المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هَلْهَـلَةُ الشِّـعْرِ الْعَرَبـيِّ الْقَـديمِ=7


أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 10:10 AM
خاتمة
[24] يبدو البحث لقارئه ، في أمر الجَزالَةِ ( صفة الشعر العربي القديم ) والإِجْزالِ ( إخراج الشعر العربي القديم على هذه الصفة ) والتَّجْزيلِ ( الحكم على الشعر العربي القديم بهذه الصفة ) وأمر الرَّكاكَةِ ( ضِدّ الجزالة ) والإِرْكاكِ ( ضِدّ الإجزال ) والتَّرْكيكِ ( ضِدّ التجزيل ) ، أكثر منه في أمر الهَلْهَلَةِ صفةً وإخراجًا وحكمًا ، حتى إذا ما مضى فيه إلى غايته ، اطلع على أن تلك الأمور الثلاثة أمر واحد .
لقد بلغ أمر الهلهلة التي تَلَقَّبَ بها عدي بن ربيعة التغلبي الشاعر العربي القديم ، من الغموض ، أن اتُّخِذَتْ صفة قَدْحٍ مرة وصفة مَدْحٍ أخرى ، وأنِ التبست كلمات القدح والمدح متناميةً وكأنما روعي قياسُ بعضها إلى بعض ، وأَنْ ساعدتِ اللغةُ على ذلك .
ولقد يسرت قطعة عدي التي اختارها أبو تمام لباب المراثي من ديوان الحماسة ، السبيلَ إلى تحقيق أمر الهلهلة بتحقيق أمر الجزالة ( وضدها الركاكة ) التي ذكرها المرزوقي شارح الديوان ، في أبواب عمود الشعر العربي القديم التي انبنى عليها الاختيار ؛ فاتضح وقوعُ هلهلة مهلهل بينهما : من قدح فيه بها فقد عدها من الركاكة ، ومن مدحه بها فقد عدها من الجزالة .
ولما كان المرزوقي قد ترك شرح أمر الجزالة ( وضدها الركاكة ) ، وكان عبد القاهر الجرجاني قد نَعى على المحدثين الذين المرزوقيُّ واحدٌ منهم ، استعمالَهم مصطلحَ القدماء ( جزالةَ الألفاظ ) دون تحمُّل تكاليفه الثلاثة : عِلْمِ معناهُ وعِلْمِ غَرَضِهِ وعِلْمِ تَفْسيرِهِ ، أي أن يجهلوا أَمْرَ تلك المَزيَّةِ - انبغي لنا في أمر الجزالة والركاكة :
أولا : أن نبحثه عند القدماء لدى الجرجاني البعيدي القدم لدينا ، ولاسيما ما استوعبه هو عنهم .
ثانيا : أن نبحثه عند من استوعبه من المحدثين لديه القدماء لدينا والمحدثين لدينا الغائبين لديه جميعا معا .
ثالثا : أن نبحثه عند من لم يستوعبه من المحدثين لديه القدماء لدينا والمحدثين لدينا الغائبين لديه جميعا معا .
حتى إذا ما انجلى أمرهما انجلى أمر الهلهلة .
ولقد اتضح أن الجزالة ومثلها هلهلة المدح ( الخفة ) ، والركاكة ومثلها هلهلة القدح ( السخف ) عند القدماء ، صفتان نحويتان في نظم الكلام إبدالا وترتيبا وحذفا وإضافة ، تستبهمان على من يستوضحهما في غير نحو الكلام ، تكون الأولى متى انتظم قويا كالحبل المشدود لا يتيح لمستوعبه أن يقول : لو كان كذا مكان كذا لكان أفضل ، وتكون الأخرى متى انتظم ضعيفا كالحبل المُرْخى يتيح لمستوعبه أن يقول ذلك ، وشاهد الحكم الموازنة المسوَّغة بين نظمَيْ كلامين مختلفين ، أو بين نظميِ الكلام نفسه ، السالم والمغير .
ثم اتضح استيعاب قلة من المحدثين كابن رشيق والقرطاجني والأهواني والطرابلسي ، من أمر الجزالة ( وضدها الركاكة ) عند القدماء ومنزلتها من الشعر العربي القديم ، ما استوعبه الجرجاني ، كما دلت على ذلك نصوص لهم واضحة .
ثم اتضح عدم استيعاب كثرة من المحدثين ، من أمر الجزالة ( وضدها الركاكة ) عند القدماء ومنزلتها من الشعر العربي القديم ، ما استوعبه الجرجاني ، استعصت على المحاورة أسماؤهم ؛ فجمعتهم دعاوى أربعٌ ادَّعَوْها وفَنَّدتُّها :
الأولى : أَنَّ الْجَزالَةَ وَالرَّكاكَةَ مِنْ صِفاتِ الْكَلِمَةِ الْمُنْفَرِدَةِ .
الثانية : أَنَّ الجَزالَةَ ضِدُّ السُّهولَةِ والرِّقَّةِ .
الثالثة : أن التَّجْزيلَ حُكْمٌ انْطِباعيٌّّ ( ذَوْقيٌّّ ) .
الرابعة : أن الجزالة ضِدُّ الْحَداثَةِ .
[25] ومهما ذكرتُ ما تيسرت لي دراسته ، لم أفرح بأن ينسى القارئ بسَبْرِ أَمْرِ الْهَلْهَلَةِ ، فَرْقَ ما بين شعر مُهَلْهِلٍ وشعر غيره المحمول عليه المنحول إليه ، ثم فَرْقَ ما بين شعره وشعر من قبله وشعر من بعده ( موعدتي في مقدمة هذا البحث ) !
وإنني لأرجو أن أضع في إنجاز هذه الموعدة ، بحثا تاليًا أو أكثر ، والله المستعان .