنت أنحت من صخر فعلا ، وكان هناك شيء يكبل الجيشان العاطفي في داخلي ، ويحول دون جريان التيار النفسي في قصيدتي بسهولة ويسر ، ولم أهتد إلى أصالتي إلا يوم هداني الدكتور مندور إلى أدب المهجر " 122 .
وأما الحداثيون الذين عافوا الجزالة واستمسكوا - أو كادوا - بالركاكة التي اتُّهموا بها وحُبسوا فيها 123 ؛ فأثاروا غيرهم إلى الحديث عما في مصطلح " الحداثة " من قبول لشيء من الضياع ، وما في مصطلح " القدامة " ، من مجاهدة لذلك الضياع 124 ، وإلى الحديث عما يجني به على الكلام ، اطِّراحُ الفصاحة ، من ضعف وفُسولة ، وأنه " صحيح أن ( الفصاحة ) وحدها لا تصنع فنا ، ولكن البعد عن الفصاحة - بدون صفة أخرى في الكلام - هو من الفن أبعد " 125 ، وإلى الحديث عما في استبدال فصاحةٍ حديثةٍ ، بفصاحةٍ قديمةٍ ، من فوضى إذا انفتح بابها لم يَقَرَّ للعربية قَرارٌ 126 ، وإلى الحديث عمَّن أخذ مادة شعره من معالم الحياة العادية المكررة المبتذلة ، ثم وصلها " باللغة التي كانت تصف بعر الآرام دون أن تفقد بهاءها وفخامتها " 127 ، وإلى الحديث عن وخامة عاقبة الركاكة ، فيما وجد الحساني حسن عبد الله ، في مثل قول نزار قباني :
" اَلْإسْمُ
جَميلَةُ بوحَيْرَدْ
رَقْمُ الزِّنْزانَةِ تِسْعونا
في السِّجْنِ الْحَرْبيِّ بِوَهْرانْ
وَالْعُمْرُ اثْنانِ وَعِشْرونا
عَيْنانِ كَـقِنْديلَيْ مَعْبَدْ
وَالشَّعْرُ الْعَرَبيُّ الْأَسْوَدْ
كَالصَّيْفِ كَشَلّالِ الْأَحْزانْ
إِبــْريقٌ لِلْماءِ وَسَجّانْ
وَيـَدٌ تَنْضَمُّ عَلى الْقُرْآنْ
وَامْرَأَةٌ في ضَوْءِ الصُّبْحِ
تَسْتَرْجِعُ في مِثْلِ الْبَوْحِ
آياتٍ مُحْزِنَةَ الْإِرْنانْ
مِنْ سورَةِ ( مَرْيَمَ ) وَ( الْفَتْحِ ) " .
من آثار لِلإِرْكاكِ : " منها التقرير غير المفيد ، ومنها ركاكة اللغة ، كاضطراره إلى قطع همزة الوصل في كلمة ( الإسم ) ، واستعمال الواو في قوله ( وامرأة في ضوء الصبح ) ، يريد أن يَشْدَهَنا هنا بغرابة المنظر كأنما نراه فجأة ، ناسيا أنه حدثنا من قبل عن أنثى اسمها جميلة لها عينان وشعر ويدان (...) ومنها كذب الشعور (...) ومنها رقاعة شائعة في الشعر الحر كله (...) أعني الفصل لغير ضرورة في كثير من الأحيان بين أجزاء لا تقبل الانفصال ، كالمبتدأ والخبر ، والفعل والفاعل ، والجار والمجرور ، والمضاف إليه ، ومثاله هنا وضعه كلمة ( الإسم ) في سطر و( جميلة ) في سطر " 128 .
وأما المستقبليون الذين رفضوا الجزالة والركاكة جميعا معا ، بدعوتهم إلى تفجير نظام اللغة والتفكير ، طامحين إلى ما لا يتأتى فيه لأحد تَجْزيلٌ ولا تَرْكيكٌ 129 ، فأثاروا غيرهم إلى الحديث عن علاقة الاستمساك بالأصول بالاستمساك بالحضارة ، وعن أن موقف الكاتب العربي المعاصر من اللغة ( الفصيحة ) جزء من الظاهرة الأسلوبية عنده ، وعن لزوم الإطار المرجعي 130 ، وإلى الحديث عن أن اطراح الفكر القديم بما فيه من آثار اللغة والتفكير القديمين ، ينقص من إنسانية الإنسان ويجدب من حياته ويطفئ من بصيرته 131 ، وإلى الحديث عن استيعاب نظام لغتنا وتفكيرنا العربي الخصب ، لتجارب أولئك المستقبليين التي ظُنَّتْ مارقةً منه 132 ، وإلى الحديث فيما تنشره الصحف دون رقابة ، عن اختراقٍ للقواعد اللغوية الأولية ، أقربَ إلى لعب الصبية ، منه إلى المقولة النظرية الحديثة 133 .
إنه لو صح اقتصار الركاكة على المحدثين دون القدماء ، لصح اقتصار الجزالة على القدماء دون المحدثين ؛ فلَمّا لم يصح ذاك ، كما سبق أن ذكرت عن الجاحظ في قوله : " منَ الكَلامِ الجَزْلُ والسَّخيفُ ، والمَليحُ والحَسَنُ ، والقَبيحُ والسَّمْجُ ، والخَفيفُ والثَّقيلُ ، وكلُّهُ عَرَبيٌّ " 134 - لم يصح هذا .
ثم لا حياة ولا بقاء لثقافة لم تَحْظَ مِنْ حَمَلَتِها بأولئك الثلاثة ( القداميين ، والحداثيين ، والمستقبليين ) جميعا معا ، على ألا يغفل بنوها عن تكاملهم ، وإن بدوا متناقضين ؛ فالحاضر ابن الماضي ، والمستقبل ابن الماضي والحاضر جميعا ، ثم هو أمل الحاضر ، كما كان الحاضر أمل الماضي - ولا عن السِّلْك الذي ينتظمهم في عقد ثقافة واحدة وإن بدوا مختلفين ؛ فلا انتسابَ لثقافة بحيث يقال : عربية أو عجمية ، حتى تسلم لها أصولُ نظام اللغة والتفكير ، مُسْتَمِرَّةً في الماضي والحاضر إلى المستقبل ، وما هذه الأصول إلا منهج أعمال ناظم الكلام ( إبدال الكلم للجملة والجمل للفقرة والفقر للنص والنصوص للكتاب ، وترتيبها ، والحذف منها ، والإضافة إليها ) التي يُجْزِلُها أو يُرِكُّها فيدل على مبلغ اجتهاده .