المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مهارة الكتابة العربية=7


أ.د. محمد جمال صقر
11-06-2012, 10:04 AM
الفصل السادس: الْمُعْجَمُ
[27] لكل كلمة مفردة من كلمات اللغة العربية، معناها المعجميُّ الحاصل لها من جِهات:
الأولى: بِنيتها الصرفيَّة (ما صيغتْ عليه لمعناه الخاص).
الثانية: عَلاقتها بأَخَواتِ جَذرها اللُّغوي (ما اشتُقَّ معها من أصلها نفسه).
الثالثة: عَلاقَتها بأَخَواتِ مَجالها المَعنوي (ما يُستعمل مثلها في معناها نفسه).
الرابعة: عَلاقتها بأَخَواتِ سِياقها المَقالي (ما وَرَدَ معها في نصوص اللغة).
الخامسة: عَلاقتها بأَخَواتِ سِياقها المَقامي (ما وَرَدَ معها في أحوال الاجتماع).
كلُّ جِهةٍ منها تعطيها شيئا وتمنع عنها شيئا، حتى يَتَعَيَّنَ لها معنًى ينبغي لمستعملها مُراعاتُه. وما أكثر ما ضحكنا لبعض المستعربين يستعملون كلمة عربية بما علموا من إحدى جهات معناها، غافلين عن أثر الجهات الأخرى، مما يتعاظمهم ضَبْطُهُ، كما يجوز أن يضحكوا هم لبعض المستعجمين منا يفعلون مثل ذلك بكلمة أَعْجَميَّة!
[28] لقد صار معروفا أن معنى الكلمة المعجمي يتغير بإهمال مقتضى جهة من تلك الجهات السابقة عَفْوًا أو قَصْدًا، بالتَّوْسيع " أنْ يصبح عدد ما تشير إليه الكلمة أكثر من السابق، أو أن يصبح مجال استعمالها أوسع من ذي قبل " 78، أو التَّضْييق وهو عكس السابق " تحديد معاني الكلمات وتقليلها " 79، أو النَّقْل " الفرق بين هذا النوع والنوعين السابقين كون المعنى القديم أوسع أو أضيق من المعنى الجديد في النوعين السابقين، وكونه مساويا له في النوع الحالي " 80، وربما كان نمط علاقة الحديث بالقديم في النوعين الأولين، داعيا إلى قبول التغيير أو إمضائه، فأما النمط في النوع الثالث الذي كان مجال التنبيهات على ورق البحث، فكان أَدْعى إلى التَّوَقُّف والتَّبَيُّن اللَّذَيْنِ أَفْضَيا إلى إثبات نوعين من التغيير:
الأولُ = الْتِباسُ أَخَواتِ الجَذْرِ اللُّغَويِّ: وهنا يستحضر الطالب أصوات ما يريد استعماله، ولا يستحضر بنيته الصرفية اللازمة.
الآخرُ = الْتِباسُ أَخَواتِ المَجالِ المَعْنَوي: وهنا يستحضر الطالب المعنى بمفرداته التي تتعلق به، ولا يستحضر سياقَ كل مفردة اللغويَّ اللازم.
وفي الجدول التالي بيان ذلك:
الصواب نماذج الخطأ المقدار النوع
نَلْمِسُ، أَثْناء، وُجِدَ، ريّ. نَلْتَمِسُ، ثَنايا، تَواجَدَ، رُواء. 4/26 {4، 9 ، 17 ، 19} = 15.38 % التباس أخوات
الجذر اللغوي
تُعَدّ، واحدة، دَخيلة النَّفْس، مُوازَنـَة. تُعْتَبَر، مُتَشابِهة، ذات، مُقارَنَة. 6/26 {6، 8، 9، 14، 15، 22}= 23.07% التباس أخوات
المجال المعنوي
[29] لا ريبَ في رجوع زيادة نسبة التباس أخوات المجال المعنوي، إلى قوة حضور أخوات الجذر اللغوي بالذهن على وجه العموم؛ فإن بعضها عندئذ يضبط بعضا. ولكن ما في نوعي التغيير جميعا من التباس، مُنحصرٌ في الجهتين الثانية والثالثة من جهات حصول المعنى السابقة في الفقرة السابعة والعشرين، ثم هو أثر إغفال الجهتين الأولى والرابعة؛ ومن ثم نخلص إلى أن الطلاب لا يُؤْتَوْنَ من جهة مقامات الكلمات، وهو دليل ذكاء اجتماعي يمنعهم من توريط أنفسهم!
أما استعمال " نَلْتَمِسُ " بمعنى " نُحِسُّ"، بدل " نَلْمِسُ"، و" ثَنايا " بمعنى " تَضاعيف " 81، بدل " أَثناء"، و" تَواجَدَ " بمعنى " كانَ"، بدل " وُجِدَ"، و" رُواء " بمعنى " سَقْي"، بدل "رِيّ " - فلا مَساغَ له؛ إذ قد خُصَّت " نَلْتَمِس " بمعنى " نَطْلُبُ " وما إليه، و" ثَنايا " بمعنى " مُقَدَّم الأَسْنان " وغيره، و" تَواجَدَ " بمعنى " تَظاهَرَ بالوَجْد أي حزن العِشق " وما إليه، و" رُواء " بمعنى " رَوْنَق أو ماء كثير أو عَذْب " وما إليه.
هذا على رغم قول أستاذنا الدكتور أحمد مختار عمر عضو مجمع اللغة العربية: "لم ترد كلمة (تَواجُد) في المعاجم القديمة بمعنى (الوجود) – كما يستعملها المحدثون – وإنما وردت بمعنى إظهار الوجد أي الحب الشديد، ولذا يخطئها اللغويون... وعلى الرغم من ذلك فإنني أصححها، وأقبل دخولها، بل وألمح ذكاء في اشتقاقها؛ فلو أردنا أن نستخدم الفعل المجرد للدلالة على معنى الوجود لاستخدمنا المبني للمجهول وقلنا: عَلى فُلانٍ أنْ يوجَدَ.. أو قلنا: وُجِدَ فلانٌ.. لأن المبني للمعلوم منه مُتَعَدٍّ يكون الشخصُ المرادُ وجودُه متعلقًا به على سبيل المفعولية. فحين أراد المتحدث تعليق الفعل به على سبيل الفاعلية لم يكن أمامه بُدٌّ من استخدام إحدى صيغ المطاوعة (أو صيغ تحويل الإسناد من الفاعل إلى المفعول) وهي صيغ: انْفَعَلَ، افْتَعَلَ، تَفَعَّلَ، تَفاعَلَ. وقد اختار المحدثون الصيغة الأخيرة فقالوا: تَواجَدَ بالمكان، ومصدره التَّواجُدُ. ومجيء (تَفاعَلَ) في لغة العرب دون دلالة على معنى الوقوع من اثنين، كثيرٌ " 82.
إن وزن " تَفاعَلَ " الذي ظُنَّ لزومُ المطاوعة يَقيه تَعَدِّيَ الثلاثي المبني للمعلوم، يَدخُلُ إليه التَّعدي من جهات 83. بل قد ذكر أستاذنا نفسه في الصفحة نفسها قول العرب ": تَدارَكَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ"، وهو متعد؛ فلم يطمئن إلى عدم تعدي " تَواجَدَ " المخترعة. ثم إن المحدثين الذين رآهم اختاروا " تَواجَدَ " قد قالوا في لغتهم: "انْوَجَدَ " وهو من فَرَطات تَبَسُّطِهِمْ! والعجب لهم يقولون في لهجتهم: "كانَ " وهي صالحة لموضع " تَواجَدَ"، عربيةٌ عاليةٌ، ويطرحونها من لغتهم، عِفَّةً مُتَوَهَّمَةً!
وأما استعمال " تُعتبَر " في موضع " تُعَدّ"، و" مُتشابِهة " في موضع " واحِدة"، و" ذات " في موضع " دَخيلة النَّفْس"، و" مُقارَنَة " وما يشتق منها، في موضع " مُوازَنَة " وما يشتق منها 84 - فلا مَساغَ له؛ إذ " تُعْتَبَرُ ": "تُتَّخَذُ عِبْرَةً " لمن يعتبر، قال الحق – سبحانه، وتعالى! -: " اعْتَبِروا يا أُولي الأَبْصارِ " 85؛ فلا توضع في موضع " تُعَدُّ " لما بينها وبين " تُتَّخَذُ " من قرابة المجال المعنوي؛ فهذا كأنه أخذ نصف دون نصف - و" مُتَشابِهَة ": "أَطْرافٌ بينها شَبَهٌ"، قال الحق - سبحانه، وتعالى! -: " إِنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا " 86؛ فلا توضع في موضع " واحدة". وإنما وقع لهم الخطأُ مِنْ وَصْفِ مِثْلِ " كلام " بأنه مُتَشابه، ولم ينتبهوا إلى أن الكُلَّ ذا الأجزاء مِنْ مِثْلِ " كَلام"، كالجمع ذي الأفراد مِنْ مِثْلِ " كَلِم " - و" ذات ": "صاحِبَة " أضيفت إلى " الصُّدور " في قول الحق – سبحانه، وتعالى! -: "إِنَّ اللهَ عَليمٌ بذاتِ الصُّدور " 87، وإلى " بَيْن " في قوله - سبحانه، وتعالى! -: "أَصْلِحوا ذاتَ بَيْنِكُمْ " 88، فدلَّتْ على دَخيلة النفس (النِّيَّة والمَذْهَب والخَلَد والباطِن) 89، من باب الكناية بالتركيب كله؛ فلا توضع هي وحدها في موضع " دَخيلة النَّفس"، وإن راجت حتى فَتَنَتْ بعضَ العلماء 90 - و" مُقارَنَة ": "مُصاحَبَة"؛ فلا توضع موضع " مُوازَنَة". ولأمرٍ ما سَمّى بهذه الآمديُّ الجليلُ كتابَه 91.