أ.د. محمد جمال صقر
11-06-2012, 10:03 AM
الفصل الرابع: الْأَصْواتُ
[21] لأصوات اللغة العربية خَصائِصُ مَخارِجَ وصِفاتٌ مَضْبوطَةٌ مَعْروفَةٌ، ولأصوات كل لَهْجَةٍ من اللهجات العربية خَصائصُ مَخارِجَ وصِفاتٌ تُضْبَطْ وتُعْرَفُ، ولكلٍّ من النَّمَطَيْنِ مَجالُه، ثم هما يُكْمِلُ كلٌّ منهما الآخَرَ، إِكْمالًا طَبيعيًّا لا اضطرابَ فيه 43. ولقد كان لِتَعَلُّقِ رسم الكتابة العربي باللغة لا اللهجة غالبا، أَثَرُهُ في حفظ أصوات اللغة، ثم في تَسْريبِها إلى أصوات اللهجة 44، وهو باب الوصف بالعَقْلِ عند الناس، فأما العَكْسُ فباب الوصف بالطَّيْشِ!
[22] ولقد أصاب أصوات اللغة العربية في ورق البحث من التَّغيير، ثلاثةُ أقسام:
الأولُ = الخَلْطُ: كان برسم أصوات اللغة على نمط أصوات اللهجة.
الثاني = التَّوَهُّمُ: كان برسم أصوات اللغة على نمط مَظْنون 45.
الثالثُ = الخَلْطُ وَالتَّوَهُّمُ: كان بالجمع في رسم أصوات اللغة بين القسمين السابقين.
وهو ما يبينه الجدول التالي:
الصواب نماذج الخطأ المقدار القسم
ضننت، بداءة، امتعض، أرضه، ضنا. ظننت، بداية، امتعظ، أرظه، ظنا. 4/26{5، 13، 24، 26} = 15.38% الخلط
الظن، ظلت. الضن، ضلت. 2/26 {1، 7} = 7.69% التوهم
ضنًّا، يقتطعان. ظنا، يقطتعان. 1/26{8}= 3.84% الخلط والتوهم
[23] ربما كان من تَصديق سَتر الرسم لعَوار النطق 46، قلةُ نسبة مجموع تلك الأقسام {29.26%}، فأما زيادة نسبة القسم الأول على الآخرين، فواضحة في بيان دوام شَغْب اللهجة على اللغة. إنني لأَعْرِفُ من أحوال بعض الشعوب العربية، عَجْزَها المُسْتَحْكِمَ، عن أن تمنع عن اللغة بعضَ آثار اللهجة، وأعرف من أحوال بعض علماء اللغة وآدابها المتقنين، مثلَ ذلكَ العَجْزِ. بل قد أخذتُ على بعض قُرّاءِ القرآن، وهمُ الذين نَحْتَكِمُ في تحقيق أصوات لغتنا، إليهم – عَدَمَ تحقيق صفات بعض الأصوات!
إن الضاد في لغتنا صوتٌ لِثَويُّ المَخْرَجِ انْفِجاريُّ الصِّفَةِ (شَديدٌ) مَجْهورٌ مُفَخَّمٌ، فأما الظاء فأَسْنانيُّ المَخْرَجِ انْطِلاقيٌّ (رِخْوٌ) احْتِكاكيُّ الصِّفَةِ مَجْهورٌ مُفَخَّمٌ 47، ولكنَّ وَصْفَ علماء اللغة القدماءِ للضاد بالرَّخاوَةِ والجانِبيَّةِ، يُقَرِّبُها من الظاء بحيث يسهل تغييرُ أيٍّ منهما إلى الأخرى، حتى لقد قال ابنُ مَكّيٍّ في أهل صَقَلِّيَةَ في القرن الخامس: "لا تكاد ترى أحدًا ينطق بضاد ولا يميزها من ظاء، وإنما يوقعُ كلَّ واحدةٍ منهما مَوْقِعَها ويُخْرِجُها مَخْرَجَها، الحاذقُ الثّاقِبُ إذا كَتَبَ أو قَرَأَ القرآنَ لا غَيْرُ. فأما العامَّةُ وأكثرُ الخاصَّةِ فلا يُفَرِّقونَ بينهما في كِتابٍ ولا قُرْآنٍ " 48 وهو نَصٌّ في بعض ما تقدم، يجري على أهل عُمانَ وكَثيرٍ من شعوب البلاد العربية من قديم إلى حديث 49.
وإن الهمزة في لغتنا صوتٌ حَنْجَريُّ المَخْرَجِ انْفِجاريُّ الصِّفَةِ (شَديدٌ) مَهموسٌ مُرَقَّقٌ، فأما الياءُ فَحَنَكيٌّ صُلْبيُّ المَخْرَجِ انْطِلاقيٌّ (رِخْوٌ) غيرُ احْتِكاكيِّ الصِّفَةِ مَجْهورٌ مُرَقَّقٌ 50، ولكن منهج تسهيل الهمزة المشهور عن شعب من قبائل العرب القدماء 51، قد استولى على شطر عظيم من همزات كلمات لهجاتنا، ولا سيما ما وقع آخرها، حتى تسرب إلى لغتنا، وحتى تَجَوَّزَ فيه العلماءُ والأدباءُ 52.
لا ريب في غنى تغيير الضاد في نماذج خطأ القسم الأول، عن الاحتجاج، فأما تغيير الهمزة فيكفي فيه هنا قول الزبيدي: "زاد ابن منظور: البداءة بالكسر مهموزا، وأما البداية، بالكسر والتحتية بدل الهمزة، فقال المطرزي: لغة عامية، وعدها ابن بري من الأغلاط، ولكن قال ابن القطاع: هي لغة أنصارية " 53، وهما سواء: أن تكون لهجة حديثة، وأن تكون لهجة قديمة؛ فنحن نقول في لهجتنا الحديثة: "قراية " على منهج اللهجة القديمة، ولا نقول في لغتنا إلا " قراءة " 54، وربما زاد جرأتنا عــلى " بداية " حملها على ضدها " نهاية " أو مجانستها لها في خلال اقترانهما الكثير 55.
أما تغيير الظاء في القسم الثاني إلى الضاد، فمن التوهم الذي هو القياس الخاطئ الكبير الأثر في حــدوث اللحن (الخطأ) 56؛ إذ يقول لسان حال هذا الطالب: أنا أنطق كل ضاد ظاء، ولا حيلة إلا أن أرسم كل ظاء ضادا، فيبالغ في تَحَرّي الصواب حتى يخطئ، على طريقة الخبر الوارد فيمن قيل له: بلغني أنكم تنطقون القاف غينا والغين قافا! فقال: " أَسْتَقْفِرُ اللهَ مَنْ يَغولُ هذا؟"!
ومن باب التوهم تغيير " يَقْتَطِعانِ"؛ فإنها صيغة فعل الافتعال المضارع من القطع، قد علم راسمها ذلك، غير أنه ينطقها غافلا: " يَقْطَطِعانِ " مفخمة التاء بأثر استعلاء القاف؛ فأثبت بعد القاف الطاء، وظن أنه فرغ من طاء القطع، ثم بعد الطاء التاء، وظن أنه أدى حق الصيغة!
[21] لأصوات اللغة العربية خَصائِصُ مَخارِجَ وصِفاتٌ مَضْبوطَةٌ مَعْروفَةٌ، ولأصوات كل لَهْجَةٍ من اللهجات العربية خَصائصُ مَخارِجَ وصِفاتٌ تُضْبَطْ وتُعْرَفُ، ولكلٍّ من النَّمَطَيْنِ مَجالُه، ثم هما يُكْمِلُ كلٌّ منهما الآخَرَ، إِكْمالًا طَبيعيًّا لا اضطرابَ فيه 43. ولقد كان لِتَعَلُّقِ رسم الكتابة العربي باللغة لا اللهجة غالبا، أَثَرُهُ في حفظ أصوات اللغة، ثم في تَسْريبِها إلى أصوات اللهجة 44، وهو باب الوصف بالعَقْلِ عند الناس، فأما العَكْسُ فباب الوصف بالطَّيْشِ!
[22] ولقد أصاب أصوات اللغة العربية في ورق البحث من التَّغيير، ثلاثةُ أقسام:
الأولُ = الخَلْطُ: كان برسم أصوات اللغة على نمط أصوات اللهجة.
الثاني = التَّوَهُّمُ: كان برسم أصوات اللغة على نمط مَظْنون 45.
الثالثُ = الخَلْطُ وَالتَّوَهُّمُ: كان بالجمع في رسم أصوات اللغة بين القسمين السابقين.
وهو ما يبينه الجدول التالي:
الصواب نماذج الخطأ المقدار القسم
ضننت، بداءة، امتعض، أرضه، ضنا. ظننت، بداية، امتعظ، أرظه، ظنا. 4/26{5، 13، 24، 26} = 15.38% الخلط
الظن، ظلت. الضن، ضلت. 2/26 {1، 7} = 7.69% التوهم
ضنًّا، يقتطعان. ظنا، يقطتعان. 1/26{8}= 3.84% الخلط والتوهم
[23] ربما كان من تَصديق سَتر الرسم لعَوار النطق 46، قلةُ نسبة مجموع تلك الأقسام {29.26%}، فأما زيادة نسبة القسم الأول على الآخرين، فواضحة في بيان دوام شَغْب اللهجة على اللغة. إنني لأَعْرِفُ من أحوال بعض الشعوب العربية، عَجْزَها المُسْتَحْكِمَ، عن أن تمنع عن اللغة بعضَ آثار اللهجة، وأعرف من أحوال بعض علماء اللغة وآدابها المتقنين، مثلَ ذلكَ العَجْزِ. بل قد أخذتُ على بعض قُرّاءِ القرآن، وهمُ الذين نَحْتَكِمُ في تحقيق أصوات لغتنا، إليهم – عَدَمَ تحقيق صفات بعض الأصوات!
إن الضاد في لغتنا صوتٌ لِثَويُّ المَخْرَجِ انْفِجاريُّ الصِّفَةِ (شَديدٌ) مَجْهورٌ مُفَخَّمٌ، فأما الظاء فأَسْنانيُّ المَخْرَجِ انْطِلاقيٌّ (رِخْوٌ) احْتِكاكيُّ الصِّفَةِ مَجْهورٌ مُفَخَّمٌ 47، ولكنَّ وَصْفَ علماء اللغة القدماءِ للضاد بالرَّخاوَةِ والجانِبيَّةِ، يُقَرِّبُها من الظاء بحيث يسهل تغييرُ أيٍّ منهما إلى الأخرى، حتى لقد قال ابنُ مَكّيٍّ في أهل صَقَلِّيَةَ في القرن الخامس: "لا تكاد ترى أحدًا ينطق بضاد ولا يميزها من ظاء، وإنما يوقعُ كلَّ واحدةٍ منهما مَوْقِعَها ويُخْرِجُها مَخْرَجَها، الحاذقُ الثّاقِبُ إذا كَتَبَ أو قَرَأَ القرآنَ لا غَيْرُ. فأما العامَّةُ وأكثرُ الخاصَّةِ فلا يُفَرِّقونَ بينهما في كِتابٍ ولا قُرْآنٍ " 48 وهو نَصٌّ في بعض ما تقدم، يجري على أهل عُمانَ وكَثيرٍ من شعوب البلاد العربية من قديم إلى حديث 49.
وإن الهمزة في لغتنا صوتٌ حَنْجَريُّ المَخْرَجِ انْفِجاريُّ الصِّفَةِ (شَديدٌ) مَهموسٌ مُرَقَّقٌ، فأما الياءُ فَحَنَكيٌّ صُلْبيُّ المَخْرَجِ انْطِلاقيٌّ (رِخْوٌ) غيرُ احْتِكاكيِّ الصِّفَةِ مَجْهورٌ مُرَقَّقٌ 50، ولكن منهج تسهيل الهمزة المشهور عن شعب من قبائل العرب القدماء 51، قد استولى على شطر عظيم من همزات كلمات لهجاتنا، ولا سيما ما وقع آخرها، حتى تسرب إلى لغتنا، وحتى تَجَوَّزَ فيه العلماءُ والأدباءُ 52.
لا ريب في غنى تغيير الضاد في نماذج خطأ القسم الأول، عن الاحتجاج، فأما تغيير الهمزة فيكفي فيه هنا قول الزبيدي: "زاد ابن منظور: البداءة بالكسر مهموزا، وأما البداية، بالكسر والتحتية بدل الهمزة، فقال المطرزي: لغة عامية، وعدها ابن بري من الأغلاط، ولكن قال ابن القطاع: هي لغة أنصارية " 53، وهما سواء: أن تكون لهجة حديثة، وأن تكون لهجة قديمة؛ فنحن نقول في لهجتنا الحديثة: "قراية " على منهج اللهجة القديمة، ولا نقول في لغتنا إلا " قراءة " 54، وربما زاد جرأتنا عــلى " بداية " حملها على ضدها " نهاية " أو مجانستها لها في خلال اقترانهما الكثير 55.
أما تغيير الظاء في القسم الثاني إلى الضاد، فمن التوهم الذي هو القياس الخاطئ الكبير الأثر في حــدوث اللحن (الخطأ) 56؛ إذ يقول لسان حال هذا الطالب: أنا أنطق كل ضاد ظاء، ولا حيلة إلا أن أرسم كل ظاء ضادا، فيبالغ في تَحَرّي الصواب حتى يخطئ، على طريقة الخبر الوارد فيمن قيل له: بلغني أنكم تنطقون القاف غينا والغين قافا! فقال: " أَسْتَقْفِرُ اللهَ مَنْ يَغولُ هذا؟"!
ومن باب التوهم تغيير " يَقْتَطِعانِ"؛ فإنها صيغة فعل الافتعال المضارع من القطع، قد علم راسمها ذلك، غير أنه ينطقها غافلا: " يَقْطَطِعانِ " مفخمة التاء بأثر استعلاء القاف؛ فأثبت بعد القاف الطاء، وظن أنه فرغ من طاء القطع، ثم بعد الطاء التاء، وظن أنه أدى حق الصيغة!